ساعة الدماغ – إيميلي سينغر / ترجمة: سلام نصرالله

ساعة الدماغ – إيميلي سينغر / ترجمة: سلام نصرالله

ساعة الدماغ

إيميلي سينغر – ترجمة/ سلام نصرالله


يستطيع السائق أن يقدر الزمن المتبقي من إشارة المرور الصفراء قبل تحولها لإشارة حمراء، وتستطيع الراقصة أن تؤدي عدة حركات في أقل من ثانية. وذلك لقدرة أدمغتنا العالية لرصد الوقت. لكن الغموض لا يزال يحيط بكيفية رصد الوقت في الدماغ. فرغم أن مناطق الدماغ المسؤولة عن حركة الجسد والذاكرة وغيرها قد اكتشفت، لكن حتى الآن لم تكتشف بعد آلية الدماغ لإدراك الوقت. في الواقع، استعصت الساعة الدماغية على كثير من العلماء حتى دفعتهم للاعتقاد بأنها متوزعة على أكثر من منطقة في الدماغ وأن كل منطقة تقوم برصد الوقت بالطريقة التي تناسبها.

جمع الباحثون أدلة متزايدة على أن الخلايا الدماغية المسؤولة عن رصد موقع الجسد هي نفسها مسؤولة عن تتبع مرور الوقت. يشير هذا إلى أن منطقتي الدماغ المعروفتين بدروهما  في  الذاكرة وملاحة الجسد: الحصين، و القشرة المخية الأنفية الداخلية، تعملان ضمن ما تعملان كمؤقت.

أظهر البحث الذي قام به عالم الأعصاب في جامعة بوسطن، هوارد إيكينباوم،  مع زملائه أن الخلايا المسؤولة عن نظام الملاحة  ، المعروفة بالخلايا الدماغية الشبكية، أكثر مرونة مما كان متوقع. فلقد ساد الاعتقاد أن هذه الخلايا تعمل لتحديد موقع الجسم إذ تنشط عصبونات معينة عندما يكون الجسد في مكان معين ( مكتشفو ذلك تقاسموا جائزة نوبل لعام 2014م). ما اكتشفه إيكينباوم حين راقب الفئران التي أبقيت مكانها _ حيث تجري على جهاز المشي مثلا_ أن هذه الخلايا تقوم  برصد الوقت إضافة للمسافة، مشيرا إلى أن حاستي الدماغ للزمان والمكان متشابكة مع بعضهما البعص.

تساعد هذه النتائج على تعميق فهمنا لجهازي الدماغ للذاكرة والملاحة. فالخلايا الدماغية الشبكية وأخرى شبيهة بها ليست معنية بالمكان فقط، بل هي قادرة على ترميز الخصائص ذات الصلة مثل: الزمان، والرائحة، بل حتى التذوق. يقول لورين فرانك، عالم الأعصاب المتخصص في دراسة الذاكرة ومنطقة الحصين من جامعة كاليفورنيا سان فرانسيسكو: “نتيجة بحث إيكينباوم تنبئ عن شيء واسع يقوم به الحصين … إنه يكشف عن المحور الخاص بترميز التجارب، ثم يقوم هذا المحور باستخدام الخلايا الدماغية الشبكية لموضعة هذه التجارب على الخريطة.”

هذه الخرائط  تشكل بدورها هيكلا للذاكرة يعمل على تنظيم سلسة تجاربنا السابقة. يقول إيكينباوم: ” الحصين هو المنظم الضخم لذكرياتنا في الزمان والمكان … إنه يزودنا بالهيكل الزمكاني التي تبنى عليه الأحداث.”

لغرض معرفة كيف يقوم الحصين برصد الوقت، درب العلماء الفئران ليركضوا على عجلة أو جهاز مشي صغير. وبذلك يحيدون أثر تغير المكان أو تغير السلوك ليركزوا على الإشارات العصبية الخاصة بالوقت. ( الفئران حركيين بطبعهم، فالركض  يساعد في تعيير قياس سلوكهم الحركي). ثم تقوم الإلكترودات المزروعة في عمق الدماغ بتسجيل النشاط الكهربائي حين تنشط عدة خلايا مختلفة .

في التجارب التي أقامها إيكينباوم، يركض الفأر لمدة معينة على جهاز المشي، لنقل لمدة 15 ثانية، ثم يحصل على مكافأة. حينما يقوم بتكرار ذلك مرارا، يتعلم دماغه تقفي هذه الفترة المكونة من 15 ثانية. فبعض العصبونات تنشط عند الثانية الأولى، وأخرى عند الثانية الثانية وهكذا دواليك حتى تنتهي الـ 15 ثانية. يقول إيكينباوم: “كل خلية تنشط في وقت معين إلى أن يتم تغطية كامل المدة الزمنية”.  كانت الشفرة الناتجة دقيقة جدا لدرجة أن العلماء استطاعوا تقدير الوقت الذي قضاه الفأر على جهاز المشي من خلال ملاحظة أي من الخلايا نشيطة. أعاد فريق إيكينباوم التجربة مغيرين سرعة جهاز المشي ليتأكدوا أن الخلايا لا تعتمد على المسافة بل على الزمن. (بعض الخلايا كان يحسب المسافة لكن البعض الآخر كان مربوطا بشكل حصري بالزمن).

بالرغم من أن هذه العصبونات تسمى “خلايا الوقت”، وأنها بلا شك قادرة على رصد الوقت، إلا أنه ليس من المعروف حتى هذه اللحظة كيف تقوم بذلك. تتصرف هذه الخلايا كساعة توقيف، حيث أن نفس النمط من النشاط العصبي يتكرر كلما بدأت الساعة. لكنها أكثر قابلية للتكيف من ساعة التوقيف، فعندما قام الباحثون بتغيير ظروف التجربة، بإطالة المدة إلى 30 ثانية بدلا من 15 ثانية، كونت خلايا الحصين نمطا تنشيطيا جديدا لتغطي كامل المدة الجديدة. كإعادة برمجة ساعة التوقيف لتتوقف عند وقت آخر تماما.

علاوة على ذلك، تعتمد خلايا الوقت على السياق؛ فهي تحدد الوقت فقط عندما يوضع الفأر بظرف يكون فيه الزمن أكثر ما يهم. فعندما تكون هناك متغيرات أخرى مهمة، نفس الخلايا تسلك سلوكا مختلفا. على سبيل المثال، إذا سمحت للفأر باستكشاف بيئة ما، ستقوم نفس الخلايا بالتموضع في خريطة المكان بدلا من خريطة الزمان، وستنشط خلية معينة في كل مرة يكون فيها الفأر في بقعة معينة بدلا من أن تنشط عند ثانية معينة.

* * *

تتناغم أعمال إيكينباوم مع أبحاث علوم الأعصاب في آخر خمسة عشر سنة، التي تشير إلى أن الحصين أكثر مرونة مما توقعه العلماء سابقا. كان يرى الباحثون الحصين  كرسام خرائط. اكتشفت خلايا ترميز المكان قبل أربعين سنة،  لكن الأدلة المتزايدة تشير إلى أنها ترمز أنواع أخرى من المعلومات إضافة لمعلومات المكان. فبناء على أحدث صورة توصل العلماء لها، لا تستطيع خلايا المكان فقط تحديد المكان،  بل تحدد متغيرات أخرى ذات علاقة. يعد الوقت أحد هذه المتغيرات، لكن هناك متغيرات أخرى محتملة. على سبيل المثال، يقول فرانك: متذوق النبيذ قد يكون لديه متغير مكان تذوق النبيذ إضافة  لمتغير رائحة النبيذ.

لكن لا يزال كثير من العلماء ينظر للحصين على أنه كيان خاص بالمكان. فبحسب حجتهم؛ تطورت الدائرة العصبية لترصد المكان، وكل متغير آخر يسجل بناء عليه. يقول عالم الأعصاب في جامعة كاليفورنيا، بروس ماكنوتن : ” يوفر الحصين شفرة أصلا مكانية بطبيعتها.”

تنافس نتائج إيكينباوم وجهة النظر هذه لكن لا تدحضها. يقول عالم الأعصاب في جامعة جونز هوبكنز، ديفيد فوستر: “الأمر الأكيد هو أن خلايا المكان تقوم بتمثيل معلومات غير مكانية إضافة للمكان، لكن االسؤال هو هل هي قادرة على ترميز الزمن حصريا، أي دون أن يكون تابعا لمعلومات المكان؟”.

بدا الفئران كأنهم يقومون بشيء قريب جدا من العد خلال تجارب جهاز المشي المؤقتة. فهل كانت هذه الخلايا ترصد مرور الوقت، أو أنها تتجاوب مع شيء آخر مشابه جدا للزمن؟ تجيب عالمة الأعصاب في مركز هوارد هيوز الطبي، إيفا باستالكوفا : ” نحن لا نعرف المبادئ الحاكمة لتنشيط هذه الخلايا عند نقطة معينة، لكني لا أظن أن ذلك هو الوقت … النظرية ليست دقيقة بالشكل الكافي، فالخلايا ليست ساعات متكتكة”

يقترح جورجي بوزاكي، عالم الأعصاب في جامعة نيويورك الذي قام بأولى التجارب لمعرفة كيف يقوم الحصين بتتبع الوقت، أن الحصين لا يقوم بتتبع الوقت كوظيفة رئيسية بل كنتيجة ثانوية لوظيفة أخرى؛  تذكر الطريق عبر متاهة مثلا. فالذكريات والخطط المستقبلية تنكشفان مع الوقت، لذا قد تكون خلايا الزمن مجرد عاكس لهذا النشاط العقلي.

يقول بوزاكي: “هذه هي المشكلة الرئيسية عندي: هل هناك عصبونات مكرسة فقط لرصد الوقت؟ … أو هل لجميع العصبونات وظائف تحدث بشكل متتالي حيث تترجم إلى “الزمن” في عقل المجرب؟”.

يرى بوزاكي أنه من غير المنطقي النظر إلى خلايا الحصين على أنها ترمز للزمن أو الوقت بشكل مستقل. عادة ما ينظر الدماغ البشري للزمن و المسافة بشكل متبادل. يقول: ” إذا سئل أحدهم كم تبعد نيويورك عن لوس أنجلس، سيجيب 3000 ميل، أو 6 ساعات طيران … في اللغة القديمة، يعبر عن المسافة  بالوقت؛ الوقت الذي سيستهلكه السفر من واد لآخر، حين كان عدد مرات الغروب أسهل حسابا من المسافة”.

بالنسبة لبوزاكي، يتعدى الموضوع علوم الأعصاب وصولا للفيزياء. يعتبر الفيزيائيون الزمكان كيانا متماسكا رباعي الأبعاد ويرونه النسيج الحاوي لكل أجسام وأحداث الكون. يقول: ” ينبغي لعلوم الأعصاب الرجوع إلى مشكلة الفيزياء القديمة: هل هناك خلايا زمان ومكان؟ أو أن في الدماغ تمثيل واحد لتواصل الزمكان؟”.

لكن إيكينباوم أقل اهتماما بهذه الأسئلة التجريدية. فهدفه استكشاف الدور الذي يلعبه الوقت في تكوين الذكريات. يقول: ” عندما تقوم بتذكر ما فعلته هذا الصباح فإنك تتذكر الأحداث بترتيبها الزمني … فكيف يقوم الحصين بترتيب الذكريات زمنيا؟”.

 غالب الأشخاص الذين يعانون من تلف في الحصين لا يستطيعون تكوين ذكريات جديدة. المريض الشهير إتش. إم، الذي أجرى عملية استئصال جزء من الدماغ، بما في ذلك الحصين، ظل يعرف بنفسه لطبيبه كل يوم. لكن هؤلاء المرضى أيضا لديهم مشكلة في تذكر ترتيب الكلمات أو تذكر الأشياء المعروضة عليهم. يتساءل إيكينباوم: ” كيف يقوم الحصين بدعم خاصية تذكر الأحداث في ترتيبها الزمني؟”.

يتصور إيكينباوم أن خلايا الوقت هي من تزودنا بالخط الزمني الذي تلتصق به الأحداث المتعاقبة لتمثل تجربة ما. فإذا ما كانت الذكريات فيلما فإن خلايا الوقت هي التي تضع الأطر الفردية للفيلم بترتيبها. ينوي فريق إيكينباوم القيام بتجارب فيها تأخير للوقت بأحداث مختلفة لمعرفة كيف لخلايا الوقت أن تتأقلم وتغير شفرتها لتذكر الترتيب الذي حدثت به الأحداث. يقول: “أنا لا أعتقد أن الحصين ساعة … لكنه يستخدم ساعة ما ليموضع في الخريطة الأحداث في الذاكرة ليجعلها بنظامها الزمني”.


المقال الأصل

error: المحتوى محمي