جورج إلس يؤنِّب العلماء لمهاجمتهم الفلسفة، والقابليّة للتخطئة، والإرادة الحرّة – ترجمة: عمر المرجان

جورج إلس يؤنِّب العلماء لمهاجمتهم الفلسفة، والقابليّة للتخطئة، والإرادة الحرّة – ترجمة: عمر المرجان


عالم الأحياء رُبِرت شلدريك Rupert Sheldrake, الذي أجريتُ لقاءً معه في تدوينتي الأخيرة[2], لم يكن وحده العالم المُشَوِّق الذي رافقته مؤخّراً في Howthelightgetsin[3], وهو حفل عُقِد من قبل مؤسّسة الفنون & الأفكار[4]. وصاحبتُ جورج ف. ر. إلس George F. R. Ellis, الفيزيائي-الرياضي-الفلكي, هو سلطة على الانفجار الكبير وألغاز كونيّة أخرى. تصادقتُ أنا وإلس من البداية لأنّا نتشارك شيئاً من – كيف أعَبِّر عنه؟ – اهتمامات حول اتّجاه علم الفيزياء, لكن ما إن اكتشفتُ بأنَّ اكتشافاته تتعدّى الفيزياء. قام بنشر أوراق وكتب لا عن الفيزياء والكونيات (إضافة إلى تحفة الـ1973 The Large-Scale Structure of Space-Time[5], تمّ تأليفه مع ستفن هاوكنغ Stephen Hawking) فحسب بل وعن الفلسفة, نظريّة التعقيد, علم الأعصاب, التعليم بل وعن إسكان ذوي الدخل المنخفض. (انظر موقعه الشخصي[6], وانتقاده الرائع في 2011 لنظريّات الأكوان المتعدّدة في Scientific American[7].) من مواليد جنوب افريقيا, إلس أستاذ فخريّ في جامعة كيب تاون, حيث قام بالتدريس لعقود, وحاز مناصب في كامبردج, جامعة تكساس, مؤسّسة فيرمي ومؤسّسات أخرى حول العالم. أنا أُقَدِّر نشاط إلس الاجتماعي بالإضافة لعمله العلمي. كان ناقداً مبكّر للتمييز العنصري, وفي 1999 مَنَحَه نلسُن مانديلّا وسام نجمة جنوب افريقيا. إلس له عقل كبير وقلب كبير.

 

هورْغن: في المؤتمر الذي التقينا فيه, Howthelightgetsin, كنتَ في دورة تدعى “The end of experiment.[8]” عمّا كان ذلك؟

إلس: الحقيقة كان هذا صدى لما قلتَه للتوّ: العديد من تجارب الفيزياء عالية الطاقة الممكنة وأرصاد علم الفلك ذات الصلة بالكونيّات هي في الحقيقة الآن كاملة تقريباً. تجارب الفيزياء تقترب من الطاقات الأعلى التي يمكن قطّ اختبارها بأيّ تجربة مُصادِم, لأسباب اقتصاديّة وفنّيّة. لا يمكننا بناء مصادم أكبر من سطح الأرض. فقدرتنا على اختبار فيزياء عالية الطاقة – وبالتالي بنيات على أصغر الموازين الفيزيائيّة – تقترب من حدودها. الأرصاد الفلكيّة عند كلّ أطوال الأمواج الآن تصل إلى أقصى الأحداث الكونيّة بعداً التي قد تكون في حين “قابلة للرؤية” بأيّ شكل من الإشعاع أيّاً كان, بسبب الآفاق المرئيّة لكلّ صورة من الإشعاع.

هي مثل حالة اكتشاف الأرض: في ما مضى لم يكن عندنا سوى معرفة كَسْرِيّة عمّا هناك. ثمّ حصلنا على صورة شاملة لسطح الأرض, بالإضافة إلى صور أقمار صناعيّة مُفَصَّلة لكلّ كتلة اليابسة. ما إن ترى كلّ شيء, فقد رأيتَ كلّ شيء؛ بغضّ النظر عن تفاصيل أكثر دقّة, ليس هناك المزيد لاكتشافه. قد تردّ, لكن لا يمكننا أن نرى قاع المحيطات. لكن, عندنا بلا شكّ خرائط جيّدة جدّاً لقاع المحيط أيضاً, من خلال تقنيات مختلفة لسبر الأعماق. هذا مشابه للطريقة التي رأينا بها التشتّت الأخير للسطح في الكون المبكّر عند زحزحة حمراء في 1200 (مشابهة لرؤية سطح الأرض بأكمله من الفضاء) بأقمار صناعيّة مثل COBE, WMAP, وبلانك, وكذلك (بشكل غير مباشر) لوقت انبعاث الموجات الأرضيّة من خلال Bicep2 (مشابهة لرؤية قاع المحيط). سنحلّ ذلك الخلاف في السنوات المقبلة.

إذاً ما نستطيع أن نراه عند أصغر وأكبر الموازين يقترب ممّا سيكون ممكناً في حين قطّ, ما عدا تصفية الأدلّة.

لكنّي أشدِّد على أنّ هذا التعليق لا ينطبق على الأنظمة المعقّدة. التعقيد غير محدود تقريباً – علم الأحياء الدقيقة, علم الأحياء, الدماغ سيعطينا عملاً لنقوم به لعدّة قرون أكثر, ما قد نجده ربما يكون غير متوقّع جدّاً. قد ينطبق ذلك أيضاً على أسس الفيزياء الكمّيّة, وعلاقتها بالتعقيد. لكن – منع شيء ما غير متوقّع – الاختبارات الممكنة للكبير جدّاً والصغير جدّاً تتقدّم نحو حدود ما يمكن أن يكون.

نعم أنا أعلم أنّه قد قيل شيء كهذا في السابق. كان هذا قبل أن نكتشف الكون المرئي بأكمله عند كلّ أطوال الموجة الممكنة. أنا أقرّ بأنّ الأرصاد ذات الصلة لتشكيل البنية في الكون – المجرّات, النجوم, الكواكب – لها وقت طويل لتقطعه, هي في الحقيقة تحاذي الجانب لدراسة التعقيد, ولا تزال فيها حياة حتّى الآن, هي دراسات مشوِّقة جدّاً.

 

هورغن: لورنس كراوس, في A Universe from Nothing[9], يدّعي أن الفيزياء قد حلَّت اللغز لِما هناك شيء بدل لا شيء. هل توافق؟

إلس: بالطبع لا. إنَّه يقدِّم نظريّات تخمينيّة غير مُخْتَبَرة عن كيف نشأت الأشياء في الوجود من تعقيد سابق الوجود من الكيانات, بالإضافة إلى مبادئ تغييريّة, نظريّة مجال الكمّ, مجموعات تماثل معيّنة, فراغ فائر, كلّ مكوّنات النموذج المعياريّ لفيزياء الجسيّمات, وهلمّ جرّا. هو لا يُعَلِّل لِكيف أنَّ هذه الكيانات وُجِدَت قبل وجود الكون, لماذا ينبغي لها أن توجد أصلاً, أو لماذا ينبغي لها أن تصير في الشكل الذي صارت إليه. وهو لا يُعْطي أيّ عمليّة تجريبيّة أو رصديّة يمكننا فيها اختبار هذه التخمينات الواضحة لآليّة تكوين الكون المُفْتَرَضة. كيف تستطيع أن تختبر ما وُجِد من قبل أن يوجد الكون؟ لا تستطيع.

فما يُقدِّمه ليس علماً مُخْتَبَراً. هو تخمين فلسفي, والذي يعتقد هو على ما يبدو بأنّه مُقْنع جدّاً لدرجة أنّه لا ينبغي له أن يقدِّم أيّ تفصيل لدليل سيؤكّد أنّه صحيح. في الحقيقة, لا تستطيع تقديم أيّ دليل عمّا وُجِد قبل أن يوجد المكان والزمان. والأدهى من ذلك أنّه يعتقد بأنّ هذه التخمينات المؤسَّسَة رياضيّاً تحلّ ألغازاً فلسفيّة عمرها الألف, دون أن يخوض في تلك المسائل الفلسفيّة بشكل جادّ. الاعتقاد بأنّ كلّ الواقع يمكن فهمه من خلال الفيزياء ومعادلات الفيزياء هو خيال. كما نبّه على ذلك بشكل جيّد إدنغتون Eddington في محاضرات غِفورد, إنّها تمثيلات ناقصة وجزئيّة لواقع اجتماعي, فيزيائي, أحيائيّ, ونفسيّ.

علاوة على ذلك كراوس لا يتكلّم عن لِما توجد قوانين الفيزياء, لِما لها الشكل الذي لها, أو في أيّ شكل من الظهور وُجِدَت قبل أن يوجد الكون (والذي لا بدّ أن يعتقد به إن كان يعتقد بأنّها أوجَدَت الكون). مَن أو ما الذي حلم بمبادئ التماثل, لاغرانجيان, مجموعات التماثل المعيّن, نظريّات المعيار, وما إلى ذلك؟ هو لا يبدأ بإجابة هذه الأسئلة.

من المثير للسخريّة حين يقول بأنّ الفلسفة هراء ثمّ يقوم هو نفسه بالخوض في مثل هذه المحاولة في الفلسفة. يبدو أن التعليم العلمي ينبغي أن يُضاف له بعض الدروس الأساسيّة عن أفلاطون, أرسطو, كانط, هيوم, وفلاسفة عظام آخرين, بالإضافة لكتابات فلاسفة أحْدَث مثل تِم مادلِن Tim Maudlin وداود ألبِرت David Albert.

 

هورغن: هل أنتَ, أو هل كنتَ قطّ, معتقد بنظريّة نهائيّة للفيزياء؟

[إلس]: أنا اعتقدتُ بها كاحتماليّة بلا شكّ. لكن ثمن الحاجة لاستعمال نظريّات بعد عالي هي من وجهة نظري عائق بليغ وينبغي تجنّبه إن أمكن؛ من الأكيد أنّه لم يَثْبُت بأنّه أسلوب الطبيعة. الأحرى أنّه ربما تكون الفيزياء الأساسيّة في النهاية تتضَمَّن نظريّتين متشابكتين مختلفتين: نظريّة موحَّدة كبرى (GUT)[10] وجاذبيّة كمّيّة حلقيّة أحاديّة النتيجة, بدون أبعاد خفيّة ولا مشهد لنظريّة الأوتار. التوحيد سيكون فيما يتعلّق بالخطوات الواسعة الكامنة في النظريّات الفيزيائيّة (لاغرانجيان, المبادئ التغييريّة, التماثلات الفيزيائيّة’ إلخ.) لكن ليس بالضرورة نظريّة واحدة رئيسيّة تشمل كلّ الفيزياء الأساسيّة في صورة مُوَحَّدة.

بالطبع إنَّ وجهة نظري هو أنّه من غير المرجح أنَّ هناك نظريّة مُوَحَّدة لكلّ القوى الأساسيّة بما فيها الجاذبيّة, لأنّ اينشتاين علَّمنا بأنّ الجاذبيّة *ليست*, عند مرحلة أساسيّة, قوّة في الواقع – إنّما هي ناتج مؤثّر لانحناء الزمكان. نعم بلا شكّ هناك نظريّات مؤثّرة مختلفة للجاذبيّة حيث تُرى على أنّها قوّة, مثل نظريّة نيوتن وتمثّلها كتدويمة 2 جرافيتون, لكن وجودها لا يُحَدِّد ما هي النظريّة العميقة الكامنة للتجاذب. شعوري هو أنّها ستصبح نظريّة مبنيّة على رؤية متميّزة للزمكان ببنية امتثاليّة لحقْل الجاذبيّة, احتمال أنّها قائمة على مبادئ من الهولونومي, متفاعلة مع نظريّة GUT مُوَحّدَة لحقل المادة. تلك ليست نظريّة نهائيّة مُوَحَّدة للفيزياء كما تَصَوَّر منظّرو الأوتار. مثل هذه النظريّة ربما لا توجد.

 

هورغن: هل أنت من جمهور نظريّات الكون المتعدِّد؟ نظريّة الأوتار؟ المبدأ الإنسي؟

إلس: لا (قد تكون صحيحة لكن غير قابلة للإثبات, والكثير والكثير من التخمين الغير قابل للاختبار حول وجود اللامتناهيات من الكيانات, وتقديرات غير واضحة وغير قابلة للاختبار من الاحتماليّة), لا (تقديم تخميني كثير جدّاً لكيانات غير مرئيّة معقّدة جدّاً, تُعامِل الجاذبيّة مثل أيّ قوّة أخرى), نعم (مهما ردّ الشخص عليها, هو سؤال حقيقي يستحقّ النظر). الضبط الدقيق لبارامترات الفيزياء الأساسيّة مطلوب لكي نستطيع البقاء في الوجود. معاينة هذه المسألة قادتنا إلى العديد من الدراسات المشوِّقة جدّاً.

 

هورغن: احتجّ شان كارُل Sean Carroll بأنّ القابليّة للتخطئة مبالغ بها كمعيار للحكم بما إذا ينبغي أخذ النظريّات بجدّية. هل توافق؟

إلس: هذه خطوة كبيرة إلى الخلف قبل الثورة العلميّة القائمة على الأدلّة التي استهلّها جاليليو ونيوتن. الفكرة الأساسيّة هي أنَّ نظريّاتنا التخمينيّة, تُقَدَّر في المجهول وفي المجالات الغير قابلة للاختبار من المجالات المُخْتَبَرة بشكل جيّد من الفيزياء, جيّدة جدّاً لدرجة أنّه يجب أن تكون صحيحة. التاريخ يثبت أنّ ذلك هو طريق إلى الوهم: فقط لأنّ عندك نظريّة جيّدة لا يثبت أنّها صحيحة. الدفاع الآخر هو أنّه ليس هناك شيء آخر مشابه. لكن ربما لا يكون هناك مثل هذا الشيء.

ينبغي على العلماء أن يقاوموا بقوّة مثل هذه الهجمة على أسسها نفسها. لحسن الحظّ أنّ مجموعة صغيرة جدّاً من العلماء يدّعون هذه الدعوى.

 

هورغن: كراوس, ستيفن هوكنغ ونيل ديغراس تايسون Neil deGrasse Tyson كانوا يهاجمون الفلسفة بأنّها مضيعة للوقت. هل توافق؟

إلس: إذا كانوا يعتقدون هذا حقّاً فينبغي عليهم أن يتوقّفوا عن الخوض في فلسفة رديئة في كتاباتهم بأنفسهم. لا يمكنك القيام بالفيزياء أو علم الفلك دون أساس فلسفي مُفْتَرَض. يمكنك اختيار ألّا تفكّر في ذلك الأساس: سيظلّ هناك أساس لم تتمّ معاينته لِما تفعل. حقيقة أنّك لا ترغب بمعاينة الأسس الفلسفيّة لِما تفعل لا يعني أنّ تلك الأسس ليست هناك؛ هذا لا يعني غير أنّه لم يتمّ معاينتها.

الحقيقة هي أنّ التخمينات الفلسفيّة قادت إلى قدر عظيم من العلم الجيّد. ملاحظات اينتشتاين على مبدأ ماخ لعب دوراً أساسيّاً في تطوير النسبيّة العامّة. مناظرة اينشتاين مع بور وورقة EPR قادت إلى قدر عظيم من الفيزياء الجيّدة مختبرة أسس فيزياء الكم. ملاحظتي الخاصّة للمبدأ الكوبرنيكي في علم الفلك قادت إلى اكتشاف بعض الاختبارات الرصديّة العظيمة للتجانس الفضائي التي حَوّلَت افتراضاً فلسفيّاً غير مُخْتَبَر إلى فرضيّة علميّة قابلة للاختبار – وهي مُخْتَبَرة بالفعل. ذلك علم جيّد.

 

[هورغن]: أنت مسيحي, وبالتحديد كويكري. هل لاعتقادك أيّ أثر على آرائك العلميّة, أو العكس؟

[إلس]: آرائي الفلسفيّة والدينيّة لا بدّ بالتأكيد أن تأخذ علم الحاضر بجديّة, لكن بفعل ذلك (أ) أنا أميّز بشكل واضح جدّاً بين ما هو علم مُخْتَبَر أو قابل للاختبار وما ليس بذلك, (ب) أنا أقوم بجهود مرهقة لأخذ أيّ جوانب الواقع يمكن فهمها بنهج علمي صارم, وما يقع خارج حدود الجهود المبنيّة رياضيّاً للإحاطة بجوانب طبيعة ما هو موجود.

العديد من الجوانب الرئيسيّة للحياة (مثل الأخلاقيّات: ما هو الخير وما هو الشر, والجماليّات: ما هو جميل وما هو قبيح) تقع خارج مجال البحث العلمي (يستطيع العلم أن يخبرك ما شكل الظروف التي ستقود إلى انقراض الدببة القطبيّة, بل والبشريّة؛ ليس له أيّ شيء ليقوله أيّاً كان عمّا إذا سيكون هذا خيّر أو شرّير, ليس ذاك بسؤال علمي).

محاولات تعليل الفضائل من وجهة نظر علم الأعصاب أو نظريّة تطوريّة ليس لها في الواقع ما تقوله عمّا هو خيّر أو شرّير. ذاك سؤال فلسفي أو ديني (العلماء الذين يحاولون تعليل الأخلاقيّات من هذه الأشكال من الاعتبارات دائماً يُعَرِّفون خفية بمفهوم ما غير مُجَرّب عمّا هي حياة طيّبة من الباب الخلفي). ولا  يستطيعون إخبارك مثلاً, من أساس علمي, ما ينبغي فعله حول إسرائيل أو سوريا اليوم. ذلك الجهد سيكون خطأ في التصنيف.

 

هورغن: هل نشاطك الاجتماعي–مثلاً, جهودك الماضية ضدّ التمييز العنصري–لا علاقة من أيّ وجه بعملك العلمي؟

[إلس]: ليس بشكل مباشر. هو مبني فيما يتعلّق بفضائل الإنسان والأخلاقيّات التي تقع خارج نطاق العلم بحدّ ذاته.

 

[هورغن]: هل أنتَ قلق بأنّ الكثير جدّاً من البحوث – خاصّة في الولايات المتّحدة – مُمَوّلة من قبل الجيش؟

[إلس]: هذه لم تكن مسألة ذات أهمّيّة خاصّة بالنسبة لي – لكن قد تصبح كذلك, خاصة فيما يتعلّق ببحث الدماغ[11].

 

هورغن: في بعض كتاباتك, تُحَذّر ضدّ الحتميّة الزائدة في الفيزياء, والعلم. هلّا لخّصتَ قلقك؟

[إلس]: العديد من العلماء هم اختزاليّون بقوّة يعتقدون أنّ الفيزياء وَحْدها تحدّد المآلات في العالم الحقيقي, هذا غير صحيح بشكل واضح – مثال ذلك الحاسوب الذي أَكْتُب فيه هذا لا يمكن أنّه برز في الوجود بواسطة الفيزياء وحدها.

المشكلة هي أنّ هؤلاء العلماء يركّزون على بعض الحبال في شبكة الإحداث الموجودة حقيقةً, ويتجاهلون الأخرى الموجودة بشكل واضح – مثل الأفكار في عقولنا, أو الخوارزميّات في أنظمة الحاسوب. تعمل هذه بشكل واضح بطريقة نزوليّة لإحداث آثار فيزيائيّة في العالم الحقيقي. كلّ هذه الإجراءات والعواقب الواقعيّة مستقلّة سياقيّاً, وهذا يتيح فعاليّة الإجراءات مثل الاختيار التكيّفي التي هي الأساس لنشوء التعقيد الحقيقي.

كما ذكرتُ سابقاً, المعادلات الرياضيّة تمثّل جزءاً فقط من الواقع, وينبغي ألّا تُخْلَط بالواقع. أحد المسائل التي لها علاقة: هناك جماعة من الناس الذين يكتبون الأوراق القائمة على فكرة أنّ الفيزياء عمليّة حَوْسبيّة. لكنّ القانون الفيزيائي ليس خوارزميّة. فمن الذي يختار الخطّة الحَوْسَبيّة والخوارزميّات التي تحقّق قانوناً فيزيائيّاً معيّن؟ (ربما العناصر المتناهية؟) بأيّ لغة كُتِبَت؟ (هل تستعمل الطبيعةُ جافا أم سي++؟ ما هي لغة الآلة التي تُستَخْدَم؟) أين وحدة المعالجة المركزيّة؟ ما الذي يُسْتَخدَم للذاكرة, وبأيّ طريقة يتمّ تنفيذ أوامر القراءة والكتابة؟ علاوة على ذلك إن كانت حَوْسَبَة, كيف تتجنّب الطبيعة مشكلة التوقّف؟ كلّها قياس سيئ جدّاً لا ينجح.

 

هورغن: اينشتاين, في الاقتباس الآتي, بدا أنّه يشكّ بالإرادة الحرّة: “لو كان القمر, أثناء إكماله طريقه الأبدي حول الأرض, كان موهوباً بالوعي, لأحسّ بأنّه مقتنع تماماً أنّه كان يسافر وفق إراداته…فكذلك الكائن, الموهوب ببصيرة أقوى وذكاء أكمل, يشاهد الإنسان وأفعاله, يبتسم على وهم الإنسان بأنّه يعمل وفق إرادته الحرّة.” هل تؤمن بالإرادة الحرّة؟

إلس: نعم. اينشتاين يواصل الاعتقاد بأنّ كلّ الإحداث تصاعدي. ليست هذه هي القضيّة ببساطة, كما يمكنني أقدِّم أمثلة عدّة من علم الاجتماع, علم الأعصاب, علم وظائف الأعضاء, علم التَّخَلّق, الهندسة, والفيزياء. علاوة على ذلك لو لم يكن لـاينشتاين إرادة حرّة بمعنى له مغزى ما, لما كان له أن يكون متسبّباً بنظريّة النسبيّة – لكانت نتيجة إجراءات مرحلة أدنى لا من عقل ذكي يختار من بين الخيارات الممكنة.

أجد من الصعب جدّاً أن أصدّق بأنّ هذه هي القضيّة – بالطبع لا يبدو هذا منطقيّاً. ينبغي أن ينتبه الفيزيائيّون للأشكال الأربع لإحداث أرسطو – إن كان لهم حرّيّة الإرادة ليقرّروا ما يفعلونه. إن لم يكن لهم, فلِما نُضَيّع الوقت بالتكلّم معهم؟ فهم غير مسؤولين عمّا يقولون.

 

هورغن: لو كنتَ ملك الفيزياء, المسؤول عن تفضيل وتمويل البحث, ما سيكون خيارك الأوّل؟

إلس: فيزياء المادّة المكثّفة وبصريّات الكمّ هي التي سأركّز عليها أوّلاً – هي التي ينتج فيها الاستثمار المتواضع نسبيّاً تجاربَ رائعة ونظريّات قابلة للاختبار. علاقة الفيزياء بالأحياء, الطبّ, وعلم الأعصاب هو مجال رائع ينبغي تطويره بقوّة.

نعم بلا شكّ أودّ أن أرى علم الفلك وفيزياء الطاقة العالية تتمّ مواصلتها لأقصى ما يمكن, لكن يجب أن يكون الثمن معقولاً. للمشروعات مثل Bicep2 تعطي عائدات عظيمة, علم فلك الموجة التجاذبيّة هي آخر غاية ولذا يجب استكشافها, والعديد من المشاريع الفلكيّة الرصديّة العظيمة أيضاً في الحاضر. الأموال الطائلة لمُصادِمات أعظم من أيّ وقت مضى ستحتاج تبريراً صارم.

 

 

 


[1] المقال منشور بعنوان:

http://blogs.scientificamerican.com/cross-check/physicist-george-ellis-knocks-physicists-for-knocking-philosophy-falsification-free-will/

[2] http://blogs.scientificamerican.com/cross-check/2014/07/14/scientific-heretic-rupert-sheldrake-on-morphic-fields-psychic-dogs-and-other-mysteries/

[3] http://howthelightgetsin.iai.tv/

[4] http://iai.tv/

[5] ترجَمَت عنوان الكتاب: البنية الواسعة النطاق للزمكان.

[6] http://www.mth.uct.ac.za/~ellis/

[7] http://www.scientificamerican.com/article/does-the-multiverse-really-exist/

[8] ترجمتها: نهاية التجربة.

[9] ترجمة عنوان الكتاب: كونُ من لا شيء.

[10] اختصار: Grand Unified Theory.

[11] http://blogs.scientificamerican.com/cross-check/2013/05/22/why-you-should-care-about-pentagon-funding-of-obamas-brain-initiative/

error: المحتوى محمي