قبائل عُصابيّة: تراث التوحد، وكيف نفهم الأشخاص الذين يفكرون بطريقة مختلفة (مقدمة) / ترجمة: أحمد المعيني

قبائل عُصابيّة: تراث التوحد، وكيف نفهم الأشخاص الذين يفكرون بطريقة مختلفة (مقدمة) / ترجمة: أحمد المعيني

قبائل عصابيةمقدمة كتاب قبائلٌ عُصابيّة:

تراثُ التوحّد، وكيف نفهمُ الأشخاص الذين يفكّرون بطريقةٍ مختلفة”

ترجمة: أحمد حسن المعيني

 


ما بعد مُتلازمة المَهْوُوسِين[1]

هناك أكثر من طريقة واحدة للقيام بذلك

لاري وول

ذات صباحٍ مشرقٍ من أيام مايو عام 2000م، كنتُ على متن سفينةٍ تمخرُ عباب بحر ألاسكا رفقةَ ما ينيفُ على مئةٍ من مبرمجي الحاسوب. تحرّكتْ السفينةُ فابتعدت الأبراجُ البرّاقة في فانكوفر ونحن نمرّ بجسر ليونزجيت متّجهين نحو البحر الكلتيّ. كانت تلك “رحلةُ المهووسين البحرية” الأولى، ضمن مبادرةٍ للتخلص من مؤتمرات التقانة التي تنعقد في مراكز المؤتمرات الكئيبة، وتنظيم رحلاتٍ بحرية بدلا منها. حجزتُ تذكرتي على هذه السفينة فوليندام لتغطية هذه الرحلة العذراء بصفتي صحفيًا في مجلة وايرد (Wired).

ومن بين مشاهير المبرمجين الذي كانوا على متن السفينة، كان نجمُ الرحلة هو لاري وول (Larry Wall) مخترع لغة البرمجة “بيرل Perl”، وهي واحدةٌ من أولى لغات البرمجة مفتوحة المصدر وأوسعها انتشارًا في العالم أجمع؛ فآلافُ المواقع الإلكترونية التي نستخدمُها يوميًا -بما فيها أمازون وكريج لِست وإنترنت موفي ديتابيس- لم تكن لتنطلق من دون لغة بيرل، هذه الأداة الأثيرة لدى مديري الأنظمة في كلّ مكان.

ومما يبعثُ على الدهشة أنّ هذه اللغة انعكاس لدماغ مخترعها، وهو عالم لغة سابق وسيم له شارب كثّ طويل. ثمّة أجزاء من هذه الشيفرة تبدأ بمقتبسات من سلسلة الروايات المفضّلة لدى لاري وول سّيد الخواتم، مثل  “A fair jaw-cracker dwarf-language must be”. وقد ظهرت محاولات عديدة خرقاء من كل شكلٍ ولون لتفسير ما تعنيه كلمة Perl، غير أنّ لاري يقول إنه استقى الاسم من حكاية “اللؤلؤة الثمينة” الواردة في إنجيل متّى. وقد أسرَّ لي لاري أنه أراد لهذه الشيفرة أن تكون –على قدرها المتواضع – مثلَ يسوع؛ “مجّانية، مؤثّرة، وفي متناول الجميع”. حريّ بالذكر أنّه من الأوامر شائعة الاستخدام في هذه الشيفرة أمرٌ اسمه “bless” ([اللهم] بارِك).

          بيد أنّ السرّ وراء تعدّد استخدام هذه اللغة كونها أيضًا تعبيرًا عن عقولٍ كثيرة في العالم تساعد لاري، وهم من يمكن أن نسمّيهم “قراصنة” بيرل. إذْ إنّ هذه الشيفرة مصمّمةٌ بحيث تشجّع المبرمجين على استحداث أساليبهم الخاصة، ويمكن لمن يشاء أن يساهم في تطويرها. لذلك ترفع هذه الجماعة شعار “هناك أكثر من طريقة واحدة للقيام بذلك”.

بذلك غدت بيرل نظامًا رقميًا مزدهرا تُقيَّمُ فيه الأفكارُ وفقًا لفائدتها وأصالتها، لا لجاذبية الشخص أو تأثيره. إنّ قيَم المرونة والديمقراطية والانفتاح هي التي قادت هذه الشيفرة إلى الانتشار بحيث أصبحت كما يقول قراصنة بيرل “الشريط اللاصق الذي يربط محتويات الإنترنت ببعضها”. هكذا وبينما كانت سفينة فوليندام تشقّ طريقها في البحر كنتُ بإعجابٍ شديد أراقب رفاقي في السفينة وهم يُخرجون كابلات الإيثرنت والموجِّهات (routers) ومعدّات التشبيك الأخرى من حقائبهم كي يطوّروا أنظمة الاتصال في السفينة. هكذا، وبدلا من الاستجمام على الأرائك عند حوض السباحة، كان رفاقي الـ”دحّاحون[2]” توّاقين إلى استكشاف كيف تعمل الأشياء والمساعدة في تطويرها. وبعد أيام قليلة كانوا قد أقنعوا القبطان بأنْ يأخذهم في جولةٍ في غرفة المحرّك.

ليلةً بعد ليلة بينما كانت سفينتنا تصعدُ نحو الدائرة القطبية، كان لاري وول يدلفُ باستعراضيةٍ إلى قاعة الطعام شابكًا ذراعه بذراع زوجته غلوريا، بقميصٍ منفوشٍ وبدلة متوهّجة الألوان. كان لاري يغيّر كل ليلة لون بدلته، وكلّها ألوان فاقعة تسفع العينين، من الليمونيّ إلى البرتقالي إلى الأزرق الفاتح إلى الخردليّ، وجدَها لدى محلّ يصفّي بضاعته في مدينته. ولقد أظهر لاري وغيره من رفاقنا على السفينة مهارةً مُدهشةً في استخدام التَوْريات والتلاعب بالألفاظ والمشاكسات الكلامية، مفنّدين الصورة النمطية لمشفّري البرمجة بأنهم متحدثون بليدون غريبو الأطوار. كان موضوعُ الحديث يتغيّر كل ليلة، من الفيزياء النظرية إلى الأنغام المنسابة في الأوبرا الكانتونية، إلى السبب في كون كثير من المشفّرين وعلماء الرياضيات لاعبي شطرنج وموسيقيّين. لدى هؤلاء النوابغ فضولٌ لا يتوانى، أمدّهم بلمسةٍ مليئة بروح الشباب، وكأنّهم وجدوا وسيلة لتحويل اهتماماتهم المعرفية المخبّأة في سنوات المراهقة إلى مِشوارٍ مِهنيٍّ مثمر ومجزٍ. كانوا في الإجازات الأسبوعية يشفّرون باستمتاع، فيُطلقون مشروعات جانبية تؤسسُ لتقاناتٍ وشركات تجارية جديدة.

بعد بضعة أيام على السفينة أصبحتُ أشعر أنّ رفاقي لم يكونوا مجرّد مجموعةٍ من خبراء تقنية المعلومات تجمعهم أدواتٌ مشتركة، بل كانوا أقرب إلى قبيلةٍ من الرقميّين لهم تاريخُهم الخاص وشعائرُهم وأخلاقيّاتُهم وضروبُ لهوٍ خاصةٍ بهم وتراثٌ شفهيّ يتداولونه. وفي حين كان جوهرُ حياتَهم ما يقومون به من أعمالٍ في عُزلتهم، فإنّهم كانوا يستمتعون برفقةِ آخرين ممّن هم “على الموجة نفسها”. هم في الحقيقة ليسوا سوى مجتمعٍ “عِشَريٍّ” من المنعَزِلين.

ربما يكون أمثالُهم في العصور الوسطى قد قضوا أيامَهم في نسخ المخطوطات أو النَسْج أو في محاولة تحويل المعادن إلى ذهب، وأمثالُهم في منتصف القرن العشرين كانوا ينصبون التلسكوب نحو النجوم أو يركّبون المذياعات. وفي السنوات الأربعين الماضية انتقل بعضٌ من أفراد هذه القبيلة من أطراف المجتمع إلى مركزه، يعملون الآن في شركاتٍ كبرى مثل فيسبوك وأبل وجوجل. لقد أعادوا تشكيل الثقافة الشعبية على صورتهم؛ فقد أصبح شيئًا جذّابا ورائجًا أن تكون مهووسًا بالديناصورات والجدول الدوري ومسلسلات الخيال العلمي، أيًا ما كان عمرك. هكذا، فإنّ الأطفال الذين كانوا محلَّ سخرية الآخرين بوصفهم “دحّاحِين” وأصحاب “مخٍّ كبير” قد أصبحوا اليوم هم من يشكّل مستقبلنا.

قُبيل وصول السفينة إلى فانكوفر استأذنتُ لاري وول في إجراء مقابلةٍ معه في منزله في وادي السيليكون، فقال “مرحبا بك، ولكن اعلم أنّ لدينا ابنةً توحّدية”. في ذلك الوقت لم أُنْعم التفكير في تعليقه. كلّ ما كنتُ أعرفه عن التوحّد آنذاك عرفتُه من فيلم “رجل المطر Rain Man” الذي عُرض عام 1988م من بطولة دستِن هوفمان، والذي أدّى دور نابغةٍ اسمه ريمند بابِت كان يستطيع أن يحفظ أدلّة الهاتف عن ظهر قلب ويحصي أعواد تنظيف الأسنان من نظرة واحدة. بالتأكيد كانت تلك شخصية سينمائية تبقى في الذاكرة، بيد أنّ احتمال الالتقاء بشخص كهذا في الواقع بدا ضئيلا. ما كنتُ أعرفه هو أنّ التوحّد اضطرابٌ عصبيّ نادرٌ وغريب، والنوابغ مثل ريمند بابِت كانوا أكثر نُدرة.

عاملني لاري وول أثناء المقابلة بدماثةٍ وتعاون، وهو يشرح لي كيف وُلدت فكرة بيرل كمشروعٍ سرّي للغاية في وكالة الأمن القومي (NSA)، إذْ طلب منه رئيسُه أن يصمّم برنامجا لضبط مجموعتين من الحواسيب عن بعد، واحدة في الساحل الشرقي والأخرى في الساحل الغربي. غير أنّ لاري -الذي كتب ذات مرة أنّ المناقب الثلاث للمبرمجين هي الكسل ونفاد الصبر والكبرياء- كَرِه العملَ لأشهر في تشفير برنامج يُستخدم لمهمّةٍ واحدة فقط. لذلك صمّم لغة بيرل ودسّ في جيبه شريطًا يحتوي على الشيفرة الأصلية.

وبينما كنتُ أتحدث مع لاري عن اختراعه البارز، أضاءت لمبةٌ في الجدار خلفَنا. كان لاري قد حوّل الرنين الذي يصدر عن مجفّف الملابس إلى لمبة متوارية كي لا يشوّش عليه صوتُ الجهاز حين ينتهي من التجفيف. علينا أن نتذكر أنّ هذا الأمر اعتياديّ جدًا بالنسبة لرجلٍ اخترع شيفرةً مكّنت أحد قراصنة بيرل (واسمه بروس ونتر) أن يُؤتْمِتَ جميعَ الأجهزة في منزله وأن يجعل هاتفه يقرأ له رسائله الإلكترونية، وذلك في عام 1998م. لم يخطر ببالي إلا بعد فترة طويلة أنّ حساسيّة لاري للأصوات قد توفّر رابطًا بين وضع ابنته وقبيلة النُسّاك الصناعيين الذين اخترعوا العالم الرقميّ الحديث.

بعد بضعة أشهر بدأتُ في إعداد تقريرٍ عن واحدة من أبرز علماء التقانة في وادي السيليكون، وهي رائدة أعمال اسمها جودي إسترن. حين كانت طالبة في الدراسات العليا في جامعة ستانفورد في السبعينيات ساعدَتْ فِنت سيرف [أحد الآباء المؤسسين للإنترنت] في إعداد بروتوكولات TCP/IP التي تُعدُّ العمود الفقري للإنترنت. بعد ذلك خاضت جودي مشوارها المهنيّ الناجح ودشّنت مشروعات جديدة في عالم التقانة الذي يهيمن عليه الذكور. وكي أستزيد حول حياة جودي الشخصية توصّلتُ إلى حَمِيّها مارنين كليجفلد وطلبتُ منه أن أجري مقابلة معه، فقال “أهلا وسهلا، ولكن لعلمك، لدينا ابنةٌ توحّدية”.

بدت تلك مصادفةً غريبة. أسرتان بارزتان في التقانة في وادي السيليكون لديهم طفلة مصابة باضطراب عصبي نادر؟ في اليوم التالي كنتُ أحكي لصديقي في مقهى قريب عن هذا التصادف العجيب، وفجأةً انطلقت امرأة شابة في الطاولة المجاورة تقول: “أنا أخصائية تربية خاصة. هل تدرك ما يحدث؟ ثمّة وباء توحّد في وادي السيليكون. هناك شيء مُريع يحدث لأطفالنا“. اقشعرّ بدني من كلامها، فهل ما تقوله يمكن أن يكون صحيحا؟

شرعتُ أقرأ كل خبر منشورٍ وجدتُه عن التوحّد، وحمّلتُ أعدادًا كبيرة من المقالات البحثية، وسرعان ما غدا واضحًا لي أنّ الارتفاع الغريب في حالات تشخيص المرض لم يقتصر على وادي السيليكون. كان هذا يحدث في كل بقاع العالم.

          وكي أضع هذه الأرقام في سياقٍ محدد، اطّلعتُ على الخط الزمني الأساسي لتاريخ التوحّد، فعرفتُ أنّ هذه الحالة المحيّرة اكتشفَها أول مرة في عام 1943م طبيبُ أطفال نفسانيّ اسمه ليو كانر (Leo Kanner) لاحظَ أنّ أحد عشر طفلا من بين مرضاه يبدون وكأنهم يعيشون في عوالم خاصّة بهم، متجاهلين من حولهم. كان هؤلاء الأطفال يسلّون أنفسهم لساعات طِوال بطقوسٍ صغيرة مثل تدوير غطاءات القدور على الأرض، لكنّهم يُصابون بارتباكٍ مع أبسط تغيير في بيئتهم، كأن يُنقل كرسيٌّ أو دميةٌ مفضّلة من مكانها المعتاد دون علمهم. بعضُ هؤلاء الأطفال كانوا عاجزين عن التحدّث، في حين كان آخرون يكرّرون ما يسمعونه أو يتحدّثون عن أنفسهم بضمير الغائب. رأى ليو كانر أنّ حالتهم مختلفة اختلافا “كبيرا وفريدا” عن أي شيء ورد سابقًا في الدراسات الطبّية، فأطلقَ على هذه الحالة اسم “التوحّد autism”، وهو مشتقّ من الكلمة اليونانية “أوتوس” بمعنى الذات، لأنّ الأطفال الذين يعانون من هذه الحالة يصبحون أكثر سعادة في عزلتهم.

بعد ذلك بسنة، اكتشف الطبيبُ السريريّ النمساوي هانز آسبرجر أربعة أطفال من مرضاه لاحظ أنهم منفصلين عن الآخرين انفصالا غريبا، حتى عن أبويهم. وبخلاف مرضى ليو كانر في بالتيمور، كان هؤلاء الأطفال يتحدّثون بجملٍ واضحة منمّقة ويُظهرون قدرات سابقة لأوانها في العلوم والرياضيات. وبموّدة بادية أطلق آسبرجر على هؤلاء الأطفال “البروفيسورات الصِغار”، وسمّى حالتهم أيضا “التوحّد” رغم أنه ما يزال ثمة خلاف حول ما إذا كان ما لاحظه في عيادته هي المتلازمة نفسها التي وصفها كانر.

ظلّت تقديراتُ انتشار التوحّد لعقودٍ من الزمن ثابتةً عند 4 أو 5 أطفال لكل عشرة آلاف طفل، غير أنّ العدد أخذ يتضخّم في الثمانينيات والتسعينيات فأثار احتمالا مخيفًا بأن يكون جيلٌ من الأطفال واقعًا في قبضة وباء غير معروف المنشأ. أخبرتُ مسؤولي في مجلة وايرد عن الكلام المخيف الذي قالته المعلّمة في المقهى حول ما يحدث في وادي السيليكون (وهو أهم مراكز انتشار المجلة)، فحصلتُ منه على موافقةٍ بمتابعة التقصّي في هذا الأمر.

ما سهّل عملية البحث هو أنّ شقتنا في سان فرانسيسكو تقع قرب جامعة كاليفورنيا، والتي تفخرُ بأنّ لديها واحدة من أفضل المكتبات الطبية في البلاد. هكذا أصبحتُ أقلّب أكوام الكتب والمجلات العلمية متمعّنا في دراسات علم الأوبئة، وطب الأطفال، وعلم النفس، وعلم الوراثة، وعلم السّموم، إلى جانب موضوعات أخرى ذات علاقة. وفي الوقت نفسه كانت أرفف مكتبتي في المنزل تزخر بكتب مثل كتاب “الحصار The Siege” لكلارا كليبورن بارك، وكتاب “أنثروبولوجيّ على المريخ Anthropologist on Mars” لأوليفر ساكس، وكتاب “التفكير بالصور Thinking in Pictures” لتيمبل جراندين. وجدتُ في كلّ كتابٍ من هذه الكتب صورة لعالم التوحّد من وجهة نظر مختلفة.

فكتابُ الحصار الصادر عام 1967م كان أول شهادة مطوّلة من أمّ محبّة متفانية في تربيتها لطفل توحّدي. في تلك السنوات التي يجوز أن نصفها بأنها من عصور الظلام فيما يتعلق بالتوحّد، كان الأطباءُ النفسانيّون يُلقون باللائمة على ما يُسمى بـ “الأمّهات الثّلاجات” أو البارِدات في عاطفة الأمومة، لكنّ كلارا بارك قدّمت في كتابها شهادةً صريحة عن حياتها مع ابنتها الصغيرة جيسي (واسمها في الكتاب إيلي) التي كانت تجلس بمفردها لساعات طويلة تنخلُ الرملَ عبر أصابعها. بعينٍ مدقِّقةٍ مثل المستكشف الذي يكتشف أرضًا جديدة، وثّقتْ كلارا بارك كل الأشياء الصغيرة التي تعلّمت جيسي فعلَها في سنواتها الأولى، وكانت تتعلمها بجهدٍ كبير ثم ما تلبث أن تنساها.

كانت مستلقيةً على سريرها ذات صباحٍ صيفيّ وعمرُها عامان، حين سمعتُها تنطق اسمها. قالت “إيل-لي..إيل-لي” وهي تضحك وتقهقه مرةً بعد مرة. كانت الأصوات حتى الساكنة منها واضحة للغاية. أشعرُ بسعادة غامرة لأنني سمعتُها. ظلّت شهرًا أو نحو ذلك تردّد اسمَها، بعد ذلك توقّفت. ولم تنطق اسمها مرةً أخرى إلا بعد مرور سنتين.

          أمّا كتب أوليفر ساكس فتبحث في موضوع التوحّد من وجهة نظر الطبيب المعالج العطوف، في ما يجسّد تراث علماءٍ وأطباء اشتُهروا بملاحظاتهم الدقيقة مثل جان-مارتن تشاركوت (Jean-Martin Charcot) مؤسس علم الأعصاب الحديث، وألكساندر لوريا (Alexander Luria) الذي كتب توثيقًا لحالات مرضاه زاخرًا بالتفكّر في الحالة الإنسانية لكأنّه رواية أدبية. وفي تصويرٍ دقيق مفصّل لأشخاصٍ مصابين بالتوحّد مثل الفنان ستيفن ويلتشاير والمصممة الصناعية تِمبل جراندين، سلّط أوليفر ساكس الضوء على ما يواجهونه من تحديات في حياتهم اليومية، مع لفتةٍ إلى الطرق التي يوظّفون بها مَلَكات عقولهم غير العادية في أعمالهم. يقول أوليفر: “ليس هناك شخصان متوحّدان يشبهان بعضهما؛ فالشكل الذي يعبّرُ به التوحّد عن نفسه يختلف من حالة لأخرى. بل قد يكون هناك تفاعلٌ معقّد (وربما إبداعيّ) بين سِمات التوحّد والصفات الأخرى لدى الفرد. لذلك ففي حين قد تكفي مجرد نظرة كي نؤكد تشخيص الحالة، إلا أننا إذا أردنا فهم الشخص التوحّدي فلا بدّ من سيرة كاملة عنه”.

تِمبل جراندين قدّمت هذه السيرة الذاتية في كتابها التفكير بالصور.لم تتعلّم جراندين الكلام حتى سنّ الرابعة، وكان الأطباء قد شخّصوا حالتها خطأً على أنها مصابة بتلف دماغي. كان ذلك شائعًا في تلك الفترة التي لم يكن فيها التوحّد معروفًا على نحو واسع حتى بين الأطبّاء. وبتشجيعٍ من والدتها ومعلّم العلوم في مدرستها الثانوية تمكّنت جراندين من تطوير علاقتها الفطرية بالحيوانات إلى مجموعة مهارات عمليّة كفلت لها النجاح في عملها حيث تُصمّم مرافق في مجال المواشي. في هذا الكتاب لا نجد ما اعتدنا عليه من حكاية ملهِمة عن شخص استثنائي “تغلّب” على حالةٍ مرَضَيّة مأساوية، وإنما حكاية جراندين التي أصبحت تعتبر توحّدها إعاقةً وهِبةً في الوقت نفسه، بوصفه “شيئا مختلفا، وليس أدنى”.

بعد هذه القراءات بدأتُ في العمل الميداني. قابلتُ صبيًا في الحادية عشرة اسمه نِك أخبرني عن الكون المتخيّل الذي يبنيه في حاسوبه. قال لي إنّه وضع المعالم الرئيسة لكوكبه الأول، وهو عالم على شكل سِندان اسمه دِنثايم يقطنه الأقزامُ والآلهة وشعبٌ من ثلاثة أجناس اسمه كيمان. وبينما كان يقصّ عليّ نبأ الحضارة التي يخلقها في حاسوبه ارتفع ببصره إلى السقف وأخذ يدندن لحنًا مرةً بعد أخرى. ثمّ فجأةً وكأنّه حلّت فيه روحُ أستاذٌ جامعيّ من أكسفورد قال: “أفكّر في أن أصنع سحرًا من شكلٍ من أشكال فيزياء الكمّ، لكنني لم أقرر بعد”. أحببتُ هذا الطفل فورًا.

غير أنّ والدته انفجرت باكية وهي تحكي لي أنّه لم يكن له ولا صديق واحد من سنّه، وذكرتْ لي كيف أنّ زملاءه في الصفّ حملوه على أن يرتدي لباسا مضحكًا للمدرسة. المصابون بالتوحّد يجدون صعوبة في استيعاب الإيماءات في وقتها، لذلك لم يُدرك الصبيّ أنّ زملاءه كانوا يرتّبون له مقلبًا مهينًا كي يهزؤوا به. حينها رحتُ أفكر في ماذا سيحدث لهذا الصبي الذكي الوَثُوق صاحب الخيال الواسع حين يكبر إلى السنّ التي ينشغلُ فيها من في سنّه بالمكانة الاجتماعية والمواعدة بين الجنسين.

هناك آباء وأمّهات آخرون يُطلعون غيرهم على الاستراتيجيات المبتكرة التي صمّموها لمساعدة أطفالهم على التعلّم والتأقلم مع هذا العالم المليء بتغيّرات ومفاجآت لا يمكن تجنّبها. لكم أن تتخيلوا أنّ حدثا عائليًا مثل السفر بالطائرة لأول مرة قد يتطلب شهورا من الإعداد والتخطيط. فعلى سبيل المثال، أخبرني مارين كليجفلد عن الخطوات التي اتخذها مع زوجته مارغو (وهي طبيبة باطنية) لمساعدة ابنتهما لِيا كي تشعر بالطمأنينة في أول زيارة لها إلى طبيب الأسنان الجديد.

التقطنا صورا لمكتب الطبيب وموظّفيه، وقدنا السيارة أمام المكتب عدّة مرات، ورتّب لنا الطبيب موعدًا في نهاية اليوم حتى لا يكون هناك مرضى آخرون، وأخذ يحدّد معنا أهداف كل زيارة. في الزيارة الأولى كان الهدف أن نجعل ابنتنا تجلس على كرسي العلاج. والزيارة الثانية كانت لتعويدها على الخطوات التي سيتطلبها العلاج دون القيام بها فعلا. سمّى الطبيبُ أدواته بأسماء محبّبة، وكنا نستخدم مرآة كبيرة حتى يمكنها أن ترى بالتحديد ما يحدث، لنضمن أن لا تكون هناك أية مفاجآت.  

          وكعديدٍ من الآباء والأمّهات أضحى مارنين ومارغو باحثَين هاويَين في مجال التوحّد، يخصّصان ساعات طويلة من وقتهما الخاص كل أسبوع كي يطالعوا أحدث الدراسات ويقيّموا العِلاجات التي قد تنفع لِيا. عرفتُ أنه لم يكن غريبا على آباء وأمهات أرهقتهم تكاليف العلاج السلوكيّ أن ينصرفوا عن مهنتهم التي يحبّونها ويديرون بأنفسهم علاج أطفالهم؛ فيكوّنون فريقا من المعالجين السلوكيين ويخوضون معارك مع إدارات المدارس والمراكز الاجتماعية وشركات التأمين كي يضمنوا لأطفالهم التعليم والخدمات التي يستحقونها.

قال لي الآباء والأمهات أنّ من بين أصعب الأمور التي يمرّ بها من لديه طفل توحّدي هو الصراع للحفاظ على الأمل، في وجه التكهّنات المريعة التي يجدونها لدى أطباء ومديري مدارس وآخرين يُفترض أن يكونوا في صفّهم. فمثلا، حين شُخِّصَت حالةُ لِيا قال أحد المتخصصين في التوحّد لوالدها: “لا يوجد سوى فرقٍ ضئيل جدا بين ابنتك وبين الحيوان. لا نعرف ما الذي يمكن أن تفعله في المستقبل” (في سنّ الخامسة والعشرين أصبحت لِيا امرأة ذكيّة جذّابة حنونة لديها القدرة على تذكّر أسماء جميع معلّميها وزملاء الدراسة منذ المرحلة ما قبل المدرسية، وتغنّي أغانيها المفضّلة بنغمة رائعة). هكذا، فمن بعض النواحي لم تتغير الأشياءُ كثيرا عن العصر الذي قِيل لكلارا بارك وغيرها أن تُدخل طفلتها في دار رعاية وتُكمل حياتَها.

للوقوف على ما كان يحدث في وادي السيليكون طلبتُ من رون هَف في دائرة كاليفورنيا لخدمات النموّ أن يعزل بيانات سانتا كلارا عن بيانات المناطق الأخرى في المقاطعة نفسها. فأكّدَ لي أنّ هناك طلبًا كبيرًا غير متكافئ على خدمات التوحّد في الشريحة التي يتركّز فيها العاملون في مجال التقانة.

في الفترة التي كتبتُ فيها مقالي كانت قد تغلغلتْ في الثقافة الشعبية فكرةُ أنّ الأماكن عالية التقانة مثل وادي السيليكون وروت 128 هي مأوى للمبرمجين والمهندسين الأذكياء غريبي الأطوار. كانت النكتةُ تقول إنّ العديد من المشفّرين الذين يعملون ليل نهار في معاقل تقنية المعلومات مثل إنتل وأدوبي وغيرهما لا يمكن أن يعيشوا إلا في مكانٍ ما في ولاية آسبرجر. في هذا الصدد تقول كاثرين ستِوَرت مديرة أكاديمية أوريون (مدرسة ثانوية للأطفال التوحّديين في موراجا بكاليفورنيا) إنها كانت تسمّي متلازمة آسبرجر “مرض المهندسين”. كما قال دوجلاس كوبلاند مازحًا في روايته المشهورة Microserfs: “أعتقد أنّ جميع التقانيين توحّديون بعض الشيء”.

يرى عالم التخلّق العصبي دان جيشوِند (Dan Geschwind) أنّه يمكن تفسير موجة التوحّد في المجتمعات المرتكزة على التقانة (مثل وادي السيليكون) بأنّ ثقافة هذه الأماكن قد وفّرت للرجال والنساء من مختلف أطياف التوحّد فرصا لم تكن موجودة من قبل في التاريخ. وتقول ميشيل جارسيا وينِر المتخصصة في أمراض النطق إنّ العديد من الآباء والأمهات في مجال عملها لم يصبحوا واعين بسِماتهم التوحّدية إلا بعد أن اكتُشف التوحّد في أطفالهم. وقد أشارت تِمبل جراندين في كتاب التفكير بالصور إلى أنّ “الزواجات تنجح أكثر حين يتزوّج اثنان توحّديان أو حين يتزوّج شخصٌ ما من معاقٍ أو غريب الأطوار…ينجذبان لبعضهما لأنّ عقلهما يعمل على نفس طول الموجة”.

يُسمى الانجذابُ بين الأشخاص الذين يحملون السِمات الجينية نفسها “التزاوج المتلائق assortative mating”. وفي عام 1997م وجد الأخصائي في علم النفس الإدراكي سايمون بارون-كوهين أنّ آباء وأجداد الأطفال التوحّديين كانوا في الغالب مهندسين. إذًا، هل يكون التزاوج المتلائق بين الذين يحملون جينات التوحّد مسؤولا عن العدد المتزايد من حالات التوحّد في وادي السيليكون؟

نُشر مقالي الذي يبحث في هذه الفرضية “متلازمة المهووسين” في عدد ديسمبر من مجلة وايرد عام 2001م. ورغم أنّ العالم كان ما يزال مصعوقًا من هجمات الحادي عشر من سبتمبر، إلا أنّ الرسائل الإلكترونية بدأت تنهمر على بريدي حتى قبل وصول المجلة إلى منافذ البيع. قال لي بعض الآباء والأمهات إنّ المقال ساعدهم في الشعور بأنهم أقل انعزالا عن الآخرين الذين يواجهون التحديات نفسها مع أطفالهم. جاءتني رسائل من أطباء معالِجين كانوا يلاحظون هذا الترابط في مجتمعاتنا عالية التقانة، ومن قرّاء كانوا لسنوات طويلة يعانون اجتماعيًا دون أن يعرفوا السبب. كان هذا السيل من الرسائل مُلهِما ومخجلا:

لديّ ولدٌ عمره 12 سنة، يأخذ دورات متسارعة في الرياضيات والعلوم. هوايته حفظ الحقائق والأرقام المتعلقة بصناعة الطيارات العسكرية والمدنية حتى زمن الحرب العالمية الأولى. كان دومًا مهووسا بالساعات. صحيحٌ، مثلما يمكن أن خمّنتَ، فهو مصاب بمتلازمة آسبرجر. لطالما سألتُ نفسي “لماذا ولدي هكذا؟”. لم يستطع أحدٌ أن يقدّم لي إجابة شافية حتى قرأتُ مقالك. أتَرى، زوجي مهندس. بعد قراءة مقالك بدا الأمر وكأنّ النقاط الآن تتصل ببعضها…  

 

مقالك يسلط ضوءا مهمّا على أستاذي الحقيقي في الحاسوب. كان يمكنه أن يلعب أربعة ألعاب شطرنج في الوقت نفسه ويتفوق على جميع الخصوم الأربعة. كان دائما يعرف كم ستكون التكلفة النهائية للمشتريات، بما فيها ضريبة المبيعات، قبل الوصول للمحاسب. لكنّ ابنه يعاني من مشكلة في التواصل البصري…

 

حين كنتُ في الخامسة من عمري كنتُ أفكك ألعابي الإلكترونية كي أرى كيف تعمل (كنتُ أيضًا أحاول أن أعيدها كما كانت). كنت على الدوام قارئًا نهما، فكنتُ أقرأ كتب الفيزياء التي يدرسها طلاب الكليّات وأنا في الصف الثاني الابتدائي. كان أبي يضيق ذرعًا بي وأنا أقول إنني أريد أن ابني نماذج مصغّرة من مفاعلات نووية وغوّاصات وقطارات، وأي شيء قد يخطر ببالك. لم يكن لي سوى قليل من الأصدقاء المقرّبين. كنتُ أعتبر ذلك شيئا غريبا ولم أعرف أبدًا كيف أعالج الأمر. بصراحة، أعتبرُ أغلب الناس مزعجين وغير منطقيين- وهي ربما سمةٌ أخرى من سمات آسبرجر 🙂

 

من الضروريّ أن يفهم الجمهور العام والشركات التي توظّف أبناءنا هذه الفئة من الناس. كثيرٌ من الناس سيُتجاهَلون بسبب سلوكياتهم “الغريبة”. كثيرون لديهم الكثير جدًا ليقدّموه لو أنهم مُنِحوا الفرصة.

والحمد لله إنني لم أتلقّ كثيرًا من نوع هذه الرسالة التالية:

مثلي مثل كثير من الناس بدأتُ أشعر بالضيق من تزايد الأمراض النفسية مثل اضطراب نقص التركيز ومتلازمة آسبرجر. في الزمانات، إن لم تنتبه في الصفّ تُضرب، وعادةً ما يكون هذا علاجا كافيا للعديد من الأطفال.

تلقّيتُ كذلك اتصالا من مسؤولٍ في شركة مايكروسوفت قال لي “أفضل مشخّصي الأخطاء عندي كلّهم لديهم متلازمة آسبرجر. يمكنهم أن يضعوا شيفرة من مئات السطور في صورةٍ ذهنية، ويبحثون عن أخطاء في نسق الشيفرة، وبذلك يكتشفون الأخطاء”.

بعد بضعة أشهر من نشر مقالي التقيتُ في أحد المؤتمرات بامرأةٍ طلبتْ منّي أن أوقعَ على نسخةٍ من المقال لحفيدتها، وكانت تلك النسخةُ مصوّرةً عدة مرات لدرجةِ أنّ الكلام لم يكن واضحًا.

          مضت السنوات وما زالت الرسائل تأتيني حول مقال “متلازمة المهووسين” كل أسبوع تقريبا. مع ذلك، فمع مرور الوقت أصبحتُ مقتنعًا أنني إذْ ركّزتُ على حركة التوحّد في مجتمعٍ متخصص للغاية، فقد أهملتُ حكايةً أكبر وأهمّ.

كتبتُ عام 2001م: “إنّ الاختراق الأهمّ الذي يمكن لفريقٍ من مبرمجي وادي السيليكون أن يفعلوه قد يكون اختراقُ الشيفرة الوراثية التي تجعلهم على هذه الدرجة من الإتقان في عملهم”. كان العقد الأول من القرن الجديد زمنَ الأمل للعديد من الأسر، إذ أخبرني الآباء والأمهات عن تفاؤلهم بأنّ العلم كان على وشك أن يكتشف سرّ التوحّد. في الوقت نفسه، كان يسودُ أغلبَ النقاشات العامة عن التوحّد جدلٌ مليء بالضغينة عن اللقاحات، عطفًا على نتائج مثيرة للجدل توصل إليها الطبيب المتخصص في أمراض الأمعاء والمعدة أندرو ويكفيلد وزعم بأنه وجد الرابط المحتمل بين اللقاح الثلاثي (الحصبة والنكاف والحميراء) وشكل من أشكال الارتكاس سمّاه “الالتهاب المعوي القولوني التوحّدي”.

هكذا تشتّتَ الآباء والأمهات الباحثون عن نصيحة حول طريقة تربية أطفالهم التوحّديين ودخلوا دوّامةً من المعلومات المتضاربة حول سلامة التطعيمات المعتادة والدور المحتمل للمعادن الثقيلة كالزئبق (الموجود بقدر طفيف في حافظات اللقاحات مثل الثيميروسال) في الإسهام في تأخر نموّ الأطفال. كثر الحديث في الإنترنت عن مخاوف من مؤامرة كبيرة تشترك فيها شركات الأدوية الكبرى مع مسؤولين فاسدين للتستر على آثار موجة عالمية من تلف اللقاحات، فبدأت معدلات تطعيم الأطفال تقل في العالم، فظهر شبح عودة أوبئةٍ مثل السعال الديكي الذي أودى بحياة عشرات آلاف الأطفال سنويا. أما التفسيرُ الرسمي لتزايد تقديرات انتشار التوحّد فهو أنّ معايير تشخيصه قد توسّعت عبر السنوات. ولكن إن كان الأمر كذلك، فلماذا كانت المعايير ضيقة أصلا؟ كيف يمكن لمتلازمةٍ نادرة وغير ظاهرة يُزعَم أنها متجذرة في الجينات أن تنتشر في كل مكان هكذا فجأة؟

نظرًا للقلق العام من تزايد الأعداد فقد أصبحت أبحاث التوحّد على وشك الدخول في عصرها الذهبي، بعد أن تجاهلتها مراكزُ التمويل (كالمراكز الصحية الوطنية) لفترة طويلة لأنّ هذه الحالة كانت تُعدّ نادرةً جدا. هكذا، فبين عام 2000م و 2011م تزايدت قيمةُ المنح البحثية من المراكز الصحية الوطنية سنويا بمعدّل 51 مليون دولار، بما فيها زيادةٌ قدرها بليون دولار من قانون مكافحة التوحّد عام 2006م. وساهمتْ مجموعات التمويل الخاصة أيضا، فدفعتْ إجمالي الاستثمارات في أبحاث التوحّد إلى أعلى مستوياتها في التاريخ. في عام 2011م، أعلنت منظّمة “التوحّد يتكلم Autism Speaks” (وهي أكبر منظمة جمع أموال لصالح علاج التوحّد في العالم) عن مشروع قيمته 50 مليون دولار بالاشتراك مع معهد بيجين لدراسات الجينوم لتحديد الجينومات الكاملة لعشرة آلاف شخص من أُسَر لها طفلان توحّديان أو أكثر. ووعد نائب رئيس المنظّمة للشؤون العلمية آندي شيه بأنّ المشروع سيثمر عن “قدرٍ من المعلومات سيؤدي إلى تحوّلات كبرى”.

بنهاية العقد الأول من القرن الحادي والعشرين كان من الواضح أنّ العلماء قد فعلوا فقط ما وُظِّفوا للقيام به. حدّدَ علماءُ الأحياء الجزيئية أكثر من ألف جين محتمل ومئات من الطفرات المرتبطة بالتوحّد. كما أنهم قد توصّلوا إلى فهم أعمق لعلم التخلّق، وهو علم العوامل التي تتيح التفاعلات بين الجينات والبيئة. بدا وكأنّ قائمة المحفزات البيئية المحتملة تكبر يوما بعد يوم، وتشمل عشرات من الكيماويات شائعة الاستخدام، ما حدا بالكاتبة العلمية في مجلة فوربس إيميلي ويلينجهام (وهي أمّ لصبيّ توحّدي) أن تكتب تدوينة عنوانها “آخر خبر..البقاءُ حيّا له علاقة بالتوحّد”[3]. ولكنْ بالنسبة لأُسَرٍ مثل أسرة ويلينجهام، فإنّ اللحظةَ الموعودة لحدوث التحولات الكبرى التي ستحسّن حيوات أطفالهم، لم تأتِ.

اعترفَ مؤلفو دراسة كبيرة منشورة في مجلة نيتشر أنّه حتى أكثر العوامل الجينية شيوعًا التي سلّطوا الضوء عليها في الدراسة وُجِدت في أقل من 1 % من عيّنة الأطفال. يقول ستيفن شيرر من مستشفى الأطفال المرضى في تورنتو “معظم المصابين بالتوحّد ربما هم متفرّدون جينيا”. أما عالم التخلّق العصبي في جامعة كاليفورنيا بلوس أنجلس ستانلي نلسن فأضاف قائلا “لو أنّ لديك مائة طفل توحّدي، فيمكنك أن تحصل على مائة مُسبِّب جيني”. إنّ المقولة المنتشرة في عالم التوحّد “إنْ التقيتَ بشخصٍ واحد توحّدي، فقد التقيتَ بشخصٍ واحد توحّدي” تبدو حقيقيةً حتى لعلماء الأحياء الجزيئية.

في عام 2010م، تحدثتُ إلى واحدٍ من الآباء الذين كنتُ قابلتهم قبل تسع سنوات. أخبرني أنه لم يعد مهتما بسبب إصابة ابنته بالتوحد، بل أصبح مهتما بمستقبلها. كانت الفتاة على وشك أن “تكبر” على المستوى المتواضع من الخدمات التي تقدمها ولاية كاليفورنيا. ورغم سنوات العلاج السلوكي، فلم تتطور مهاراتها إلى الدرجة التي تجعل والديها مطمئنين إلى أنها تستطيع العيش بمفردها. يقول والدها “السؤال الذي يؤرقني كل ليلة هو ما الذي سيحدث لابنتنا حين نموت؟”.

وإذْ تقدِّرُ مراكزُ مكافحة الأمراض أنّ واحدًا من بين كل 68 طفلا في المدرسة في أمريكا واقعٌ في طيف التوحّد، فستواجهُ ملايين الأُسر ليالي مؤرقة في العقود القادمة. هناك العديد من التوحّديين البالغين لا يستخدمون مَلَكات عقولهم غير العادية في شركاتٍ مثل أبل وجوجل، بل الحقيقة إنّ هناك عددا كبيرا منهم عاطلون عن العمل ويعانون كي يعيشوا بمخصصات الإعاقة التي يحصلون عليها. وبعد عشرين عاما من سنّ قانون التعليم للأشخاص ذوي الإعاقة، ما يزال أولياء الأمور يجدون أنفسهم مضطرين إلى رفع دعاوى قضائية على مدارس كي يحصلوا على قبولٍ لأطفالهم في صفٍ يناسبهم. علاوة على ذلك، فقليلٌ جدا من المال الذي تحصل عليه منظمات جمع المال يُخصّصُ للاحتياجات اليومية للتوحّديين وعائلاتهم. هكذا، وبالتركيز غالبًا على تمويل الأبحاث حول الأسباب والعوامل المحتملة، تعزِّزُ هذه المنظمات الفكرةَ بأنّ التوحّد حالةٌ شاذة في التاريخ- مشكلةٌ يتفرّد بها العصر الحديث ويمكن حلّها باكتشافٍ يبدو وشيكًا.

في حين انشغل التيارُ السائدُ في العالم بجدلٍ طويل حول اللقاحات، فقد انخرط البالغون الذين اكتشفوا توحّدهم حديثا في حوار مختلف جدا حول صعوبة العيش والبقاء في عالم لم يصمّم لهم. عبر تبادل قصصهم اكتشفوا أنّ الكثير من التحديات التي يواجهونها يوميًا ليست “أعراضا” لتوحّدهم، بل صعوبات مفروضة من مجتمع يرفض أن يوفّر وسائل تكفل راحة الأشخاص المصابين بإعاقات ذهنية مثلما تفعل للمصابين بإعاقات جسدية، كالعمى والصمم.

وبدأ سؤالٌ يبدو بسيطا يتشكّلُ في ذهني: بعد سبعين سنةٍ من البحث في التوحّد، لماذا لا نزال لا نعرف إلا القليل عنه؟

ولإيجاد الإجابة على هذا السؤال في هذا الكتاب، قررتُ أن أبدأ بحثي من البداية، حتى قبل ما يُعرف باكتشافات كانر وآسبرجر للتوحّد في الأربعينيات. لم أقبل الأمور بظواهرها، فعرفتُ أنّ الخط الزمني الأساسي لتاريخ التوحّد -بعبارةٍ أخرى أسطورة خلقه- خاطئ جدًا بطريقةٍ تجعل من الصعب علينا رؤية التوحّديين في الأجيال السابقة. وإلى أن تُصحَّح هذه الأخطاءُ في الخط الزمني، فسوف تستمرُ في إعاقة قدرتنا على اتخاذ خيارات حكيمة حول أنواع الأبحاث والخدمات الاجتماعية المفيدة للتوحّديين وعائلاتهم.

واحدٌ من أهم التطورات الواعدة التي حدثت منذ نشر مقال “متلازمة المهووسين” هو ظهور مفهوم “التنوّع العصبي neurodiversity”، والمقصود به أنّ حالاتٍ مثل التوحّد وعسر القراءة وقصور التركيز وفرط النشاط ينبغي اعتبارُها تنويعاتٍ ذهنية تحدث بشكل طبيعي مشفوعةً بقوى متميزة أسهمتْ في تطوّر التقانة والثقافة، وليست قائمةً من القصورات والاختلالات. ورغم أنّ النموذج الطيفي للتوحّد ومفهوم التنوّع العصبي يُعدَّان ثمرةً من ثمار العالم ما بعد الحداثي، فالحقيقةُ أنهما فكرتان قديمتان جدا اقترحهما هانز آسبرجر في أول محاضرة له عن التوحّد عام 1938م.

لقد ألهمتْ فكرةُ التنوّع العصبي تأسيسَ الكثير من حركات الحقوق المدنية المتمحورة حول فكرة أنّ أدقّ مفسّري السلوك التوحّدي هم التوحّديون أنفسهم وليس أطباءهم أو أهاليهم. في عام 2007م، نشرتْ أماندا (والآن اسمها أميليا) باجز مقطع فيديو عجيبًا في اليوتيوب اسمه “بِلُغَتي In My Language” بلغ عدد مشاهداته حتى الآن أكثر من مليون، وذلك بعد أن انتبهت إليه كبريات المؤسسات الإعلامية مثل سي إن إن و نيويورك تايمز. في البداية تتبعُ الكاميرا أماندا (والتي تجد صعوبةً في التحدّث ولكنها تستطيع طباعة 120 كلمة في الدقيقة) وهي تفرك وجهها داخل كتاب وتمسح بأصابعها على لوحة المفاتيح، وترفرف بيديها، وتهمهم لنفسها. في العادة سيقول طبيبٌ معالج أنّ أميليا تمارس سلوك تحفيزٍ ذاتي، وهي علامةٌ من علامات التوحّد المعروفة. ولكن في الجزء الثاني من الفيديو بعنوان “الترجمة”، توضّح لنا أميليا أنّها لم تعرض هذه اللمحات الحميمة من حياتها طلبا للشفقة. في الواقع إنّ نيّتها أن تهدم معتقدًا شائعًا: أن تحتفلَ بمتعة وجودها، على طريقتها. تقول أميليا “لغتي ليست تصميم كلمات أو حتى علامات بصرية للناس كي يفسّروها. المقصود بلغتي هو أن أكون في حوار دائم مع كل جانب من محيطي، أتفاعل جسديا مع كل أجزائه. وهذا ليس معدوم الفائدة أبدًا؛ فالطريقة التي أتحرك بها هي استجابة مستمرة لما يوجد حولي”. تصلنا كلماتُها هذه عبر برنامج تحويل الكتابة إلى نطق، وكأنّ المتحدثة آلة، لكنّك لن تجد مقاطع كثيرة على اليوتيوب تدخلك إلى عقلٍ بهذا القدر العميق من الإنسانية.

أما الباعثُ الآخرُ على كتابة هذا الكتاب فكان حضوري في “أوتريت Autreat”، وهو اللقاء الترويحي السنويّ الذي تنظّمه مجموعةٌ من التوحّديين في جوٍ اجتماعي مصمّم بعناية لإزالة أي شكل من إثارة التوتر، وفي الوقت نفسه يزيد من فرص التوحّديين للاسترخاء والاستمتاع والتصرف بحرية والتواصل مع بعضهم البعض. علّمتني حواراتي في أوتريت -وبعضها عبر لوحة مفاتيح أو أجهزةٍ تحفّز التواصل- الكثيرَ عن الواقع اليومي للتوحّديّ، أكثر مما قد توفّره قراءة مئات التقارير التوثيقية. كما قدّمتْ لي فرصةَ أن أكون في هذه الأقلية العصابية لأول مرة في حياتي، ما أوضح لي بعض التحديات التي يواجهها التوحديون في مجتمعٍ غير مصممٍ لهم، وحرّرني من أفكارٍ نمطية خبيثة مثل الفكرة التي تقول بأنّ التوحديين يفتقرون إلى الظرافة والخيال الإبداعي. بعد أربعة أيام فقط في أرض التوحّد هذه، بدا لي العالمُ الآخرُ السائد هجومًا مستمرًا على الحواس.

والفكرةُ التي تقول بأنّ علاج الجوانب الأكثر إعاقة في التوحد لن يوجد أبدًا في حبّة علاج وإنما في مجتمعات داعمة متعاونة، هي فكرةٌ توصل إليها أهالي التوحّديين بأنفسهم منذ أجيالٍ مضت. تصفُ كلارا بارك في كتابها الأخير النيرفانا الحاضرة (Existing Nirvana) كيف أنّ جيرانها ساعدوا ابنتها كي تبني حياةً سعيدة ناجحة في ماساتشوستس، حيث تعيش جيسي الآن، بعد سنوات من موت والدتها. وهي في سنّ الخامسة والخمسين ما تزال تعمل في غرفة البريد في كلية ويليمز وهي ترسم صورا رائعة ودقيقة للعالم كما تراه بعينيها، كما كانت تفعل منذ أن شجّعها معلّمُ الرسم في مدرستها الثانوية قبل أربعين سنة.

كتبت كلارا بارك تقول: “حين خَلقَ المجتمعُ مساحةً لجيسي، فذلك بالفعل وأكثر من أي شيء آخر هو الذي مكّنها من أن تعيش وتساهم في المجتمع الذي وُلِدَت فيه. الآنَ فقط أستطيعُ أن أكتب هذه الكلمات وكلّي إيمانٌ بمستقبلٍ لن أراه أبدًا”.

ستيف سيلبرمان

سان فرانسيسكو

أغسطس 2010-2015م

[1]  ترجمةً مبدئية شائعة للكلمة الإنجليزية “geeks”، والمقصود بها أولئك الأذكياء غريبو الأطوار الذين يملكون شغفًا يصلُ إلى حدّ الهَوَس بشيءٍ ما (كالحواسيب والخيال العلمي مثلا)، غير أنهّم ليسوا انطوائيين بالضرورة، (المترجم).

[2]  لا تعدو أن تكون هذه ترجمةً مبدئية للكلمة الإنجليزية “nerds”، والمقصودُ بهم أولئك الأذكياء المنشغلون جدًا بالدراسة والعلوم إلى درجةٍ قد تجعلهم ينسحبون إلى عالمٍ انطوائي خاصٍ بهم يفقدون معه مهارات التواصل مع الآخرين، (المترجم).

[3] “Jusn In…Being Alive Linked to Autism”.

error: المحتوى محمي