أشباح في الدماغ – راماتشاندرن / ترجمة: وافي الثقفي

أشباح في الدماغ – راماتشاندرن / ترجمة: وافي الثقفي

غلاف الكتاب

غلاف الكتاب

الفصل الأول من كتاب (أشباح في الدامغ): الشبح في الداخل – نسخة PDF


       جلس في مكتبي رجلٌ تَعَلّقَ صليبًا ضخمًا مرصعًا بالجواهر يتدلى منه سلسلة ذهب. طفق يحدثني عن كلامه مع الإله، وأنه معنى هذا الكون الحق، وعن أكثر الحقائق عمقًا، التي تقف وراء المظاهر الخارجية. قال لي:”ستعرف أن الكون يَعُجّ بالرسائل الروحية إذا ما أطلقت لنفسك العنان لتسمعها”. ألقيت نظرة على سجله الطبي لألاحظ أنه يعاني من صرع الفص الصدغي منذ المرحلة الأولى للمراهقة، وهو الوقت نفسه الذي بدأ الإله يتحدث إليه. [سألت نفسي]، هل لتدينه أي علاقة بنوبات الصرع هذه؟!

         قُطِعتْ ذراعُ أحد هواة الرياضة إثر حادث دراجة نارية، لكنه ظلّ يشعر بذراع “شبحية”، وإحساس قوي بالحركة فيها، وأن بإمكانه أن يُلَوّح بذراعه –المقطوعة – في الهواء، وأن يلمس الأشياء من حوله، بل ويستطيع أن يمسك بكوب القهوة، فلو اجتذبت الكوب منه فجأة لصرخ ألمًا. [وذات مرة] صرخ منقبض الوجه؛ “آآخ” .. أشعر أن الكوب اُنتزع من بين أصابعي”.

         ظهرتْ بقعةٌ عمياء كبيرة في عين إحدى الممرضات، كانت كافية لتنغيص حياتها. لكن الأمر الذي حيرها أنها كثيرًا ما ترى شخصيات كارتونية تقفز مرحًا في تلك البقعة. نظرَتْ إلي وقد جلستُ أمامها، فكانت ترى شخصية “بغز بني Bugs Bunny” الكارتونية في حِجري، وربما رأت “ألمر فد Elmer Fudd” أو”رود رنر The Road Runner“. وفي بعض الأحيان ترى نسخة كارتونية لأشخاص حقيقيين تعرفهم.

         عانت إحدى المعلمات إثر سكتة دماغية أصابتْ نصف جسدها الأيسر بالشلل الكامل. إلا كانت تجزم أن ذراعها اليسرى لم تصب بالشلل. سألتها ذات مرة عن ذراعها التي بجانبها، فأخبرتني أنها ذراع أخيها.

         وهذا أمينُ مكتبةٍ من ولاية فيلادلفيا، أصابته سكتة دماغية من نوع آخر. فهو يشرع في الضحك دون سيطرة، ويستمر ذلك طوال اليوم، حتى يموت من شدة الضحك.

          آرثر .. ذلك الشاب الذي عاني من إصابة بالغة في الرأس إثر حادث سيارة، خُيِّل إليه بعدها أنّ شخصين آخرين أخذا مكان أبويه، ويبدوان كأبويه حقًا. ويستطيع التَعَرُّف على وجهيهما، لكنه ما يزال يشعر بأن ثمة شيء غريب. ثم أصبح يُخيّل إليه فيما بعدُ أنهما دجالان.

         لم يُصَبْ أحدُ هؤلاء بالجنون، وإحالتهم إلى طبيب نفسي مضيعة للوقت. في الواقع، لقد أصيب كل واحد منهم بتلف في جزء من دماغه، أدى إلى تصرفات غريبة في سلوكاتهم كلٌّ بحسبه. إنهم يسمعون أصواتًا، ويشعرون بأطرافهم المقطوعة، ويرون أشياء لا يراها غيرهم، وينكرون الحقائق البينة، ويدَّعون ادعاءاتٍ غريبة وقاسية على الأشخاص وعلى العالم الذي نعيش فيه، هذا مع ما يتحلون به من وضوح ومنطقية، ورجاحة عقل كرجاحة عقولنا.

         ومع أن مثل هذه الاضطرابات المُشكلة حيرت الأطباء طوال التاريخ، إلا أنها صُنفت من “الغرائب”، وسرعان ما تتكدس ملفاتها في أدراج الأطباء، ويختم عليها بخاتم النسيان. لا يلقي معظم أطباء الأعصاب بالًا لتفسير هذه السلوكات الغريبة. فمهمتهم تخفيف الأعراض وعلاج المرضى، ولا يرون ضرورةً إلى التعمق فيها أو حتى التعرف على كيفية عمل العقل. ويستحدث أطباء النفس في الغالب نظرياتٍ لتفسير المتلازمات الغريبة. فالحالة الغريبة تقتضي تفسيرًا غريبًا. وعند وجود أعراض كهذه فإن اللوم يُلقى على تنشئة المريض (الأفكار السيئة من الصغر) أو على أم المريض (التغذية السيئة). أما كتاب “أشباح في الدماغ” فإنه على النقيض من هذا الرأي. إن هؤلاء المرضى – كما سنعرض قصصهم عرضًا مفصلا – هم دليلنا إلى طريقة عمل العقل البشري: عقلي وعقلك. وبعيدًا عن حب الاستطلاع، فإن هذه المتلازمات توضح المبادئ الأساسية لكيفية عمل دماغ الإنسان وعقله في الضروف الطبيعية، وتلقي الضوء على طبيعة الجسم وعلى اللغة والضحك والأحلام والاكتئاب وغيرها من السمات الطبيعية للبشر. ألم تعجب يومًا أن ثمة طرفة مضحكة وأخرى ليست كذلك؟! وكيف أنك تصدر صوتًا عاليًا عندما تضحك؟! وكيف أنك مجبول على الإيمان بالرب؟! وكيف أنك تشعر بالإثارة عندما يمص أحدهم إصبع قدمك؟!. المفاجأة الرائعة أننا نستطيع أن نجيب- على الأقل – عن بعض هذه التساؤلات. إننا حقًا قادرون – بدراسة هؤلاء المرضى- أن نتناول الأسئلة “الفلسفية” الكبرى عن طبيعة النفس: ما الذي يجعلك، مع تغير الزمان والمكان، الشخص نفسه؟ ما الذي يولد وحدة متلاحمة لخبرات شخصية؟ ما معنى أن تختار شيئًا أو تشاء فعل شيء ما؟ والسؤال الأكثر شمولًا: كيف تستطيع خيوط البروتوبلازم الدقيقة في المخ أن تولد تجربة يمكن إدراكها؟.

         يحب الفلاسفة مناقشة أسئلة كهذه. ولم يكن بإمكاننا تناوُلُ هذه القضايا من قبل. يمكننا نقل المرضى من العيادات إلى المختبرات لنجري تجارِبَ تعيننا في معرفة البنية الداخلية لأدمغتنا. وبوسعنا أن نعرف أين توقف العالم “فرويد“، وأن نعلن “عصر علم المعرفة التجريبي” (العلم الذي يدرس كيفية تمثيل العقل للمعرفة والمعتقدات)، ونعلن كذلك “علم طب النفس والأعصاب المعرفي” (العلاقة بين اضطرابات الدماغ العقلية والجسدية)، وأن نبدأ بإجراء التجارب على طريقة بناء المعتقدات والشعور والتفاعل القائم بين الجسم والعقل وغيرها من السمات المميِّزة للسلوك البشري.

          أن تكون عالمًا في الطب لا يختلف كثيرًا – عندي – عن كونك “مُخبرًا سريًا”. لقد حاولت – في هذا الكتاب – أن أُعَرّفكم معنى الغموض الذي يكتنف المساعي العلمية، وأن تشاركوني تلك الحملات التي نطلقها محاولين فهم عقولنا. تبدأ كل قصةٍ بمريض لديه أعراضٌ يتعذر فهمها – على ما يبدو لنا – أو سؤال كبير عن طبيعة البشر، فمثلًا لم نضحك؟ أو لم نحن معرّضون لخداع الذات؟. ثم نتقدم خطوةً خطوة عبر تسلسل معين للأفكار، هو المنهج الذي أتّبِعه في التعامل مع هذه الحالات.

         أزعم أنني استطعت أن أفك رموز هذا اللغز. أما في حالات أُخَر – كما هي في فصل “الرب” – فما تزال الإجابة القاطعة محيرة. ولدينا شعور أن هذه الإجابة قاب قوسين؛ الأمر الذي يهلب شعورنا أكثر وأكثر. وسواءٌ انتهت القضية أم لم تنته، فسأنقل لكم روح المغامرة العقلية التي تصاحب هذه المساعي، وتجعل علم الأعصاب أكثرَ العلوم تشويقًا. وكما قال “شيرلكهولمزلواتسن[1]:”ماتزال اللعبة قائمة”.

         تأمل في حالة “آرثر” وهو يعتقد أن أبويه شخصان مخادعان. قد ينتهي الأمر ببعض الأطباء إلى أنه مجنون ليس إلا. وهذا بالفعل هو أكثرُ التفسيرات شيوعًا في الكتب لمثل هذه الاضطرابات. أما أنا فأستطيع الكشف عما أصابه بكل دقة ويُسْر، وذلك بعرض صور لأشخاص مختلفين مع قياس درجة التعرق عنده (مستخدمًا جهاز كشف يشبه جهاز كشف الكذب). وهذا موضوع كثيرًا ما يتكرر في هذا الكتاب: فنبدأ بمجموعة من الأعراض الغريبة والغامضة كي نصل في نهاية المطاف – على الأقل – إلى تفسير منطقي مُرْضٍ للدوائر العصبية في مخ المريض. ونحن إذْ نفعل ذلك لا نقف على أشياء جديدة تتعلق بعمل المخ فحسب، بل نفتح في الوقت نفسه أبوابًا للبحث في اتجاهات متعددة.

         وقبل أن نبدأ، أعتقد أن من الأهمية بمكان أن تفهم منهجيَ العلمي، ولِمَ أنساق وراء الحالات الغريبة. عندما أُلقي محاضرة على عوام الناس في أنحاء البلاد، يراودني سؤال واحد:”هل سيأتي ذلك اليوم الذي يُجْمِع فيه العلماء على نظرية موحدة تُفَسّر عمل المخ؟” فهناك نظرية أنشتاين النسبية العامة، وهناك قانون الجاذبية العام لنيوتن في الفيزياء، إذًا لِمَ لا يكون هناك نظرية تفسر مخ الإنسان؟. في نظري، لم نصل إلى المرحلة التي تجعلنا نأتي بنظرية شاملة للعقل والمخ. فكل علم من العلوم يمر بتجارب مبدئية أو مرحلة تقودها ظواهر معينة –يحاول المهتمون فيها استخلاص قوانينها الأساسية – قبل أن يصلوا إلى مرحلة النظريات المتطورة. تأمل في تطور أفكار الكهرباء والمغناطيس. مع أن الناس استعملوا “حجر المغناطيس” و”وقضيب المغناطيس” في صنع “البوصلة” دون أن يكون هناك فكرة واضحة، إلا أن العالم الفيزيائي مايكل فاراداي – في العصر الفيكتوري – كان من أوائل الذين درسوا المغناطيس دراسةً علمية. فقد قام بتجربتين يسيرتين كان لهما نتائج مذهلة. ففي إحدى التجارِب – يمكن أن يجربها طالب مدرسة الآن – وضع قضيبَ مغناطيس خلف ورقة، ثم ذَرَّ برادة الحديد على سطح الورقة، فوجد أن برادة الحديد تنتظم تلقائيًا مع خطوط القوة المغناطيسية (فكانت أول مرة تثبت فيها “الحقول” في الفيزياء). أما في التجربة الثانية، فقد حرك فاراداي قضيب المغناطيس ذهابًا وإيابًا في وسط لفة أسلاك معدنية، وإذْ بتيار كهربائي يتولّد داخل الأسلاك المعدنية. فكان لهذه الأدلة أثرها الكبير في وضع علاقة بين المغناطيس والكهرباء وهي المرة الأولى. وبقيت تفسيرات فاراداي لهذه التأثيرات تفسيرات نظرية. إلا أن تجاربه هيأت الأجواء لظهور معادلات الموجات الكهرومغناطيسية الشهيرة للعالم “كلارك ماكسويل” بعد عدة عقود من الزمن، وهي الصيغ الرياضية التي تُعَدّ أساسًا للفيزياء الحديثة.

         ما أريد توضيحه هنا أن علم الأعصاب ما زال في مرحلة “فاراداي” ولمّ يصل إلى مرحلة “ماكسويل” بعد، وليس هناك فائدة من محاولة تخطي تلك المرحلة. أتمنى لو كنت مخطئًا، فليس ثمة مشكلة في محاولة صياغة نظرية معتمَدة تفسر هذا المخ، ولو لم نفلح في ذلك (فالكثير ما زال يحاول). وأرى أن أفضل طريقة للبحث ما يمكن أن يغلب عليه طابع “التلاعب”. يَعْجَبُ كثير من الناس عندما استخدم هذه الكلمة، وكأن الواحد منا لا يمكنه أن يأتي بعلم متقن عن طريق التلاعب بالأفكار مستعينًا بنظريات شاملة توجه حدسه. وهذا ما كنت أقصده بالفعل (فحدس المرء ليس خبط عشواء، بل تقوده الفطرة).

         إن اهتمامي بالعلم قديم كل القدم. لما بلغت الثامنة أو التاسعة من عمري، بدأت أجمع الأحافير والأصداف، فأصبحت مفتونًا بتصنيف الكائنات وتطورها. أنشأت بعد ذلك مختبرًا كيميائيًا تحت دَرَجِ منزلنا. وطالما استمتعت بمشاهدة أزيز برادة الحديد وهي تتفاعل مع حمض الهيدروليك، وسماع فرقة الهايدروجين عندما أوقد عليه النار (كان الحديد يُستبدل بالهيدروجين في حمض الهايدروكلوريك مكونًا كلوريد الحديد والهايدروجين). جمال الفكرة هنا أن بإمكانك تَعَلُّمُ أشياء كثيرة من تجارب غير معقدة وأن كل شيء في الكون قائم على تفاعلات مشابهه. ما أزال أتذكر تلك اللحظة  التي ذكر فيها معلمي تجربة “فاراداي” اليسيرة، ومنذ ذلك اليوم استهوتني فكرة “إنجاز الكثير بالقليل”، وقد تركت هذه التجارِب في نفسي نفورًا دائمًا من تلك الأجهزة باهضة الثمن، وأدركت عدم ضرورة تلك الآلات المعقدة لإحداث ثورة علمية، فكل ما تحتاجه حدسٌ سليم.

         هناك منهجية أخرى أختص بها، وهي أن “الاستثناء” يجذبني أكثر من “القاعدة” في كل علم أدرسه. فطالما عجبت – وأنا في المرحلة الثانوية – كيف أن اليود هو العنصر الوحيد الذي ينتقل عند تسخينه من الحالة الصلبة إلى الحالة الغازية مباشرة دون أن يذوب ويصبح سائلًا. كنت أعجب أيضًا من الحلقات التي تحيط بكوكب زحل دون غيره من الكواكب؟ ولِم الماء، دون غيره من السوائل، يتمدد عندما يصبح جليدًا؟ في حين أن السوائل الأخرى تتقلص عندما تتجمد. لم لا يوجد جنس مميز عند بعض الحيوانات؟ كيف يستطيع الشرغوف (فرخ الضفدع) أن يُنبت طرفًا مكان طرفه المقطوع، ولا يستطيع الضفدع كامل النمو فعل ذلك؟ هل السبب أنه غير كامل النمو أو لمجرد أنه شرغوف؟ ماذا سيحدث لو أخّرت مراحل التحول عند الشرغوف وذلك بمنع نشاط هرمونات الغدة الدرقية ليكون شرغوفا هرمًا؟ (نستطيع فعل ذلك عن طريق وضع قطرات من الثوراسيل في الحوض المائي للكائن). هل سيقدر هذا الشرغوف الهرم على تعويض طرفه المقطوع؟ ( عندما كنت طالبًا، كان لي بعض المحاولات الضعيفة للإجابة عن هذا التساؤل، وحسبما أعرف لم نصل إلى الآن إلى إجابة هذا السؤال).

         إن التعامل مع هذه الحالات – بطبيعة الحال – ليست هي الطريقة الوحيدة، أو الفضلى – لدراسة العلم. نعم هي طريقة ممتعة، لكنها لا تروق كلَّ أحد. لقد لازمني حب الأشياء الغريبة منذ الصغر، واستطعت لحسن الحظ أن أجعلها تصب في مصلحتي. يزخَر طب الأعصاب السريري – على وجه الخصوص –  بحالات من هذا القبيل. إلا أن المؤسسات الحاكمة أعرضت عنها، فهي لا توافق ما أَلِفُوه من معرفة. إن هذه الحالات – في الواقع – لؤلؤ مكنون يترقب زمانه، وهذا ما يزيدني فرحًا.

         فعلى أولئك المشككون في العلاقة بين الجسم والعقل، مثلا، أن يتأملوا في الاضطرابات المتعددة للشخصية. فيَذْكرُ بعض الأطباء السريريين أن بإمكان المريض أن “يغير” تركيبة عينه تغييرًا حقيقيًا حينما يتوهم أنه شخض آخر. فيصبح المصاب بقصر النظر مصابًا بطول النظر، ويتحول لون عين المريض من الأزرق إلى البني، بل ويتغير التركيب الكيميائي للدم مع تغير شخصيته (فيكون مستوى جلكوز الدم عاليًا مع إحدى الشخصيات وطبيعيًا مع الأخرى). وهناك حالات ابْيَضَّ فيها شعرُ المريض بين عشية وضحاها جراء صدمة نفسية، وحالات أُخَر لراهبات ظهرت على راحة أيديهن ندباتٌ إثر نشوة اتصالهن بالمسيح. ومن العجيب أن هذه الحقائق لم يتبيّن بعدُ حقيقتها من زيفها حتى بعد ثلاثة عقود من البحث. أمَا وقد علمنا أن ثمة شيء ما يجري حولنا، فلِمَ لا ننظر في هذه القضايا نظرة فاحصة؟ هل هذه الظواهر شبيهة بـــ”الاختطافات الخارجية” أو أنها من قبيل خدع “ثني الملاعق[2]“، أو أنها انحرافات حقيقية – كما هو الحال في الأشعة السينية أو التحولات البكتيرية – التي ستقود النماذج الفكرية والثورات العلمية يومًا ما.

         أنا شخصيًا أميل إلى الطب، ذلك العلم الذي يكتنفه الغموض، وسبب ذلك طريقة شيرلك هولمز في البحث التي أعجبتني كثيرًا. إن تشخيص مشكلة المريض يظل فنًا وعلمًا على حد سواء، تشترك فيه قوة الملاحظة والبصيرة وكل الحواس البشرية. تذكرت طبيبًا يدعى (ك. ف. ثيروفينقادام)، كان يعلمنا تشخيص المرض عن طريق شم رائحة المريض فقط. فالمصاب بالسكري غير المعتمد على الأنسولين تفوح منه رائحة طلاء الأضافر الزكية نوعا ما. ورائحة الرغيف المخبوز  حديثًا تدل على مرض حمى التيفوئيد. أما الرائحة المنتنة للجعة (البيرة) فتنمُّ عن مرض داء الخنازير (سل الغدد اللمفاوية). أما رائحة الحصبة الألمانية فتشبه رائحة ريش الدجاج عند نتفه. وينبعث من خراج الرئة رائحةُ عَفَن.  وتشير رائحة المريض التي تشبه رائحة منظفًا يدعى “وندكس” الشبيه بالأمونيا إلى وجود خلل في الكبد. (وربما يضيف طبيب الأطفال على هذه القائمة من الروائح رائحة عصير العنب عند وجود التهاب “الزائفة Pseudomonas” وهو ضرب من الجراثيم يصيب الأطفال، وكذلك رائحة تعرق القدم لمرضى “احمضاض الدم الإيزوفاليريكي Isovaleric Acidemia). وكان يطلب منا الطبيب “ثيروفينقادام” أن نتفحص الأصابع جيدًا، فالتغيير الطفيف بين أسفل الظفر والإصبع يُنْذِر بقدوم سرطان الرئة الخبيث قبل أن تظهر علاماته السريرية المشؤومة بوقت طويل. وما يلفت الأنظار أن هذه العلامة – تسمى “تعجز الأصابع Clubbing – تختفي فورًا بعد أن يزيل الجراح الورم السرطاني قبل أن يبرح المريض مكان العملية. غير أننا – حتى اليوم – لا نعلم لم يحدث هذا. وهذا معلمٌ أخر – وهو بروفيسور في علم الأعصاب – كان يُصرّ على أن نُغمض أعيننا ونشخص مرض الشلل بالاستماع إلى وقْع أقدام المريض. فالمريض يتميز بأنه يجر قدميه سحبًا وهو يمشي. وطريقة التحري هذه في الطب السريري فنٌّ يكاد يندثر في عصر طب التقنية المتقدم، لكنها تعزز شيئا في داخلي. فالملاحظة الجيدة وسماع المريض ولمسه، نعم .. حتى شم رائحته، تقود المرء إلى تشخيص معقول يمكنه بعدها أن يتحقق من ذلك بالفحص المخبري.

         أخيرًا، على الطبيب دائمًا، عند الكشف عن المريض والتعامل معه، أن يضع نفسه مكان المريض. ولم أزل أعجب من شجاعة كثير من مرضى عيادتي وثباتهم، بل إن البلاء ذاته ينعش حياة المريض ويعطيه معنى آخر لها. ومع أن كثيرًا من قصص المرضى التي سنعرضها ممزوجةٌ بالحزن، إلا أنها قصص انتصار الروح البشرية على البلاء، وأن هناك تيارًا خفيًّا من التفاؤل. فمن ذلك مريضٌ – وهو طبيب أعصاب من نيويورك – أحسّ، دون سابق إنذار، بنوبات صرعٍ منشؤها الفص الصدغي الأيمن، أقلقته بلا شك. غير أن شيئًا ما أدهشه وحيره في الوقت ذاته، فهي أول مرة في حياته يجد نفسه مفتونًا بالشعر، فبدأ يفكر في القصائد، ويتلفظ بكلام مسجوع. وذكر أن هذا التوجه الشعري قد وهب له أملًا جديدًا في الحياة وإنعاشًا في وقت بدأ التعب يدب إلى جسده. هل يمكن أن نستنتج من هذا المثال أننا جميعًا شعراء لم تكتمل موهبتنا كما يؤكد ذلك كثير من الهندوس الروحيون أو المتصوفون؟ هل نملك إمكانات لنظم الشعر، لم تستثمر بعد، تتوارى في طيات الجزء الأيمن من المخ؟ وإن كان ذلك حقًا فهل من طريقة لإطلاق هذه القدرات بعيدًا عن نوبات الصرع؟

قبل أن نذهب إلى المرضى، ونكشف تلك الخرافات، وننظر في نظام العقل، أودّ أن أذهب بكم في جولة إرشادية قصيرة في مخ الإنسان؛ أَعِدُكم أن أُوجز فيها. إن هذه المعالم التشريحية ستساعدكم في استيعاب كثير من التفسيرات الجديدة لتصرفات مرضى الأعصاب. ومن البديهي – هذه الأيام – أن نعرف أن مخ الإنسان من أكثر أشكال المادة انتظامًا وتعقيدًا في الكون. وهذا حكم واقعي. فإذا ما اجتززت جزءًا من المخ – من الطبقة الخارجية الملتفة مثلا – التي تسمى المنطقة الخلفية للقشرة، ودققت النظر فيها تحت المجهر، سترى أنها مكونة من “خلايا عصبية Neurons” (الوحدة الوظيفية الأساسية للجهاز العصبي) حيث يكون تبادل المعلومات. ويحتوي المخ الطبيعي – عند الولادة – على مئة مليون خلية عصبية وأكثر، يقل عددها مع الكِبر.

 تتكون كل خلية عصبية من جسم الخلية وعشرات الآلاف من تفرعات دقيقة تسمى الزوائد المتشجرة Dendrites، وظيفتها تلقي المعلومات من الخلايا العصبية الأخرى. ولكل خلية عصبية محور عصبي رئيس Axis (نتوء يمتد لمسافات طويلة في المخ) مهمته إرسال البيانات من الخلية، وتقوم أطرافه بالتواصل مع الخلايا الأخرى.

انظر إلى الشكل (1.1)، ستلاحظ أن الخلايا العصبية تتصل مع خلايا عصبية أخرى في

(الشكل 1. 1)

 ش

نقطة تسمى “الوصلات العصبونية Synapse“. تشقُّ كلُّ خلية عصبية طريقها في كل اتجاه عبر ألف وصلة عصبونية إلى عشرات الآلاف من الوصلات لتتصل بالخلايا العصبية الأخرى. وقد تكون هذه الوصلات مفتوحة أو مغلقة، مهدئة أو منشطة. أي أن بعض الوصلات تطلق عصارة لتنشيط العمليات العقلية، في حين تطلق وصلات أُخَرَ عصاراتٍ من شأنها تهدئة الأوضاع في المنطقة. وكل هذا التحرك تحركٌ مستمر في تعقيد مذهل. إن جزءًا صغيرًا من مخك بحجم حبة الرمل قد يحتوي على مئة ألف خلية عصبية، ومليوني محور عصبي، وبليون وصلة عصبونية، في نظامٍ “يتحدث” فيه كل واحدٍ إلى الآخر. وعلى ضوء هذه الأعداد فقد قُدّر عدد التفاعلات في المخ – تبادل الأنشطة وتكوينها الممكن نظريًا – بمقدارٍ يتجاوز عدد الجزئيات الأولية في الكون كله. فكيف يمكننا – مع تسليمنا بهذا التعقيد – البدء في محاولة فهم وظائف المخ؟ مما لاشك فيه أن فهم تركيب الجهاز العصبي ضروري لفهم وظائفه. ولهذا سأبدأ باستعراضٍ موجزٍ لتشريح المخ، مبتدءًا بالجزء العلوي من الحبل الشوكي حتى نصل إلى هدفنا. يرتبط أعلى الحبل الشوكي – النخاع المستطيل Medulla Oblongata – بالمخ، ويحوي مجموعة من الخلايا أو النّوى (جمع نواة) تتحكم بالوظائف الحيوية الأساسية، مثل ضغظ الدم، ومعدل نبضات القلب، والتنفس. ويرتبط النخاج بالجسر العصبي Pons، يَمُدُّ أليافًا تصل إلى المخيخ Cerebellum وهو تركيب بحجم قبضة اليد في مؤخرة المخ يُعين على أداء حركات متناسقة.

         ويوجد، فوق هذا كلِّه، نصفا المخ الكبيران – وهما على شكل ثمرة الجوز – وينقسم كل نصف إلى أربعة فصوص (lobes): الفص الجبينيfrontal ، والفص الصدغي temporal، والفص الجداري parietal، والفص القذالي occipital (عظم القفا). وسنتطرق إلى كثير من تفاصيلها في الفصول القادمة (الشكل 1. 2).

       

(الشكل 1. 2)

 شش

يتحكم كل نصف بحركة العضلات (مثل عضلات الذراع والقدم) في الجانب المقابل للجسم. فنصف مخك الأيمن يجعلك تُلَوّحُ بيدك اليسرى، ونصف مخك الأيسر يجعلك تركل الكرة بقدمك اليمنى. وهناك حزمةُ أليافٍ تسمى “الجسم الثّفَني Corpus Callosum” تربط ما بين نصفي المخ. فلو قُطِعتْ هذه الحزمة لما استطاع نصفا المخ أن يتواصلا، ولأسفر ذلك عن متلازمة مرضية يتبين معها الدور الذي يؤديه كل نصف من المخ. وتمثل “قشرة الدماغ Cerebral Cortex” الجزء الخارجي في كلٍ من نصفي المخ: طبقة من الخلايا رقيقة وملتفة، على صورة أخاديدَ صغيرة تَستَدِقّ كلما اتجهت للداخل – مثل زهرة القرنبيط – وتتكدس تكدسًا كبيرًا داخل الجمجمة.

         وفي وسط المخ يوجد “المهاد البصري Thalamus“. ويعتقد الأطباء أنه تكوّن قبل قشرة المخ، وهو بمنزلة “محطة إعادة إرسال”. فمعلومات الحواس جميعها – عدا حاسة الشم – تمرّ عبر هذه المحطة قبل أن تصل الغطاء القشري الخارجي. وتقع “العقد القاعدية Basal Ganglia” بين المهاد البصري وقشرة المخ (تسمى بأسماء كثيرة منها البَطامية أو الذنبية). أخيرًا، يقع أسفل المهاد البصري ما يسمى “ما تحت المهاد: هايبوثالاماس Hypothalamus“. ويبدو أنه مسؤول عن تنظيم عمليات الأيض – وهي عمليات البناء والهدم في الخلايا – وإنتاج الهرمونات والتحكم بالعديد من الغرائز الرئيسة كالعِدائية والخوف والجنس.

         وقد عُرِفَت هذه الحقائق التشريحية منذ وقت طويل، إلا أننا لا نعرف كيف يعمل المخ حتى الآن. وانقسمت نظريات تفسير عمل المخ إلى طرفين متنافرين – النظرية الجزئية والنظرية الكلية – وما زال الفكر يتأرجح بين هذين القطبين ذهابًا وإيابًا طوال الثلاث مئة سنة الماضية. ويعتقد مؤيدو النظرية الجزئية أن كل جزء من المخ خُصّ بمهارات عقلية معينة. فهناك جزء اللغة، والذاكرة، والقدرات الرياضية، وآخر لتمييز الأوجه، بل ربما اختص جزء بالتعرّف على صفة الخيانة في الأشخاص. ويحاول مؤيدو هذه النظرية كذلك إثبات أن كلّ جزء مستقلٌ في وظيفته إلى حد بعيد. فيؤدي كل جزء مهمته الخاصة – كالحساب مثلا – ثم يرسلها كتلة واحدة إلى الجزء الآخر دون أن يكون ثمة تفاعل كبير بينهما.

         وفي الناحية الأخرى يقف مؤيدو النظرية الكلية. وهي نظرية تشبه كثيرًا ما يسمى هذه الأيام “الاتصالية Connectionism“. وتحاول هذه المدرسة الفكرية إثبات أن وظائف المخ تعمل مجتمعة ولا يختلف جزء عن الأخر. وما يؤيد هذه النظرية أن أجزاءًا كثيرة في المخ، وبخاصة المناطق القشرية، يمكن أن تقوم بمهام متعددة. فيقول مؤيدو هذه النظرية أن كل جزء متصل بالآخر، ودراسة كل جزء على حدة مضيعة للوقت.

         لقد تعلمت من تعاملي مع المرضى أن وجود رأي من الآراء لا يعني بالضرورة إقصاء الرأي الآخر. وأن المخ بتركيبته الديناميكية يمكن تفسيره بكلتا النظريتين. وأن كل أجزاء المخ تتفاعل تفاعلًا معقدًا. ويمكننا أن نلمس عظمة ما حَظي به الإنسان من قدرة، إذا ما سلّمنا بكافة الاحتمالات، وانفلتنا من حبال التعصب لإحدى النظريات، وابتعدنا عن تحديد مكان لكل وظيفة في المخ. إن من الأنفع – كما سيأتي – أن نتعامل مع كل مشكلة فور ظهورها دون التشبث برأي واحد.

         إن كل رأي بصورته المتطرفة يعد نوعًا من السخافة. قسْ على ذلك، مثلا، أن تشاهد البرنامج التلفزيوني “بَيْ ووتش”. أين هذا البرنامج تحديدًا؟ في الفسفور المضيء على الشاشة؟ أم في أنبوب الأشعة المهبطية (الكاثود)؟ هل هو في الموجات الكهرومغناطيسية المنطلقة في الهواء؟ أو أنه على الشريط السينمائي أو شريط الفيديو في قاعة التصوير؟ أو ربما في آلة التصوير الموجهه إلى الممثلين في مسرح الحدث؟.

         يعرف كثير من الناس مباشرة أن هذه أسئلة عقيمة لا طائل من ورائها. وستجرك هذه الأسئلة إلى أن تقول إن هذا البرنامج ليس له مكان معين (ليس هناك جزء خُصَّ به البرنامج). إننا جميعًا ندرك أن مكانه ليس على سطح القمر، ولا في قطتي، ولا على الكرسي الذي أجلس عليه (مع أن الموجات الكهرومغناطيسية قد تمر بهذه الأماكن). إن اشتراك الفسفور أو أنبوب الأشعة أو الموجات الكهرومغناطيسية أو الشريط السينمائي أو شريط الفيديو في هذا الحدث أمرٌ بَيّن.

         يوضح هذا المثال حقيقة البرنامج التلفزيوني، وعلينا أن نبدل فكرة “تحديد المكان” إلى فكرة “معرفة الكيفية” التي يعمل بها المخ. إن من الواضح كذلك أن النظر في أنبوب الأشعة المهبطية وقاذف الإلكترونات يدلك على الطريقة التي يعمل بها التلفاز، وكيف يُلتَقَط هذا البرنامج تحديدًا عند بثه على الهواء، في حين أن دراسة الكرسي الذي تجلس عليه لن يجديك نفعًا. لكنْ ليس خطأً أن تنطلق من مبدأ “تحديد المكان” بما أنك عرفت أن هذا المبدأ لن يجيب عن كل تساؤلاتك.

إذًا .. يتعلق الأمر بقضايا المخ المثيرة للجدل: أللغة مكان معين؟ أيُعدّ اللون تَصَوّرًا؟ ماذا عن الضحك؟. متى ما فهمنا هذا السؤال فهمًا جيدًا فإن السؤال عن تحديد المكان سيصبح أقل أهمية من السؤال عن “الكيفية”. ويؤيد عددٌ كبيرٌ من الأدلة التجريبية فكرةَ تخصيص أجزاءٍ من المخ بقدرات عقلية متنوعة. إن السر الحقيقي وراء إدراك ماهية المخ لا يَكْمن في معرفة تركيب كل جزء ووظائفه، بل في معرفة كيفية تفاعل هذه الأجزاء بعضها مع بعض مكونةً قدرات تُمَثّل الطبيعة البشرية.

         وهنا يظهر أولئك المرضى ذوو الحالات العصبية الغريبة. فمثلًا ذلك السلوك الشاذ لكلب لا ينبح عندما تُرتكب جريمة ما، أخذ منها “شيرلك هولمز” دليلًا على معرفة الذي دخل المنزل ليلةَ ارتكاب جريمة القتل. على غرار ذلك فإن تصرفات هؤلاء المرضى الغريبة يمكن أن تساعدنا في معرفة كيف أن أجزاء المخ المتنوعة تصور العالم الخارجي تصويرًا مفيدًا وأنها تصور النفس تصويرًا لا يتغير بحسب الزمان أو المكان.

         حتى تستوعب هذه الطريقة العلمية، تأمل في هذه الحالات المتنوعة من الدراسات السابقة لعلم الأعصاب وما فيها في عبر.

         قبل أكثر من خمسين سنة، دخلت امرأةٌ في منتصف عمرها عيادةَ عالم الأعصاب “كيرت قولدستين” الشهير بمهارته القوية في التشخيص. بدت المرأة طبيعية، وتتحدث بطلاقة. في الواقع لم يكن لديها أي مشكلة. لكنها اشتكت شيئًا في غاية الغرابة: أحيانًا تنفلت يدُها اليسرى تجاه حلقها محاولةً خنقها، وعليها في كل مرة أن تحاول السيطرة بيدها اليمنى على اليسرى لتبقيها إلى جانبها، بالضبط مثل حالة الطبيب “سترينج لوف” كما وصفها “بيتر  سيلير“. بل كانت في بعض الأحيان تضطر إلى الجلوس على تلك اليد “السفاحة” التي تريد قتلها.

         ليس غريبًا أن يحكم عليها طبيبها بالمرض العقلي أو الهستيري. لذا أُحِيلتْ إلى عدة أطباء نفسيين لعلاجها. فلما يئسوا من حالتها جِيئَ بها إلى “قولدستين” الذي ذاع صيته بسبب تشخيصه الحالات المستعصية. فبعد أن أجرى “قولدستين” كشفًا على المرأة تأكد الأمر عنده – عن قناعة – أنها ليست مريضةً مرضًا نفسيًا، وليس هنالك خلل عقلي أو جنون. فهي لا تعاني أعراضًا عصبية واضحة كالشلل أو ارتكاسات مفرطة. فخَلُص إلى أن المرأة – كما هو الحال عندنا جميعا – لها نِصْفا مخ، لكل نصف مهام مختلفة، ويتحكم بحركات الجانب المقابل في الجسم. وأن نصفي المخي يتصلان بحزمة ألياف تدعى “الجسم الثَّفَني”، تتيح لها التواصل والتزامن. لكن يبدو أن نصف المخ الأيمن لدى المرأة (الذي يتحكم بيدها اليسرى) يميل إلى العدائية، وهو ما يفسر رغبتها في قتل نفسها. ولعلّ جزء المخ الأيسر كبَت هذه الرغبة بادئ الأمر. وبحسب تقدير “قولدستين“: لو أنها أصيبت في الجسم الثفني جَرّاءَ السكتة الدماغية لما استطاعت إيقاف هذا الكبت. فأصبح للجانب الأيمن من مخها و يدها السفاحة الحرية في محاولة خنقها.

         إن هذا التفسيرَ أقربُ للصواب خلاف ما يبدو لنا، فإن نصف المخ الأيمن – كما هو معلوم – عاطفيٌ متقلبٌ أكثر من النصف الأيسر. إن المصابين بسكتة دماغية في الجزء الأيسر من المخ غالبًا ما يكونون قلقين أو مكتئبين أو متوجسين من تعافيهم من المرض. والسبب في ذلك، على ما يبدو، أنه بعد إصابة الجزء الأيسر بالسكتة الدماغية فإن الجزء الأيمن يأخذ على عاتقه كلَّ شيء. في المقابل، أولئك الذين أُصيب عندهم النصفُ الأيمن يميلون إلى عدم الاكتراث بما حل بهم، لأن النصف الأيسر لا يتحمل مسؤولية العواطف.

         لما توصل قولدستين إلى هذا التشخيص، بدا الأمر وكأنه ضرب من “الخيال العلمي Science Fiction“. ولم يمضِ وقتٌ طويل على تلك الزيارة حتى جاء خبر وفاة المرأة المفاجئ، ربما من سكتة أخرى ( لا.. لم تخنق نفسها). لقد أزاح تشريح جثة المرأة ما كان يُساور قولدستين من شكوك، ذلك أنه قبل ظهور سلوكها “الخانق” أصابتها سكتةٌ دماغية قوية في الجسم الثفني فلم يعد النصف الأيسر من المخ يتصل أو يتحكم بالنصف الأيمن. وهذا يوضح أن كل نصف قد خُص بأداء مهام مختلفة.

         تأمل – بعد سرد هذه الحالات – حركة التبسّم اليسيرة؛ حركة نؤديها جميعًا كل يومٍ في المناسبات الاجتماعية. ترى صديقك الحميم فتبتسم. لكن ماذا يحدث عندما يوجه صديقك آلة التصوير إليك وقد طلب منك أن تبتسم؟! فبدلًا من الابتسامة العفوية فإنك “تُكشر”. من المفارقات العجيبة أن هذا العمل الذي تؤديه عشرات المرات دون جهد يذكر، يصبح في غاية الصعوبة عندما يطلب منك فعله. قد تظن أن الإحراج هو السبب. لا.. لا يمكن أن يكون كذلك. انظر إلى المرآة وحاول أن تبتسم، ستظهر تلك الابتسامة الصفراء ولا بد.

مَرَدّ الأمر في ذلك إلى اختلاف الأجزاء المسؤولة عن كلا الابتسامتين، وأن جزءًا واحدًا فقط اختص بـ”دائرة الابتسامة”. فالابتسامة العفوية تنطلق من “العقد القاعدية Basal Ganglia” وهي مجموعة من الخلايا تقع بين القشرة الدماغية العليا (حيث التفكير والتخطيط) والمهاد البصري. فما إن ترى وجهًا بشوشًا حتى تنطلقَ رسالةٌ من ذلك الوجه لتصل إلى مركز العاطفة في المخ أو ما يسمى “الجهاز الحُوفي Limbic System“، ومن ثم إلى العقد القاعدية التي تُنظم حركةَ عضلات الوجه بما يكفي لتتبسم تبسمًا عفويًا. فإن أدت هذه الدوائر عملها، فإن الابتسامة تكون صادقة. وتقع هذه الأحداث المتسلسلة في أجزاءٍ من الثانية لا يتمكن معها جزء “التفكير” من التدخل في الحدث.

لكن ماذا لو أمرك أحدهم أن تبتسم أثناء التصوير؟ يتلقى مركز التفكير (بما في ذلك القشرة السمعية ومركز اللغة) تعليمات المصور، ومن ثم يرسلها إلى القشرة الحركية في مقدمة المخ، وهو جزء مختص بالحركات المهارية والإرادية: كالعزف بآلة البيانو أو تسريح الشعر. ومع سهولة الأمر، فيما يبدو لنا، إلا أن التبسم يترتب عليه تنظيم عشرات العضلات تنظيمًا دقيقًا بتسلسل متوافق. إن التبسم – بالنسبة إلى القشرة الحركية – مهارة معقدة لا تختلف في تعقيدها عن مهارة اللعب، ذلك أن التبسّم العفوي ليس من اختصاصها.

لقد قدم لنا هؤلاء المرضى دليلًا على وجود دائرتي تبسم مختلفتين. عندما يصيب الشخص سكتة دماغية في القشرة الحركية اليمنى للمخ – المسؤولة عن تظيم الحركات المعقدة في الجزء الأيسر من الجسد – يظهر الخلل في الجزء الأيسر. فإذا ما طُلب من المريض التَبَسُّم، فإنه يبتسم ابتسامة صفراء، وربما كانت مُنفّرة،وذلك بجانبٍ من الوجه فقط. أما إذا رأى المريض صديقه الحميم أو أحد أقاربه داخلًا مع الباب برقت أسارير وجهه متبسمًا ابتسامة صادقة يحرك فيها جانبي وجهه وفمه. وسبب ذلك عدمُ إصابة العقد القاعدية، وأن الدائرة المختصة بالابتسامة المتناسقة لم يصبها أذى. وقلما تجد مصابًا بسكتة دماغية خفيفة لا يعرف أمره إلا عند تبسمه. أما هذا المريض فقد دهش أحبابه عندما لاحظوا – دون سابق إنذار – أنه يبتسم بشق واحد من وجهه. لكن إذا طَلَبَ منه طبيب الأعصاب أن يبتسم فعل ذلك بشقي وجهه – مع أن الابتسامة ما تزال غير عفوية – على نقيض ما حدث في الحالة السابقة. تبيّن بعد ذلك أن المريض أصيب بسكتة دماغية خفيفة أضرّت بالعقد القاعدية فقط في إحدى جانبي المخ.

يقدم التثاؤب دليلًا آخر على وجود الدوائر المتخصصة. وسبَق أن ذكرنا أن كثيرًا من ضحايا السكتات الدماغية يصابون بشلل في الجهة اليمنى أو اليسرى من أجسادهم، بحسب مكان الإصابة في المخ. وتنعدم الحركات الإرادية في الجهة الأخرى انعدامًا كليًا. لكن عندما يتثاءب المريض يجد نفسه يحرك ذراعية ليُفَاجَأ بعدها أن الحياة دبّت إلى ذراعه من جديد. وسبب ذلك إلى أن حركة الذراع أثناء التثاؤب يحكمها مسار مختلف في المخ.

قد يؤدي ضرر طفيف في المخ – في عدد قليل من الخلايا من بين بلايين الخلايا – إلى مشكلات ذات تأثير كبير تبدو غير متناسبة مع حجم الإصابة. فمثلًا قد يتبادر إلى ذهنك أن الذاكرة تؤثر في المخ كله. فحين أتفوّه بكلمة مثل كلمة “ورده”، تتداعى أشياء كثيرة؛ ربما صورة حديقة ورد، أو المرة الأولى التي أُهديت فيها وردة، أو رائحة الورد، أو نعومة تويجيات الوردة، أو شخص بهذا الاسم ونحو ذلك. حتى مفهوم “الوردة” بأدق صوره له علاقة بأشياء كثيرة تشير إلى أن المخ كله يشارك في تتبع كل ما هو مرتبط بهذه الكلمة.

لكن قصةً بائسةً لأحد المرضى يدعى (هـ. م.) تخالف ما ذكرنا. لقد عانى هذا المريض نوعًا من الصرع المزمن، فقرر الأطباء استئصال الأنسجة المصابة بالمرض من نصفي المخ، بما في ذلك “الحُصين Hippocampus“، وهو تركيب على هيئة فرس البحر يتحكم في تذكّر الحوادث الجديدة. لم تُعرف هذه الحقيقة إلا بعد إجراء العملية، فلم يعد المريض قادرًا على الاحتفاظ بما يستجد عليه من أحداث، مع أنه يستطيع تذكر كل شيء حدث له قبل العملية. ولذلك أصبح الأطباء يتعاملون مع هذا الجزء بكل “احترام”،

(الشكل 1. 3)

 ششش

       مع أنني لم أتعامل مع هذا المريض تعاملًا مباشرًا إلا أنني وقفت كثيرًا على مرضى أصيبوا بحالات فقدان الذاكرة مثل حالته جراء إدمان المسكرات أو حالة نقص التأكسد (نقص الأكسجين في المخ عقب إجراء عملية ما). إن التحدث إلى مريض له الحالة نفسها يصيبك بالدهشة. فعندما قَدّمتُ له التحية كان يبدو ذكيًا، واضحًا، يتحدث على سجيته، بل ربما تناقشنا في الفلسفة. وإذا ما طلبت منه القيام بعملية جمع أو طرح فعل ذلك دون إشكال. ليس لديه أي مشاكل عاطفية أو نفسية ويستطيع التحدث إلى عائلته وعما يفعلونه دون صعوبة.

بعد هذا النقاش استأذنته لأذهب إلى دورات المياه، فلما عدت، لم يكن هناك ما يدل على أنه رآني قبل ذلك في حياته.

  • هل تتذكر من أنا؟

  • لا

  • أريته قلمًا وسألته “ما هذا؟”.

  • قلم حبر.

  • مالونه؟

  • أحمر

  • وضعت القلم تحت مخدة على كرسي قريب منه وسألته “ماذا فعلت الآن؟”.

  • أجاب على الفور “وضعت القلم تحت المخدة”.

أخذت أتحدث معه وسألته عن عائلته. وبعد دقيقة سألته:

  • لقد أريتك شيئًا قبل قليل، أتذكر ما هو؟

  • كلا (وقد علت الدهشة وجهه)

  • هل تتذكر أني أريتك شيئًا؟ هل تعرف أين وضعته؟

  • كلا

لم يكن يتذكر القلم أو مكانه أبدًا، مع أنه لم يمضِ أكثر من 60 ثانية على ما حدث.

     في الواقع، إن الزمن عند هؤلاء المرضى قد توقف، بمعنى أنهم لا يتذكرون من الأحداث إلا ما وقع قبل تلك الحوادث التي أدت بهم إلى إصابة عصبية. يمكنهم تذكر أول مرة لعبوا فيها كرة القاعدة، أو أول لقاء لهم بأحبابهم، أو تخرجهم من الكلية بكل التفاصيل، لكن يبدو أن الذاكرة لا تحتفظ بشيء بعد الإصابة. فمثلًا لو أخذ أحدهم صحيفة قرأها قبل أسبوع، فسيقرؤها وكأن لم يفعل ذلك من قبل. إنهم يستطيعون قراءة رواية “بوليسية” مرة بعد مرة، يتلذذون في كل مرة بحبكتها ونهايتها المفاجأة. يمكنني أن أروي لهم الطرفة ذاتها كل بضع دقائق، وفي كل مرة ينفجرون ضاحكين إذا ما سمعوا نهايتها (هذا ما يفعله طلابي ممن شارفوا على التخرج).

         إن هؤلاء المرضى يكشفون لنا شيئًا مهمًا؛ إن هذا الجزء الدقيق في المخ – الحُصَين – مهم جدًا لتثبيت ما يستجد من ذكريات ( مع أن الذكريات لا تخزن فيه). إنها تؤكد نظرية الجزئية. فإذا أردت أن تضيق نطاق بحثك، عليك أن تدرس “الحُصَين” كي تفهم معنى الذاكرة. مع أن هذه الدراسة لن تكون كافية – كما سنرى – لتفسير كل ما يتعلق بالذاكرة. وحتى ندرك كيفية استرجاع الذكريات وتحريرها أو تصنيفها (وحتى مراقبتها في بعض الأحيان)، علينا أن ندرس كيف يتفاعل “الحصين” مع بقية أجزاء المخ مثل “الفص الجبيني Frontal Lobe” أو “الجهاز الحوفي Limbic System“: المسؤول عن العاطفة)، وكذلك أجزاء أسفل المخ.

         لقد قام الدليل على دور “الحُصين” في تشكيل الذكريات. إلا أن هناك أجزاءً في المخ تختص بقدرات خفية مثل “الحس العددي Number Sense” الذي تفرد به الكائن البشري. لقيت في الماضي القريب رجلًا فاضلًا يدعى “بيل مارشال” وقد مضى عليه آنذاك أسبوع كامل بعد إصابة بسكتة دماغية. كان في سعادة عظيمة وهو يتحدث عن عائلته وحالة الطبية. عندما سألته عن عائلته، ذكر جميع أولاده بأسمائهم ووظائفهم، وذكر لي تفاصيل كثيرة عن أحفاده. كان ذكيًا وفصيحًا، مع أن كثيرًا من المرضى لا يتمتعون بصفات كهذه لا سيما بعد الإصابة مباشرة. ثم سألته:

  • ما هي وظيفتك يا بيل؟

  • كنت طيارًا في القوات الجوية.

  • أي نوع من الطائرات كنت تقود؟

  • ذكر نوعها ثم قال: لقد كانت آنذاك أسرع شيء صنعه الإنسان على ظهر هذا الكوكب.

ثم ذكر سرعتها وأنها صُنعت قبل الطائرات النفاثة.

في مرحلة ما سألته:

  • حسنًا يا بيل، هل يمكنك أن تطرح سبعة من مئة؟

  • أوه .. مئة نطرح منها سبعة!!

  • نعم

  • أمممم .. مئة نطرح منها سبعة!!!

  • نعم

  • حسنًا .. مئة .. نريد أن نأخذ سبعة من المئة … مئة نطرح منها سبعة!!!

  • نعم

  • ست وتسعون؟

  • لا

  • أووه

  • دعنا نجرب شيئًا آخر. ما الناتج عند طرح ثلاثة من سبعة عشر؟

  • سبعة عشر نطرح منها ثلاثة؟ إنني ليست جيدًا في شيء كهذا.

  • بيل .. هل سيكون الناتج عددًا أكبر أم أصغر؟

  • أووه .. بالتأكيد أصغر.

  • جيد .. ما ناتج طرح ثلاثة من سبعة عشر؟

  • اثنا عشر؟

بدأت أعجب من مشكلة بيل، هل هي في معرفة الأعداد أم في طبيعتها؟ في الواقع إن طريقة السؤال عن الأرقام طريقة موغلة في القدم يعود تاريخها إلى عهد فيثاغورس. سألته بعد ذلك:

  • ما هي “اللانهاية”؟

  • نعم .. إنها أكبر عدد موجود.

  • أيهما أكبر:مئة وواحد أم سبعة وتسعون؟

  • أجاب على الفور: (مئة وواحد) أكبر.

  • لماذا؟

  • لأن هناك خانات عدد أكبر.

كل هذا يعني أن بيل يفهم – ضمنيًا على الأقل – مفاهيم الأرقام المعقدة كالقيم المكانية. ومع أنه لم يستطع طرح ثلاثة من سبعة عشر، لكن إجاباته لم تكن عبثًا. أجاب بــ”اثنا عشر” ولم يقل “خمس وسبعون” ولا “مئتين”، وهذا يعني أن بوسعه الوصول إلى نتيجة تقريبية.

قررت بعدها أن أسرد له قصة قصيرة: “قبل عدة أيام، دخل رجل معرِضًا للديناصورات في المتحف الأمريكي للتاريخ الطبيعي في نيويورك. ورأى هيكلًا ضخمًا في قاعة العرض. أراد أن يعرف قِدَم هذا الهيكل، فذهب إلى حارس كبير في السن كان جالسًا في زاوية المعرِض، فقال له: كم عمر عظام الديناصور هذه؟ نظر إليه الحارس وقال: ستون مليون سنة وثلاث سنوات.

فقال الرجل: ستون مليون وثلاث سنوات؟!، لم أكن أتوقع أنك تستطيع تقدير ذلك بكل دقة لهيكل بهذا القدم. لكن ماذا تقصد بهذا العدد؟

قال الحارس: حسنًا، لقد عُيّنت في هذه الوظيفة منذ ثلاث سنوات، وقد أخبروني آنذاك أن عمر هذا الهيكل ستون مليون سنة”.

انفجر “بيل” ضاحكًا عندما سمع هذه الطرفة. ومن الواضح أنه يدرك الكثير عن الأرقام أكثر مما نتصور. إن فهم هذه الطرفة يتطلب عقلًا راقيًا، وهذا الإدراك ينطوي على ما يسميه الفلاسفة “تجسيد المجردات Fallacy Of Misplaced Concreteness“.

         عدت إلى “بيل” وسألته: ما المضحك في الأمر؟، فقال: كما تعلم .. لقد كان دقيقًا بطريقة غير مناسبة. مع أن بيل أدرك المغزى من الطرفة وأدرك فكرة “اللانهاية”، لكنه لا يستطيع إيجاد ناتج طرح ثلاثة من سبعة عشر. فهل هذا دليل على أن لكل واحد منا مركز مختص بالأرقام في منطقة “التلفيف الزاوي Angular Gyrus” الأيسر (حيث إصابة بيل) مسؤول عن عمليات الجمع والطرح والضرب والقسمة؟ لا أظن ذلك، لكن من الواضح أن هذه المنطقة – التلفيف الزاوي – ضرورية بطريقة أو بأخرى لمهام الحسابات العديدية. وليست ضرورية للمهارات الأخرى مثل الذاكرة المؤقتة أو اللغة أو الفكاهة. بل من العجيب كذلك أنها ليست ضرورية لإدراك المفاهيم العددية وراء حسابات كهذه. لا نعلم – إلى الآن – كيف تعمل هذه الدائرة الحسابية في التلفيف الزاوي، لكن نستطيع – على الأقل – أن نعرف أين نضع أقدامنا.

         إن كثيرًا ممن يجدون صعوبة في المسائل الحسابية، أو ما يسمى “عسر الحساب Dyscalculia” مثل بيل يعانون اضطرابًا يدعى “عَمَه الأصابع Finger Agnosia“، فليس بإمكانهم أن يعرفوا الإصبع الذي يشير إليه طبيب الأعصاب أو يلمسه. هل لتَجَاوُرِ منطقتي الحساب والأصابع في المخ دور في هذا؟ أو لأن طريقة تعلمنا للحساب في الصغر كانت بالأصابع؟. يمكننا رد هذا القول، فهناك مرضى تبقى عندهم إحدى الوظائف سليمة (تحديد الأصابع) في حين أن الوظيفة الأخرى (الجمع والطرح) تتوقف. من الممكن أن تَجَاوُرَ هاتين المنطقتين كان له أثرهُ أثناء مرحلة تَعَلُّمِ الحساب. ويمكن أن تكون إحدى الوظائف عند الشخص البالغ في غنىً عن الأخرى. بعبارة أخرى، قد يحتاج الطفل إلى تحريك أصابعه تحريكًا لا إراديًا أثناء الحساب. أما أنا وأنت فلا نحتاج إلى ذلك.

         تؤيد هذه الأمثلة من تاريخ طب الأعصاب وحالات الدراسة التي جمَعْتُها من مذكراتي فكرةَ “الجزئية” و”الدوائر المتخصصة”، وسنجد العديد من الأمثلة في هذا الكتاب. وستبقى الأسئلة الأخرى – التي لها أهمتيها على حد سواء – موضع البحث. كيف تستطيع هذه الأجزاء أن تؤدي مهامها؟ وكيف “يتحدث” بعضها إلى بعض لتوليد خبرات واعية؟ إلى أي مدى تتحكم جيناتك “Genes” في تخصيص كل هذه الدوائر المعقدة بمهام محددة؟ وكيف تُكتسب تدريجيًا كنتيجة لخبراتك من الصغر؟ (إن الجدل في “التنشئة والتغذية” جدلٌ قديم، وما زال موجودًا منذ مئات السنين، و ما نزال نتناول هذه القضية تناولًا سطحيًا للوصول إلى إجابة). وحتى لو كان أمر الدوائر المتخصصة محسوم من الصغر، هل يمكن أن تتغير؟ إلى أي مدى يستطيع العقل البشري أن يتغير؟ وحتى نعرف الإجابة، دعونا نلتقي بالسيد توم،  فهو من أوائل من أعانني في تقصي مثل هذه القضايا الكبرى.

 

 


  هوامش:

[1]  شرلوك هولمز:  شخصية خيالية لمحقق من أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين ابتكرها الكاتب والطبيب الأسكتلندي سير آرثر كونان دويل. يعرّف هولمز نفسه على أنه “محقق استشاري” يتخذ من مدينة لندن مقرًا له، ويساعد رجال الشرطة والمحققين عندما لا يجدون حلولًا للجرائم التي تواجههم. اشتهر هولمز بمهارته في استخدام التفكير المنطقي، وقدرته على التنكر والتمويه، إضافة إلى استخدام معلوماته في مجال الطب الشرعي لحل أعقد القضايا. تعد شخصية شرلوك هولمز أشهر شخصية لمحقق خيالي على الإطلاق. (ويكيبيديا)

[2] ثني الملاعق: إحدى الخدع التي تُثنى فيها الملعقة دون جهد يناسب قوتها.

error: المحتوى محمي