الرؤية المغايرة لجيل دولوز من خلال كتابه الاختلاف و التكرار – خلود العدولي

الرؤية المغايرة لجيل دولوز من خلال كتابه الاختلاف و التكرار – خلود العدولي

الرؤية المغايرة لجيل دولوز من خلال كتابه الاختلاف و التكرار

page1-404px-الاختلاف_والتكرار_-_جيل_دولوز(1).pdf

يمثّل كتاب الاختلاف و التكرار موقفا صارما ضدّ نظام منطقي بأسره.لم ينخرط دولوز في هذا الكتاب في تلك المفاهيم التي هيمنت على تاريخ الفلسفة كالممكن و الكلّي و المجرّد بل إنّه راهن على تقديم رؤية جديدة و مغايرة لتلك المفاهيم.إنّ ما يرومه جيل دولوز هو تحطيم ذلك التمثّل الكلاسيكي للعلاقات بين المفاهيم,ذلك التمثّل النابع عن صورة محددة للفكر تلك الصورة التي ينقدها في الفصل الثالث الحامل لعنوان “صورة الفكر”.إنّ صورة الفكر هذه هي من ظلّت تحرّك تاريخ الفلسفة جاعلة من الاختلاف ذلك المفهوم الذي لا يظهر إلاّ من جهة منطق الهوية.يبيّن دولوز في مقدمة الترجمة الإنقليزية للاختلاف و التكرار علاقة صورة الفكر هذه بغياب مفهوم الاختلاف المحض (أو المستقّل) عن تاريخ الفلسفة فبالنسبة لدولوز نحن لا نفكرّ إنطلاقا من منهجية محددة فحسب بل إنّ صورة ضمنية و قبلية للفكر توّجه عملية تفكيرنا. إنّ صورة الفكر هذه تشّكلت عبر تاريخ الفلسفة كبحث عن استنتاجات بغاية الوصول إلى أجوبة و حلول.فصورة الفكر القديمة كانت منحصرة في البحث عن الحقيقة من جهة كونها صوابا يقدّم حلاّ لمشكل ما محاربا بذلك الخطأ حتى أنّ اختلاف السفسطائي في مواجهة هوية الفيلسوف لم تظهر إلاّ في شكل خطأ لا في شكل اختلاف محض.لقد ظلّت الفلسفة طويلا في تلك الثنائيات و ضمن صورة للفكر تقيس الاختلاف و الغير من جهة النموذج و الأيقونة.هذا ما يعبّر عنه دولوز بالاختلاف المفهومي أي الخروج الدائم للاختلاف من مفهوم الهوية أو بالأحرى الاستيعاب الدائم للاختلاف من قبل مفهوم الهوية.هكذا لم نستطع الحصول أبدا على مفهوم مستقّل للاختلاف بل على اختلاف مفهومي بسبب نزوعنا الدائم لربط الاختلاف بالتشابه من جهة  الإدراك أو ربطه بالتعارض و التضّاد من جهة منطق المحمولات أو ربطه بالتناظر من جهة الحكم. إنه النزوع الذي صاغته لنا صورة الفكر المتعيّنة منذ الفلسفة القديمة أي ذلك التفكير المنطلق من الضرورة حسب تعبير زورابتشفيلي[1] في كتابه دولوز,فلسفة الحدث[2] تلك الضرورة التي أطلق عليها الفيلسوف اسم “الحقيقة”.هكذا ارتبط التفكير بالبحث عن الحقيقة و أضحت صورة الفكر هي الحاجة الملّحة للحقيقي و الصائب.انطلاقا من هذه الاعتبارات يمثّل كتاب الاختلاف و التكرار رؤية جديدة لفعل التفكير,إنّها تلك الرؤية التي تنبع من تجريب الفلسفة كإبداع للمفاهيم حيث يصدر إبداع المفهوم عن تقديم رؤية جديدة للفلسفة و تاريخها و ديناميكيات اشتغالها.إنّ الاختلاف الذي يبحث فيه دولوز ليس تعيّنا نهائيا لمفهوم بقدر ما هو اختلاف في مواضع و كيفيّات النظر إلى صورة الفكر القديمة التي غيّبت الاختلاف داخل الهوية.لقد انحصر التفكير في الوجود قديما ضمن مقولات الهوية و الجوهر و الماهية فكان ذلك التفكير الذي أعاد الآخر إلى الهوهو[3] بعبارات ليفيناس لتبقى بذلك الغيرية و الاختلاف في موقع الإقصاء و الرضوخ لفكرة الهوية.يلتقط هنا دولوز الوجود من جهة المحايثة ليراه بذلك فضاء تنوّع و كثرة مراهنا بذلك على التجديد في مواضع النظر و كيفيّات القراءة للخروج من الاختزالية التي كرّستها صورة الفكر القديمة.إنّ ممارسة التقّصي و التجريب ضمن مفهومي الاختلاف و التكرار بيّنا تلك الطريقة الجديدة التي ينظر من خلالها دولوز للعلاقة بين بين مفهومي الاختلاف و التكرار حيث يتجاوز ذلك التعارض المنطقي الذي استبطنه الفلاسفة ليبرز أنّه آن للاختلاف أن يغادر الهوية ليتشكلّ كمفهوم مستقل و كتميّز محض قاطعا بذلك ما كانه من غيرية مقابل شيء آخر.ففي اشتقاق لفظ الاختلاف سواء اليوناني أم اللاتيني ما يدّلنا على ذلك المعنى الذي ظلّ ملاصقا له حيث أنّ الاختلاف في اللفظ اليوناني هو” ديافورا” و” ديا” تدّل على الفجوة و البعد و المسافة بين أمرين بينما تدلّ “فورا” على الحمل و النقل و بذلك يبدو الاختلاف في المشتّق اليوناني ناقلا للمسافة و الفجوة بين أمرين أو الاسم الذي يعلن أنّ شيئا ما يتمايز و يتباعد عن شيء آخر كما أنّ الإختلاف في اشتقاقه اللاتيني يعني خاصية لشخص أو لشيء تجعله غير متطابق مع شخص آخر أو شيء آخر. ظلّ إذا هذا المفهوم محكوما بعلاقة المقارنة بشيء آخر بينما يريد دولوز لهذا الاختلاف أن يظلّ تميّزه مستقلا حتى داخل فضاء الهوية معبرا عن ذلك في بداية كتاب الإختلاف و التكرار تحديدا في بداية فصله الأوّل بهذه الاستعارة “يبدو أنّ القعر يصعد إلى السطح,من غير التوّقف عن أن يكون قعرا”. ذلك هو الاختلاف المحتفظ بخصوصيته و تميّزه المحض حتى داخل ما يبدو لنا على أنّه نقيضه: القعر و السطح يبدوان لنا متضّادين لكن حصر علاقتهما ضمن التضّاد أو التطابق فقط أي اختزال الكمّ الهائل من التشابك بينهما ضمن ثنائيتي التضّاد و المطابقة هو ما أحدث ذلك العقم في تاريخ الفلسفة.إنه عقم انعدام القدرة على تمثّل علاقات خارج منطق الثنائيات.بهذه الطريقة يفهم دولوز العلاقة بين الاختلاف و التكرار  حيث أنّ الصلة بينهما ليست هي الصلة التي تربط المتجانس باللامتجانس فذلك الخط الفاصل قد استوعب الكثرة و التنّوع بغاية التحديد الفاصل و النهائي .يبرز دولوز شدّة تعقّد التداخل بين مجالي الإختلاف و التكرار مما يفضي أحيانا إلى اختلاف تأكيدي و تكرار مبدع.لا يمكن إذا للتكرار أن يكون مطابقة تامّة و مطلقة حيث أنّ كل موضوع مكرّر هو إعادة من طرف شخص آخر أو رؤية أخرى أو انطلاقا من لحظة زمنية مغايرة و لا يمكن أيضا للاختلاف أن يكون جدّة جذرية لأنه سيكون  تمثلا مختلفا لكنه نابع دائما عن تمثّل قبلي و حاصل لموضوع ما.يريد جيل دولوز إذا للاختلاف أن يكون فلسفة تمكننّا من تصوّر جديد للتفكير : إنه ليس التصوّر الذي يلغي علاقات المطابقة و التضّاد بل ذلك الذي يحدّ من الإطلاق الذي يتميزان به فاتحا المجالات لتداخلات أخرى بين الاختلاف والتكرار,تداخلات لا تدرك إلاّ بالانطلاق من المحايثة و التجريب.تلك هي فلسفة الاختلاف المنفتحة دائما على الغيرية و المؤسسة للاختلاف كمفهوم مستقّل عن شمولية و عنف المقارنة.يذهب دولوز بعيدا من خلال هذه الرؤية الجديدة ليعيد الاعتبار للمختلف و المغاير في الفلسفة معلنا بذلك أنّها المجال الرحب و اللّانهائي للتنوع و الإبداع و الخلق و التجديد و الإضافة. فالكثرة التي ينشدها دولوز هي ميزة العالم و الإنسان الذي لا يمكن وضعه سوى في اللامتعيّن و اللانهائي من التوصيفات.


 أستاذ مبّرز و دكتور مختّص في  كتابات دولوز و سبينوزا اشتغل خصوصا على مفهوم الحدث  François Zourabichvili [1]

Deleuze. Une philosophie de l’événement, Paris, PUF,collection « philosophies » 1994.[2]

Emanuelle Lévinas,Totalité et infini –essai sur l’extériorité, Paris, Le Livre de poche,2006,p.33[3]

error: المحتوى محمي