قراءة في كتاب مقدمات لدراسة المجتمع العربي – سماح الحمود

قراءة في كتاب مقدمات لدراسة المجتمع العربي – سماح الحمود

مقدمات هشام شرابي

كتاب مقدمات لدراسة المجتمع العربي؛

للكاتب هشام شرابي.

نبذة عن الكاتب:

كاتب فلسطيني ولد في يافا في فلسطين عام 1927، أكمل دراسته للمرحلة الثانوية في فلسطين وانتقل لإكمال المرحلة الجامعية في بيروت بلبنان في الجامعة الأميركية، وتخرج منها حاملاً شهادة البكالوريوس في الفلسفة.

ثم انتقل لأمريكا فأتم دراسته للماجستير والدكتوراة وعين أستاذا لتاريخ الفكر الأوروبي في جامعة جورجتاون بالولايات المتحدة الأمريكية.

نبذة عن الكتاب:

كتب شرابي هذا الكتاب عام 1975 وهو أول كتاب يكتبه وينشره باللغة العربية.

تنبثق هذه المقدمات من محاضرات القيتها في جامعة جورجتاون في العام الدراسي 1973-1974هـ, كان موضوع هذه المحاضرات ((التغير الحضاري في المجتمع العربي)).”

يذكر شرابي أن مصادره في تأليف هذا الكتاب كانت “اتبعنا في بحثنا منهجا يجمع بين التحليل النفسي والعرض الاجتماعي .وكان منطلقنا الاساسي سلوك الفرد الاجتماعي وعلاقته بالتربية العائلية والتثقيف الاجتماعي المعبرة عن هذا السلوك وأخذنا في تحليلها الواحدة تلو الاخرى .وكانت المصادر التي اعتمدناها بادئ الامر , الجرائد والقصص والكتب المدرسية , ثم أخذنا بعد ذلك تركيب ((النماذج)) المستمدة من اختياراتنا لأنماط السلوك والقيم السائدة في مجتمعنا .وكنا نستعيد ذكريات طفولتنا ونقارن هذه الاختبارات بالمعلومات والوقائع ونستخرج منها القيم والمثل ولأهداف وأساليب التربية والتثقيف السائدة في العائلة والمدرسة

فصول الكتاب:

  • الأول: بنية العائلة في المجتمع العربي
  • الثاني: الاتكالية، العجز، التهرب
  • الثالث: الوعي والتغيير
  • الرابع: الانسان العربي والتحدي الحضاري
  • الخامس: المثقف العربي والمستقبل
  • السادس: التثقيف الاجتماعي والتلفزيون

أول فكرة لهشام شرابي والتي ذكرها في فصله الأول من الكتاب :إن أي تغيير فعلي في مجتمع ما لا يمكنه أن ينبثق إلا من صميم ذلك المجتمع ,فالتحرر الصحيح لا يمكن أن يحدث إلا من خلال عملية تحصل من قلب المجتمع .أي إن المعرفة السليمة لذلك المجتمع لابد وأن تصدر عن ذلك المجتمع نفسه.

ويذكر هشام شرابي مثال فعلي على هذه الفكرة على ذاته فيقول في مقدمة الكتاب

في جامعة جورجتاون كنت أحاضر في تطور النظريات السياسية والاجتماعية والأوروبية ابتداءاً من هيجل وانتهاءاً بسارتر , وكان عنوان المادة “تاريخ الفكر الأوروبي في القرنين التاسع عشر والعشرين ” .وبالطبع كانت الماركسية تحتل جزءا كبيرا من هذه المحاضرات بصفتها خليفة الفكر الهيجلي وملتقى تيارات الفكر الاقتصادي الانجليزي , من جهة , والفكر الإشتراكي الفرنسي من جهة أخرى .ولاقت هذه المحاضرات قبولاً حسناً بين الطلبة .

ومع أنني كنت في مطلع العام الدراسي أُعيد النظر في محاضراتي وأنقحها وأُعيد كتابة مقاطع منها، فإنني لم أغير قط تلك المقاطع المتعلقة بماركس. وكنت حتى سنة 1967 أعالج الماركسية من وجهة نظر الفكر الليبرالي الكلاسيكي، فأتناول ماركس من حيث أنه مفكر أوروبي ((آخر)) وأنقد نظريته الجدلية في ضوء ((الفشل)) الذي أصاب تنبؤاته حول حتمية إنهيار النظام الرأسمالي والشكل الذي اتخذته الماركسية في الإتحاد السوفياتي والبلدان الإشتراكية الأخرى. وهكذا بقيت أرفض الماركسية، طال سنوات عدة بشكل لا يقبل النظر .

وفي صيف 1967 أخذت في إعداد محاضراتي لفصل الخريف , ولسبب لا أدري مصدره ابتدأت بماركس. وما أزال أذكر قراءتي لماركس في ذلك الصيف! شعرت كأنني أقرأه للمرة الأولى. لم أعرف تجربة هزتني بهذا الشكل منذ قراءتي الأولى -وانا في السابعة عشرة – لنيتشه. لكن وقع نيتشه، في تلك السن، كان عاطفيا أكثر من فكريا، بينما نفذ ماركس إلى أسس تفكيري.

وكان من نتائج هذه التجربة أنها كشفت لي عن مقدرة الثقافة المسيطرة في إخضاع عقلية الفرد لقيمها وتضليله على أعمق المستويات. وشعرت أنني ابتدأت بكسر القيود الفكرية التي كبلتني، وأصبحت أسير في إتجاه فكري مستقل أستمده من قوة داخلية وليس من قوة تسيطر علي من الخارج.”

ثم بعد ذلك ذكر أن الخطوة الأولى للتحرير تكمن في التحرير الذاتي وبداية التحرير تكمن في التخلص من عبودية الفكر المسيطر.

  • التحرر الذهني (تغيير فكرة او عادة) ليس بالأمر السهل وإنما يتطلب:

  • 1- عملية غسل للدماغ , هذه العملية جذرية وطويلة المدى.

  • 2- وإعادة نظر في جميع ركائز الفكر الموروث والمستمد من الثقافة المهيمنة وإخضاعه لنقد مستمر وشامل.

يرى هشام شرابي أن نظام التعليم والتربية في المجتمعات العربية يتسم بعدة سمات:

التربية والتثقيف في العائلة وفي المدرسة إنما يهدفان إلى قولبة الفرد على النحو الذي يريده المجتمع، إن التعليم كما يجري في العائلة وخارجها يتميز بصفتين أساسيتين احداهما: التلقين وهو عكس الإقناع ،والتلقين هو الشكل الأكثر تنظيما من أشكال فرض السلطة وتثبيتها , فهو يجمع بين العقاب والتشريب (indoctrination) , وهو طريقة تعتمد على الترديد والحفظ بحيث لا يبقى مجال للتساؤل و البحث والتجريب.

والهدف من التلقين هو نقل قيم المجتمع وعاداته الثابتة في مواجهة العالم إلى صميم التركيب الذهني في الفرد.إن الفرد يتلقى نماذج متكاملة فيحولها إلى نمط سلوكي دونما تفهم أو نقد. وفيما هو يفعل ذلك يعتاد رؤية الأشياء وتقييمها بصورة تدعم نزعة الامتثال تضعف طاقة الإبداع والتجديد.

وبذلك فان طاقات الإبداع والتجديد يجري توجيهها نحو أشكال مسبقة في التفكير والتصرف، مما يساعد بدوره على تعزيز نزعة الامتثال.

والتلقين من حيث هو طريقة تسلطية في التعليم يجعل المتعلم يستجيب بإكتساب عادة الصم (أي الدراسة بالاستظهار). إن ما يدرسه الطفل بهذه الطريقة يحفظه كما هو، بمعنى إن الفرد المتعلم لا يتأثر بموضوع التعلم لأنه لا يهتم بفهمه وإدراكه بل إستنساخه وحفظه. والتلميذ المجتهد هو الذي يثبت ذاته وينال المكافأة لا بطرح الأسئلة الملائمة بل بإعطائه الأجوبة الصحيحة الملقنة. إن المعرفة في إطار كهذا تصبح بالضرورة معرفة مجردة مطلقة ليس لها سوى علاقة واهية بتجارب الحياة اليومية وبالتالي فهي ليست عملية تطبيقية.

 

ثم يذكر شرابي سمة من سمات المجتمعات العربية فيقول:

  • المجتمع في ثقافته المسيطرة يُخضع كل فرد من أفراده لعملية تربية وتثقيف هدفهما الحفاظ على النظام القائم وتأمين استمراه،
  • ومجتمعنا يحافظ على بقائه واستمراريته بالمحافظة على عاداته.

ويعقب عليها بمثال واقعي محسوس:

وقد وجدنا أن الطابع الذي يطبع جميع العلاقات الاجتماعية في العالم العربي هو طابع السلطة الفوقية. فصاحب السلطة في المجتمع ومن يمثله أو يمثل سلطته هو الذي يملك ويستفيد بينما باقي الناس ترضح وتمتثل. والكبير في مجتمعنا هو دوما الذي يتسلط ويحكم ويسيطر. فالقرارات تؤخذ من فوق بمعزل عن الأكثرية التي تشكل هدف هذه القرارات. ليس الكبير صاحب السلطة والمركز في المجتمع إلا صورة مكبرة للأب في العائلة – بتصرفاته ونظرته لنفسه وعلاقاته بمن هم دونه .إنه يجد للسلطة التي يختبرها كل منا اول ما يختبرها في العائلة قبل أن يعيشها الى آخر حياته في المجتمع .إن الإرهاب والقهر والرضوخ التي يعانيها كل منا في المجتمع هي نفسها التي عانيناها في طفولتنا وفي فترة تربيتنا وتثقيفنا .

قضية العائلة وتكوين الشخصية في اطار العائلة:

يذكر هشام شرابي ان العائلة كمؤسسة اجتماعية هي الوسيط الرئيسي بين شخصية الفرد والحضارة الاجتماعية التي ينتمي اليها وشخصية الفرد تتكون ضمن العائلة وقيم المجتمع وانماط السلوك تنتقل للفرد من خلال العائلة .

  • تماسك العائلة يتحقق بواسطة إدراج الطفل في المجتمع من خلال اعتماده على العائلة وربطه بها ودعمه إياها .
  • فهو مثلا لا يتزوج إذا كان أشقاؤه الصغار ما زالوا في المدرسة أو إذا كانت شقيقاته لم يتزوجن بعد.

وبالنسبة للفرد المرتبط عائليا بهذا الشكل لا يمثل المجتمع له سوى عالم الصراع والكفاح الذي يحاول أن ينتزع لنفسه فيه مكانا ليدعم كيانه ويدعم عائلته. والعائلة في خصائصها الأساسية صورة مصغرة عن المجتمع فالقيم التي تسودها من سلطة وتبعية وقمع هي نفسها التي تسود العلاقات الاجتماعية. إذا فتغيير المجتمع يقتضي تغيير العائلة والعكس صحيح.

ثم ينتقل للحديث عن السيطرة والنظام التربوي في المجتمعات العربية فيرى أن الأنثى يجري تمييزها عن الذكر بصورة أساسية فالذكر كسب للعائلة والبنت عبء عليها , والبنت منذ نعومة أظفارها تدفعها العائلة إلى الشعور بأنها غير ضرورية , وغير مرغوب فيها , وتعلمها على قبول وضعها كأنثى وهذا صحيح خاصة في العائلات المحافظة اكثر من غيرها .فمن المتوقع إذًا أن تتلقى البنت في أثناء الطفولة اهتماما أقل من الذي يلقاه الصبي ولكن هذا يتيح لها أن تنمو بحرية أكثر وأن تتعلم كيف تواجه المصاعب بنجاح ولذلك فهي تميل إلى النضوج أسرع وتتعلم كيف تواجه مشكلات الحياة بصورة أكثر فعالية بعكس الذكر يعد محورا لاهتمام الاسرة وبالتالي يكون أكثر تعرض للتعامل السلطوي مما يعكس -قصور في شخصيته, ولعل هذا أحد الأسباب التي تجعلها تنجح في مجابهة نظام اجتماعي يحاول سحقها باستمرار.

إن المرأة في المجتمع العربي قد لا تؤثر في الحياة العامة سوى دور محدود، ولكن أثرها الخفي في العائلة وفي علاقاتها مع الرجل كزوجة او ام او شقيقة او جدة هو إثر عميق.

أما بالنسبة لتربية الطفل داخل العائلة؛ فالعائلة لا تتيح للطفل سوى مجال ضيق لتحقيق استقلاله الذاتي ومن نتائج ذلك شعور الطفل بالعجز، فإذا حاول الطفل تسلق الدرج أو فتح الباب أو زحزحة الكرسي يجد من يقوم بهذا العمل بدلاً عنه وكذلك فهو سرعان ما يتعلم العزوف عن النشاط المستقل منظرا من الاخرين أن يقوموا بالأعمال التي يتوجب عليه القيام بها. والنظام التربوي والاجتماعي يمنع الطفل عن الثقة بآرائه الخاصة ويشجعه على قبول آراء الاخرين دون تردد او تساؤل وهذا ما ينمي في نفسه الإذعان للسلطة أي لأبيه وللشيخ وللمعلم وفيما بعد كل من هو أقوى منه أو أعلى منزلة وجاها وهو إذا كبر يتعلم أن يكون متحفظاً وألا يتخذ موقفاً حاسماً في أي موضوع، لذلك نراه يكتسب عاد ((استشارة الاخرين)) و((اخذ رأيهم)) لعجزه عن إتخاذ قراراته بنفسه.

والنظام التربوي والاجتماعي يمنع الطفل عن الثقة بآرائه الخاصة ويشجعه على قبول آراء الاخرين دون تردد او تساؤل.

مثال على هذه الفكرة ((قمع الأسئلة عند الطلاب او الأطفال في المدرسة أو عدم ترك مجال للتساؤل)) من رواية “فئران أمي حصة“:

 

الجهل بالشيء نعمة في بعض الأحيان. والطفل في لهجتنا “جاهل ونحن, الجهال ,كنا نعيش هذه النعمة ,نعمة الـلاأدري .كبرت قليلا وانشغلت بأسئلة ممنوعة .ربما لم أكن في حاجة الى إجابات لها بقدر ما كنت في حاجة الى لفظ السؤال والتحرر منه .كنت في الابتدائية .أسأل عن كل شيء. أزعجت والدتي بقبيلة أسالة ,كيف ولماذا وهل وأين ومتى . أتذكر الأستاذ مرهف السوري بعينه الجاحظتين، ينصحني بألا أكثر الأسئلة، الدينية على وجه الخصوص. يقول امتعاضا من أسئلتي انني كمن يعبث بصناديق لا يأمن أحد محتواها. “السؤال، يا بني، صندوق، وبعض الصناديق تبتلع أخرى. ما حاجتك لأسئلة كهذه؟”، يقطع أسئلتي الـــ عيب والــــ حرام على حد وصفه. وإذا ما ألححت أواصل، يقاطع:”يفتح الصندوق في أوانه!” لا أتوقف عند قوله. أسأل. يصرخ:”لَك ما بيصير!” أرفع يدي متعهدا بأن يكون سؤالي الأخير. يقذفني بقطعة طبشور :”لَك خلاص ..بدنا نشوف شغلنا !” أمسح جبيني أزيل أثر رصاصته البيضاء .يلين .يسمح لي بنفاد صبر :”آخر سؤال” أساله هل الانسان في أصله قرد , أم القرد في أصله انسان ؟تجحظ عيناه أكثر .أتبرأ من سؤالي جارتنا أمي حصة تقول إن القرد كان في الأصل إنسانا !

المراجع :

هشام شرابي , مقدمات لدراسة المجتمع العربي , الدار المتحدة للنشر , 1975.

هشام شرابي , الجمر والرماد , دار الطليعة للطباعة والنشر , 1978

سعود السنعوسي , رواية فئران أمي حصة ,الدار العربية للعلوم ناشرون منشورات ضفاف , 2015

error: المحتوى محمي