تقهقر المثقفين – إيلين مكسينس وود / ترجمة: محمد كمال

تقهقر المثقفين – إيلين مكسينس وود / ترجمة: محمد كمال

تقهقر المثقفين – إيلين مكسينس وود

ترجمة: محمد كمال

 

أدركت المؤرخة الأمريكية إيلين مكسينس وود وجود خطر كبير في إحجام المثقفين اليوم عن انتقاد الرأسمالية.

 

تمثل وفاة المؤرخة الأمريكية إيلين وود في 14 يناير /كانون الثاني هذا العام خسارة كبيرة للاشتراكيين في كل مكان. كمساهم دائم بمجلة “Socialist Register” منذ أول مقال لها في عام 1980، ومحرر مشارك لكتاب ” Why Not Capitalism” الصادر في عام 1995، وعضو في هيئة التحرير بالمجلة منذ عام 1996 وحتى عام 2009، فإنّ عمق التزامها الاشتراكي وأصالتها النظرية ونفاذ بصيرتها هي أشياء يمكن تقييمها من هذا المقتطف من مقال لها عن “منافع ومفاسد” المجتمع المدني، نُشر في المجلة عام 1990 بعنوان: انزواء المثقفين.

— ليو بانيتش 

نحن نعيش في زمن غريب؛ فعندما يكون لدى مثقفي اليسار في الغرب فرصة نادرة لفعل شيء مفيد، إن لم يكن تاريخي، فإنّهم – أو جزء كبير منهم – يفضّلون الانزواء. وعندما يلجأ الإصلاحيون في دول الاتحاد السوفياتي السابق وأوروبا الشرقية إلى الرأسمالية الغربية من أجل البحث عن نماذج لنجاحٍ اقتصادي وسياسي، يتخلى كثير منّا عن الدور التقليدي لليسار في الغرب كمنتقدين للرأسمالية.

وعندما نكون بحاجة إلى كارل ماركس، أكثر من أي وقت مضى، للكشف عن الممارسات الداخلية للنظام الرأسمالي، أو إلى فريدريك إنجلز لفضح الحقائق البشعة لهذا النظام “على أرض الواقع،” ما نجده هو جيش من أنصار “ما بعد الماركسية” أحد مهامه الرئيسية هي وضع تصورات وطرح أفكار بعيدًا عن مشكلة الرأسمالية.

وبالرغم من تنوع الاتجاهات النظرية الحالية بشأن اليسار والوسائل المختلفة لتفكيك الرأسمالية من الناحية المفاهيميّة، إلّا أنّ هذه الاتجاهات غالبًا ما تشترك في مفهوم واحد قابل للاستخدام: “المجتمع المدني”. مهما كانت استخدامات هذا المفهوم إيجابية ومثمرة في الدفاع عن الحريات الإنسانية ضد قمع الدولة، أو في تحديد مجالات الممارسات الاجتماعية، والمؤسسات، والعلاقات المهملة من قِبل اليسار الماركسي “القديم”، فإنَّ “المجتمع المدني” في خطرٍ الآن من أن يصبح ذريعة للرأسمالية.

كان الهدف من مفهوم “المجتمع المدني” لدى غرامشي، بشكل لا لبس فيه، هو استخدامه كسلاح ضد الرأسمالية، لا كمأوى لها. وعلى الرغم من جاذبية سُلطته التي أصبحت من دعائم “التنقيحية الجديدة”، إلّا أنَّ مفهوم المجتمع المدني باستخدامه الحالي لم يعد لديه هذه النية المناهضة بشكل لا لبس فيه للرأسمالية. لقد اكتسب الآن مجموعة جديدة من المعاني والنتائج، بعضها إيجابي للغاية للمشاريع التحرّرية لليسار، والبعض الآخر أقل من ذلك.

ويمكن تلخيص هاتين النتيجتين المتناقضتين بهذه الطريقة: يشير المفهوم الجديد للمجتمع المدني إلى أنَّ اليسار قد تعلّم من دروس الليبرالية حول مخاطر قمع الدولة، ولكن يبدو أنّنا ننسى الدروس التي تعلّمناها في السابق من التقاليد الاشتراكية حول مساوئ المجتمع المدني. من ناحية، يؤيّد أنصار المجتمع المدني دفاعنا عن المؤسسات غير الحكومية والعلاقات ضد سلطة الدولة، ومن ناحية أخرى، يميلون إلى إضعاف مقاومتنا للقهر الذي تمارسه الرأسمالية ضدنا.

لقد منح “المجتمع المدني” امتيازات خاصة لمالكيه مثل السيطرة على الناس وحياتهم اليومية، وسُلطة بدون مساءلة من أي شخص؛ وهي امتيازات كانت الدول المستبدة القديمة لتحسد المجتمع المدني عليها. تلك الأنشطة والخبرات التي تقع خارج هيكل قيادة المؤسسة الرأسمالية، أو خارج السلطة السياسية لرأس المال، يجري تنظيمها من خلال متطلبات السوق، وضرورات المنافسة والربحية.

وحتى عندما لا يكون السوق مجرد أداة للسُلطة لصالح التكتلات التجارية العملاقة والشركات متعددة الجنسيات، كما هو شائع في المجتمعات الرأسمالية المتقدمة، فإنّه لا يزال قوة قسرية قادرة على إخضاع جميع القيم الإنسانية والأنشطة والعلاقات المختلفة لمتطلباته الخاصة. ليس ثمة مستبد كان يأمل أن يخترق الحياة الشخصية لرعاياه — خياراتهم، وتفضيلاتهم، وعلاقاتهم — بنفس تلك التفاصيل الشاملة والدقيقة، ليس فقط في مكان العمل بل وفي كل زاوية من زوايا حياتهم.

الإكراه، بعبارة أخرى، لا يعني وجود خلل في “المجتمع المدني” فحسب، بل إنّه أحد مبادئه التأسيسية. هذا الواقع التاريخي يميل إلى تقويض التمييز الدقيق في النظريات الحالية التي تطلب منّا التعامل مع المجتمع المدني، على الأقل من حيث المبدأ، كفضاء للحرية والعمل التطوعي، وكنقيض لمبدأ الإكراه الذي لا يمكن اختزاله والذي ينتمي في جوهره للدولة.

تعترف هذه النظريات، بالطبع، بأنَّ المجتمع المدني ليس عالَم الحرية المثالية أو الديمقراطية؛ إنّه عالَمٌ مشوّه بالقمع داخل الأسرة، وفي العلاقات بين الجنسين، وفي أماكن العمل، عالَمٌ ممسوخٌ بالمواقف العنصرية، ورُهاب المثليّة، وغير ذلك. ولكن يتمّ التعامل مع كل أشكال القمع هذه باعتبارها خللًا في المجتمع المدني. ظاهريًا، يرجع الإكراه إلى الدولة بينما تتجذر الحرية داخل المجتمع المدني، ووفقا لتلك الحُجج، فإنَّ التحرّر الإنساني يتكّون في استقلالية المجتمع المدني، وتوسيع نطاقه وإثراءه، وتحرّره من الدولة، وحمايته من خلال ديمقراطية رسمية.

مرّة ثانية، فإنّ ما يميل إلى الاختفاء عن الأنظار هي علاقات الاستغلال والهيمنة التي تشكّل، بلا مواربةٍ، المجتمعَ المدنيّ، ليس بوصفها اضطرابًا دخيلًا قابلًا للتصحيح فحسب، بل بوصفها ماهيةً للمجتمع المدنيّ بحدّ ذاتها، والبنية المحدّدة للهيمنة والإكراه التي هي مخصّصة للرأسماليّة بوصفها كليّةً نسقيّة.

إنَّ ما يثير القلق حول هذه التطورات النظرية ليس أنها تنتهك بعض التحيّز الماركسي المذهبي بشأن الوضع المتميز للطبقة. بطبيعة الحال، فإنَّ الهدف من العملية برمتها هو تهميش الطبقة، وتفكيكها في فئات شاملة تحرمها من أي وضع متميز، أو من أي أهمية سياسية على الإطلاق. ولكن هذه ليست المشكلة الحقيقية.

المشكلة هي أنَّ النظريات التي لا تفرّق —  و “تميّز “، إذا كان ذلك يعني إرجاع الأمر إلى أولويات سببية أو تفسيرية —  بين المؤسسات الاجتماعية المختلفة و “الهويات”، لا يمكنها التعامل بشكل حاسم مع الرأسمالية على الإطلاق. ونتيجة هذه الإجراءات هي التعتيم على المسألة برمتها.

وحيثما كانت الرأسمالية كانت فكرة الاشتراكية. إنَّ الاشتراكية هي البديل الخاص للرأسمالية. وبدون الرأسمالية، ليس هناك حاجة للاشتراكية. ولذلك، يمكننا التعامل مع المفاهيم المنتشرة وغير المحددة عن الديمقراطية التي لا تعارض على وجه التحديد أي نظام متجانس للعلاقات الاجتماعية، والتي لا تعترف بأي نظام من هذا القبيل بالأساس. ما تبقى لنا، إذنّ، هو تعدديّة متشظية من القمع والنضالات التحرّرية.

وهنا مفارقة أخرى: ما يدّعي أنه مشروع كونيّ أكثر من كونه مشروع اشتراكي تقليدي هو في الواقع أقل من ذلك؛ فبدلًا من البدء في مشروع كونيّ للاشتراكية والسياسة التكاملية للنضال ضد الاستغلال الطبقي، نحن لدينا عدد وافر من الصراعات الخاصة غير المترابطة.

وهذا عمل مهم للغاية. تتشكّل الرأسمالية عن طريق الاستغلال الطبقي، ولكنها أكثر من مجرد نظام للقمع الطبقي؛ إنها عملية شمولية عنيفة تُشكّل حياتنا في كل جانب يمكن تصوّره، وفي كل مكان، وليس فقط في الترف النسبي في الشمال الرأسمالي.

من بين أمور أخرى، وبصرف النظر عن القوة المطلقة لرأس المال، فإنها تُخضِع جميع أشكال الحياة الاجتماعية للمتطلبات المجردة للسوق، من خلال تسليع الحياة في جميع جوانبها. وهذا يسخر من كل طموحاتنا في الاستقلال الذاتي، والحرية والاختيار، وديمقراطية الحكم الذاتي. بحسب الاشتراكيين، فمن غير المقبول أخلاقيًا وسياسيًا تقديم إطار مفاهيميّ يجعل هذا النظام غير مرئي، أو يختزله في نظام مكّون من مجموعة من الحقائق المتشظية، خاصة في الوقت الذي يكون فيه النظام أكثر انتشارًا وأكثر عالمية من أي وقت مضى.

إنَّ استبدال الاشتراكية بمفهوم غير محدد من الديمقراطية، أو تخفيف العلاقات الاجتماعية المتنوعة والمختلفة في فئات شاملة مثل “الهوية” أو “الاختلاف”، أو في مفاهيم فضفاضة “للمجتمع المدني”، يمثل استسلامًا للرأسمالية وغموضها الأيديولوجي.

اسمحوا لنا أن نحظى بالتنوع والاختلاف والتعدديّة بكل الوسائل الممكنة، ولكن ليس هذا النوع من التعدديّة غير المتمايزة وغير المنظمة. ما نحتاج إليه هو تعدديّة تعترف بالتنوع والاختلاف، وهذا لا يعني الأغلبية أو الكثرة.

أعني التعددية التي تعترف بالحقائق التاريخية، والتي لا تنكر الوحدة النسقية للرأسمالية، والتي تعرف الفرق بين العلاقات التأسيسية للرأسمالية وغيرها من مظاهر الظلم والقمع مع العلاقات المختلفة للرأسمالية؛ إنها منطقة مختلفة في المنطق النسقيّ للرأسمالية، وبالتالي دور مختلف في نضالنا ضدها.

ينبغي إثراء المشروع الاشتراكي بموارد ورؤى الحركات الاجتماعية الجديدة، وليس إفقاره من خلال اللجوء إليها كذريعة لتفكك النضال ضد الرأسمالية. ويجب علينا ألّا نخلط بين احترام التعدديّة في التجربة الإنسانية والنضالات الاجتماعية وبين الإنهاء الكامل للسببية التاريخية، إذ لا يوجد شيء سوى التنوع والاختلاف والاحتمال، لا بنى موحدة، ولا منطق للعملية، ولا رأسمالية وبالتالي لا إنكار لها، ولا مشروع كونيّ للتحرّر الإنسانيّ.


المقال الأصل

error: المحتوى محمي