التاريخ الكامل للحملات الصليبية – جوناثان فيليبس / ترجمة: أحمد زيد

التاريخ الكامل للحملات الصليبية – جوناثان فيليبس / ترجمة: أحمد زيد

 التاريخ الكامل للحملات الصليبية1

التاريخ الكامل للحملات الصليبية

  By Jonathan Phillips  | ترجمة: أحمد زيد


 

 

خلال العقود الأربعة الماضية، برز موضوع الحملات الصليبية على واجهة المواضيع التي تناولها البحث التاريخ بالدراسة والتحليل، ما يدل على الاهتمام المتزايد بفهم هذه الأحداث التاريخية الاستثنائية. ما الذي دفع الغرب النصراني للاستعادة السيطرة على القدس؟ وما الآثار التي خلفتها الحملة الصليبية الأولى (1099) على المجتمعات المسلمة والنصرانية واليهودية شرقي المتوسط؟ وما الأثر الذي تركته الحملات الصليبية على الشعوب والمؤسسات غرب أوروبا؟ كيف أرّخ الناس الحملات الصليبية؟ وأخيراً ما هي تركة هذه الحملات الصليبية؟

ارتقى النقاش الأكاديمي خلال ثمانينات العقد المنصرم إلى مراحل متقدمة في ظل احتدام الآراء حول تعريف الحملة الصليبية. وتوسع نطاق دراسةِ الحملات الصليبية على إثر الاعتراف الجديد بأن الحملات الصليبية امتدت أبعد بكثير من حيث النطاق والتسلسل التاريخي من تلك التي زحفت في القرن الحادي عشر إلى الأراضي المقدسة. أي أنها امتدت إلى ما بعد انتهاء سيطرة الإفرنج على الشرق عام (1291) واستمرت حتى القرن السادس عشر. كان للحملات الصليبية عدداَ من الأهداف شملت المسلمين في شبه الجزيرة الأيبيرية والوثنيين في إقليم البلطيق والأعداء السياسيين للبابوية والهراطقة (الكاثار والهوسيون). ويشار إلى أنصار الرأي القائل بهذا الإطار للحملات ويعترفون بمركزية القرار البابوي في إنطلاقها بأصحاب الموقف الجماعي.

أسهم ظهور هذا التفسير في إنعاش البحث في الحملات الصليبية واستقطاب عددٍ كبيرٍ من الباحثين. cropped-dscf15472وصاحب هذه المستجدات اهتماماً متزايداً في دراسة دوافع وأهداف الحملات مرة أخرى، مما أدى في نهاية المطاف إلى التقليل من أهمية الدوافع المادية واستبعاد “الكليشي” السائد بأن الحملات خرجت بسبب العدد الفائض في الشباب الذين لا يمتلكون أراضي ويريدون أن يخوضوا المغامرة. وبعد أن اتسعت دائرة الأدلة المأخوذة بالدراسة بشكل كبير (خصوصاً عقود البيع أو التضمّين للأراضي و/أو الحقوق) برزت الدوافع الدينية كمحركٍ رئيس للحملات، وفي الحملة الصليبية الأولى على وجه الخصوص.

حفزت بعض الأحداث العالمية بطريقة ما هذا النقاش الأكاديمي؛ فقد قوّت أهوال الحادي عشر من سبتمبر واستخدام الرئيس جورج دبليو بوش لكلمة “حملة صليبية” لوصف “الحرب على الإرهاب” رسالة الكراهية التي يروج لها المتشددين، ونفخت الرماد عن فكرة الصراع الطويل والممتد بين الإسلام والغرب منذ العصور الوسطى، لتعود بذلك إلى الواجهة مرة أخرى. ومما لا شك فيه أنه لا يمكن الاستناد إلى هذه النظرة المبسطة إلى المسألة، إلا أنها أداة سهلة للمتشددين بكافة أطيافهم (من أسامة بن لادن إلى أندرس بريفيك إلى الدولة الإسلامية)، وقد مهدت لدراسة  آثار الحملات الصليبية في العصر الحديث بالاعتماد على الأرشيف الرقمي الزاخر لمجلة (هيستوري تودي) كما سنرى.

***

أطلق البابا أوربان الثاني نداء الحملة الصليبية الأولى في نوفمبر 1095 في مدينة كليرمونت في فرنسا، وقدم عرضاً مفاده:”كل من يذهب إلى القدس ليحرر كنيسة الرب بنيّة خالصة غير قاصدٍ مالاً ولاجاه سيغفر له ما تقدم من ذنبه”. حوى هذا العرض على مزيج من التوجّهات الحديثة إلى جانب البدع التي أضافها أوربان. وحينئذ، كان النصارى قد قضوا عدة عقود في محاولة دفع حدود المسلمين إلى الوراء على أطراف أوروبا في شبه الجزيرة الأيبيرية وصقلية، وقد تدخلت الكنيسة في بعض هذه الأحداث مقدمة مكافئات روحانية محدودة للمشاركين.

كان الأب أوربان الراعي المسؤول عن صحة رعيته الروحانية، وكانت الحملة الصلبية بمثابة فرصة قدمها أوربان للفرسان المذنبين في أوروبا الغربية ليتوقفوا عن الاقتتال فيما بينهم، وعن استغلال الضعفاء (من العامة ورجال الكنيسة) ويستبدلوا العنف في حياتهم بشيء يعود بالنفع.

ورأى أوربان في الحملة فرصة لتوجيه طاقات الفرسان إلى هذا العمل الروحاني الصالح، ألا وهو استعادة مدينة القدس المقدسة من المسلمين الذين احتلوها عام 637. وفي المقابل، كان الجزاء أن تُغفر لهم ذنوبهم التي اعترفوا بها، لينجوا بذلك من عذاب الخلود في جهنم؛ المصير الذي أكدت الكنيسة أنه جزاء كل من عاش حياته مذنباً. وقد بين ماركوس بيل في مقالته عام 1997 السياق الديني لهذه الحملة.

كان لمدينة القدس التي عاش فيها المسيح ومشى على ترابها ودفن فيها مكانة مهمة في ذلك الزمن الذي اتّقد فيه الحس الديني. وقد نشأ لدى الفرسان دافعٌ قوي للمشاركة في الحملات على إثر اقتران هدف تحرير القدس مع ظهور القصص البشعة (قد يكون مبالغاً فيها) عن سوء معاملة نصارى بلاد الشام والحجّاج الغربيين، مما أدى الى التقاء الرغبة في الانتقام مع هدف الارتقاء الروحاني. وفي هذه الأثناء، سيتمكن أوربان من الاهتمام برعيته، ومن تنمية الحس الديني والروحاني في أوروبا الغربية. بالإضافة إلى ذلك، شكل نداء البابا للحملة الصليبية فرصة ذهبية لتعزيز موقفه في خضم انشغال البابوية في (صراع التنصيب) الشائك مع الإمبراطور الألماني هنري الرابع.

دخلت الإمبراطورية البيزنطية هذا المضمار كقوة مسيحية أخرى في هذه الحملة، فقد خشي الإمبراطور أليكسيوس الأول من تقدم السلاجقة الأتراك نحو عاصمته القسطنطينية. وكان البيزنطيون يدينون بالمسيحية اليونانية الأرثوذوكسية، إلا أنهم كانواعلى خلاف مع الكنيسة الكاثوليكية منذ العام 1054، وأتاح إطلاق الحملة الصليبية للأب أوربان فرصة رأب الصدع مع الأورثوذوكس.

لقي نداء أوربان للإطلاق الحملة الصليبية صدىً كبيراً، وانتشر خبر هذه الحملة ووصل إلى معظم الغرب اللاتيني، فقد وجد الكثير في هذه الحملة فرصة للخلاص وملاذاً من المصير المحتوم الذي ينتظرهم بعد حياتهم المليئة بالذنوب. إلا أن المشاركة لم تقتصر على هذا الدافع فحسب، فليس من الصعب التصديق بأن المجد والربح المادي، وللبعض القليل منهم السعي لامتلاك الأراضي (حيث أن معظم الغزاة المشاركين في الحملة الصليبية الأولى عادوا إلى ديارهم) قد شكلت أسباباً إضافية للمشاركة.

فقد كتب كونت مدينة بلويس ستيفين الذي كان ضمن قيادات الحملة إلى زوجته أديلا كونتيسة بلويس (ابنة وليام الفاتح) بتلقيه هدايا ثمينة وأوسمة من الإمبراطور، وأنه يمتلك الآن من الذهب والفضة والممتلكات ضعف ما كان يمتلكه عندما جاء من الغرب. وقد شارك في الحملة الصليبية الأولى أناسٍ من جميع أطياف المجتمع (عدا الملوك)، إلا أن اندفاع شرذمة غير منضبطة من المتشددين للمشاركة في الحملة أسفر عن حملة مريعة معادية للسامية، خصوصاً في الراينلاند حيث سعى هؤلاء لتمويل حملتهم عن طريق اغتصاب أموال اليهود، كما هاجموا مجموعة محلية من الناس بحجة أنهم أعداء للمسيح. تسببت هذه المجموعة المدعوة “بالحملة الصليبية الشعبية” “بيبولز كروسيد” بمشاكل كبيرة خارج القسطنطينية قبل أن يدفع بهم ألكسيوس إلى البسفور ومن ثم إلى آسيا الصغرى ليقضي عليهم السلاجقة الأتراك.

اجتمعت الجيوش الرئيسة بقيادة النبلاء الكبار في القسطنطينية عام 1096 في أعداد هائلة مشاركة من الغرب، وبيد أن أليكسيوس لم يتوقع مشاركة هذا العدد الكبير، إلا أنه رأى في هذه الجيوش فرصة للاستعادة الأراضي التي استولى عليها الأتراك. كان للإمبارطور اليد العليا في هذه العلاقة بالنظر إلى حاجة الجيوش لإمدادات الطعام والنقل، إلا أنه أبقى مسافة حذر من نظرائه في هذه العلاقة الجديدة، خصوصاً بعد ما تسببت به جماعة “الحملة الصليبية الشعبية”، ولأن الجيوش ضمت مجموعة من النورمان الصقليّون الذين غزوا الأراضي البيزنطية قبل فترة  ليست بعيدة، عام 1081، انظر مقالة بيتر فرانكوبان. وعاهد معظم قادة الحملة الإمبراطور ألكسيوس على أن يسلموه جميع الأراضي البيزنطية المسلوبة مقابل المؤن وخدمات المرشدين والهدايا الثمينة.

***

في يونيو عام 1097 استولى الصليبيون واليونانيون على إحدى أهداف الإمبراطور الرئيسة، وهي مدينة نيقية المنيعة المحاطة بالأسوار، والتي تبعد 120 ميلاً عن القسطنطينية. وقد ذكر بعض الكتّاب أن الإفرنج لم يكونوا راضين عن قسمة الغنائم بعد هذا النصر. بعد ذلك عبر الصليبيون سهول الأناضول، حيث تعرض بوهيموند أمير تارانتو لهجوم من جيش تركي

كبير بالقرب من مدينة دوريلايوم. كان الصليبيون يسيرون في مجموعات متفرّقة، وكاد ذلك، إلى جانب التكتيكات الحربية السريعة غير المألوفة التي استخدمها الخيالة الرماة أن يؤدي إلى هزيمتهم لولا وصول التعزيزات بقيادة ريموند كونت مدينة تولوز وجودفري أمير مدينة بولون لينقذوا الجيش. كانت هذه المعركة التي انتصر فيها الصليبيون بصعوبة درساً مهماً للنصارى، فقد زاد ذلك من توحد جيش الصليبين، ليصبحوا بفضل ذلك قوة فعالة جداً. عَبَرَ الجيش في الشهور اللاحقة بقيادة بولدوين كونت مدينة بولوني آسيا الصغرى، واحتل بعض المدن القيليقية مثل طرسوس والمصيصة، في حين اتجهت مجموعات أخرى عبر إقليم كابادوكيا إلى مدينة الرها المسيحية (أورهاي في التسمية الإنجيلية) التي لقي فيها الصليبيين ترحاباً من الغالبية الأرمنية. واستطاع بولدوين بسبب الخلافات السياسية أن يتسلم مقاليد الحكم، لتصبح مقاطعة أديّسا أول “ولاية صليبية” عام 1098.

في هذه الأثناء، كان معظم الجيش قد وصل إلى أنطاكيا، التي تقع على الحدود التركية الجنوبية مع سوريا. كانت مدينة أنطاكيا في وقت ما مستعمرة رومانية، وكانت لها مكانة خاصة عند النصارى لأن القديسّين بيتر وباول عاشا فيها، وكانت إحدى الكراسي الرسولية الخمسة للكنيسة المسيحية. وكانت أنطاكيا مهمة بالنسبة للبيزنطيين أيضاً، حيث أنها كانت مدينة رئيسة ضمن إمبراطوريتهم في وقت ليس ببعيد، عام 1084. كانت المدينة كبيرة لدرجة أنه يصعب حصارها، إلا أن الصليبين بذلوا قصارى جهدهم لخنق المدينة واستطاعوا أن يخضعوها. وقد تعرّض الجيش لظروف قاسية جداً في شتاء عام  1097، إلا أن وصول الأسطول الجَنَوي في ربيع عام 1098 ساهم في تقديم الإمدادات الضرروية.

بقي الحصار على حاله حتى استطاع بوهيموند أن يقنع أحد النصاري المحليين بأن يغرر بأحد الأبراج، ليقتحم الصليبيون في الثالث من يوليو 1098 المدينة ويحكموا السيطرة عليها. لم يكن لهذا النصر أن يكتمل بعد، حيث بقيت القلعة المطلة على الموقع بيد المسلمين، مما ضاعف مشاكل الصليبيين الذي سمعوا بخبر جيش الإنقاذ المسلم القادم من الموصل. وقد أسهمت قلة الطعام وفقدات الصليبيين لمعظم خيولهم (الأساسية للفرسان) في تثبيط عزيمتهم، لدرجة أن ستيفين، كونت مدينة بلويس وأحد أكبر القادة في الحملة غادر بصحبة القليل من الرجال لأنهم اعتقدوا أن الحملة ارتكست، والتقوا بالإمبراطور أليكسيوس الذي كان يجهز الإمدادات التي انتظروها طويلاً وأخبروه أن هذه الحملة ستفشل، لذلك عاد الحاكم اليوناني أدراجه عن حسن نية.

وحدث في أنطاكيا في هذه الأثناء أن “اكتشف” الصليبيون الحربة المقدسة التي يعتقد أنها اخترقت جنب المسيح عندما كان مصلوباً. وقد أخبرت الرؤية أحد رجال الدين في جيش ريموند كونت مدينة تولوز (دو سان جيل)  بمكان وجود الحربة فحفروا ووجدوها. اعتبر البعض هذه حركة سهلة ومكشوفة لدعم مكانة الفِرقة البروفنسالية، إلا أنها كانت بمثابة محفزٍ كبيرٍ لجموع الجيش.

وبعد أسبوعين، في 28 يونيو 1098، جمع الصليبيون المئات القليلة التي تبقّت من الخيول في صفوف الجيش التي باتت مألفوة لهم الآن، واشتبكوا مع قوات المسلمين. ويقول المؤرخون أنه بعون القدّيسين المحاربّين في السماء انتصر الصليبيين واستسلمت القلعة ليحكم الصليبيين قبضتهم على كامل أنطاكيا قبل صول جيش الإنقاذ المسلم.

***

وقع الكثيرمن النصارى المرهقين بعد انتصارهم فريسة للمرض، ومن ضمنهم أدهيمار أسقف كاتدرائية لي بوي، السفير البابوي والقائد الروحي للحملة، وتضاعفت الفُرقة بين كبار قادة الحملة ووصلت مداها. أراد بوهيمند أن يحكم قبضته على أنطاكيا، حيث أن الملك أليكسيوس لم يفِ بعهده، وبالتالي أصبح العهد الذي قطعوه لليونانين باطلاً، وأصبحت الأراضي التي استولى عليها من نصيبه. أدت هذه الخلافات السياسية إلى استياء الكثير من الصليبيين، الذي كان هدفهم الوصول إلى قبر المسيح في القدس، وأجبروا الجيش على المضي باتجاه الجنوب. تفادى الجيش أثناء مسيره الدخول في مواجهات نظامية كبيرة، حيث تمكنوا من عقد صفقات مع المدن والقرى التي مروا بها حتى وصلوا القدس عام 1099.

تجمعت القوات شمال وجنوب المدينة المحصنة بالأسوار في 15 يوليو 1099، واستطاعت قوات جودفري كونت بولون أن تقترب بآلات الضبر من الأسوار وتعبرها، واقتحم بقية الجيش من النصارى المدينة وأخضعوها بالسيف في مشهد من التطهير الديني، أطلق فيه الصليبيون العنان لغضبهم الذي تراكم من سنوات الزحف. وقد شهدت المذبحة مقتل العديد من المسلمين والنصارى المدافعين عن المدينة، إلا أن العبارة المتكررة التي تقول “بأن الدم وصل إلى الركب” محض مبالغة، حيث أن هذه العبارة مأخوذة من سفر الرؤيا (14:20) والتي استُخدمت لتصور المشهد لا أن تقدم تفاصيله، وهو أمر لا يمكن أن يحدث واقعياً. وقد عبرالصليبيون عن امتنانهم لهذا النجاح عندما وصلوا إلى قبر المسيح في كنيسة القيام.

لم يكن هذا النصر مظفراً بعد، حيث أن وزير مصر، حامي الخلافة الشيعية في القاهرة لم يكن يكن قد حسم أمره بعد حيال تقدم الصليبيين، فقد كان يبغض المسلمين السنة في سوريا من جهة، لكنه لم يرد لقوة جديدة أن تحط رحالها في المنطقة من جهة أخرى. في نهاية المطاف، واجهت قوات الوزير في أغسطس عام 1099 قوات الصليبيين في عسقلان، ورغم قلة عدد النصارى فقد استطاعوا أن ينتصروا ويستولوا على كم كبيرٍ من الغنائم. وبعد أن حققت الحملة منتهاها، قرر الصليبيون المنهكون العودة إلى ديارهم وعائلتهم، إلا أن بعضهم بقي في الشام لحماية إرث المسيح ويأسسوا إقطاعياتهم ومملاكاتهم الخاصة. وحزن القسيس فوشيه الشارتري لبقاء 300 فارس فقط في مملكة القدس، وهو عدد صغير أقل من أن يتمكن من إحكام السيطرة على الأرض.

***

استطاع النصارى خلال العقد التالي بفضل الأساطيل التي وصلت من الغرب وبقلة مقاومة المسلمين أن يتحكموا بالساحل بأكمله، وأن يبنوا مجموعة من الولايات الحيوية. ولعب الدعم الذي قدمته المدن الإيطالية التجارية مثل البندقية وبيزا، ومدينة جنوة في المرحلة الأولى تحديداً، دوراً محورياً. وقد شكّ البعض في ذلك الوقت بنوايا الإيطاليين، لكن هناك أدلة كافية تثبت رغبتهم، كما هو حال نظارئهم، في السيطرة على القدس. وبالرغم من ذلك، وكونهم يتملكون مراكز تجاري حيوية، فلم يألو جهداً في الترويج لمدنهم.

ولم يبذل شافارو رجل الدولة والمؤرخ الجنوي، وهو أحد المصادر العلمانية القليلة حينئذ جهداً في إخفاء هذه الدوافع، فقد حج إلى نهر الأردن، وحضر احتفالات عيد الفصح في كنيسة القيامة، و احتفل بالمكاسب الجديدة التي تحققت. وساعد البحارة والجنود الإطاليين في السيطرة على الموانئ الساحلية الحيوية (مثل عكا وقيسارية ويافا) مما منحهم في المقابل امتيازات تجارية سخية أسهمت في إنعاش الاقتصاد، فقد نقل الطليان البضائع من بلاد المسلمين (خاصة البهارات) إلى الغرب.

وكان للإيطاليين دوراً مهماً أيضاً في نقل الحجيج من وإلى المدينة المقدّسة، حيث أصبحت الأماكن المقدّسة في يد النصارى، وتدفق اللآف من الغرب لزيارتها، حيث ازدهرت المجتمعات الدينية بعد أن أصبحت تحت حكم اللاتينيين، ليتحقق بذلك هدف الحملة الصليبية. ويمكن القول بأن الولايات الصليبية لم تكن لتنجح لولا مساهمة الإيطاليين. إن أحد الآثار الجانبية للحملة الصليبية الأولى (ومصدر اهتمام العلماء اليوم) هو التأريخ الذي انتشر بشكل غير مسبوق بعد السيطرة على القدس. فقد ألهمت هذه الحقبة من التاريخ الكتّاب في الغرب النصراني للكتابة عن الأحداث الدائرة بشكل لم تشهده أحداث التاريخ في بداية العصور الوسطى.

فلم يعد الكتاّب يلتفتون لأبطال العصور القديمة، فقد أخرج لهم جيلهم رجالاً على نفس الدرجة من الشهرة. وشهدت هذه الحقبة انتشار التعليم، ولعب نتاقل نصوص وأخبار الحملات الصليبية دوراً مهماً في هذه الحركة. فقد احتفت نصوص تاريخية وقصص مروية كثيرة على شكل قصائد ملحمية (Chansons de geste) في بدايات عصر الفروسية بالحملة الصليبية الأولى.

درس المؤرخون سابقاً هذه الروايات حتى يتمكنوا من بناء التسلسل الزمني لهذه الأحداث، إلا أن الباحثون اليوم ينظرون إلى هذه النصوص بعين المدقق الباحث عن أسباب كتابتها والأساليب المختلفة في الكتابة والدوافع الكلاسيكية والإنجيلية  والعلاقات المتداخلة بين النصوص واستعارة هذه النصوص من بعضها.

حظيت ردة فعل العالم الإسلامي باهتمامٍ متزايد أيضاً، فمن الجلي أن العالم الإسلامي في تلك الحقبة كان يعاني من انقاسامات مريرة. ليس فقط بين الشيعة والسنة، إنما بين السنة أنفسهم أيضاً. يسلط روبرت إروين في مقالته عام 1997 الضوء على هذه المسألة مبيناً أثار الحملة الصليبية على مسلمي البلاد.

شاءت الصدفة الحسنة أن يموت كبار القادة السلاجقة في أواسط تسعينات القرن الحادي عشر، فقد أدى ذلك إلى انشغال أعداء الصليبين بنزاعاتهم الداخلية بدلاً من التركيز على الخطر المحدق من الخارج. وقد يكون ذلك مفهوما نظراً إلى أن الحملة الصليبية الأولى كانت حدثاً جديداً. وقد كانت روح الجهاد راكدة في تلك الحقبة حيث أشار إلى ذلك الفقيه الدمشقي علي بن طاهر السُلمي الذي حث الطبقات الحاكمة حينئذ على جمع أمرهم وأداء واجبهم الديني، إلا أن أحد لم يستجب له حتى زمن نورالدين زنكي، وصلاح الدين من بعده.

كان على المستعمرين الإفرنج أن يتكيفوا مع البيئة الثقافية المعقدة والخليط الديني للشرق الأدنى، فقد كان عددهم قليلٌ لدرجة أنهم ما أن يسيطروا على مكان حتى يصبح عليهم أن يتحولوا من الخطاب العسكري الديني للبابا أوربان الثاني إلى خطاب عقلاني يتصف بالتسامح الديني، وأن يعقدوا هدنات وأحياناً تحالفات مع العديد من جيرانهم المسلمين.

فإنهم إذا نزعوا إلى اضطهاد أغلبية السكان المحليين (حيث كان هناك الكثير من المسلمين والنصارى الشرقيين تحت حكم الإفرنج) فلن يجدوا من يزرع الأراضي ويدفع الضرائب مما سيؤدي إلى انهيار اقتصادهم. وقد أثبتت أعمال التنقيب الأثري الحديثة التي أجراها الباحث الإسرائيلي روني إلينبلوم أن الإفرنج لم يعيشوا في المدن فقط بمعزل عن السكان المحليين كما كان يعتقد سابقاً، فقد كان بجوارهم بعض المجتمعات النصرانية المحلية، وكانوا يرتادون نفس الكنائس في بعض الحالات.

تأسست ولايات الرها وأنطاكيا وطرابلس والقدس ضمن نسيج ديني وسياسي وثقافي معقد في الشرق الأنى، حيث تزوج أحد حكّام القدس الأوائل بسيدة أرمينية مسيحية من طبقة النبلاء لذلك أبدت الملكة ميلسندا اهتماماً كبيراً بدعم السكان المحليين إلى جانب الكنيسة اللاتينية.

ساهمت عواملٌ مختلفة مثل الجينات وارتفاع نسة الوفيات بين الذكور الحاكمين إلى توسع سلطة المرأة إلى أبعد مما كانت قد تحظى به، وقد أدت الحروب المنتشرة في الشرق اللاتيني، والآراء الدينية السائدة عن ضعف المرأة وغوايتها إلى تعزيز ذلك. وبالرغم من هذه العوامل، فقد كان على المرأة أن تتحلى بشخصية قوية حتى تفرض قوتها، وهو ما توفر لميلسندا، ملكة القدس كما يشير إلى ذلك سيمون سيباج مونتيفير في مقالته عام 2011 والتي تعطي لمحة عن مدينة القدس في القرن الثاني عشر ونظرة المسلمين المعاصرين للمستعمرين في تلك الحقبة.

ورغم النقص دائم في عدد الجنود، استطاعت جماعة الإفرنج بسبب ديناميكيتهم أن تبني مؤسسات مبتكرة مثل الفرق العسكرية التي كانت تعتني بالحجيج، فقد كانت جماعة فرسان الاستبارية تقدم الرعاية الصحية،وجماعة فرسان المعبد يحمون الحجيج في طريقهم إلى نهر الأردن.

تطورت هاتين الجماعتين لتصبحان مؤسستين دينيتين نظاميتين، وأخذ أعضاؤهما عهداً على أنفسهم بأن يلتزموا الفقر والعفة والطاعة، وقد أثبتت هذه الطريقة نجاعتها حيث بدأت التبرعات بالتدفق من الحجيج إظهاراً للامتنانهم، من ثم أصبح للفرق العسكرية دوراً رئيسياً من خلال تملكهم للأراضي وبصفتهم حماة الحصون والجيش النظامي الأول للمسيحية.

كانت هذه الفرق تخرج من تحت مظلة الحكّام المحليين في بعض الأحيان، وكانوا يثيرون المتاعب ويقتتلون فيما بينهم. وكانت فرقتي فرسان المعبد وفرسان الأستبارية تمتلك مساحات كبيرة من الأراضي في أوروبا الغربية والتي كانت مصدراً لتمويل حروبهم في بلاد الشام، وخاصة في بناء الحصون التي أصبحت من العوامل الرئيسية في إحكام قبضة النصارى على المنطقة.

***

في ديسمبر 1144، سيطر نور الدين زنكي الحاكم المسلم لحلب والموصل على مدينة الرها، والذي شكل أول ضربة رئيسة لسيطرة الإفرنج على أراضي الشرق الأدنى. على إثر هذه الهزيمة، دعا البابا أوجينوس الثالث للحملة الصليبية الثانية (1145 – 1149). شجعت الدعوات التي حثت على الاقتداء بالأجداد الصليبيين الأوائل، والخطابات الرنانة (للقديس) بيرنارد من كليرفوكس حكّام فرنسا وألمانيا لحمل الصليب وإعلان مشاركة المَلَكية في الحملة الصليبية.

انضم الحكام النصارى في أيبيريا إلى صفوف الجنويّين في مهاجمة مدينتي ألمرية جنوب إسبانيا (1147) وطرطوسا في الجنوب الشرقي (1148). وتأسى نبلاء شمال ألمانيا وحكام الدنمارك بالأيبيريين وشنوا حملات على الوثنيين الونديين عند شواطئ البلطيق بالقرب من شتتين. وبيد أن هذا التحركات لم تكن من تخطيط البابا يوجينيوس وإنما جاءت تفعالاً مع ندائه، فإنها تظهر الثقة السائدة بالحملات الصليبية في تلك المرحلة.

لم يؤدي التفاؤل هذه المرة إلى ما يحمد عقباه، فبالرغم من نجاح جماعة صليبية تضم الأنجلو نورمانيين، والفلامون والراينلاد في السيطرة على لشبونة عام 1147 ونجاح الحملة الايبيرية الأخرى، إلا أن الحملة على البلطيق لم تحقق شيئاً، كما أسفرت أكثر الحملات أهمية على الأرض المقدسة عن فشلٍ كارثيٍ، وقد قدم جوناثان فيليبس شرحاً عن ذلك في مقالته عام 2007.

كان الجيشان يفتقران للانضباط والإمدادات والتمويل، وإلى جانب ذلك، فقد استنزف السلاجقة الأتراك الجيشين أثناء عبورهما لآسيا الصغرى. اتحد الصليبيون مع المستعمرين اللاتينيين وضربوا حصاراً على مدينة دمشق، أهم معاقل المسلمين في سوريا. ولم يستمر هذا الحصار طويلاً فقد انفك وتراجع الصليبيين بعد 4 أيام فقط خوفاً من قدوم جيش الإنقاذ بقيادة نور الدين زنكي، وألقى الصليبيون اللوم على الإفرنج في هذه الهزيمة واتهموهم بأنهم تقاضوا شيئاً مقابل هذا الانسحاب. وأياً كانت الحقيقة، فإن الهزيمة في دمشق قوضت حماسة الحملة الصليبية في الغرب خلال العقود الثلاثة التي لحقت، وبالرغم من النداءات المتكررة للمساعدة، إلا أنه لم تتوجه أية حملة صليبية نحو الأراضي المقدسة.

وبغض النظر عما حدث، فإن القول بأن الإفرنج قد وهنوا يعد خطأً جسيماً. فقد استطاعوا أن يسيطروا على عسقلان عام 1153، ليحكموا بذلك سيطرتهم على ساحل بلاد الشام، مما شكل تقدماً أمنياً للتجارة وحركة الحجيج لحمايهتما من ابتزازات المسلمين.

تسلم نور الدين زنكي في العام التالي مقاليد الحكم في دمشق لتصبح حلب ودمشق تحت سلطة رجل واحد لأول مرة إبان الحملة الصليبية مما ضاعف الخطر على الإفرنج. أسهم ورع نور الدين زنكي الشديد، وتشجيعه للمدارس وتأليف الشعر الجهادي الذي يمتدح فضائل مدينة القدس إلى تكوين رابطة بين الفئات الدينية والطبقات الحاكمة التي كانت غائبة عن المشهد منذ أن وصل الصليبين إلى الشرق.

خلال ستينات القرن الثاني عشر، سيطر نور الدين بصفته حامياً للسلفية السنية على مصر الشيعية، مما زاد الخطر الاستراتيجي على الإفرنج وعزز من موارده المالية لخصوبة دلتا النيل وميناء الإسكندرية الحيوي.

يقول بيتر إيدبوري أن وليام الصوري، رئيس أساقفة مدينة صور يعد أهم المؤرخين في تلك الحقبة من تاريخ الشرق اللاتيني. كان وليام على درجة عالية من التعليم، وكان ممن عاصروا هذه الحقبة التاريخية التي مزقتها النزاعات السياسية في أواخر سبعينات وثمانينيات القرن الثاني عشر خلال الحكم الكارثي للملك بولدوين الرابع (1174 – 85) الذي كان شاباً مصاباً بالجُذام.

أدت الحاجة إلى تنصيب خليفة للملك إلى ظهور المتنافسين، وأدى ذلك بالإفرنج لاستنزاف طاقاتهم في نزاعاتهم الداخلية.ولم يكن الإفرنج عاجزين عن إلحاق أضرار جسيمة بصلاح الدين، خليفة نور الدين زنكي الذي كان يريد من خلال قاعدته في مصر أن يخلف قائده ويوحد المسلمين في الشرق الأدنى حتى يطرد الإفرنج من القدس. وقد فصّل نورمان هاوسلي بحنكة الخبير هذه الأحداث في مقالته عام 1987.

في عام 1177، انتصر الإفرنج في معركة مونتجيسراد التي أرخها الغرب الأوروبي بإسهاب، إلا أنها لم تقنع الناس بحجم المساعدة التي يحتاجها المستعمرين. وعلاوة على ذلك، شكل بناء قلعة مخاضة يعقوب التي تبعد مسيرة يوم واحد ركوباً عن دمشق سبباً آخر لدفع صلاح الدين إلى تدمير المكان.

وبحلول عام 1187، استجمع السلطان عدداً كبيراً (ووهناً) من المحاربين من مصر وسوريا والعراق لمواجهة الإفرنج وألحق بهم هزيمة في معركة حطين في الرابع من يوليو. وخلال أشهر قليلة، وقعت القدس في يد صلاح الدين ليسترجع بذلك ثالث أهم مدينة في الأسلام بعد مكة والمدينة، وهو النصر الذي تردد صداه على مر القرون.

***

فجع الغرب بهذا السقوط الكارثي للقدس، وانتشرت موجة من الغضب والحزن على إثر الهزيمة، وقد قيل أن الأب أوربان الثالث مات بسقطة قلبية عندما سمع الأخبار. وأصدر خليفته غريغوري الثامن نداءً لحملة صليبية، وبدأت أوروبا بتنظيم قواتها استجابة لها. استطاع جيش الإمبراطور الألماني فريدريك بربروسا أن يهزم السلاجقة الأتراك في آسيا الصغرى، إلا أن الإمبراطور غرق أثناء عبوره النهر في جنوب تركيا. وبعد ذلك بفترة وجيزة انتشر المرض بين الألمان ولاقى الكثير منهم حتفهم مما جنب صلاح الدين مشقة مواجهة هذا الجيش العتيد.

نجح الإفرنج في الشام في المحافظة على مدينة صور، وحاصروا عكا أهم موانئ الساحل. قدّم هذا الحصار هدفاً لتسعى إليه القوى الغربية، وبالفعل وصل فيليب أوجستس وريتشارد قلب الأسد في صيف عام 1190. استمر الحصار لمدة عامين، وتدعّم موقف النصارى بانضمام ملكّين من الغرب مع جنودهم مما رجح الكفة لصالحهم. في نهاية الأمر خضعت المدينة واستسلمت مما خدش هيبة صلاح الدين.

بعد فترة وجيزة عاد فيليب أدراجه، وحاول ريتشارد أن يزحف نحو القدس مرتين، لكن خوفه من عواقب هذا الزحف وعودته أدت إلى بقاء المدينة في يد المسلمين.

فشلت الحملة الصليبية الثالثة في تحقيق هدفها الأساسي، لكنها استعادت مساحة من الأرض للإفرنج لتكون منصة للحملات في المستقبل. وقد تلقى صلاح الدين سلسلة من الراتكاسات العسكرية، إلا أنه استطاع المحافظة على القدس في يد المسلمين.

أدت تحريضات البابا إنوسنت الثالث (1196-1216) إلى توسع الحملات الصليبية، فتقدمت الحملات في البلطيق وأيبيريا. وفي عام 1195، أي بعد فترة ليست ببعيدة من خسارة حطين، سحقت قوات المسلمين النصارى في معركة الأرك، مما أظهر غضب الإله على شعبه. وفي عام 1212، استطاع حكام أيبيريا أن يستمجعوا قواهم وينتصروا على المسلمين في معركة العقاب في طولوسا، ليحققوا بذلك إنجازا ملموساً في استرجاع شبه الجزيرة الأيبيرية.

نظراً لخصوصية التركيبية الدينية والثقافية والدينية للمنطقة، كما في الأراضي المقدّسة، فإنه من الخطأ أن نصف العلاقة بين الجماعات الدينية بأنها كانت قائمة على الحروب. وقد بين كل من روبرت بيرنز وباول شيفيدين طبيعة هذه العلاقة.

في هذه الأثناء، كانت هناك جهوداً للقضاء على الكاثاريين الهراطقة في جنوب فرنسا، وعندما فشلت هذه الجهود سمح الباب إنوسينت بحملة صليبية على المنطقة للقضاء هذا الخطر المحدق بالكنيسة في ساحاتها الخلفية. تقدم مقالة ريتشارد كافنديش مزيداً من التفاصيل عن هذه الأحداث.

كانت الكاثارية ديانة ثنائية المذهب، أي أنها تعتمد بعض الممارسات المسيحية السائدة، لكن كان لها تركيباً هرمياً خاصاً بها، وتعتزم أن تحتل محل طبقة النخبة الحالية. خاض الصليبيون معهم بقيادة سايمن دي مونفورت سنوات من الحرب حتى يخرجوهم من البلاد، لكن كان لتغلغل وارتباط الكاثار بمجتمع جنوب فرنسا أثراً كبيراً في مواجهة هذه الحملات. وقد أثبتت أساليب محاكم التفتيش التي بدأت في أربعينات القرن الثالث عشر نجاحها في القضاء عليهم وهو ما لم تنجح القوة في تحقيقه.

شهدت الحملة الصليبية الرابعة التي كانت تهدف لاستعادة القدس سقوط مدينة القسطنطينية، التي تعد أعظم مدن النصارى في العالم. ووصفت هذه حقبة (1202 – 1204) بأنها الأفظع في ذلك العصر. تفاصيل هذه الأحداث في مقالة جوناثن فيليبس.

جاء سقوط القسطنطينية بسبب عدة عوامل: منها الخلافات الطويلة بين الكنيسة (الكاثوليكية) اللاتينية والأورثوذوكسية اليونانية؛ حيث كان على الصليبين أن يدفعوا التزاماتهم المالية التعاقدية للفينيسيين ضمن عقد مبالغٍ فيه، مقابل نقل الفرسان الصليبيين إلى بلاد الشام، فقام الصليبييون بتسليم العرش البيزنطي }لأمير آخر {حتى يدفعوا هذا الدين.

دفعت أسباب مختلفة الصليبيين للتراجع نحو أسوار القسطنطينية، إلا أن قتل الإمبراطور الشاب الذي نصبّوه وانقلاب السكان المحليين عليهم دفعهم إلى اقتحام المدينة. سعِد البابا إنوسنت بهذا النصر، فقد أصبحت القسطنطينية تحت السلطة اللاتينية، إلا أن أخبار العنف والنهب التي صحبت هذا الغزو أرعبت البابا، ودفعته إلى توبيخ الصليبيين على “الانحراف عن وجهتهم”.

ولدت نتيجة لغزو القسطنطينية عام 1204 عدة ولايات افرنجية في اليونان، والتي احتاجت إلى دعم مع مرور الوقت. وخلال القرن الثالث عشر، كان الخطاب الديني معادياً لنصارى هذه الولايات، وبالرغم من ذلك فقد عادت القسطنطينية عام 1261 تحت سلطة اليونان.

***

الأمر الذي يدعوا للدهشة هو أن الحملات الصليبية بيقت تتمتع يشعبيتها بعد كل هذه المصائب. فقد ظهرت حملة صليبية شبه أسطورية تسمى حملة الأطفال الصليبية عام 1212 تدعّي الإلهام الإلاهي. تكونت هذه الحملة من مجموعتين من الفلاحين اليافعين (يمكن وصفهم على أنهم شباب بدلاً من أطفال) بالقرب من مدينتي كولونيا وشارتر مؤمنين بأن العفة والإخلاص ستضمن لهم الدعم الإلاهي في استرداد الأرض المقدسة. عبرت الجموعة الألمانية جبال الألب، ووصل بعضهم إلى ميناء جنوا، لكنهم اصطدموا بالواقع الأليم بسبب حاجتهم للمال وتبددت آمالهم بتحقيق أي شيء عندما لم يرضى أحداً بنقلهم إلى الشرق، وفشلت بذلك محاولتهم.

ولذلك، فإن بدايات القرن الثالث عشر شهدت تنوعاً في الحملات الصليبية. وقد أثبتت فكرة الحرب الدينية مرونتها وقابليتها للتطويع مما سمح للكنيسة باستخدام القوة على جبهات مختلفة. يمكن استخدام مفهوم الحملة الصليبية كأداة للدفاع عن النصارى، وذلك ما فعلته الكنيسة الكاثوليكية عندما اصطدمت الباباوية مع الإمبراطور فريدريك الثاني حول قضية السلطة جنوب إيطاليا، حيث أمرت في نهاية الأمر بحملة صليبية موجهة ضده.

.عند تلك النقطة، كان فريدريك قد طرد من الكنيسة لعدم الوفاء بوعده بالمشاركة في الحملة الصليبية الخامسة التي نجحت في تحقيق هدف الحملة الصليبية الرابعة بغزو مصر، لكنها علقت خارج ميناء دمياط ولم تستطع أن تتقدم، وأتبعت هذا الفشل بمحاولة فاشلة أخرى للزحف نحو القاهرة.

حوال فريدريك مرات عن يعوّض عن أخطائه، إلا أن صحته لم تسعفه، وعند تلك النقطة، كانت الكنيسة قد فقدث ثقتها به على أية حال. توجه فريدريك بعد تعافيه إلى الأراضي المقدسة، بصفته ملكاً للقدس (حصل على اللقب بعد أن تزوج وريثة العرش)، واستطاع لسخرية الأقدار – رغم كونه مطروداً من الكنيسة – أن يستعيد القدس لحكم النصارى من خلال مفاوضات سلمية.

نجحت جهود فريدريك بسبب عدة عوامل، منها مهاراته الدبلوماسية (كان يتحدث العربية) بالإضافة إلى الخطر الذي قد يشكله نظراً لموارده القوية، أضف إلى ذلك الفرقة التي سادت بين المسلمين عقب موت صلاح الدين. استمر العداء في العلاقة بين البابا والإمبارطورية لفترة قصيرة، حيث وصفته الإدارة الباباوية (الكوريا) عام 1245 أنه مهرطق وسمحت بالدعوة لحملة صليبية ضده.

وإذا ما وضعنا الحديث عن الحملات الصليبية المتعددة جانباً، علينا أن نتذكر أن هذه الحملات كان لها أثراً كبيراً على الأراضي والشعوب المتأثرة، وهو ما يصفه كريستيفور تييرمان في مقالته.

كانت الحملات الصليبية بحاجة إلى دعم مالي ضخم، وتسبب ذلك مع مرور الوقت في نشوء ضرائب محلية لدعم هذه الجهود، بالإضافة إلى جهود جمع التبرعات داخل الكنيسة. وكان لغياب عدد كبير من النبلاء الكبار ورجال الكنيسة أثراًعلى التوازن السياسي في المناطق التي خرجوا منها، وفتح هذا الغياب أمام المرأة فرصة لتلعب دور الوصي، كما حاول بعض الجيران ممن لا ضمير له الاستيلاء على أراضي الصليبيين الغائبين، مخالفين بذلك القوانين الكنسيّة. إضافة إلى الحزن الذي يعم أقارب المحارب الصليبي عند موته، سواءً كان ذات مرتبة اجتماعية متواضعة أو إمبراطور، فإن موته قد يكون سبباً في تسريع عجلة التغيير وعدم الاستقرار.

بعد مرور عام على استعادة المسلمين للقدس، تم تجهيز أعظم حملة صليبية في ذلك القرن (المعروفة بالحملة الصليبية السابعة) بقيادة الملك لويس التاسع (الذي عرف لاحقاً بالقديس)، ويصف سيمون لويد في مقالته معالم مشاركة لويس في الحملة الصليبية.

حظيت هذه الحملة بتمويل قوي، وتم تجيهزها بعناية، وبدى أنها ستنجح خصوصاً في ظل النصر الذي منيت به في دمياط، إلا أن تسلّم شقيق لويس المهمل لزمام القيادة في معركة المنصورة أضعف القوات الصليبية.

لاقى الصليبيين إلى جانب ذلك صلابة في دفاع المسلمين، مما أوقف الحملة، وضربها الجوع والمرض حتى استسلمت. بقي لويس في الأراضي المقدسة لمدة أربع سنوات لتعزيز دفاعات المملكة اللاتينية؛ كانت هذه الإقامة بمثابة اعترافاً منه بذنبه لما اعترى الحملة من فشل، إلا أنها كانت إشارة قوية أيضاً عن الالتزام الذي أبداه هذا العاهل الأوروربي في البقاء خارج مملكته لمدة ستة سنوات. وعند هذه النقطة، كانت سلطة اللاتينيين تنحصر في معظمها على الساحل، حيث كان المستعمرين يعتمدون بشكل رئيس على التعزيز المكثف للدفاعات. لذلك، فقد شهد القرن الثالث عشر بناء حصون عتية مثل حصن الفرسان  وصفد وحصن عتليت وتعزيزات حضرية هائلة لمدينة عكا.

***

عند هذه النقطة، كانت تعقيدات الساحة السياسية تأخذ شكلاً آخر في الشرق الأوسط. فقد أضاف غزو المغول بعداً آخر للصراع بسبب سيطرته على الكثير من أراضي العالم الإسلامي في الشرق؛ كما استطاعوا أن يهددوا أوروبا الشرقية لفترة قصيرة  بهجمات وحشية بين عام 1240 – 1241 مما شجع على الدعوة لحملة صليبية ضدهم أيضاً.

انتزع المماليك الذين كانوا جنوداً-عبيداً بقيادة السلطان بيبرز السلطة من خلفاء صلاح الدين، وقد كان هذا السلطان مناصراً شرساً للحرب المقدسة، وأسهم في تركيع الولايات الصليبية خلال العقدين التاليين، وقد وصف جيمس ويترسون هذا التقدم الذي أحرزوه في مقالته. أضعف الاقتتال الداخلي بين النبلاء الإفرنج الولايات اللاتينية، وقد احتدم هذا الاقتتال بتدخل المدن التجارية الإيطالية والفرق العسكرية. وفي العام 1291، استطاع السلطان الأشرف أن يقتحم عكا ليعلن بذلك نهاية الحكم النصراني في الأراضي المقدسة.

اعتبر بعض المؤرخين الحدث بمثابة نهاية الحملات الصليبية، لكن كما سبق ذكره، فإنه من ثمانينات القرن الماضي، اتفقت شريحة واسعة على مخالفة ذلك، ومن أسباب ذلك سلسلة المخططات التي وضعت للستعادة الأراضي المقدسة في القرن الرابع عشر.

لم تعدم فكرة الحملة الصليبية صداها في أماكن أخرى، خاصة في أوروبا الشمالية لدى جماعة الفرسان التيتونيين (التي تأسست في الأراضي المقدسة) وانتقلوا بمصالحهم وأسسوا ولاية شبه مستقلة لأنفسهم.

وبحلول القرن الخامس عشر، كانت المنطقة قد بدأت بالتنصر على أية حال، فلم يعد من الممكن التعذر بالحرب المقدسة. وأسهم النصر الذي تحقق في معركة العقاب ضد المسلمين في توقفهم عند جنوب شبه الجزيرة الآيبيرية. إلا أن فيرديناند وأيزابيلا لم يستطيعا أن يفرضا سلطة التاج الإسباني على غرناطة واستعاد السيطرة مرة أخرى حتى عام 1492. لم تتوقف مخططات استعادة الأراضي المقدسة نهائياً، فقد خرج كريستوفور كلوبمبوس في نفس العام، آملاً في أن يجد طريقاً من جبال الأنديس يصله مباشرة بالقدس من الشرق.

ابتدأ القرن الرابع عشر بأحداث مهمة، حيث تم اعتقال فرسان المعبد بتهمة الهرطقة، وهي القصة التي يرويها هيلين نيكولاس. أدت أسباب مختلفة مثل ضعف الوازع الديني وفشلهم في حماية الأرض المقدسة في إضعاف مكانتهم، أضف إلى ذلك الدّين الكبير الذي كان يدين به التاج الفرنسي للفرسان، ( فقد كانت منظمتهم مؤسسة مصرفية ذات نفوذ)، فاستطاع الماكر فيليب الرابع ملك فرنسا أن يضغط على البابا كليمينت الخامس ليغلق المنظمة، وفي عام 1312 أسدل الستار على أعظم مؤسسات العصور الوسطى.

استمرت الحملات الصليبية بالاضمحلال حتى داخل أوروبا، وقد أصدرت الباباوية صكوك غفران مقابل المشاركة في الحملات الصليبية ضد أعدائها السياسيين ومجموعات الهراطقة مثل الهوسيون في بوهيميا. في ذلك الوقت، كان الأتراك العثمانيون الذين سيطروا على القسطنطينية عام 1453 يشكلون الخطر الرئيس على النصرانية. وكانت هناك مساع لتوحيد صفوف الغرب اللاتيني، إلا أن زيادة نفوذ الدول القومية والصراعات التي كانت بينها، متجسدة في حرب المئة عام، لم تسعف في توحيد جبهة أوروبية كتلك التي توحدت عام 1187 على سبيل المثال. وقد بين نيجيل ساوول ملامح هذه الحقبة من الحملات الصليبية في مقالته.

كانت بعض السلالات مثل دوقات إقليم بروغندي متحمسين لفكرة الحملات الصليبية، وقد انطلقت عدداً من الحملات الكبيرة، إلا أن الربوغنديين والهنغاريين صُحقوا في نيكوبيليس في بلغاريا عام 1396. وفي منتصف القرن الخامش عشر، كان العثمانيين قد حاصروا القسطنطينية مرتين، وفي عام 1453، جهز السلطان محمد الثاني جيشاً جرّاراً لهذه الغاية. وأدت النداءات المتأخرة إلى الغرب في إرسال دعمٍ غير كافٍ لتسقط المدينة في شهر مايو. نادى الإمبراطور كارلوس الخامس لإحياء روح الحملات الصليبية أثناء دفاعهم على فيينا عام 1529، إلا أن هذا الصراع كان صراعاً إمبريالياً أكثر من كونه مقدساً.

أخذت الحملات الصليبية وقتها، وبدأ الناس بالتشكيك ببيع الكنيسة لصكوك الغفران. ووجهت حركة الإصلاح المسيحي  ضربة قوية لهذه الفكرة وبيّنت حقيقتها الاستغلالية وكونها مصدراً لجني المال للكنيسية الكاثوليكية.  وفي أواخر القران السادس عشر، لفظت هذه الفكرة رمقها الأخير عندما استفاد الأسطول الإسباني (الأرمادا) عام 1588 من صكوك الغفران الخاصة بالحملة الصليبية، واستطاع الفرسان الاستبارية الذين سيطروا على جزيرة رودوس من 1306 إلى 1522 قبل أن تصبح مالطا قاعدة لهم، أن يلهموا القوات لتحقق نصراً ساحقاً على الأسطول العثماني في معركة ليبانت. ويروي لنا رايلي سميث قصة الفرسان في مقالته. استطاع فرسان الاستبارية أن يقاوموا الحصار الذي ضربه الأتراك عليهم في مالطا، عام 1480، وكان وجودهم بمثابة شاهدٍ على الصراع الصليبي حتى جاء نابليون بونابارت وأنهى حكمهم للجزيرة عام 1798.

***

بقيت ذكرى الحملات الصليبية خالدة في ذاكرة شعوب أوروبا والشرق الأوسط. فقد عادت الفكرة للظهور عند الأوروبيين عن طريق الأدبيات الرومانسية التي كتبها مؤلفين مثل سير ولتر سكوت، كما أدى وقوع بعض الأراضي في الشرق الوسط في أيدي الإمبرياليات المعاصرة، الفرنسيين على وجه الخصوص، إلى ربطها بالماضي الصليبي.

وقد عاد تداول كلمة الحملة الصليبية “كروسيد” في القضايا المتعلقة بالحقوق الأخلاقية في سياقات غير عسكرية، مثل استخدامها في “الحملة الصليبية على المشروبات الروحية” أو في سياق أهوال الحرب العالمية الأولى. وأدى ارتباط الجنرال فرانكو بالكنيسة الكاثوليكية في إسبانيا إلى استذكار الأيديولوجية الصليبية في تجسيدٍ هو الأحدث للفكرة.  إلا أن استخدام الكلمة بقي شائعاً اليوم.

وفي العالم الإسلامي، بهتت ذكرى الحملات الصليبية، إلا أنها لم تختفي تماماً، وبقيت ذكرى صلاح الدين مثالاً للقائد المثالي العظيم. وفي القرن التاسع عشر، أدى استذكار الأوروبيين للماضي الذي بني على هذه الذكرى الحية إلى تمكين القادة الإسلاميين والقوميين من استخدام صورة الغربي العدو التي يسعى إلى السيطرة على الأراضي العربية والإسلامية. ويبقى صلاح الدين الذي استطاع أن يسترجع القدس، الصورة الأسمى للقائد المرجو.

تغطي مقالات جوناثان فيليبس وأوميج باثيا ذكرى وتركة الحملات الصليبية وصولاً إلى العصر الحديث.


رابط المقالة الأصل

The Crusades: A Complete History

جوناثان فيليبس: أستاذ تاريخ الحملات الصليبية في جامعة رويال هولوي لندن ومؤلف كتاب  “هولي وريورز”

 (Holy Warriors: A Modern History of the Crusades)

error: المحتوى محمي