البرج العاجي للمنطق – حنة آرندت / ترجمة: فاطمة الشملان

البرج العاجي للمنطق – حنة آرندت / ترجمة: فاطمة الشملان

البرج العاجي للمنطق

هذا الفصل من كتاب (مقالات في فهم 1930-1945: التكوين، المنفى والشمولية)

حنة آرندت | ترجمة: فاطمة الشملان


يضم هذا الكتاب اثنين وثلاثين مقالة، جُمعت أغلبها من كتابات ديوي* خلال العشر سنوات الماضية. يُستثنى منها فصول التقديم التي كُتبت خصيصا لهذا الكتاب، ومقالة واحدة يعود تاريخها إلى نهاية القرن الماضي. هذه الاختيارات ممتازة وتقدم صورة متسقة لفلسفة ديوي.

ما يجعل مراجعة هذه الفلسفة صعبا للغاية هو أن الاتفاق معها أو عدمه متساو في الدرجة. كيف يمكن للمرء أن يتفق مع فلسفة تتباهى بقربها للواقع والتجربة، وهي في الحقيقة ضائعة في محاجة تجريدية لدرجة يشعر المرء، في تقييمها للتاريخ الماضي والحاضر، بأنه سعيد داخل جنة سريعا ما تتحول لسعادة واهمة؟ يؤمن ديوي جديا بأن عدم التصرف (Laissez-faire) هو مصدر كل الشرور الاجتماعية والسياسية في وقتنا (والذي يُفترض أنه السبب في اقتلاع المعرفة الاجتماعية من العلمية)؛ لكننا نتعلم حتما من خلال لمحة على أخبار صحف اليوم أو البارحة بأن من المحتمل للجحيم أن يتحقق فقط من خلال نقيض عدم التدخل، أي التخطيط العلمي. (هذا بالطبع لا يقول شيئا ضد العلم بحد ذاته.) بل حتى أحكام ديوي الرضية عن تلك الأيام السوداء من الماضي حيث كان الرجال لا يزالون عبيدا أو أتباع لهو أكثر نشازا؛ يمكن فقط لعالم عظيم قابع في برجه العاجي من المنطق أن يكون مُغيبا تماما عن فئات معينة من رجال اليوم الذين هم في حالة أسوأ بكثير من أي عبد أو تابع وُجد في السابق، ولا نحتاج أن نستحضر تطرف مصانع الموت. لقد عَمَرت معسكرات الاعتقال بعد النظام النازي وتم قبولها كجزء من النسق؛ حيث ينتمي مسجونيهم إلى فئة جديدة من البشر الذين خسروا حتى الفائدة البشرية الأولية التي يمكنهم تقديمها للمجتمع ككل، فائدة لم يُحرم منها العبد أو التابع قط.

ولكن كما أنه من الصعب الاتفاق مع ديوي، فإنه من الأصعب عدم الاتفاق معه، لأن عدم اتفاق كهذا هو عدم اتفاق مع منطق متجسد. ومن يتجرأ أو يريد فعل ذلك؟ محاجات ديوي إذا ما أخذن بتجرد، دون اسقاطهن على الواقع والتجربة، ودون تذكر للأرضية المعروفة التي تقع عليها الأسئلة الفلسفية كما تظهر أو ظهرت خلال الزمن (في الأمثال، النبوءة، المأساة، الفن، حتى أعلى التكهنات الفلسفية.) فإن تلك المحاجات عقلانية وجلية، كما لو أنه لا يمكن للمرء أن يفكر بسواها. يمكن فهم هذا التباين المذهل في المحاجة نفسها، والتي في المعنى المجرد صحيحة دائما، بينما في أساس التجربة من خلال واقعيتها التاريخية خطأ دائما، في ضوء المفهوم المركزي لديوي، والذي هو ليس مفهوم الإنسان بل مفهوم العلم. يهدف جهد ديوي الرئيسي في تطبيق المفاهيم العلمية للحقيقة كنظرية عمل على العلوم الاجتماعية. من المفترض أن يضع هذا العلوم الاجتماعية على قواعد أبستمولوجية تتقدم من منطلقها حتى تنغلق الفجوة بين العلوم الطبيعية والاجتماعية.

الغاية من هذا التوجه إنساني في الكُنه؛ يحاول بحق أنسنة العلم، أي جعل نتائجه العلمية قابلة للاستعمال في المجتمع البشري. المشكلة فقط في أن، وفي الوقت نفسه، يمسك العلم وليس الإنسان زمام المحاجة بنتيجة تُصغّر الإنسان إلى دمية عليها من خلال “تشكيل المواقف”، “تقنيات للتعامل مع الطبيعة البشرية”، أن تتقولب في عالم يتحكم به العلم. كما لو أن الإنسان لم يخترع العلم بل شبح إنساني خارق ما جهز هذا العالم لنا ونسي فقط من خلال سهو مبهم أن يحول الإنسان لحيوان علمي؛ وكأن مشكلة الإنسان في أن يتطابق ويوائم نفسه مع دقة تجريدية ما. كما لو أن يمكن للعلم أن يكون شيئا أكثر من الإنسان؛ وتبعا لذلك، كما لو أنه يمكن لفجوة كهذه بين المعرفة العلمية والاجتماعية أن تكون أكثر من تفكير آمل.

تقع الخزعبلات في أساس كل التفاؤل والتشاؤم الراديكالي، والذين يتشابهان في مفاهيمهما الأساسية للتقدم والتأخر كأخوة أعداء. كلاهما حقيقة في معنى ديوي، حيث كلاهما نظريتان عاملتان في العلوم التاريخية. كلا جذورهما مستقاة من أساطير قديمة ومبجلة لا يمكن دونها أن يُفهما أو يُقدرا. تسلم أسطورة التقدم جدلا بأن بداية الإنسان كانت الجحيم ثم مضينا قُدما إلى جنة من نوع ما؛ أما أسطورة التأخر فتسلم جدلا بأن البداية كانت الجنة ثم من ذلك الحين، بمساعدة الخطيئة الأولى ربما، أتينا أقرب فأقرب إلى الجحيم. لا يوجد شك بأن المؤرخين العظام استخدموا أسطورة التقدم في حين استخدم آخرون لا يقلون عظمة الأخرى. لكن يتوجب علينا ترك ساحات اللعب المبهجة لعلم الأساطير إذا ما أردنا أن نكون جديين فيما يخص التاريخ.

بعيدا عن هذه الاعتبارات التي تعني بديوي كفيلسوف وليس ديوي العالم العظيم، يصبح هذا الكتاب ممتازا بمجرد أن يتعامل مع تحليل الذهن العلمي وعمل التجربة العلمية. ديوي عصري هنا بشدة، في أحسن معنى للكلمة، خاصة حين يحاول ” أن يكتشف من منطلق وضع مُجرَّب للأمور الرابطة الموجودة بين مادة في حالتها الواقعية والمواضيع المنطقية للتجربة اليومية.” وحين يُظهر أن ” التجربة العصرية توسعية بما أنه يشار إليها باهتمامها المستدام بإحتماليات التجربة التي لا تزال غير مُدركة.” بمعنى آخر، ما يمكن لديوي وما يقوم به حقا هو إعطاء نوع من المنطق للذهن العلمي. وهو أمر مهم للعلم والعلماء دون شك. وذلك وحده ما يعني للفلسفة، أو حتى أحد اهتماماتها الرئيسية، السؤال المُختَلف عليه بشدة.


*هذه المقالة هي مراجعة لكتاب ديوي (مشاكل الإنسان) وهو فيلسوف وعالم تربوي أمريكي من أوائل مؤسسي المدارس التجريبية في شيكاغو، وقد اضطرت مارثا نوسوباوم في شرح تجربته التربوية في كتاب (ليس للربح: لماذا تحتاج الديموقراطية إلى الإنسانيات) الصادر مترجما عن جداول ومؤسسة ريم وعمر الثقافية في فبراير سنة 2016.

error: المحتوى محمي