أزمة العشرین عام – إدوارد ھالیت كار / ترجمة: ناصر المري

أزمة العشرین عام – إدوارد ھالیت كار / ترجمة: ناصر المري

الفصل السابع من كتاب أزمة العشرین عام لإدوارد ھالیت كار | ترجمة: ناصر المري


 

image2 (1)

طبیعة السیاسة

 

عاش الإنسان منذ الأزل في جماعات، وكان لأصغر تلك الجماعات -العائلة – أھمیة بالغة في استمرار الجنس البشري. ولكن ُ بتكوین كیانات – شبة دائمة – أكبر من العائلة، وأحد أھم وظائف تلك وكما ھو معلوم، فقد قام الإنسان منذ عصور قدیمة أیضا الكیانات ھو تنظیم العلاقات بین أعضائھا. السیاسة اذن تھتم بسلوك الانسان ضمن الجماعات المنظمة بشكل دائم/شبھ دائم، حیث أن كل المساعي لاستنتاج طبیعة المجتمع بناءا على سلوك الانسان المنعزل لم تعد سوى تنظیرات بحتة، لأنھ لایوجد سبب للافتراض ان ذلك الانسان المنعزل وجد أساسا. أرسطو وضع القاعدة لكل الافكار السیاسیة الراسخة عندما صرح بأن الانسان بالطبیعة ھو حیوان سیاسي.

الانسان یتفاعل مع رفاقھ بطریقتین متعاكستین، أحیانا تظھر منھ الأنانیة او الرغبة في فرض نفسھ على الاخرین. وفي أحایین اخرى یظھر علیھ حب الغیر والتعاون للدخول في علاقات متبادلة مبنیة على نوایا حسنة وصداقة، وفي مرات یكون بكامل رضاه في موضع التابع والمرؤوس، ویمكن ملاحظة تلك الصفات في مكان العمل في كل مجتمع. ولكن لایمكن لأي مجتمع البقاء بدون قدر محدد من التعاون والنوایا الحسنة المتبادلة في نسبة كبیرة من أفراده. ومع ذلك لابد من بعض العقوبات لتحقیق قدر من الضرورة التضامنیة لاستمرار المجتمع، وتلك العقوبات تطبق بواسطة مجموعة مسیطرة او شخص یعمل باسم المجتمع. ولأن العضویة في معظم المجتمعات إختیاریة فأن العقوبة القصوى الممكن تطبیقھا ھو الإبعاد. الا انھ وبحكم خصوصیة المجتمع السیاسي الحدیث المتمثل بما یسمى الدولة، فان العضویة تكون إلزامیة. والدولة مثل غیرھا من المجتمعات لابد أن تبنى على شعور بالمصالح والإلتزامات المشتركة بین أعضائھا. ولكن القسر الممارس بانتظام من قبل طبقة حاكمة یھدف لفرض الولاء والطاعة، وھذا القسر حتما یعني ان الحكام لأغراضھم الخاصة یسیطرون على ویستغلون المحكومین.

ھذه الصفة المزدوجة للمجتمع السیاسي تجعلھ متمیزا. البروفسور لاسكي یخبرنا ان ” كل دولة تؤسس على إرادات الناس“ بالمقابل، الانثروبولوجیا وكذلك التاریخ الحدیث یعطینا دروسا في ان ” الحرب تبدو الوسیلة الاساسیة في تكوین الدولة“ ، ولاسكي نفسھ في مقال اخر یؤكد ان ”حضاراتنا ارتبطت ببعض من خلال الخوف والنوایا الحسنة“. ورغم التضاد الظاھر الا انھ لیس ھناك تناقض بین ھاتین الرؤیتین. عندما حاول توم باین في -كتابھ حقوق الانسان – مواجھة بروك بالمعضلة التي تقول ان ” الحكومات تنشأ اما من الشعب او فوق الشعب“ كان جوابھ الاثنتان. القسر والارادة، العداوة والنوایا الحسنة، تأكید الذات والخضوع للغیر، كلھا حاضرة في كل مجتمع سیاسي. الدولة تنشأ من ھذین الجانبین المتضاربین في الطبیعة الانسانیة. الطوباویة والواقعیة، المثالیة والمؤسسة، الأخلاق والقوة، منذ البدایة متمازجة بشكل لاینفصم في الدولة. في تأسیس الولایات المتحدة، قال احد الكتاب الامریكان ” دافع ھاملتون عن القوة، والثروة والسلطة، بینما دافع جفرسون عن الحلم الامریكي، والحقیقة ان القوة والحلم كلاھما كانا مكونان ضروریان“

اذا كان ذلك صائبا، فانھ بامكاننا الوصول الى نتیجة ھامة: الطوباوي الحالم بإمكانیة اجتثاث تأكید الذات في السیاسة ومن ثم بناء نظام سیاسي على الأخلاق وحدھا سیكون خاطئا مثلھ مثل الواقعي الذي یعتقد ان الإیثار وھم، وأن الفعل السیاسي لابد ان یؤسس على الإنتھازیة. ھذه المغالطات تركت أثرھا على المصطلحات الشائعة، فعبارة ” سیاسة القوة power politics غالبا ماتستخدم بطریقة سلبیة وكأن عنصر القوة او تأكید الذات في السیاسة یعتبر شیئا شاذا وقابلا للإستبعاد من أي حیاة سیاسیة صحیة. بالمقابل، ھناك نزعة- حتى بین أولئك الكتاب الذین لاینتمون للواقعیة- تتعامل مع السیاسة على أنھا علم القوة وتأكید الذات بمعزل عن أي فعل مستوحى من إرادة أخلاقیة. الكائن السیاسي كما یزعم- البروفسور كاتلین- ھو من ” یسعى لخلق انسجام بین رغباتھ ورغبات الاخرین لیحقق غایاتھ“، مثل ھذه الاصطلاحات مضللة. السیاسة لایمكن فصلھا عن القوة. و الكائن السیاسي الذي یتتبع القوة فقط ھو زائف وأسطوري مثلھ مثل الكائن الاقتصادي الذي لایتتبع إلا الكسب. الفعل السیاسي ینبغي بناؤه على تنسیق بین الأخلاق والقوة.

ھذه الحقیقة على قدر من الأھمیة العملیة والنظریة على حد سواء. في السیاسة، تجاھل القوة كما ھو الأمر بالنسبة للأخلاق عمل كارثي. مصیر الصین في القرن التاسع عشر كان مثالا على مایحدث لدولة تقتنع بتفوق حضارتھا الأخلاقي وتحتقر أسالیب القوة. كذلك قاربت الحكومة اللیبرالیة لبریطانیا العظمى في عام 1914على الإنھیار بسبب تبنیھا سیاسة ایرلندیة تعتمد على سلطة اخلاقیة غیر مدعومة (او بالاحرى تواجھ معارضة مباشرة) من قبل قوة عسكریة فعالة. مجلس نواب فرانكفورت عام 1848 في المانیا كان مثالا كلاسیكیا على ضعف الأفكار المنفصلة عن القوة، انھارت جمھوریة فایمار بسبب العدید من السیاسات المتبعة- الحقیقة كل سیاساتھا ماعدا معارضتھا للشیوعیین- الغیر مدعومة بقوة عسكریة فعالة. الطوباوي الذي یعتقد ان الدیموقراطیة لاتبنى بالقوة یرفض ان یواجھ تلك الحقائق البغیضة. بالمقابل، یخطأ الواقعي الذي یظن انھ بمجرد الاھتمام بالقوة ستھتھم السلطة الاخلاقیة بنفسھا. الشكل الحدیث لھذه العقیدة یتمثل في ھذه العبارة ” وظیفة الاكراه ھي إعطاء الأفكار الاخلاقیة وقتا كافیا للتجذر“. وعلى المستوى الدولي، ھذه الحجة استخدمت عام 1919 من قبل ھؤلاء الذین لم یستطیعوا الدفاع عن معاھدة فرساي أخلاقیا، محتجین بأن القوة سوف تمھد الطریق لترضیة أخلاقیة لاحقة. التجربة لم تثبت ھذا الإعتقاد المشجع بشكل قوي. نفس المغالطة كانت ضمنیة في الرؤیة الرائجة للسیاسة البریطانیة في ان ھدفھا یجب ان ” یعید بناء عصبة الامم، حتى یتسنى للمنظمة القدرة على ردع المعتدي عسكریا، ومن ثم العمل بإخلاص على تخفیف المظالم العادلة والحقیقیة. ولكن عند سحق العدو او ردع ”المعتدي“ بالقوة، ”مابعد ذلك“ یخفق في المجيء. ھذ الوھم والذي یتمثل في ان الأولویة لابد ان تعطى للقوة ومن ثم فان الاخلاق سوف تلحق بھا من الخطورة بمكان مثل وھم إعطاء الأولویة للسلطة الاخلاقیة والقوة ستلحق بھا بشكل تلقائي.

قبل المواصلة، كي نضع بعین الاعتبار الأدوار المحترمة للقوة والأخلاق في السیاسة لابد ان نوضح بعض آراء أولائك -رغم بعدھم كل البعد عن الواقعیة السیاسیة- الذین یربطون السیاسة بالقوة ویعتقدون بأن المفاھیم الأخلاقیة ینبغي إبعادھا كلیا عن ھذا المجال. یوجد تناقض جوھري بین السیاسة والأخلاق طبقا لھذا الرأي، والإنسان الإخلاقي لاعلاقة لھ بالسیاسة نتیجة للفرضیة السابقة. ھذه الفرضیة لھا الكثیر من الجاذبیة، وتعاود الظھور في حقب تاریخیة و سیاقات مختلفة. تأخذ ھذه النظریة ثلاثة أشكال على الأقل:

 – عقیدة الإذعان(عدم المقاومة) ھو شكلھا المبسط، حیث یعترف الإنسان الأخلاقي بأن القوة السیاسیة شر بحت، ولكنھ یعتبر مواجھة القوة بالقوة شرا أعظم. ھذه ھي قوام عقیدة عدم المقاومة ویمثلھا بوضوح عیسى المسیح، غاندي، او اللاعنفیة الحدیثةModern Pacifism. باختصار، أقصى درجاتھا ھو المقاطعة السیاسة.

– الشكل الثاني من ھذا التناقض بین السیاسة والاخلاق ھو الفوضویة. الدولة، كأداة أساسیة للقوة السیاسیة، ھي ” الأكثر عدوانا، والأكثر تھكما، والأكثر إنكارا بشكل كامل للإنسانیة“. سیستخدم الفوضوي القوة لإسقاط الدولة، وھذه القوة الثوریة رغم ذلك لاتعتبر قوة سیاسیة، بل تمرد عفوي بإرادة فردیة غاضبة لاتسعى لخلق مجتمع سیاسي جدید محل القدیم، بل لخلق ٌلغى فیھ القوة والسیاسة كلیا تبعا لذلك. ” مبادئ Sermon on the Mount“ كما علق قدیس انجلیزي مجتمع إخلاقي ت مؤخرا ستعني ” الموت المفاجئ للمجتمع المتحضر ” باسم موعظة الجبل.

– تنطلق المدرسة الفكریة الثالثة من نفس الافتراض القائل بالتناقض الجوھري بین السیاسة والأخلاق لكنھا تصل لنتیجة مختلفة تماما. ”دع ما لقیصر لقیصر وما ó ó“ كما ورد في وصیة المسیح، تعني التعایش بین مجالین مستقلین: السیاسي والأخلاقي. ولكن الإنسان الأخلاقي یلتزم بمساعدة -أو على أیة حال عدم عرقلة- السیاسي في إنجاز وظائفھ السیاسیة. ” لنسمح لكل روح بالخضوع للقوى العلیا، فكل تلك القوى ھي اوامر الله“، لذلك نعترف بأن السیاسة ضرورة لكنھا لا أخلاقیة. ھذا التقلید الذي بقي خاملا طوال العصور الوسطى عندما كانت السلطتان الكنسیة والعلمانیة نظریا واحدة، قام مارتن لوثر بإحیائھ حتى یتمكن من التسویة بین الكنیسة -بعد إصلاحھا- والدولة. لوثر ” قاوم فلاحي عصره عندما حاولوا تحویل المملكة ”الروحانیة“ الى ”دنیویة“ بإشارتھ إلى أن مبادئ الإنجیل تحمل إعتبارات إجتماعیة. اذن إنقسام الوظائف بین قیصر والله یوجد بشكل ضمني في كل تصور لكنیسة ”مؤوسسة“. ولكن ھذا التقلید أصبح أكثر ثباتا وفاعلیة في ألمانیا اللوثریة من أي مكان آخر. ”نحن لانشاور المسیح“ یكتب أحد قساوسة ألمانیا اللیبرالیین في القرن ال 19 ”عندما یتعلق الأمر ببناء الدولة والإقتصاد السیاسي“، كما صرح بیرنھاردي بأن ” الأخلاق المسیحیة شخصیة وإجتماعیة، وفي طبیعتھا لایمكن أن تكون سیاسیة“ . نفس الإتجاه متأصل في ثیولوجیة كارل بارث والتي تؤكد ان الشرور السیاسیة والاجتماعیة ھي المنتج الحتمي لطبیعة الإنسان الآثمة، ولذلك فكل الجھود البشریة لاستئصال تلك الشرور غیر ذي جدوى. والعقیدة التي تزعم أن الأخلاق المسیحیة لیس لھا علاقة بالسیاسة تؤیدھا الحكومة النازیة. ببساطة ھذا الرأي یختلف عن الرأي الواقعي الذي یجعل الأخلاقي وظیفة للسیاسي، ولكن في حقل السیاسة یتعذر التمییز بین ذلك الرأي والواقعیة.

نظریة الفصل بین مجالي السیاسة والأخلاق أخاذة رغم سطحیتھا، اللھم إذا كانت تتجنب مشكلة عدم وجود تبریر أخلاقي لإستخدام القوة. ولكنھا في النھایة غیر مرضیة. عدم المقاومة والفوضویة كلتاھما نصائح یائسة وجدت قبولا واسعا عندما یشعر الناس بفقدان الأمل في تحقیق مبتغاھم بالعمل السیاسي، أما محاولة فصل الدیني عن الدنیوي فما ھي إلا رغبة راسخة في العقل الإنساني لاختزال نظرتھ لھذا العالم -نوعا ما- في المنظومة الأخلاقیة. وعلى المدى البعید لایمكن التصدیق بأن كل ماھو جید سیاسیا بالضرورة سيء أخلاقیا، وبما انھ لایمكننا تفسیر القوة أخلاقیا، ولا إقصاء القوة من السیاسة، نحن اذن أمام معضلة من الصعب حلھا تماما. ومستویات الیوتبیا والواقعیة لایمكنھا التطابق، ولایمكن كذلك مأسسة المثالیة ولا جعل المؤسس مثالیا. ”السیاسة“ یكتب الدكتور نیبور ”“حتى نھایة التاریخ ستكون المكان الذي تلتقي بھ الإرادة بالقوة، حیث تتداخل العوامل الإخلاقیة والقسریة وتر ُسم لحیاة البشر تسویات غیر نھائیة ومرتبكة. تلك التسویات، مثل أي حلول أخرى لمشاكل الإنسان، ستبقى مرتبكة وغیر نھائیة. ولكنھ ورغم ذلك من المھم جًدا لأي تسویة أن تأخذ ھذین العاملین -الأخلاقي والقسري- في الحسبان.