إرثنا الوحيد – تشارلز جاي إيتون / ترجمة: نورة آل طالب

إرثنا الوحيد – تشارلز جاي إيتون / ترجمة: نورة آل طالب

 إرثنا الوحيد

تشارلز جاي إيتون | ترجمة: نورة آل طالب


      إن عجرفة الغرب تجاه الثقافات الأخرى قد تكون مستترة بأدب في عصرنا الحالي؛ حيث أننا نعيش في عصر التزييف المهذب، لكنها مع ذلك لا تزال فكرة مستحوذة. ودليل ذلك حقيقة أن يُتوقع من غير الأوروبيين تبني الأنماط الغربية للحكومة والأخلاق الغربية “التالية للمسيحية” (كما هو محفوظ في ميثاق الأمم المتحدة).

واستنكار إي انحراف عن أنماط السلوك الغربية من جانب الأفارقة أو العرب أو الآسيويين أصبح يُعبَّرعنه الآن من وجهة نظر متحسرة وليست ساخطة ولكنه مع ذلك يُفصح عنه، وهو ينم عن إعجابٍ بالذات طاله النقص قليلاً بفعل الحربين العالميتين والإدراك المعتم بأن التاريخ المسيحي يمثل رواية لا مثيل لها من الدمار والاستغلال.

هذا الإعجاب بالذات يسد الطريق أمام أي تقدير لما كان – ولا يزال إلى حدٍّ ما – يشكل النمط الإنساني في بقعة أخرى من العالم خارج البيئة التي أنشئناها في أعقاب المسيحية. ومع هذا، يستحيل على العالم الحديث أن ينظر لذاته بموضوعية أو في سياق معين دون هذا الفهم.

أشار ميرسيا إلياد إلى أن العلماء الغربيين تناولوا خلال نصف القرن الماضي دراسة الميثولوجيا “علم الأساطير” من وجهة نظر مختلفة كلية عن تلك المتبناة من أسلافهم في القرن التاسع عشر. فعلى عكس الفيكتوريين، الذين بالنسبة لهم كلمة “أسطورة” تقابل كلمة “خيال”، يقبل العلماء العصريون – كما يقول – بالأسطورة وفق المصطلح الذي كانت تُدرك به في المجتمعات “القديمة”، أي باعتبارها “قصة حقيقية” تخبرنا شيئًا عن طبيعة الكون  وموقع الإنسان فيه.

قد ينطبق ذلك على بعض العلماء، لكن يُستبعد أن ينطبق هذا على الجمهور العام أو على مثقفي التلفاز الذين يؤدون دورًا مهيمنًا في تشكيل الرأي العام. وفي هذا الحقل، كما في الحقول الأخرى، لا تزال الافتراضات العقلية للناس العاديين مبنية على الرأي العلمي للقرن الماضي؛ وإن كان العلماء الموقرون قد تخلوا أخيرًا عن الفكرة القاضية بأن الأساطير “القديمة” العظمى ليست إلا محاولة حمقاء سابقة للعلم لتفسير ظاهرة الطبيعة المنظورة، فإن آرائهم لم تصل بالتأكيد لمؤلفي الكتب الدراسية أو تخترق عقول الناس الأكثر “تعلمًا” في العالم الغربي.

أدت دراسة سطحية عن أنماط حياة البدائيين وأساطيرهم وطقوسهم دورًا هامًّا في ضعضعة الإيمان الديني للمسيحيين في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. أولًا، لقد سُلِّم جدلًا أن تلك الأعراق كانت “أدنى منزلة من الأوروبيين بالمقياس التطوري” (في النهاية، ماذا اخترعوا؟ أين كانت سككهم الحديدية؟). ثانيًا، افترض الناس الذين فقدوا تمامًا قدرتهم على التفكير الرمزي والتناظري أن الأساطير التي عاشت عليها تلك الأعراق كانت تُفهم بحرفية شديدة ولم تكن تمثل سوى التلمسات الأولى للحيوان العاقل تجاه التفسير العلمي للكون. وعلى هذا الأساس، وبما أنه كان يستحيل تفويت هذه المتشابهات بين “الدين البدائي” والدين الأكثر “تقدمًا” الممثل في المسيحية، يكون السؤال الذي كان ينبغي طرحه هو ما إن كان ينبغي أيضًا تجنب تصنيف المسيحية باعتبارها سعيًا سابقًا للعلم لتفسير الحقائق المنظورة.

لو كانت تلك الحجج سليمة فيمكن حينئذ استنتاج نتيجة من اثنتين منها. من الممكن افتراض أن الدين عبارة عن ظاهرة تتطور مع “تطور” الإنسان، شريطة أن يُنقى باستمرار من عناصره “البدائية”  و”غير العلمية” وأن يُجعل مجاريًا للعصر. وإما أن الدين، بما في ذلك المسيحية، ليس إلا أثارةٍ للعصر السابق للعلم الحديث وينبغي التخلص منه إلى جانب كل الخرافات الأخرى التي ورثناها من عصور الجهل. الطوائف البروتستانتية، المتأهبة للدفاع عن نفسها باستمرار، هي على استعداد تام لتبني الاستنتاج الأول عن اعتقادٍ خاطئ بأن ذلك يمنح دينها بعض الأمل في البقاء، وقد شهدنا مؤخرًا تعثر هرمية الكنيسة الكاثوليكية في هذا المزلق. إنهم يتصورون أن المسيحية قد تُمنح فرصة البقاء على نطاق بسيط إن أمكن برهنة “نفعها” للمجتمع، أي من خلال غرس حس المواطنة في الناس، وحثهم على حسن الجيرة والالتزام بدفع الضرائب؛ وهم على استعداد للتخلي عن كل شيء يصطبغ بصبغة “الظواهر الكونية الأخرى” أو الميتافيزيقيات أو الظواهر الطقوسية. وكلما زاد تراجعهم، زاد عليهم تضييق الأعداء.

ومع هذا توجد مسألة واحدة فقط ينبغي طرحها، ولا يمكن أن يعتمد الجواب عنها على أية أرجحية، فضلًا عن الاعتبارات الاجتماعية أو الأخلاقية. لو أن الدين حقيقي، فإنه سيظل حقيقيًّا حتى وإن بُرهن أنه يفسد الناس بدل أن يصلحهم، أو أنه يجعلهم أكثر قسوة بدل أن يجعلهم أكثر لطفًا. ولو أن الدين زائف، فإنه سيكون زائفًا حتى لو أُظهر أنه قادرعلى تحويل هذا العالم إلى جنة أرضية. هذه المسألة قائمة بذاتها ببساطة شديدة خلف وفوق كل الاعتبارات البشرية الأخلاقية، والطريقة التي يجاب بها عنها قاطعة تمامًا.

يحدث أن يوجد السم والترياق في ذات المكان. ففي ظل مواجهة “إلتباس وجهات النظر”، الذي كان النتيجة الحتمية لانهيار تلك الحواجز الإنسانية والجغرافية التي قسمت سابقًا الثقافات المختلفة والمجالات الدينية المختلفة إلى “عوالم” كثيرة منفصلة، يختفي طريق العودة إلى بساطة وجهة النظر المنفردة المكتفية بذاتها. فيصبح من الضروري السير للأمام باتجاه التسليم القاضي بأن وجهات النظر لا تتصادم أبدًا، حيث أن توجهها دائمًا ينحو صوب المركز الفريد ذاته. يجب الآن الاستفادة من معرفة الشرائع الأخرى، التي تمثل سبلًا أخرى للمركز، والتي كان لها أثرًا كبيرًا في هز إيمان أولئك الذين آمنوا بأن إيمانهم هو الحق وحده (كما كان كذلك منذ أن انتفت حاجتهم إلى إيمان آخر لتحقيق الخلاص) وذلك من أجل إحياء كل تلك الحقائق النسبية التي هي بمثابة جسور تربط بين وجودنا الحاضر وبين عالمٍ يتجاوز تلك النسبية. جسر واحد يكفي لأي إنسان، ولكن ينبغي له أولًا أن يقتنع بصحته. وفي ظل هذه الظروف يظهر أن ذلك يعتمد على امتلاك بعض المعرفة العامة لطبيعة الجسور.

ولن تتحقق فاعلية تلك المعرفة ما لم تضع في الحسبان ما يمثل الإرث الإنساني (والمادة الأساسية التي بُنيت منها كل الجسور) أو “الدين الأولي الأصلي” أو “الفلسفة الخالدة”. إنه يشكل أساس الوعي الإنساني بماهيتنا ومكان وجودنا، ويمكن أن يقال أن كل الشرائع التي كان لها دورًا في الحفاظ على إنسانيتنا عبر العصور وفي تمكيننا من الإنتفاع بإرثنا، لم تكن سوى ملائمات شائها الإله للحاجات الملحة التي تعانيها الإنسانية “المنهارة” “والمستمرة في الإنهيار” على نحوٍ متزايد.

لم تُتخذ أعمال التجديد العظمى، الوحي الإلهي الذي انحدرت منه الأديان العالمية كما نعرفها الآن، كمعلمٍ على الطريق التطوري فحسب، إنما عُدَّت أيضًا دواءً لداءٍ مستفحل. لقد “حدثت” حينما (وحيثما) كانت الحكمة القديمة تواجه خطر الإضمحلال، وهو ما استدعى الحاجة إلى تدخل مباشر من خارج السياق الطبيعي للوجود الإنساني لحماية البشر من فقدان كل معاني طبيعتهم ومصيرهم الحقيقيان. في حالة الهندوسية، لم تعطل أعمال التجديد استمرارية الدين، إنما أعطته باعثًا جديدًا. وكانت المسيحية قد تمكنت من الإبقاء على صلةٍ وثيقة بالدين اليهودي (نتيجة إدخال العهد القديم في الإنجيل المسيحي). في حين أن الإسلام كان دائمًا صريحًا ومحددًّا فيما يخص دوره، رغم أنه ظهر في ظل وجود خواء روحي حقيقي. لم يكن النبي محمد صلى الله عليه وسلم مبتكرًا، بل مُذكرًا بحقائق منسية وحافظًا لحكمة قديمة؛ مرشدًا بذلك إلى طريق العودة لدين البشرية العالمي الصحيح ومتوِّجًا من خلال رسالته عملَ الأنبياء والرسل الذين صانوا الرابطة بين الإله والإنسان منذ فجر الخليقة.

كانت ستنتفي الحاجة الملحة للتدخلات وأعمال التجديد تلك لو أمكن للبشر حينذاك (أو الآن) الإنتفاع بالموارد الكاملة للأديان الأصلية البدئية من خلال اعتلاء تيار الزمن ثانية أو كما يقول أهل الكتاب بالعودة إلى جنة عدن. غير أن “اتجاه الزمان” ظاهر بوضوح في كل شيء حولنا: في توقف الساعات، والتقدم في العمر وإضمحلال الأشياء والكائنات الحية وتحلل الأنماط إلى أجزائها المكونة. قد ينعكس هذا الإتجاه على نحوٍ مؤقت (حيث أن الخلق ليس نظامًا مغلقًا) من خلال اجتياح ما هو خارج الزمان أو من خلال الوحي أو طقوس التجديد المُمارسة من جانب الشعوب “الغابرة”، ولكن احتمالية العودة بصورة نهائية إلى حيث انطلقت البشرية ليس لها وجود داخل إطار مرجعيتنا. ما يضيء صفحة الوجود هي تلك الضربة الصاعقة التي تلتقف الأجزاء الجوّالة وتنظمها في نمط يجد بعض المعنى من خلاله تعبيرًا أو رسالة. ومع ذلك، يجب أن يخضع هذا النمط في النهاية إلى عمليات الزمان الطبيعية وأن يواجه المصير المشترك للأشياء القابعة تحت الشمس.

وهذا ما يمنعنا من الوصول إلى كمال إرثنا وتخمين وجوده من البقايا الأثرية والأصداء والذكريات التي تحوم حولنا غير آبهين بها لكوننا غير متأهبين لإدراك ماهيتها. تلك البقايا الأثرية، التي لا تزال توجد في أساطير وطقوس الأمم “القديمة” القليلة التي لم تنجرف بعد مع تيار الحداثة، ثمينة للغاية. من الممكن أن تكون قد تحوَّرت مع مرور الزمن وأن من لا يزال يعيش عليها قد نسي معناها الحقيقي في حالات كثيرة، ولكن تظل الحقيقة أن وجودها باقٍ والوصول إليها ممكن، وهي ما تؤكد على هويتنا النيابية (viceregal)، مثل وثيقةٍ محروقة لم تفقد شرعيتها.

الأديان التي يألفها الغربيون، ذات الأصل السامي وربما البوذية هي “تاريخية” في شخصيتها، أولًا لأنها بالمعنى البسيط تملك تاريخًا يشبه كثيرًا تاريخ المؤسسات البشرية والأحداث الزمانية، وثانيًا لأن قصة إنجازاتها وتحوّلاتها تحتل مكانًا كبيرًا في تعاليمها. والزمن كما نعيشه في حياتنا اليومية هو الخلفية التي تعكس لنا تلك الأديان لنتأملها وندركها.

من ناحية أخرى، الشرائع “القديمة” لا تاريخ لها، ولطالما كانت علاقتها بالزمن الطبيعي كعلاقة الصخور بالبحر الذي ينحتها بالتدريج. وهنا تكمن قوتها من حيث أنها تستحضر الأحوال المعاشة قبل ظهور التاريخ المدون، وكذلك يكمن ضعفها من حيث أنها تعجز عن صنع أنماط يمكن للإنسان المعاصر أن ينظم حياته على أساسها. يُمكن أن يُقال أنها تتكئ على “الوهم” القاضي بألا شيء تغير ولا شيء حدث منذ بدء الزمان. ولم تنجُ إلا لأن المعنى كان يُنتزع من الأحداث الزمانية ما لم تُربط بأنماط الخلق السابقة للزمان، ويُعاد دمجها في تلك الأنماط ومن ثم يتم تجاوزها بالنظر إلى واقعها التاريخي. وهي على الأقل جعلت الزمن ثابتًا في داخلها.

يقول ميرسيا إلياد إن من السمات المميزة لكل المجتمعات القديمة هي معارضتها للمفهوم “الطبيعي” للزمن وإصرارها المستمر على العودة إلى اللحظة الأسطورية لمنشأها، “الزمن العظيم”، وذلك من خلال الفعل الطقوسي. لا تملك أجسام العالم الظاهري ولا الأعمال الإنسانية أية كينونة أو أهمية منفصلة؛ إذ أن “حقيقتها” لا تتجلى إلا في محاكاتها العلامات الكونية الأولية التي صنعها الله في لحظة الخلق. وما من شيءٍ يستحق الملاحظة أو الذكر ما لم يغطس في ماء منبعه.

تبعًا ذلك، تعتمد صحة الأحداث التاريخية في نظر القدماء على مدى تفسيرها للموضوعات الأسطورية لأنه بالنسبة  لهم لم ولن يمكن الفصل ما بين الأسطورة والتاريخ. أما المؤرخ الحديث، المهتم باكتشاف ما حدث “بالفعل”، فإنه يحمل على عاتقه مهمة شاقة ترمي إلى الفصل ما بين الإثنين، ولكن بالنسبة للأقدمين فإن الأسطورة، الحدث السابق للزمان، كانت هي “الحقيقة” فعلًا، ولم تجرِ الحوادث إلا لأن ارتدادات ذلك الحدث حددت أنماط الزمن أو، بالمصطلح الديني، حددت “ما يُمكن تحقيقه وتحدث به الأنبياء”. من ناحية، لدينا رأي لم يُنظر للعالم على أساسه على أنه منفصل عن منشأه الأزلي في ظل أي ظرف من الظروف. ومن الناحية الأخرى، لدينا رأي يأخذ تمامًا هذا الإنفصال بالحسبان.

في الحياة الشخصية كما في سياق الأحداث الدنيوية الأوسع، كان الإنسان “القديم” يعتبر أحداث الحياة اليومية حقيقية إن هي طابقت قالبًا ملائمًا سابقًا للوجود. توجد عدة طرائق للصيد (أو للحراثة والبذر والحصاد بالنسبة للمجتمعات الزراعية)، وطرق محددة للأكل والتناسل وصنع الأدوات. تلك الطرائق تطابق السوابق السماوية وقد انتقلت لشعب ذلك الإنسان القديم عبر الأساطير والطقوس – “علينا أن نقوم بما قامت به الآلهة حينذاك”، وكل الطرائق الأخرى تكون عقيمة بصورة أساسية ومخلة بالنظام. إن تعطش ذلك الإنسان لما هو حقيقي ووعيه بأنه إن ألزم نفسه بالتفاهات فإنه سيكون تافهًا وسيفقد صفة الكرامة، يسيطر على كل ملكاته الطبيعية. وفي الظروف الخاصة بعصرنا، البعيد عن أصولنا، قد يُقال أنه مهزوم حتى قبل أن يبدأ، إذ أن تيار الزمن يجري بسرعة وعنف هائلين يحولان دون مقاومته، وأن الأصداء التي لا تزال تصل إليه من “ذلك الزمن” خافتة جدًّا ولا تكاد تُسمع لتُتبع. قد يكون هذا هو الحال، لكنه يواصل العيش بوصفه مُذكِّرًا ورمزًا لمن هو مستعد للفهم.

حقيقة أن الإنسان “القديم” يُعد ناجيًا من فترةٍ كانت فيها أوضاع الحياة الإنسانية مختلفة جدًّا عن الأوضاع الحالية تجعل من الصعب عليه تقبل المصائب “الطبيعية” كالمرض أو الجدب أو الموت العارض التي لا تبدو لنا غامضة في أصلها على الإطلاق. فالنسبة له، تنم تلك النوائب عن إختلال في التناغم والنظام الذي لا يزال يبدو له “طبيعيًّا” بما أنه يحتفظ ببعض ذكريات زمنٍ ما قبل أن تحتل تلك الأمراض نصيبًا كبيرًا من نوعنا، ولهذا فهو يعزوها إلى نوع من الأعمال السحرية الهدّامة أو الفشل الإنساني. وهذا ليس بعيدًا عن وجهة النظر الدينية التي تنسبها للآثام الإنسانية. فالنسبة لـ “البدائي” وكذلك المسيحي، نحن نعيش في ظل لعنة، غير أن الأول لا يزال مبهورًا من هذه الحقيقة لأنه اختار أن يتجاهل التغييرات التي أحدثها الزمان وهو يسعى لإلصاق الخطأ بأحدٍ ما في منطقته الحالية.

ومع بقائه في موطنه في هذا العالم، وثقته ببيئته (التي نراها شيئًا يمكن إخضاعه واحتلاله)، فإنه يَفترِض براءتها ويلوم نفسه أو الأخرين من نوعه على الأسقام التي يرثها بدنه. إن ذلك الإنسان لا ينظر لإيقاعات الطبيعة بوصفها ظاهرة زمنية: تقلب الليل والنهار وتغيرات الدورة القمرية والفصول والأحداث التي جرت في ذلك الزمان ولم تتكرر، وحياته متحدة مع نمطها لأنه، هو وتلك الظواهر، يشكلون جوانبًا لنظامٍ أزلي واحد.

ولأنه لا يرى الزمن بوصفه عملية مستمرة وغير منقطعة، فإن التغييرات التي تجري خلال حياته تأخذ سمة الطفرات. إننا نعرف “طقسًا واحدًا فقط للعبور” وهو ظاهرة الموت الجسدي المخيفة، بينما حياة الإنسان “القديم” تبددها حالات الموت والإنبعاث – طقوس التسمية والبلوغ والزواج وما إلى ذلك – وكل واحدة منها تمثل انفصال شديد عن الماضي وانقطاع تام عن العادات وارتباطات وجوده السابق، بحيث قد يُتوقع منه الإنبعاث ثانية من اللحظة الطقوسية إلى طلوع اليوم العادي باسم جديد وهوية جديدة. وفي هذا السياق لا يمكن للموت البدني أن يتسم بسمة الفرادة التي يتسم بها لدينا، هو ببساطة أعظم “طقوس” العبور وأشدها كارثية. لا يحتاج لأن يفكر في “الحياة بعد الموت” أو يتحدث عنها كونه معتاد على النظر لكل نهاية باعتبارها مقدمة لازمة لبداية جديدة. هو نفسه، في هذه الفردية العميقة، معرض لللحظة الأولية حيث يتصل كل شيء بدأ وكل موت وكل إنقطاع في الديمومة  بالقربان الأولي الذي من خلاله ظهر الزمن والتعددية إلى وجودهما المحتدم المستهلك لذاته.

وكونه راسخًا في عالمٍ متماسك ومتحررًا من الإحساس الطاغي باللامعنى الذي يستحثه الزمان والتعددية حينما يُنظر لهما باعتبارهما قائمين بذاتيهما، يندر أن يُتوقع من هذا الإنسان أن يسأل الأسئلة التي نسألها أو أن يبحث هنا وهناك عن دلالة تشبع (في تجربته) المحسوسات المشتركة والأحداث الطبيعية التي تؤلف دورة حياة الإنسان. إن من الافتراضات الجوهرية التي تخص كل الشرائع القديمة سواء كانت “بدائية” أو دينية، بغض النظر عن اختلاف شكلها الخارجي، أن الإنسان لم يوهب فقط الحواس العقلية والعاطفية اللازمة لتكييفه مع بيئته، إنما أيضًا وُهب إجابات كل الأسئلة الحقيقية التي يمكن أن تُسأل. والسؤال الذي يظل دون جواب هو ذلك المطروح بالتعبير الخاطئ.

غير أن تلك الإجابات ليست من النوع الذي يرضي العقل السؤول عندما ينفصل عن الشخصية ككل ويطالب بترجمة كل شيء إلى مفرداته المحددة؛ ولا يمكنها كذلك الانتقال من يدٍ لأخرى كالعملات المعدنية. إن تلك الإجابات بطبيعتها، عبارة عن روابط اتصال تربط بين الفرد وكل ما عداه؛ لكن ولأنها لا ترتبط بالإنسان الجزئي بل بالإنسان الكلي، فذلك يستتبع  ضرورة أن يكون الإنسان الكلي معرضًا لتلقيها إن كانت ستعني له أي شيء. فالإنشقاق والإضطراب، والإبهام أو الزيف في أي مستوى من مستويات وجوده ستُشكل عوائقًا في الطريق المؤدي للفهم الكلي؛ لأن الكليات لا تُدرك إلا بالكليات “فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور”. (سورة الحج آية 46)

يُنشئ نوعان مختلفان من الصعوبة عوائقًا أمام الفهم الإنساني. يتمثل النوع الأول (الذي نحيط به إحاطة جيدة في عصرنا) في الصعوبة الفنية (technical) للموضوعات التي يتطلب استيعابها تدريبًا وتعليمًا خاصًّا إلى جانب الذكاء التطبيقي الفاعل، وفي هذه الحالة يكون العائق واضحًا للعيان؛ فلا أحد يفترض أن يتمكن الإنسان من فهم كتاب حول الفيزياء النووية لمجرد تمكنه من القراءة. أما النوع الثاني من الصعوبة فهو أقل وضوحًا وربما أكثر إيهامًا لأنه يرتبط بفهم الرموز والحكايات التي تبدو ظاهريًّا بسيطة وواضحة حتى أمام أبسط العقول وأقلها تدريبًا. مثل التجارب التي يخوضها البطل القديم، لكن بتحدِّ أقل وضوحًا، نجد أنها تمتحن قدرة الإنسان على سبر أعماق الحقيقة المعروضة على عقله، ولكنها أيضًا تسمح لمن يتمتع بإمكانات أقل بالاعتقاد بأنه استوعب كل ما هو متاح للاستيعاب. وهي بهذا المعنى تُعد تجارب مترفقة من حيث أنها تمنح كل فرد ما يطيق تلقيه. ولكن دائمًا هناك خطورة تتمثل في أن أولئك الذين لا ينظرون إلا إلى الصورة المحسوسة، القشرة الخارجية، ويفترضون أن لا شيء آخر يستحق التبصر، ظنًّا منهم أنهم أذكياء، سينبذون مثل تلك الحقائق كونها لا تستحق مزيدًا من الانتباه من جانبهم لتفاهتها.

قد يقول أحدهم عن هذا الموقف، الأكثر شيوعًا في عصرنا تجاه الكتابات الرمزية للشعوب “البدائية” والنصوص الدينية، مثلما يقول الجامايكيون عن رجل غبي يرى نفسه ذكيًّا: “هذا الرجل جاهل حتى أنه لا يدرك جهله.” إن أنماط التفكير الرمزية والتناظرية التي كانت فطرية بالنسبة لأسلافنا البعيدين ولا تزال كذلك لبعض الشعوب “القديمة” تُعد بدائية بالمعنى التطوري للكلمة، أي تفتقر لشيء كان مكتسبًا حينذاك في طريق الإدراك. يتحدث الناس عن أنماط تفكير “بدائية” (pre-logical)، ما يوحي بأن أولئك الذين تبنوا تلك الأنماط كانوا غير قادرين على الممارسة الكاملة للتفكير ومن ثم فُهم أقل إنسانية.

لكن يوجد رأي مختلف تمامًا عن الرأي الذي يُمكن أن يتخذ حول مسائل كهذه وحول عجزنا المعاصر عن التفكير بمصطلحي الرمز والتناظر المحددين والتركيبيين. وفقًا لهذا الرأي، تحوّل الرموز إلى مفاهيم منطقية وإلى أساس العقائد الصريحة لن يُعد تقدمًا تطوريًّا، بل سيُعد تسليمًا بقدرة الإنسان المتضائلة على إدراك أية حقيقة بعموميتها وبتنوع جوانبها وبثرائها وكثافتها في المعنى المتجاوزان للعقلانية. إن الأحمق من يحتاج إلى شرح كل شيء وليس الذكي.

ومثلما أشار شوان (Schoun) في عدد من المناسبات، العقيدة الصريحة متأصلة بالفعل في الصيغة الرمزية، واستعمالها في الجدل والخطاب لا يضيف شيء لها ولا يمكنه استنفاد معناها. وبالفعل، حينما بدأ معظم الناس في فهم الرموز فهمًا حرفيًّا مما استلزم التعبير بصيغة نظرية مفاهيمية عما كان ضمنيًّا في السابق، نجد افتقارًا لا مناص منه للمعنى عند مواءمته مع قيود اللغة الإنسانية الصارمة. يجد المتعلمون في عصرنا أنه من اللازم كتابة كتب كاملة لشرح دلالة رمز واحد بمختلف مضامينه. “ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله”. (سورة لقمانن آية 27)

الرموز في المقام الأول عبارة عن أشياء وإدراكنا لها يعتمد على تمكننا من رؤية عناصر بيئتنا كما هي حقًّا (أو وفق معناها الحقيقي) وليس كما تظهر وفق الرغبة الإنسانية. والحقيقة الجوهرية، كما يقول شوان، تتمثل في”أن كل شيء، أي شيء وأية طاقة، من حيث حقيقة وجوده … يمثل سبيلاً ممكنًا تجاه “الحقيقي”. والعملية التي “تُجمد” البيئة من خلالها أو تفقد تدريجيًّا سمة “الوضوح” الخاصة بها حتى تغدو الأشياء مجرد كائنات (objects) قد نستعملها أو ننبذها لأنها تعرقلنا، هي ذاتها العملية التي من خلالها تُستنزف الرموز وتُختزل إلى مستوى المجاز الشعري أو “العلم البدائي الأولي”. بالنسبة للإنسان الحديث، المحسوسات وحدها هي ما تبدو حقيقية قطعًا، بينما كل شي آخر يكون إما “وهمي” أو “مجرد”. أما الإنسان “الأولي”، فالحقيقة لا تقيم في الكائن بحد ذاته، إنما في ما يدل عليه، وتجريده من هذه الدلالة يستحيله إلى شيء مبهم على شفا اللاوجود.

نحن أحرار، بطبيعتنا، في اعتبار تلك الرؤية خاطئة، بيد أننا نخدع أنفسنا حينما نصرف النظر عنها دون أن نتكبد عناء السؤال عما تعنيه ودون التفكير ولو للحظة في احتمالية خطأ تصورنا؛ فلا إرث لنا غير هذا الإرث، ولا يملك ماضينا الإنساني ما يقدمه لنا غيره. وقبل أن نستسلم للفقر المدقع (على أمل أن العلم سيحقق لنا الثراء)، قد نحسن صنعًا إن استدعينا سؤال باسكال حول ما إن كان وارث الثروة سيفكر في التخلص من سندات أملاكه على اعتبار أنها نسخًا مزيفة دون أن يكلف نفسه عناء فحصها. الحماقة هي علامة على وجود نقيصة أكثر من كونها علامة على قلة الذكاء، ومن غير النادر أن يفضي الغرور إلى العمى المتعمد. إن كان “التاريخ هراء” وماضينا الإنساني مجرد قصة عن الجهل والخرافة، فيمكننا إذن أن نزعم أننا عمالقة؛ لكن إن كنا ورثة رجال أنبل منا وكانوا يعرفون أكثر مما نعرف، فنحن أقزام وينبغي لنا أن نحني رؤوسنا تواضعًا.

ما من مزية في تراكم المعرفة الواقعية لمجرد تراكمها، والقول بأن العقل البشري تعرض للتشويش وأُثقِل عليه بالفعل حينما حُشِر بكثير من الأمور غير المترابطة لا يُراد به التقليل من هذا العقل. لكن حينما يفكر البشر خارج القيود الطبيعية للمعرفة النافعة لهم فيما يخص حاجاتهم الروحية والبدنية، يصبح من الضروري حينها موازنة جذاذات المعرفة التي التقطوها مثل كلب يلتقط العظام المتناثرة مع الوعي بالحقائق التي تضع تلك الجذاذات في سياقها الصحيح، وليس إرجاعهم إلى المنظور المحدود (وهذا مستحيل لأن التاريخ لا يمكن عكسه).

ما الرابطة الممكنة التي يمكن أن توجد في عادات بعض الشعوب القديمة أو في إحدى القبائل الأسترالية الأصلية مع حياة الشعوب في أوروبا أو أمريكا الحديثتين؟ ما من رابطة، حتى تاهت الشعوب اللاحقة خارج عالمها وبدأت تشغل بالها في هكذا أمور. ولكن وجود ذلك الاهتمام قد يقودنا إلى حقل من الأفكار الخاطئة التي تدمر موطننا – مثل البكتريا المميتة التي أُعيدت من الفضاء الخارجي – ما لم تُنقح من ناحية منظور أوسع من أي منظور أنتجته وجهة نظر محلية بحتة. لو صممنا على معرفة أمور ليست من شأننا، من وجهة نظر عملية، فعلينا إذن أن ننمو لبضعة إنشات لنتكيف مع هذه المعرفة الغريبة. وإلا فإن قدرتنا على إدراك العالم المنطقي، عالمنا، ككل قد تتجاوز حدودها الطبيعية.

لم يكن المسيحي العادي في العصور الأولى يحتاج لمعرفة أن الله تحدث بلغات عديدة ومن خلال أقنعة متنوعة كثيرة، والحقيقة المربكة التي تفيد بأن الأوعية التي حُفظ فيها هذا الحديث هي بالضرورة نسبية في نوعها كانت غير مرتبطة “بخلاصه”. كان مودوعًا بأمان في سياق ديني أشبع حاجاته الحقيقية، وأجاب عن أسئلته وأمدّه بجسر الخلود. وكل ما كان يؤرقه هو أن يُكمل ويقوي طريقه إلى الله، مستغلاًّ الدعائم العقائدية والشعائرية المتاحة أمامه والملائمة تمامًا له: معرفة أنه كانت توجد طرقُا بديلة، كانت نافعة لأولئك الذين تكيفوا مع عاداتهم وأنماط تفكيرهم، لم تكن لتتمكن من مساعدته في هذه المهمة. ولو افترض، جهلاً، أن إيمانه كان هو الإيمان الحق وما عداه مما يسمعه من قصص الرحالة كان غير صحيح بالضرورة، فلن يقود ذلك إلى أي ضرر. غير أن الوضع تغير جذريًّا حينما انهارت الفواصل الجغرافية وانتشر الأوربيون، المسيحيون أولاً – ثم لاحقًا المسيحيون السابقون – حول العالم.

يقول شوان: “لا يمكن أن يلام شخص لتهجمه على دين مختلف باسم دينه لو كان فعله هذا ينم عن جهل تام، ولكن لو لم يكن الحال هكذا، فسيكون المرء مذنبًا بالتجديف على الله، لأنه من خلال ازدراء الحقيقة الإلهية بصورة دخيلة هو لا ينال إلا فرصة التعدي على الإله بضمير مرتاح. وهذا هو التفسير الحقيقي للحماسة الكبيرة والمشوبة التي يظهرها أولئك الذين يكرسون حياتهم، باسم المعتقد الديني، لعمل أمور قدسية تبدو مؤذية وخبيثة ..”. تشير دراسة عن الجهود التبشيرية المسيحية أنه كان هناك بالفعل “حماسة كبيرة ومشوبة” في العمل، ولكن هذه الحماسة تصاعدت في سبيل خدمة دين “التقدم” الزائف.

حينما يكون دين معين مكبوحًا ومنعزلاً في عالمه الخاص (الحدود التي رُسمت بفعل عوامل جغرافية وعرقية)، فإن المحاججات والعقائد التي يُبنى عليها إيمان غالبية المؤمنين يمكن أن تظل محدودة (parochial)، بالمعنى الدقيق للكلمة. ومسألة محدوديتها وإمكانية تعرضها للنقد القائم على معرفة أكثر تعقيدًا أو منطق أكثر صرامة من ذلك المقدم من وجهاء الأبرشية لا تهم إذا كانت فعالة؛ بمعنى إن كانت تفتح نوافذًاعلى العالم الحقيقي. وبالطبع يمكنها تحقيق ذلك لو كانت تمثل الحقيقة تمثيلاً ملائمًا، ضمن حدود مرجعية معينة،  بيد أن هذا التمثيل لا ينبغي له أن يكون غامضًا أو عموميًّا طالما أنه يرمي إلى بعث الحقيقة الموجودة بالفعل في مركز كينونة الإنسان أو، من وجهة نظر أخرى، يرمي إلى فتح قلب الإنسان إلى عمل النعمة (Action of Grace).

لكن المعتقدات الدينية تتأثر بأولئك الذين يجلسون ويحللون بنيتها بدلاً من استخدامها حجرَ أساس لمعرفة منسية لكن لا تزال قابلة للاسترجاع. المذهب العقائدي لا يعدو كونه مذكرة، وينهار عندما يُعامل كما لو كان بيانًا علميًّا؛ لأن ما يمثله لا يُمكن أن يبيّن بالطريقة التي تُبين بها القوانين التي تحكم حركة الكواكب أو تكوين البلورات. فالكواكب والبلورات تنتمي لحدود عالمنا وقد يُعبَّر عنها بلغة نوعنا، بينما الحقائق التي ترشدنا إلى طريقها المعتقدات (كالرموز) ليست قابلة (للنزول) لأي بعد من أبعاد النسبية. إنها لن تنزل إلينا إلا في شكل تلميحات وإشارات تستميل الروح التي لم تغص تمامًا في الأعماق الزجاجية. إننا نحن من يجب أن نتجه نحو المركز حيث تقيم في كمالها الجوهري. والقطعية بأننا قادرين على فعل ذلك هي من بين القطعيات الأساسية التي شيدت عليها الأديان، وكذلك الشرائع الأولية، قلاعها. وعندما يُصرف النظر عن هذا – وتُوصد الغرفة العميقة في القلعة بالأقفال – يفقد الدين علة وجوده ويكون مصيره الضعف والإضمحلال.

ونحن بالطبع نصرف النظر عن تلك القطعية. إنها تُدفن تحت أنقاض القرون. غير أن الغرفة العميقة لا تزال هناك والقفل سيُفتح رغم تحلل المفتاح؛ وذلك لأن حوض النعم (reservoir of Grace)، المركز النوراني لأي وحي إلهي، هو أزلي ومُستثنى من حالة الإضمحلال التي تفتت أعماله الوقتية. إن الإله لا ينحسر بل نحن من يتلاشى.

إن غيابنا (انجرافنا عن موطننا الروحي) كان، وفقًا للتعليم التقليدي، سبب الوحي الديني العظيم الذي مكَّن على الأقل من وجود إحياء جواني وروحاني قد يكون منعسكًا في البيئة إن سمحت لذلك ظروف الزمان، حتى وإن لم يتمكن من إحياء التناغم الأولي ظاهريًّا وموضوعيًّا؛ وبالفعل القصص المألوفة في المسيحية والإسلام والبوذية عن تحول المادة أو الإنسجام بين الإنسان والوحش بحضور القديسيين توحي بأن البيئة جُددت لشيء يشبه كمالها الأولي في لحظات معينة. ولكن حقيقة أن تلك اللحظات لابد أن توصف باعتبارها إعجازية يذكرنا بأن الزمان يمضي.

قدمت الأديان العالمية وسائل “الخلاص” باعتبارها قوارب عبور مجهزة لحمل البشر عبر تيار الزمن (وليس باعتبارها سدود تسد التيار). إن ما “سيُنقذ” الإنسان منه هو التجزؤ والتشتيت والتبدد في الكثرة والتعددية وما سيفقده الإنسان في خضم عملية التجزؤ هذه هي هويته الحقيقية بوصفه إنسانًا. الوحدة التي يفرضها دين ما على أتباعه هي شيء صلب بالضرورة، على الأقل في أشكالها الظاهرية، وهذه هي طبيعة قوارب العبور إذ أنها لم تأتِ في هياكل صلبة إلى لتؤدي غرضها. وحقيقة أن دينًا ما يسمح بما يحرمه دين آخر أو أن القوانين الجنسية وأحكام النفقة لا تشترك فيها كل الأديان، لا يقلل أبدًا من صلاحية تلك القوانين في سياقها الخاص بها، باعتبارها أجزاء من بنية واحدة قوية بُنيت في ضوء منظور ديني معين. والمنظور يحدد مخطط البناء وطريقته بينما توفر البيئة المعنية المواد اللازمة.

من يعيشون في زماننا ممن يشددون على حقهم في الوصول إلى الله “بطريقتهم الخاصة” ويعيبون الدين المنظم بأكمله يظهر أنهم غير مدركين أنهم حتى وإن كانوا قادرين على تحقيق ذلك الوصول (كما قد يستطيع بعض القلة ، بطبيعة الأمور)، فإنهم أيضًا يؤكدون على حق بقية البشر في إغراق أنفسهم في الدين وربما يستنكرون عليهم ذلك. السؤال الذي ينبغي أن يُطرح هو ليس ما إن كان بمقدور الإنسان الوصول للحقيقة بنفسه دون الإستعانة بإطار ديني، بل ما إن كان هذا ما يحدث في الواقع عدا في أكثر الحالات استثنائية. الجواب عن السؤال الأول سيكون نعم بالضرورة لأنه لا يتعامل إلا مع الاحتمالات و “كل شيء ممكن مع الإله”. بينما الثاني لا يحتمل إلا جوابًا منفيًّا، وهذا ما يهم. الكنائس  والمعابد ضرورية، ليس بسبب طبيعة الإله بل بسبب طبيعتنا. فرغم وجوده في كل مكان، إلا أنه يكون من السهل جدًّا العثور عليه حيثما دارت بلورة دين معين حول نعمائه.

كلمتان مثل “بنية” و”بلورة” توحيان بشيء أكثر تماسكًا من الفكرة أو الغاية. مثلما رأيننا، تحددت كليًّا حياة الشعوب “القديمة” بفعل أساطيرهم ورموزهم وطقوسهم، حتى أن ما يحدث خارج هذا الإطار المقدس يصعب الاعتراف بوجوده. وبالنسبة لهم، لا يمكن أن توجد مواجهة بين المقدس والمدنس لجهلهم بالمدنس. وبالنظر إلى أوضاع زمنٍ لاحق وبُعد عالمنا المتزايد عن مصدره الإلهي، كان على الأديان العالمية التصدي لهذه المواجهة بالرغم من التفاوت الكبير في مدى اعترافها بوجودها. الهندوسي الأرثوذكسي يشبه الإنسان “القديم” وبالكاد يدرك وجود حيز مدنس يواجه ممارساته الطقوسية. والمسلم الذي لا يزال يعيش في مجتمع إسلامي متلاحم يشعر بشيء يشبه هذا التماسك في العالم المتسم بالحياة الدينية. أما في حالة المسيحية فالوضع مختلف جدًّا.

لم يشك الهندوسي قط بخضوع السلطة الزمنية للسلطة الروحية، وأنشأ الإسلام مكانه في العالم في ظل حكم الأحفاد الربانيين للنبي محمد صلى الله عليه وسلم. بيد أن المسيحية ظهرت للوجود في بيئة عدائية كانت بالنتيجة مدنسة ضمنيًّا. فعلى عكس المسلمين والهندوس، ارتبط المسيحيون فورًا بأشياء لم تكن مقدسة وكان عليهم التصالح مع المدنس (أو مقاساة الاستشهاد). وبما أن الدين المسيحي لم يُدرج في طياته قواعد السلوك وقواعد التنظيم السياسي كما هي مبينة في المخطوطات الهندوسية والقرآن الكريم، كان عليه أن ينشئ الكثير من بنيته الدنيوية من البيئة العبرانية التي وُلد منها ومن البيئة الرومانية التي نضج فيها. وحتى وهو في أوج قوته، حينما كان العالم المسيحي قوي ومتحد، سُمح واعتُرف بوجود فارق بين النطاقين الروحي والزمني (ومن ثم المدنس)، وهذا كان يبدو غير مقبول لدى المسلمين في الوقت الذي كانت فيه الحضارة الإسلامية في أوجها.

لطالما كان من الطبيعي لدى المسيحيين أكثر من غيرهم افتراض وجود مظاهر للحياة الإنسانية تقع خارج المدار الحالي للدين. وقد كان من الممكن تنظيم تلك الأمور – أو تحييدها – طالما تصرف الناس بشأنها كمسيحيين صالحين، ولكنها لا تنتمي بحد ذاتها إلى المقدس. وعبر هذه الثغرة، تسللت نسبة بسيطة من الغربيين إلى العالم المدنس المعاصر، متخذةً اتجاهها الخاص وسامحة بإحياء الدين باعتباره “مسألة شخصية” طالما أنه لا يتدخل في المجالات الأكثر أهمية، بينما انشغل بال الغالبية العظمى منهم في التحلي بسمات المسيحي الصالح.

الإيمان الشخصي شيء والدين شيء آخر، والاثنان مترابطان ارتباطًا وثيقًا ببعضيهما ولكن لا بد من صنع الفارق. قد يتبع الإنسان طريقًا روحيًّا في معزل عن بيئته الاجتماعية والاقتصادية، غير أن فكرة الدين الأساسية تتضمن دمج المجال العام في نمط محدد روحيًّا بحيث يُدعم كل البشر وليس “فردًا واحدًا” لتحقيق هدفهم من خلال كل ما يفعلوه وكل ما يشعروا به في السياق الطبيعي لحياتهم اليومية. إن قارب العبور حياة في حد ذاته، إنه سفينة مزودة بكل ضرورات الحياة.

لكن الأشياء تنفصل وتتحرر. يطالب أحد جوانب الحياة بالاستقلالية ثم تطالب الأخرى ببناء سفنها الخاصة – ولكنها سفن للإبحار مع التيار وفق اتجاه الزمان وليس للعبور – . السياسة والعلوم والفن والأدب تسير في طريقها، كلٌ منها مستقل عن كل شيء عدا التيار ذاته واندافعه المتزايد، إلى أن تُضاف أخيرًا سفينة صغيرة أخرى إلى الأسطول والتي تدعو نفسها ربما “الدين المتكيف مع حاجات العصر”، وتحمل بعض الأنظمة التي تضبط الحياة الشخصية وحمولة المُثل. وبطريقة ما لا تتمكن أبدًا من مسايرة بقية السفن: ربما جزء من الذاكرة يشدها عكس التيار أو أن غرابة حمولتها هي ما يفرقها عن البقية.

مناقشة فائدة أية محاولة لتكييف الدين مع ما يُفترض أنه يمثل حاجات عصرنا لا تعني الانتقاص من القيمة الجوهرية للتدين الشخصي أو التقليل من نبل أولئك الذين يحيون “حياة مسيحية” في السياق المعاصر: ما هو محل التساؤل هو صواب تمويه الحقيقة من أجل التوصل إلى حل وسط مع الضلال ومن أجل تطبيق النظرية التطورية  على علامات الأزلية المغروسة في أصل العالم الزمني. ولتوضيح الفكرة، لو شاء الإله أن يخاطب العالم المعاصر فمن المفترض أنه سيجد وسيلةً لفعل ذلك. هناك حد لمدى قدرة الإنسان على المضي في تأويل الكلمة السماوية بلغة تُستثنى منها كل الكلمات الملائمة. ولو ابتعد الناس عن المركز الذي يشكل موطنهم الحقيقي، فالإحسان يستلزم إرشادهم لطريق العودة. وتصور أن يتمكن أحد من أخذ المركز إليهم – بينما يبقون حيث هم – محض حماقة.

إن مسعى جعل دين ما مقبولاً عند أكبر عدد ممكن من الناس، وفي هذه الحالة المسيحية، ينحو إلى تخييب الغرض منه.                              وقد حصل هذا بدرجة مذهلة في الدول البروتستانتية حيث اختُزلت المسيحية كثيرًا لتتناول المبادئ الأخلاقية والمذهب المثالي. لكن يوجد عاملان منفصلان يعملان معًا على ضعضعة الإيمان ووقف نشر الدين. هناك في المقام الأول رفض الإقرار بأن بنية الحياة المعاصرة (لا سيما العمل الذي تكسب الغالبية العظمى قوت يومها من خلاله) تُقصي الدين، كونها مدنسة في الأصل والفرع، وبأن إدخال المسيحية في هذه البنية يستلزم التنكر لإيمانها. ونجاح بعض الطوائف “المتطرفة” التي رفضت التوافق مع العالم الحديث يوحي بأن التوافق ليس أساسيًّا لبقاء المسيحية. وثانيًا، تخلى المسيحيون البروتستانت عن إرثهم الفكري والغيبي بغية استمالة الناس “العاديين”، ويبدو أن الكنيسة الكاثوليكية على استعداد لتقليدهم.

أولئك الناس العاديون قد لا يهتمون كثيرًا بالاعتبارات الفكرية، لكن من يهتم هم أولئك الذين لهم الأثر الأقوى على أفكارهم. ينشأ لدينا هنا موقفًا مثيرًا للسخرية: بُسِّطت المسيحية لجعلها أكثر قبولاً لدى السواد الأعظم، وبدلاً من قبول هذا الدين المُخفف، اتجهت الأكثرية للأقلية الأكثر تعلمًا وتساؤلاً وتفكرًا ومطالبةً طلبًا للهداية.

هذا في حد ذاته تبسيط مفرط. يوجد أعضاء من “النخبة” المؤثرة ممن اختاروا البحث في المسألة من أجل أنفسهم واكتشفوا مجددًا الجذور الماورائية للدين المسيحي، وآخرون ممن رضوا بالإيمان البسيط، ومن بين الناس غير المتعلمين نسبيًّا يوجد من يرغب في الإشباع الفكري. ولكن لا يمكن إنكار أن الكنيسة التي لا ولن تستطيع استمالة قادة الرأي، لابد وأن تفقد جمهورها عاجلاً أم آجلاً، خاصة في عصر الإعلام الجماهيري، وأن الجهل بالعقيدة المسيحية (والرمزية المسيحية) الذي يُظهره أولئك الذين يرفضون الدين باعتباره قصة خيالية هو جهل مطبق للغاية حتى لا يسعنا إلا أن نفترض أن ما عرفوه عن المسيحية لا يزيد عما ترتأي البعثات التبشيرية تبليغه “للرعاع” البسطاء. إن إغفال الأساس الماورائي و”الباطني” للدين يعرّضه للهجوم  من وجهة نظر أولئك الذين يقبلون بالرأي العلمي في كليته، ولكن ما يُهاجم بالفعل (سواء في حوار خاص أو عبر الإعلام الجماهيري) هو دين السّذج، مسيحية مدرسة يوم الأحد. ويجابه هذا الهجوم بمحاججة مدرسة يوم الأحد.

عندما يجلس رجلان، ربما قس وعالِم، أمام كاميرا التلفاز لمناقشة الدين، فقد يُفترض أن يكون أمام القس ثلاثة أساليب متاحة له. فبإمكانه أن يُلقي على رأس العالم بالثقل الكامل للمذهب القديم، بكل عمقه الميتافيزيقي وتعقيد تعريفاته وانتقاله السريع بين مستويات الرمزية هازئًا بعصبية العالِم للعلم؛ أو قد يقف على قدميه ويدعو الإله أن يسحق خصمه في تجلٍّ مباشر للغضب الإلهي. وأخيرًا، بمقدوره أن يطلب من الرجل أن يمضي ويتقصى عن المسيحية بدلاً من طرح الأسئلة الغبية. ولكن السخط لا يلائم المسيحي، والعقيدة معقدة جدًّا بحيث لا تحتملها العقول البسيطة. ويجب ألا يكون هناك أي تلميح بأن الهلع يتربص بمن يزيغ عن الطريق القويم أو بأن عواقب حياة الضلال يمكن أن تكون أكثر خطورة من عواقب “حياة الخطيئة”.

في هذه الحالة، يمثل هذا النقاش علاقة متقاربة. ينقض العالِم الدين كما فهِمه بعقلية صبي صالح. و”رجل الدين”  يدافع عن الدين بلغة صبي صالح بينما يقبل تمامًا نظرية المعرفة التي بنى عليها العالِم حجته. يظهر أن كلاهما تعلّما الدرس ذاته في المدرسة وربما أنهما تليا الآية البادئة بـ “يسوع المسيح، اللطيف، الوديع والمعتدل” ولكن أحدهما أعرض عنها والآخر تأثر بها، ولا يُدرك أيِّ منهما احتمال عدم ملائمة هذه الآية (أو آيات أخرى من ذات النوع) في سياق دين مخضل بدم الشهداء و – والمهرطقين – ويأتي من وحي يُنزل بين الناس السيف لا السلام، مثل أي اختراق جائح للواقع.

رغم أن الله قال للمسلمين “رحمتي تسبق غضبي”، لم يتصور المسلمون قط أن الغضب نقضه خضوعه في النهاية للرحمة الواسعة. ولكن المسيحية المعاصرة إنساقت إلى حالة يُعرَّف فيها الرب بألطف السمات البشرية، كما أن الرمزية التجسيمية فُهمت بحرفية شديدة لدرجة أن الصفة البشرية خُلعت على المطلق إلى درجة العبث. ومن هنا ظهر رد الفعل الطبيعي لأولئك العاجزين عن مسامحة الرب لعدم كونه مسيحيًّا وفق استيعابهم للكلمة، وغضب الناس الذين خانهم أولئك الذين مُنحوا كامل الثقة، والكفر المؤسف لأولئك الذين لا يعزون ظهور العالم المعتل من حولهم إلا إلى الإله، بينما رأس المشكلة، معلمو دين الصبيان الصالحين، يمضون في طريقهم بسماحة.

كتب تيبون بشأن ” القصة البسيطة لخلق الإنسان للإله” وما من شيء مدهش في هذا الأمر لأن الله ذاته “غير مخلوق” كما يقول اللاهوتيون، بينما الصور والأفكار والمفاهيم تتبع نظام الأشياء المخلوقة. يعرف النمر بالضرورة معبودًا وحشيًّا. ومن يمكنهم من البشر معرفة الله بطريقة تختلف عن معرفتهم إياه عبر صورتهم الخاصة هم أولئك القلة الذين نبذوا صورتهم وحققوا داخل أنفسهم نوعًا من التجرد التام. ولكن مع ذلك، ما يرى خلال هذا الزجاج الملفوف لا وجود له، والصورة المؤنسنة تعمل بمثابة جسر يقود إلى بقعة تتجاوز الحدود المفروضة على كل الصور المخلوقة شريطة أن ينظر لها باعتبارها جسر. وتكمن الخطورة في اعتبارها نقطة توقف وليس نقطة إنطلاق، وهذا هو الخطر الذي يظهر أن المسيحية قد تعرضت له، على الأقل في العصور الحديثة. لطالما كان الأوربيون ذوي عقول بسيطة (كان الرومان كذلك) وكانوا ينزعون على نحو غريب إلى الخلط بين الرمز والمُجسد في محاولة دائمة لاختزال كل ما هنالك إلى أبعاد يسهل تطويعها، وحصره ضمن حدود “المنطق”. حتى نجحوا أخيرًا في اختزال الإله إلى بُعد “رجل عجوز في السماء”، وهم بعد ذلك في خشية من اكتشاف مدى عبثية هذا الرجل و”لا أخلاقيته”.

 


 

المقال الأصل

error: المحتوى محمي