أدمغة في وعاء – هيلاري باتنام / ترجمة: فيصل الفرهود

أدمغة في وعاء – هيلاري باتنام / ترجمة: فيصل الفرهود

image1

أ. فيصل الفرهود

أدمغة في وعاء – هيلاري باتنام

ترجمة: فيصل الفرهود

أثناء زحف نملة على الرمل قامت بخط خط ليتلاقى وينحني من تلقاء نفسه وعن طريق الصدفة المحضة تحوّل إلى رسمة لونستون تشرشل. هل قامت النملة باختطاط رسمة تصويرية لونستون تشرشل ؟ سيجيب الغالبية بالنفي بعد تفكير بسيط. فالنملة لم ترى تشرشل في حياتها ولا حتى صورة لتشرشل ولم تمتلك أي نية بتصوير تشرشل. كل ما قامت به ببساطة كان اختطاط خط نراه كصورة لتشرشل (وحتى هذا لم يكن مقصودا)

نستطيع تبرير ذلك بقولنا بأن الخط في نفسه لا يعد ممثلاً(1) لأي شيء حتى يكون ممثلاً لأمر آخر. وأوجه التشابه في سمات ونستون تشرشل ليست كافية لنجعلها ممثلاً أو أمراً يحيل إلى تشرشل. ولا الصورة المشتهرة في مجتمعنا عن تشرشل ولا الكلمة الملفوظة “ونستون تشرشل” وغيرها هي أمور تستخدم بالضرورة كأمر ممثل عن تشرشل ، في حين لا تملك هذه الصورة –حتى وإن كانت رسما خطياً- هذا الحد من السمات المشتركة مع تشرشل. إن لم تكن هذه الأوجه المشتركة ضرورية أو ووافية لجعل شيء ما ممثلا لشيء آخر ، فكيف لأي شيء لأن يصبح ضروريا أو وافياً لجعله كذلك؟ كيف لشيء أن يصبح صورة أو ممثلاً لأمر آخر مختلف؟ (2)

قد تبدو الإجابة سهلة، لنفترض بأن النملة رأت ونستون تشرشل ، ولنفترض بأنها كانت تملك الذكاء والمهارة لرسم صورة له . ولنفترض بأنها أنتجت رسماً عن نية وقصد . حينها سيصبح الخط المرسوم ممثلاً لتشرشل.

من جهة أخرى، لنفترض بان الخط المرسوم كان يحمل شكل ونستون تشرشل . ولنفترض بأنها كانت محض صدفة ، حينها سيكون الشكل المرسوم لويسنتون تشرشل غير ممثل لتشرشل ، مع أن الشكل المرسوم  هذا يمثل ونستون تشرشل في كل مرة يظهر فيها في أي كتاب هذه الأيام .

إذن يبدو بأن ما هو ضروري لتحقق التمثيل هو بأن يكون صادرا عن قصد ونية.

 ولكن تحقق القصد والنية في أن كل شيء بما في ذلك اللغة الخاصة (حتى كلمة ونستون تشرشل سواء كانت في ذهني أو منطوقة في العلن)، يجب أن يكون ممثلا تشرشل ، يعني بأن عليّ أن أفكر في تشرشل قبل كل شيء. إن لم تستطع الخطوط في الرمل أو الأصوات ..الخ تمثيل أي شيء “في ذاتها” ، إذن فكيف بأشكال الأفكار “في ذاتها” أن تمثل أي شيء؟ هل تستطيع ذلك ؟ كيف للأفكار أن تجد المنفذ إلى ما هو خارجي وتقوم بإدراكه ؟

قام بعض الفلاسفة في الماضي بالقفز من هذه الفرضية إلى إثبات ما يرونه دليلاً على أن العقل في طبيعته غير مادي. والمحاججة سهلة، فما قلناه عن انعكاسات النملة ينطبق على كل موضوع مادي. لا يمكن لأي ذات مادية في ذاتها أن تحيل إلى شيء واحد دون غيره، ومع ذلك فإن الأفكار في العقل تنجح في الإحالة إلى شيء واحد دون غيره . بالتالي فإن الأفكار (والعقل تبعا لها) تختلف في طبيعتها عن الذوات المادية. فالأفكار تحوي في طبيعتها سمة القصدية ، فهي تستطيع الإحالة إلى شيء آخر ، ولا توجد في أي ذات مادية سمة القصدية لأن القصدية مشتقة من خلال توظيف ذلك المادي بواسطة العقل. وهذا أمر في غاية التعجل وهو افتراض خواص غامضة للعقل تعطينا إجابة لكل شيء. ولكن الإشكال حقيقي جداً وهو كيف للقصدية والإحالة أن تكون ممكنة؟

نظريات سحرية في الإحالة

 رأينا انعدام أي رابطة ضرورية بين رسمة النملة وونستون تشرشل. ومجرد القول بأن الرسمة تحوي تشبيها لتشرشل هو أمر لا يجعل منها صورة حقيقية ، ولا هو الذي يعني بأنها تمثيل لتشرشل . إلا إن كانت النملة نملة مدركة (وهي ليست كذلك) وتعرف تشرشل (وهي لا تعرفه) ، فإن الانحناءات التي قامت بصنعها لا تصور ولا حتى تمثل أي شيء آخر. يؤمن بعض البدائيين أن بعض التمثيلات (الأسماء على وجه الخصوص) تحمل رابطة ضرورية بحامليها، وأن معرفتك بالاسم لحقيقي لشخص يعطيك القدرة على التحكم به. هذه الرابطة تأتي من العلاقة السحرية بين الاسم وحامله، وعندما نعي بأن الاسم لا يحمل إلا رابطة ممكنة وسياقية واصطلاحية بحامله فإنه من الصعب أن نعي كيف لمعرفة الاسم أن تكون لها أي أهمية روحية.

من المهم أن نعي بأن ما ينطبق على الصور المادية ينطبق أيضاً على الصور الذهنية ، وللتمثيلات الذهنية عموماً. التمثيلات الذهنية لا تملك أي رابطة ضرورية بما تقوم بتمثيله حالها كحال التمثيلات المادية. وكل افتراض مضاد لذلك هو إحياء لهذا الافتراضات السحرية.

قد تكون الفكرة أوضح في حالة الصورة الذهنية . (قد يكون أول الفلاسفة إدراكاً للأهمية الكبيرة لهذه المسألة حتى ولو لم يكن أول من تحدث عنها هو فنغشتاين) لنتصور وجود كوكب في مكان ما فيه البشر متطورون (أو قد تم وضعهم هناك بواسطة رجال فضائيين أو ما شابه) ولنفترض بأن هؤلاء البشر لم يشاهدوا شجرة من قبل. لنفترض بأنهم لم يقوموا بتخيل شجرة من قبل ، ولنفترض بأنه وفي أحد الأيام أسقطت عليهم صورة لشجرة بالصدفة عن طريق سفينة فضائية في طريقها دون أن يحصل بينهم أي التقاء. تخيّلهم في حيرة من أمرهم من هذه الصورة يتساءلون عن ماهية هذا الشيء؟ ترد عليهم كل الاحتمالات : هل هي بناية ، قبة أو حتى حيوان من نوع مختلف. ولكن لنفترض بأنهم لم يقتربوا إلى الحقيقة أبداً.

بالنسبة لنا فإن الصورة هي تمثيل لشجرة. أما بالنسبة لهؤلاء البشر فإن الصورة هي تمثيل لشيء غريب بطبيعة ووظيفة غير معلومة. ولنفترض بأن أحدهم كانت له صورة ذهنية تطابق واحدة من صوري الذهنية أنا عن الشجرة كنتيجة لمشاهدتي للصورة. صورته الذهنية هذه ليست تمثيلاً للشجرة بل تمثيل لشيء غريب تمثله هذه الصورة الغريبة.

ومع ذلك فقد يعترض علينا بأن هذه الصورة الذهنية في حقيقتها تمثيل لشجرة، لأن الصورة والتي سببت حصول الصورة الذهنية كانت في أصلها تمثيل لشجرة. هناك تسلسل سببي يبدأ من الشجرة الحقيقية إلى الصورة الذهنية حتى وإن كان غريباً جداً.

ولكن حتى هذه السلسلة السببية هي أمر نستطيع أن نتخيل عدم وجوده. لنفترض بأن صورة الشجرة التي أسقطتها السفينة الفضائية لم تكن صورة لشجرة في الحقيقة ولكنها نتيجة لانسكاب حبر بالخطأ. حتى وإن بدت تشبه صورة شجرة بالضبط، هي في حقيقتها ليست صورة لشجرة حالها كحال رسمة النملة لتشرتشل التي لم تكن صورة عن تشرشل. ونستطيع التخيل بأن السفينة الفضائية التي أسقطت هذه الصورة قد أتت من كوكب لا يعرف شيئا عن الأشجار. حينها سيظل لدى البشر صورة ذهنية مطابقة لصورتي أنا عن الشجرة ولكن كل هذه الصور لن تصبح ممثلة لشجرة أكثر من أي شيء آخر.

والأمر ذاته يصدق على الكلمات ، فالخطاب على الورق قد يكون وصفا مثالياً للشجر، ولكن إن كان صادراً عن قرود تضرب على لوحة مفاتيح بشكل عشوائي منذ ملايين السنين ، حينها فلن تحيل الكلمات إلى شيء. لو حفظ شخص هذه الكلمات وكررها في ذهنه دون فهمها فإنها لن تحيل إلى شيء كذلك.

تخيل أن هذا الشخص الذي يتحدث بهذه الكلمات في ذهنه قد تم تنوميه. ولنفترض بأن هذه الكلمات هي باللغة اليابانية وأن هذا الرجل أخبر بأنه يستطيع تحدث اليابانية. لنفترض بأنه وأثناء تفكيره بهذه الكلمات يختلجه شعور بفهمه لهذه الكلمات. (مع أنه وإن قاطع أحد حبل أفكاره وسأله عن معنى الكلمات التي يفكر بها فإنه لن يستطيع الإجابة) قد يكون هذا الوهم مثالياً لدرجة جعلت هذا الشخص يستطيع خداع ياباني ممارس لتوارد الخواطر. ولكن إن لم يستطع استعمال هذه الكلمات في سياقها الصحيح ويجيب إذا ما سؤل بماذا كان يفكر حينها لن يكون قد فهمها.

عن طريق جمع قصص الخيال العلمي التي قمت بسردها نستطيع أن نصل إلى حالة يفكر فيها الشخص بكلمات هي وصف للشجرة في لغة ما ويبدأ في الوقت نفسه بتكوين صور ذهنية، ولكنه لا يفهم هذه الكلمات ولا يعلم ما هي الشجرة. بل نستطيع التخيل بأن هذه الصور الذهنية ناتجة عن انسكاب الحبر (مع أن هذا الرجل قد أوهم ليعتقد بأنها صور لأشياء مناسبة لفكرته – ولن يستطيع الإفصاح عنها إذا ما سؤل عن ماهيتها). ونستطيع التخيّل بأن اللغة التي يفكر بها هذا الشخص لم يسمع بها الشخص الذي قام بتنويمه ولا هذا اللي تعرض للتنويم من قبل، وقد تكون من قبيل المصادفة أن هذه الكلمات غير المفهومة بالنسبة لمن يقوم بالتنويم هي وصف للشجر في اللغة اليابانية. باختصار، كل ما يخطر في ذهن الشخص قد يكون مطابقاً نوعياً لما يخطر في ذهن المتحدث باللغة اليابانية الذي كان يفكر بالشجر فعلاً ولكن لا شيء من هذا كله يحيل إلى الشجر.

وكل هذا هو أمر مستحيل حدوثه مثله مثل أن تستطيع القرود عن طريق المصادفة أن تطبع نسخة من هاملت. أعني بأن الاحتمالات لعدم حدوث ذلك عالية لدرجة أنها لن تحدث إطلاقاً، ولكنها ليست مستحيلة منطقياً أو حتى مادياً. قد تحدث بشكل يتسق مع القوانين الطبيعية أو باتساق مع الشروط المتحققة في الكون إذا ما وجد العديد من الكائنات المدركة في كواكب أخرى) وإذا ما حدثت حقاً فستصبح تحققاً مفاجئا لمفهوم مهم للحقيقة لدرجة أنه ومع وجود نظام ضخم معقد من التمثيلات الصوتية والمرئية فإنها لن تملك أي ارتباط جوهري داخلي سحري لما تقوم بتمثيله. وهو ارتباط مستقل عن طريقة حدوثه أو عن ميول المتحدث أو المفكر ورغبته. وهذا صحيح حتى وإن كان نظام التمثيل (وهي الكلمات والصور الذهنية في هذا المثال) مدرك مادياً أو مدرك في الذهن قط. (الكلمات مكتوبة أو منطوقة بينما الصور هي صور  ذهنية). إن الصور الذهنية والكلمات لا تمثل ما تحيل إليه بشكل جوهري.

مثال الأدمغة في وعاء

سأورد مثال خيال علمي ناقشه الفلاسفة : تخيّل إنساناً تعرض لعملية جراحية بواسطة عالم شرير (قد تستطيع تخيّل أن هذا الإنسان هو أنت)  تمت إزالة دماغ هذا الشخص من جسده واستبدلت بوعاء من المغذيات غرضها أن تبقي الدماغ حياً. تم ربطت نهايات الأعصاب بجهاز الحاسب الخاص بالعالم والذي يجعل الشخص يعتقد بأن كل شيء على ما يرام. سيستطيع رؤية الأشخاص والأشياء والسماء ..الخ ، ولكن كل ما يختبره الشخص هو نتاج نبضات إلكترونية تنتقل من جهاز الحاسب إلى نهايات الأعصاب. وجهاز الحاسب على درجة من الذكاء فكلما حاول الشخص رفع يده فإن الاستجابة من جهاز الحاسب ستجعل الشخص يشعر ويرى يده ترتفع. إضافة وأنه عن طريق تنويع البرنامج فإن العالم الشرير يستطيع جعل الضحية “يختبر” (أو يهلوس) عن أي وضع أو بيئة يريدها هذا العالم. يستطيع كذلك أن يطمس وقت إجراء عملية الدماغ من ذاكرته حتى يعتقد الضحية بأنه عاش في هذه البيئة منذ الأزل. وقد يجعل الضحية يجلس ويقرأ هذا الافتراض المسلي والسخيف عن وجود عالم شرير يزيل أدمغة البشر من أجسادهم ويستبدلها بوعاء من المغذيات تبقي الدماغ على قيد الحياة. تتصل نهايات الأعصاب بجهاز حاسب عالي التقنية والذي يسبب أوهاما وخيالات للشخص …

عندما تذكر هذه الاحتمالات في محاضرة عن نظرية المعرفة فهدفها بالطبع أن نستعرض المشكلة الكلاسيكية التشكيكية وعلاقتها بالعالم الخارجي في العالم المعاصر. (كيف تستطيع التأكد من أنك لست في هذه المعضلة؟) ولكن هذه المعضلة هي أداة مفيدة من أجل طرح إشكاليات عن علاقة العقل بالعالم.

بدلاً من أن يكون لدينا دماغ واحد في وعاء، نستطيع أن تتخيل أن كل البشر أدمغة في وعاء (أو نظام عصبي في وعاء في حالة أن بعض الموجودات تمتلك الحد الأدنى من الجهاز العصبي تعتبر كائنات واعية) بالطبع يجب على العالم الشرير أن يكون خارج العالم أليس كذلك ؟ قد لا يوجد هذ العالم ربما أن هذا الكون مكوّن من نزعات ميكانيكية تلقائية من وعاء مليء بالأدمغة والأنظمة العصبية.

 وهذه المرة دعونا نفترض الآلية التلقائية مبرمجة لتجعلنا ندخل في هلوسة جماعية بدلا من إصابتنا بهلوسات متعددة مختلفة. بالتالي عندما أتحدث إليك تبدو كأنك تستمع إلى حديثي. بالطبع فإن كلماتي لا تصل إلى أذنيك لأنك لا تملك أذنان حقيقيتان، ولا أنا أملك فماً حقيقياً ولساناً حقيقياً. بدلاً من ذلك، عندما أقوم بنطق الكلمات ما يحدث هو أن النبضات الصادرة تنتقل من دماغي إلى جهاز الحاسب، والذي يتسبب بسماعي لصوتي وأنا أنطق هذه الكلمات وأشعر في الوقت ذاته بلساني يتحرك ..الخ ويتسبب في سماعك لكلماتي ورؤيتك لي وأنا أتحدث. في هذه الحالة نحن بشكل ما على اتصال. فأنا لا أخطئ بوجودك الحقيقي (كل ما أتوهمه هو وجود جسدك والعالم الخارج خارج الادمغة). من جهة ما، فمن غير المهم ما إذا كان العالم كله نتيجة هلوسة جماعية ، لأنك في نهاية الأمر تستطيع الاستماع إلى حديثي عندما أتكلم حتى وإن لم تكن وفق الميكانيكية التي نتصور.  (بالطبع ، لو كنا حبيبان في علاقة غرامية بدلاً من مجرد شخصين في منتصف محادثة ، فإن فرضية أن كل ما حدث هو لدماغين في وعاء قد تكون مزعجة قليلاً).

سأقوم بطرح سؤال قد يبدو سخيفا وفي غاية الوضوح ( على الأقل لبعض الأشخاص من ضمنهم بعض الفلاسفة المرموقين) ، ولكنه سيأخذنا إلى درجة من العمق فلسفي بشكل سريع. لنفترض بأن هذه القصة صحيحة ، فهل نستطيع إذا ما كنا أدمغة في وعاء بهذه الطريقة أن نتحدث أو نعتقد بأننا كذلك؟

سأجادل بأن الإجابة على هذا السؤال هي لا، لن نستطيع. في الحقيقة فأنا سأجادل بأن هذا الافتراض بأننا أدمغة في وعاء لا يمكن أن يكون صحيحاً مع أنها لا تنتهك القوانين الطبيعي وهي في اتساق كامل مع كل شيء قمنا باختباره. لا يمكن لهذا الافتراض أن يكون صحيحاً ببساطة لأنه وبشكل ما مدحض ذاتياً.

المحاججة التي سأقوم بعرضها هي غريبة بشكل ما، وأخذت مني سنين عدة لأقنع نفسي بصحتها وهي محاججة صحيحة. ما يجعلها تبدو غريبة هو اتصالها ببعض الإشكاليات العميقة في الفلسفة. (خطرت لي بداية عندما كنت أفكر نظرية في المنطق الحديث تدعى “نظرية سكولم لوينهم” ورأيت حينها رابطة بين هذه النظرية وبعض الحجج في بحث فينغشتاين الفلسفي) .

الافتراض المدحض ذاتيا هو ما تكون الحقيقة فيه مؤدية إلى إثبات خطأها. على سبيل المثال ، المقدمة القائلة  كل الجمل المعممة خاطئة. هذه جملة معممة، فإذا كانت صحيحة فيجب أن تكون خاطئة إذن هي خاطئة. يطلق أحيانا على بعض المقدمات بأنها مدحضة ذاتياً إذا كانت الفرضية منصوص على أنها تفضي إلى الخطأ. على سبيل المثال ، المقدمة ” أنا غير موجود” هي مدحضة ذاتياً إذا كانت “أنا” يعنى بها كل أنا. فمن المؤكد أن وجود الوجود الشخصي هو حقيقي إذا ما فكر فيه (كما أثبت ديكارت).

ما سأقوم بتبيينه هو أن الفرضية القائلة بأننا أدمغة في وعاء تمتلك السمة ذاتها. إذا افترضنا أنها ستكون إما صحيحة أو خاطئة ، فهي إذن غير صحيحة (كما سأبين) . بالتالي فهي غير صحيحة.

قبل أن أجطرح أستعرض حجتي، دعونا نتحدث عن السبب الذي يجعل هذه المحاججة تبدو غريبة (على الأقل بالنسبة للفلاسفة الذين تناقلوا مفهوما واحداً للحقيقة). قلنا بأن القول بوجود عالم تكون فيه كل كائناته الواعية هي أدمغة في وعاء هو أمر متسق مع القوانين الطبيعية. (هذا الحديث عن العالم الممكن يبدو بأننا نتحدث عن مكان تصح فيه كل الفرضيات السخيفة، وهذا مكمن سوء الفهم في الفلسفة)[1]. يملك البشر في هذا العالم الممكن التجربة التي نملك، يفكرون بنفس الأفكار التي نفكر بها ( على الأقل بنفس الكلمات والصور ونماذج الأفكار ..الخ التي تلج لعقولهم) ومع ذلك فأنا أدعي بأننا نمتلك حجة نستطيع تقديمها ومن خلالها نثبت بأننا لسنا أدمغة في وعاء. كيف نستطيع ذلك؟ ولماذا لا يستطيع البشر في العالم الممكن ممن هم أدمغة في وعاء أن يقوموا بتقديم الحجة ذاتها؟

الإجابة ببساطة هي : مع أن البشر في ذلك العالم الممكن يستطيعون التفكير والحديث عن أي كلمة نتحدث عنها ونفكر بها ، إلا أنهم كما أدعي لا يستطيعون أن يحيلون إلى ما نستطيع الإحالة إليه . بالتحديد، هم لا يستطيعون التفكير أو التحدث عن أنهم أدمغة في وعاء (حتى عن طريق التفكير “بأننا أدمغة في وعاء”).

اختبار تورينغ

لنفترض بان أحداً ما قد نجح في اختراع جهاز حاسب يحمل القدرة على أن يبدأ في محادثة عاقلة مع أي شخص (في كل المواضيع التي يستطيع الشخص العاقل أن يخوض فيها) كيف نستطيع أن نحدد ما إذا كان جهاز الكمبيوتر يمتلك وعياً أم لا؟

قدم المنطقي البريطاني ألان تورينغ هذا الاختبار : دع أحداً يقوم ببدء محادثة مع جهاز حاسب ومحادثة مع شخص لا يعرفه، إذا لم يستطع التفريق أيهما جهاز الحاسب وأيهما هو الإنسان ، حينها سيكون جهاز الحاسب ممتلكاً للوعي (مع التسليم بأن الاختبار سيعاد لأكثر من مرة مع أكثر من محاور) . باختصار ، جهاز الحاسب سيكون ممتلكا للوعي إذا ما استطاع اجتياز اختبار تورينغ. (لا يجب أن تجرى المحادثات وجها لوجه حتى لا يتعرف المحاور بصرياً على مقابليه ، ولا أن تكون المحادثة صوتية حتى لا يظهر الفارق بين الصوت الآلي والصوت البشري ، ولنتخيّل بأن المحادثات كلها ستجرى كتابياً. يقوم فيها المحاور بكتابة حديثه وأسئلته ..الخ فيما يقوم مشاركيه –الآلة والإنسان- بالرد عليه من خلال الكتابة الإلكترونية. أيضا يستطيع الحاسب الكذب إذا ما سؤل هل أنت آلة ؟ بالرد عليه “لا أنا مساعد في هذا المعمل”)

تم نقد إمكانية التأكد من فعالية هذا الاختبار في تحديد درجة الوعي من قبل العديد من الكتاب ( ممن لا يعرف بأنهم أعداء لفكرة إمكان أن تكون الآلة ممتلكة للوعي) . ولكن هذا ليس محور حديثنا هذه المرة. أريد أن أستخدم فكرة رئيسية من اختبار تورينغ وهو اختبار محاورة لقياس الأهلية ، وسأستخدم هذا لغرض آخر وهو في بحث مفهوم الإحالة.

لنتخيّل موقفاً لا يكون غرضه تحديد ما إذا كان المشارك في المحادثة آليا أم بشري، ولكن لتحديد ما إذا كان المشارك يستعمل الكلمات للإحالة إلى شيء (في العالم الخارجي) كما نفعل نحن. والاختبار سيكون كما هو واضح من خلال إجراء محادثة وإذا لم تبدر أي إشكالية واجتاز المشارك في عدم قدرة غيره على تمييزه عن من يعتبر متقدما عليه في التحدث بنفس اللغة والإحالة لنفس الأشياء ..الخ ولنصل إلى أن المشارك يستطيع الإحالة إلى الأشياء كما نفعل نحن. عندما يكون الغرض من اختبار تورينغ كما ذكرناه وهو تحديد وجود مرجع إحالة مشترك فسأشير إلى هذا الاختبار باختبار تورينغ للإحالة. وكما ناقش الفلاسفة مسألة ما إذا كان اختبار تورينغ الأصلي فاعلاً في تحديد درجة الوعي وهو ما إذا كانت الآلة التي تستطيع اجتياز الاختبار لأكثر من مرة هي بالضرورة ممتلكة للوعي ، بالتالي وبالأسلوب ذاته سأقوم ببحث ما إذا كان اختبار تورينغ للإحالة فعالاً في تحديد وجود إحالة مشتركة.

سننتهي إلى الإجابة بلا ، اختبار تورينغ للإحالة ليس حاسماً . اختبار تورينغ جيد عملياً ولكن ليس من المحال منطقياً (مع أنه مستبعد جداً) في أن ينجح أحد في اجتياز اختبار تورينغ للإحالة دون أن يقوم بالإحالة إلى أي شيء. وهذا يعني كما نرى بأننا نستطيع التأكيد على ملاحظتنا بأن الكلمات والنصوص والخطاب لا تملك رابطة ضرورية بما تحيل إليه. حتى وإن لم نلاحظ الكلمات بمعزل عن القوانين التي تحدد صحة صدورها في سياقها المناسب – حتى وإن اعتبرنا بمصطلح لغة الحاسب “برامج لاستخدام الكلمات” – إلا إن كانت هذه البرامج تقوم بالإحالة إلى شيء خارج اللغة فلا نزال نفتقر لمرجع إحالة محدد تمتلكه هذه الكلمات. هذه الخطوة ستكون هامة في طريقنا للوصول إلى أن عالم الأدمغة في وعاء لا يمكن أن يحيل إلى أي شيء في العالم الخارجي إطلاقاً (بالتالي لا نستطيع القول بوجود عالم من الأدمغة في وعاء) .

لنفترض على سبيل المثال ، بأنني مشارك في اختبار تورينغ (ألعب “لعبة المحاكاة” كما هي في اصطلاح تورينغ) وشريكي هو في الحقيقة آلة. لنفترض بأن الآلة كانت قادرة على الفوز باللعبة أو تجتاز الاختبار. تخيّل بأن الآلة قد برمجت على إصدار ردود لطيفة باللغة الإنجليزية على الملاحظات والأسئلة والتصاريح. الخ التي تقال باللغة الإنجليزية ، ولكنها لا تملك أي أعضاء حسيّة (غير نقاط الاتصال بآلة الكتابة خاصتي) ولا تملك أعضاء حركية (غير آلة الكتابة) .( كما أرى فإن اختبار تورينغ لا يفترض بأن امتلاك أي من الأعضاء الحسية أو الحركية هو أمر ضروري لامتلاك الوعي أو الإدراك) . لنسلم بأن الآلة لا تفتقر للعينان والأذنان ..الخ فقط ولكن لا توجد أي بصيرة في برنامج  الآلة للعب لعبة المحاكاة من أجل دمج محصلات الأعضاء الحسية أو من أجل التحكم بالجسد. ماذا نطلق على هذه الآلة إذن ؟

يبدو لي بأنه من الجلي أننا لا نستطيع وضع الإحالة جزءاً من عمل هذه الآلة . صحيح أن الآلة تستطيع الحديث بشكل جميل عن  المناظر الطبيعية في إنجلترا مثلاً. لكنها لا تستطيع تمييز شجرة تفاح أو تفاحة، جبل من أو بقرة ، حقل أو برج كنيسة إن تواجدت أمامها .

ما نمتلكه في هذه الحالة هو جهاز قادر على إصدار جمل أو ردود على جمل. ولكن لا شيء من هذه الجمل لها أي اتصال بالعالم الحقيقي. إن استطاع أحد جمع اثنان من هذه الآلات وجعلهم يلعبون سوية في لعبة المحاكاة ، سيقومون حينها بخداع بعضهم البعض للأبد، حتى وإن اختفى بقية العالم عن الوجود. لا يوجد أي سبب آخر يجعلنا نعتبر حديث الآلة عن التفاح كإحالة لتفاح العالم الحقيقي أكثر من وجود سبب يجعلنا نعتبر أن رسم النملة هو إحالة إلى ونستون تشرشل.

ما ينتج أوهام الإحالة والمعنى والإدراك …الخ هنا هو وجود هذا الشكل من التسليم بالتمثيل الذي نراه في إحالة حديث الآلة إلى التفاح وإنجلترا ..الخ. وقريب من هذا هو التوهم بان النملة قامت برسم ونستون تشرتشل لذات السبب. ولكننا قادرون على ملاحظة والتعاطي مع التفاح والحقول (مثلا) . حديثنا عن التفاح والحقول مربوط بتعاملنا غير اللفظي مع التفاح والحقول. هناك قوانين داخليه في اللغة تقوم بنقلنا من تجاربنا وتعاملنا مع التفاح إلى شكل من اللفظ المنطوق مثل ” أرى تفاحة” . وقوانين خارجية في اللغة تقوم بنقلنا من النقاشات المعبر عنها من خلال شكل لغوي مثل ( سأقوم بابتياع بعض التفاح) إلى أفعال بدلاً من مجرد التحدث. إن الافتقار إلى القواعد الداخلية والخارجية للغة لا يعطينا أي سبب لاعتبار محادثة الآلة (أو أكثر من آلة في مثال اللعبة بين الآلتين) أكثر من مجرد لعبة نحوية. هي لعبة نحوية تشير إلى خطاب شبيه بحمله لدلالة إدراكية ولكن بنفس المعنى الذي يحمله خطّ النملة لرسمة متقنة لا أقل ولا أكثر.

في حالة النملة نستطيع الاتفاق على أن النملة تستطيع خطّ الرسمة حتى وإن لم يكن ونستون تشرشل موجوداً أصلا. لا نستطيع أن لا نطبق الحجة ذاتها على حالة الآلة ، إن لم يوجد التفاح والحقول وبرج الكنيسة فلن يقوم المبرمج بإنتاج البرنامج ذاته. مع أن الآلة لا تدرك التفاح والحقول وبرج الكنيسة كما يدركها مصممها المبدع. إلا أن هناك شكل من الرابطة السببية بين الآلة وتفاح العالم الحقيقي من خلال تجربة الإدراك الحسية والمعرفة التي في مصمميها المبدعين. ولكن هذه الرابطة الضعيفة بالكاد تشير لنا إلى إحالة. ليس من الإمكان المنطقي على الرغم من صعوبة تحققها أن توجد الآلة نفسها حتى وإن لم يوجد التفاح والحقول وبرج الكنيسة فحسب ، بل أهم من هذا كله هو أن الآلة لا تشعر إطلاقا بالوجود المستمر للتفاح والحقول وبرج الكنيسة ..الخ حتى وإن توقفت كل هذه الأشياء عن الوجود فلن يتغيّر حديث الآلة عنها بل سيبقى كما هو . ولهذا لا يمكن القول بأن الآلة قادرة على الإحالة إطلاقاً. ما يلتقي مع نقاشنا هنا هو ان اختبار تورينغ لا يمتلك أي شيء يجعله قادرا على استبعاد وجود آلة لا تستطيع القيام بأي شيء إلا لعب لعبة المحاكاة ، والآلة التي لا تستطيع فعل أي شيء إلا لعب لعبة المحاكاة هي بكل وضوح لا تقوم بالإحالة إلى شيء أكثر مما تقوم آلة تسجيل بفعله.

أدمغة في وعاء (مرة أخرى)

دعونا نقارن بين الموقف الافتراضي في حالة “الادمغة في وعاء” مع الآلات التي قمنا بوصفها، هناك عدة فروق كما هو واضح. لا تملك الأدمغة في الوعاء أي أعضاء حسيّة، ولكنهم يمتلكون ما هو في حكم الأعضاء الحسيّة بوجود نهايات أعصاب موردة، هناك مدخلات من خلال نهايات الأعصاب هذه ، وتقوم هذه المدخلات بلعب دور في برمجة الأدمغة في الوعاء كما تفعل في برمجة أدمغتنا. الأدمغة في الوعاء هي أدمغة بالإضافة إلى انها أدمغة وظيفية ، وهي تعمل وفق القوانين ذاتها التي تعمل بها الأدمغة في العالم الحقيقي . ولهذه الأسباب ، سيكون من العبث إنكار امتلاكهم للوعي أو الإدراك. ولكن حقيقة امتلاكهم للوعي والإدراك لا تعني بأن كلماتهم تحيل إلى ما تحيل إليه كلماتنا. السؤال الذي ينصب عليه اهتمامنا هو : هل تمتلك تعابيرهم اللفظية مثل “شجرة” أي إحالة للشجر؟ بشكل عام : هل يستطيعون الإحالة إلى الأشياء المادية إطلاقاً؟ (على عكس الصور التي تنتجها الآلية الأتوماتيكية على سبيل المثال).

دعونا ومن أجل ضبط أفكارنا أن نقوم بالتسليم بأن الالة الأوتوماتيكية قد ظهرت في الوجود من خلال صدفة كونية (أو أنها وجدت دائما). لا يفترض بالآلة الأوتوماتيكية في العالم الافتراضي أن تحظى بإدراك تصميم ذكي. في الحقيقة وكما ذكرنا في بداية الفصل فقد نتخيّل بأن جميع الكائنات الواعية مهما كانت درجة وعيهم هم داخل وعاء.

لا يساعدنا هذا الافتراض بأي شيء، لعدم وجود أي رابطة بين المفردة “شجرة” كما تستعمل من خلال هذه الأدمغة وبين الشجر الحقيقي. ومع ذلك فسيواصلون استعمال المفردة “شجرة” بنفس الشكل ويفكرون بالأفكار نفسها ، ويمتلكون الصور ذاتها حتى وإن لم يوجد أي شجر حقيقي. الصور والكلمات ..الخ التي يملكونها هي مطابقة نوعياً للصور والكلمات ..الخ التي تمثل الشجر في عالمنا ، ولكننا لاحظنا من قبل (في مثال النملة مجدداً) بأن التشابه النوعي مع شيء يمثل موضوعاً ما (ونستون تشرشل أو الشجرة) لا يجعل من الشيء ممثلاً له في ذاته. باختصار ، لا تفكر الأدمغة داخل الوعاء بالشجر الحقيقي عندما تفكر بعبارة ” هناك شجرة أمامي “، لأنه لا وجود لشيء يقتضي تمثل فكرتهم عن الشجرة بالشجر الحقيقي.

إن بدا هذا الاستنتاج متسرعاً أمعن النظر في التالي: رأينا كيف أن الكلمات لا تحيل بالضرورة إلى الشجر حتى وإن نظمت في تسلسل مطابق لحديث يتعلق بالشجر في العالم الحقيقي بشكل لا يدع مجالاً للشك . ولا أن “البرنامج” بمعنى القوانين والممارسات وميل الأدمغة للسلوكيات الفعلية ، يحيل ضرورة إلى الشجر أو يثير إحالة للشجر من خلال الروابط التي تؤسسها بين الكلمات وبعضها الآخر ،أو الإشارات اللغوية والردود اللغوية. إن كانت هذه الأدمغة تفكر وتمثل وتحيل إلى “الشجر” (الشجر الحقيقي خارج الوعاء) فسيكون هذا عائداً إلى الطريقة التي يقوم بها “البرنامج” بربط نظام اللغة بالمدخلات والمخرجات غير اللفظية. هناك وجود لهذه المدخلات والمخرجات غير اللفظية في عالم الأدمغة داخل الوعاء ، ولكننا رأينا أيضاً بأن “البيانات الحسية” التي تنتج عن طريق الآلية التلقائية لا تمثل الأشجار (أو أي شيء خارجي) حتى وإن شابهت صور أشجارنا بالضبط. كما هو الحال عندما تشابه رشة طلاء صورة شجرة دون أن تعتبر صورة حقيقة لشجرة. شاهدنا “معطيات حسية” قد تكون مطابقة نوعياً لصورة شجرة دون أن تكون صورة حقيقية لشجرة. كيف للغة أن تربط من خلال البرنامج في حالة الدماغ داخل الوعاء بمدخلات شعورية لا تمثل الشجر (أو أي شيء مادي) بشكل جوهري أو خارجي يتحقق من خلاله نظام التمثيل كله ، واللغة المستعملة ، هل تمثل أو تحيل إلى الشجر أو إلى أي شيء في العالم الخارجي؟

والإجابة هي لا يستطيع، إن نظام البيانات الحسية كله والإشارات المحركة لنهايات الأعصاب، والأفكار اللفظية والمفهومية الموصولة بواسطة القوانين الداخلية للغة إلى البيانات الحسية كمدخلات وعن طريق القوانين الخارجية للغة من أجل الإشارات المحركة لا تملك أي رابطة للشجر أكثر من رسمة النملة لتشرشل ما دمنا نرى التشابه النوعي (ليعادل الهوية النوعية) بين أفكار الأدمغة في الوعاء وأفكار شخص في العالم الحقيقي لا تعني ضمناً أي تماثل للإحالة ، ليس من الصعب أن ترى عدم وجود أي أساس لاعتبار أن الأدمغة في الوعاء تحيل إلى موضوعات خارجية.

مقدمات القضية

قدمت الآن الحجة التي وعدت باستعراضها من أن الأدمغة داخل الوعاء لا تستطيع التفكير والحديث عن كونها أدمغة في وعاء. وتبقى الآن فحص بنيتها والإمعان في إيضاحها.

انطلاقا مما قلناه للتو ، من أن الأدمغة داخل الوعاء عندما تفكر بوجود شجرة أمامها فأفكارها لا تحيل إلى الأشجار الحقيقية. في بعض النظريات التي سنناقشها الآن ، فقد تحيل إلى الشجر في الصورة ، أو من خلال النبضات الإلكترونية التي سببت حدوث هذه التجارب ، او من خلال سمات البرنامج المسؤول عن هذه النبضات الإلكترونية. وهذه النظريات لن تستبعد بسبب ما ذكرناه للتو ، بسبب وجود رابطة سببية قوية بين استعمالنا للكلمة “شجرة” في اللغة الإنجليزية في “عالم الأدمغة داخل الوعاء” مع حضور الشجر في الصورة. ووجود النبضات الإلكترونية بشكل ما مع حضور بعض السمات في برنامج الآلة. في هذه النظريات يصبح الدماغ محقاً لا مخطئاً في الاعتقاد بوجود شجرة أمامه. بالنظر إلى ما تحيل إليه “الشجرة” في اللغة الإنجليزية “لعالم الادمغة في وعاء” ،و ما تحيل إليه مفردة “أمام”  ، ومع الافتراض بصحة أحد هذه النظريات ،حينها ستكون شروط الحقيقة لعبارة “هناك شجرة أمامي” عندما تكون في اللغة الإنجليزية في “عالم أدمغة في وعاء” ..

من خلال الحجة نفسها ، فإن الوعاء يحيل إلى الوعاء في الصورة في اللغة الإنجليزية في عالم الأدمغة في وعاء أو إلى شيء مقارب له (النبضات الإلكترونية أو السمات البرمجية) ، ولكنه قطعا لا يحيل إلى الأوعية الحقيقية في العالم الخارجي، لأن استعمال مفردة “وعاء” في اللغة الإنجليزية في عالم الادمغة في وعاء لا يوجد له اتصال سببي بالأوعية الحقيقية (باستثناء الارتباط الناتج عن عدم قدرة الأدمغة على استعمال المفردة “وعاء” لولا وجود وعاء مخصص بعينه وهو الوعاء الذي يحويهم ، ولكن الارتباط لا يزال مستمراً بين استعمال كل مفردة في اللغة الإنجليزية لعالم الأدمغة في وعاء والوعاء المخصص بعينه ، وهي ليست رابطة مميزة بين استعمال مفردة معيّنة “وعاء” وبين الأوعية بشكل عام) . وقريب من هذا ، إحالة “السوائل المغذية” إلى سوائل في الصورة في اللغة الإنجليزية في عالم الأدمغة في الوعاء أو شيء مقارب له مثل النبضات الإلكترونية والسمات البرمجية . وهذا يستلزم بأنه إن كان “عالمهم الممكن” هو العالم الحقيقي ونحن في أدمغة في وعاء ، فهذا يعني بأن ما نعنيه الآن بقولنا “نحن ادمغة في وعاء” أننا أدمغة في وعاء في الصورة أو شيء من هذا القبيل. ولكن جزءاً من فرضية أننا أدمغة في وعاء هو أننا لسنا أدمغة في وعاء في الصورة (نحن لا نهلوس بأننا أدمغة في وعاء) . بالتالي ، فإن كنا أدمغة في وعاء فهذا يعني بأن الجملة “نحن ادمغة في وعاء” تعني شيئاً خاطئاً (إن كانت تعني أي شيء). باختصار ، لو كنا أدمغة في وعاء ستصبح الجملة “نحن أدمغة في وعاء” جملة خاطئة ، بالتالي فهي خاطئة بالضرورة.

ما يجعل هذا الاحتمال ممكنا ومفهوما يكمن في خطئين اثنين : 1- إعطاء الإمكان المادي معنىً زائداً. 2- العمل وفق نظرية سحرية للإحالة دون إدراك لذلك ، وهي نظرية تحيل فيها بعض التمثيلات الذهنية بشكل ضروري إلى أشياء مادية .

هناك عالم مادي ممكن نكون فيه أدمغة في وعاء ، ماذا يعني هذا غير وجود وصف لهذه الحالة المتسقة مع قوانين الطبيعة؟ وكما هو ميل حضاراتنا منذ القرن السابع عشر في التعامل مع الفيزياء كجزء من الميتافيزيقيا ، من خلال رؤية العلوم كعملية وصفية للحقيقة والعماد الكامل للكون  ، هناك ميل مشابه أيضاً في التعامل مع الإمكان المادي كالمحك الحقيقي في ما يمكن أن يحدث فعلاً. من خلال هذه الرؤية فما نعنيه بالحقيقة هي الحقيقة المادية ، والإمكان هو الإمكان المادي ، والضرورة هي الضرورة المادية. ولكن كما رأينا الآن ، لا تكون هذه الرؤية خاطئة إلا في حالة مفتعلة كهذه. إن وجود عالم مادي ممكن نكون فيه أدمغة في وعاء لا يعني بأنه يمكن حقيقة أن نصبح أدمغة في وعاء، ما ينقض هذه الإمكانية ليس الفيزياء بل الفلسفة. سيقول بعض الفلاسفة المتحمسون لإظهار قبولهم وتهوينهم في الوقت نفسه من هذه الردود (كما هو حال العقلية الفلسفية الأنجلو-أمريكية السائدة في القرن العشرين) سيقولون : “لقد أظهرت لنا أن ما يبدو ممكنا ماديا هو  في حقيقته مفاهيم مستحيلة. ما هو المفاجئ في هذا ؟

حسناً ، لنكون على بيّنة فحجتي تقبل الوصف بأنها مفهومية. ولكن وصفك للحراك الفلسفي كبحث في الحقيقة المفهومية يجعل منها تبدو كبحث عن معاني الكلمات. وهذا ليس من حقيقة نقاشنا في شيء.

ما فعلناه حتى الآن هو البحث في الشروط المسبقة من أجل التفكير والتمثيل والإحالة ..الخ . قمنا بفحص هذه الشروط المسبقة لا عن طريق فحص معاني هذه الكلمات والاصطلاحات كما يفعل اللغويون على سبيل المثال ، ولكن عن طريق إثبات مسلمة. ولا أعني بالمسلمة المعنى القديم المطلق لها (بما أننا لا ندعي بأن النظريات السحريّة[2] للإحالة هي تسليمات خاطئة) ، ولكن بمعنى البحث بما هو ممكن منطقيا عن طريق افتراض مقدمات عامة معينة ، أو عن طريق وضع افتراضات تنظيرية عامة جدا. وهذه العملية ليست تجريبية ولا

 هي بديهية ولكن لها عوامل مشتركة بين طريقتي البحث هاتين. على الرغم من عدم معصومية طريقتي هذه واعتمادها على افتراضات قد تعتبر أنها تجريبية (من خلال افتراض أن الدماغ لا يملك منفذا للأشياء والخصائص الخارجية غير ما توفره له الحواس) ،لطريقتي هذه علاقة قريبة بما يسميه كانط : بحث “ترانسيندتالي/متعالي” لأنها وأكرر بحث في الشروط المسبقة للإحالة وبالتالي الأفكار. الشروط المسبقة مبنية داخل طبيعة أدمغتنا نفسها ، ولكنها ليست مستلقة تمام عن الافتراضات التجريبية.

أحد مقدمات هذه الحجة شديد الوضوح ، وهي بأن النظريات السحرية للإحالة هي خاطئة ، وهي خاطئة بالنسبة إلى التمثيلات العقلية لا المادية فحسب. المقدمة الأخرى أن لا أحد يستطيع الإحالة إلى أشاء محددة مثل الشجر(4) إذا لم يكن يملك تفاعلا سببيا معهم جميعا أو بالنسبة  إلى أشياء ضمن اصطلاح لما يمكن أن يوصفوا به. ولكن ما الذي يدفعنا لقبول هذه المقدمات؟  بما أنها هي من تؤسس الإطار العام لما أدعي صحته ، فلعل الوقت حان لإعادة مراجعتها عن قرب.

أسباب إنكار الرابطة الضرورية بين الممثلات وما تحيل إليه

ذكرت سابقاً بأن بعض الفلاسفة وأشهرهم برينتانو أضافوا للعقل قوة الإرادة والتي تعطيه القدرة على الإحالة. وأنا أرفض هذا الرأي بوضوح كأمر لا يؤدي إلى حل ، ولكن ما الذي يعطيني هذا الحق؟ هل كنت متعجلاً في ذلك ؟

لم يدع هؤلاء الفلاسفة بأننا نستطيع التفكير بالأشياء وسماتها في العالم الخارجي دون استعمال التمثيل إطلاقاً. والحجة التي قدمتها في الاعلى والتي أقارن فيها بين بيانات الحواس البصرية بصورة النملة تظهر أن الصور لا تحيل إلى شيء بالضرورة .( وهي المحاججة استعملت فيها قصة من الخيال العلمي عن صورة الشجرة التي نتجت عن طريق بقعة طلاء والتي أظهرت بيانات حسية مشابهة نوعياً لصورتنا المحسوسة عن الشجر، ولكن دون أن تصحب بأي مفهوم عن الشجرة) لو وجدت تمثيلات ذهنية تحيل بالضرورة إلى شيء في العالم الخارجي فيجب عليها أن تكون من نفس طبيعة المفاهيم لا الصور. ولكن ما هي المفاهيم ؟

عندما نتأمل بالأشياء فإننا لا ندرك المفاهيم وهي تسبح في عقولنا . عندما نوقف تيار الأفكار كيف نريد ومتى ، ما نقوم بالتقاطه حينها هو الكلمات والصور والمشاعر . عندما أتحدث عن أفكاري جهراً فأنا لا أفكر بها مرتين. فأنا أسمع كلماتي كما تسمعها أنت ، وهي تبدو لي مختلفة عندما أنطق بكلمات أؤمن بها عن نطقي لكلمات لا أؤمن بها (ولكن أحيانا عندما أكون متوتراً، أو أمام جمهور عدواني فإنني أشعر بأنني أكذب بينما أنا لا أقول إلا الحقيقة) ويبدو لي الأمر مختلفا عندما أنطق بكلمات أفهمها عن حالي حينما أنطق بكلمات التي لا أفهم . ولكنني أستطيع تخيل شخص دون صعوبة وهو يفكر بهذه الكلمات (بمعنى أنه لا يجهر بها ويبقيها في ذهنه) ويختلجه ذات الشعور الذي أشعر به من فهم وتأكيد ..الخ  ، ويعي بعدها بدقيقة بأنه لم يفهم أيا مما جال في ذهنه أبداً، وأنه لم يفهم اللغة التي استخدمت فيها هذه الكلمات حتى. لا أدعي بأن هذا الموقف وارد جداً ولكنني أعني ببساطة بأن كل ما ذكرت ليس عصياً على تخيّل حدوثه. وهذا لا يظهر بأن المفاهيم هي مجرد كلمات أو صور ، ولكن وصف شخص بمفهوم أو فكرة هو أمر مختلف تماماً عن وصف أي تمثيل ذهني أو أي حدث مستقرأ له . المفاهيم ليست تمثيلات ذهنية تحيل بذاتها إلى أشياء في العالم الخارجي لذات الأسباب التي تجعلها لا تعد تمثيلات ذهنية على الإطلاق. فالمفاهيم هي دلالات مستعملة بشكل مخصوص ، قد تكون هذه الدلالات خاصة أو عامة ، ذهنية أو مادية ، ولكن حتى عندما تكون الدلالات ذهنية وخاصة فإنها وبمعزل عن سياق استعمالها لا تعد مفهوماً. والدلالات لا تحيل بذاتها .

نستطيع رؤية ذلك عن طريق تطبيق تجربة ذهنية بسيطة. افترض بأنك مثلي لا تستطيع تمييز شجرة الدردار عن  شجرة الزان. لا نزال نقول بأن ما تحيل شجرة الدردار إليه في حديثي ، هو نفسه ما يحال إليه في حديث غيري عن شجرة الدردار ، وأن كل شجر الزان هو مصداق لشجرة الزان (المفهوم) في حديثي أنا وحديثك معاً. هل من المعقول أن الفارق بين ما تحيل إليه شجرة الدردار وما تحيل إليه شجرة الزان هو فارق في مفهومنا عنهما؟ مفهومي عن شجرة الدردار هو مطابق لمفهومي عن شجرة الزان. (هذا يبيّن أن تعيين موضع الإحالة يأتي من المجتمع لا الأفراد ، وبالمناسبة ، فأنا وأنت نذعن لرأي الخبراء في تفريقهم بين شجرة الدردار والزان). إذا حاول أحد بشجاعة أن يقول بأن الفارق بين موضع إحالة شجرة الدردار وموضع إحالة شجرة الزان في حديثي عنهما هو مبرر ومفسر من خلال اختلاف حالتي النفسية، إذن فدعه يتخيّل “توأماً للأرض” تتبدل فيه الكلمات. توأم الأرض هو مشابه جدا للأرض، في الحقيقة ، باستثناء إبدال كلمة شجرة الدردار بشجرة الزان فيه فإن القارئ يستطيع أن يفترض بأن توأم الأرض هو مطابق تماما للأرض. لنفترض بأنني أملك نسخة أخرى مني على توأم الأرض يطابق كل جزيء فيه كل جزيء فيني (كما تتطابق ربطتا عنق مع بعضهما البعض). إن كنت شخصا يؤمن بثنائية الروح والجسد، فافترض حينها بان النسخة الأخرى مني يعتقد بنفس الأفكار المعبر عنها لفظياً والتي أعتقد بها ، يملك البيانات الحسية ذاتها ، ويملك الميول ذاتها ..الخ. من السخف أن يعتقد أحد بأن حالته النفسية تختلف عن حالتي النفسية، ومع ذلك فإن كلمته “شجرة الدردار” تمثل “شجرة الزان” ، وكلمتي “شجرة الدردار” تمثل الدردار. (مشابه لهذا إن كان “الماء” في توأم الأرض سائل مختلف ، لنقل اكس واي زد بدلا عن اتش تو او ، حينها سيكون الماء يمثل سائلاً مختلفاً حال استعماله في توأم الأرض واستعماله في الأرض ..الخ) . وهذا مضاد للمعتقد الذي استمر معنا منذ القرن السابع عشر وهو بأن المعاني موجودة في الذهن.

لاحظنا بأن امتلاك مفهوم لا يرجع إلى امتلاك صور (مثل الشجرة أو حتى الصور المرئية لجمل أو خطاب كامل) بما أننا نستطيع امتلاك أي نظام صور تريدها دون الحصول على القدرة على استعمال الجمل في مواقف مناسبة. (مع اعتبار دور العوامل اللغوية والعوامل غير اللغوية في تقرير ما هي المواقف المناسبة) قد يتحصل شخص على كل الصور التي تريد ومع هذا فقد يبدو لك تائها عندما يقول أحد له “أشر إلى شجرة” ، حتى وإن بدت أمامه العديد من الأشجار. قد يحصل على صورة في ذهنه لما ينبغي عليه عمله ، ومع ذلك فلن يستطيع معرفة ما ينبغي عليه فعله. لأن الصور الذهنية مالم ترفق بالقدرة على التصرف بشكل ما فستظل مجرد صورة ذهنية، والتصرف وفقاً لصورة ذهنية هي قدرة قد يمتلكها البعض وقد يفتقر لها. (قد يتخيل الشخص نفسه وهو يشير إلى شجرة ، ولكن ولمجرد إيضاح أمر ممكن منطقياً ، فإن إشارته للشجرة أتت بعد إخبار غيره له بالإشارة إلى الشجرة وهو ما بدا له غير مفهوم) . سيظل عاجزاً عن معرفة أنه يجب عليه أن يشير إلى شجرة وسيعجز عن فهم العبارة “أشر إلى الشجرة”.

فكرت في استعمال جمل معينة كضوابط ومعايير لامتلاك مفهوم كامل منضبط ، ولكن هذه القيود كلها قابلة للانفكاك. قد نسمح بوجود رمزية مكونة من أدوات ليست كلمات في لغة عادية على سبيل المثال ، وقد نسمح أيضاً بوجود ظواهر ذهنية مثل الصور وغيرها من الحالات الذهنية. ما هو مهم أن تمتلك التركيب والقدرة على جمعها مع غيرها ..الخ كما هو حال الجمل في اللغة العادية. قد يوظف الوميض الأزرق عند الرياضي كتعبير ذهني في إثبات نظرية الأعداد الأولية ، مع ذلك سيظل هناك دافع لنا للقول بأن الرياضي لا يستطيع فك دلالة “الوميض الأزرق” إلى خطوات منفصلة ووصلات منطقية. ولكن مهما كانت الظواهر الذهنية التي نسمح بها كتعابير ممكنة للأفكار، فإن الحجج المشابهة تماماً المذكورة سابقاً ستظهر بأن الظواهر بذاتها لا تؤسس للفهم ولكن قدرة المفكر على توظيف هذه الظواهر، عن طريق إنتاج الظاهرة المناسبة في الظروف المناسبة.

ما تم ذكره آنفاً هو نسخة مختصرة من محاججة فينغشتاين في التحقيقات الفلسفية. إن كان محقاً ، فإن محاولة فهم الأفكار عن طريق ما يسمى بالتحقيق الفينومونولجي/الظاهري هو مضلل بشكل أساسي ، لأن ما تفشل الفينومونولجيا في ملاحظته هو أن ما يقومون بوصفه هو التعبير الداخلي للأفكار، ولكن فهم ذلك التعبير –فهم الشخص لأفكاره الخاصة- هو قدرة وليس حدثاً. مثالنا عن الرجل الذي يتظاهر بالتفكير باللغة اليابانية يظهر بوضوح عقم التوجه الفينومونولجي لحل إشكالية الفهم. فحتى ولو توفرت إمكانية الفحص الدقيق عندما يفهم الشخص بشكل حقيقي ، فإن ترابط هذه الإمكانية لا يكون إلا مع هذه الفهم، ولا يزال ممكناً أن يملتك الرجل الذي حاول خداع الياباني الممارس للتخاطر الذهني هذه الإمكانية أيضاً دون أن يفهم أي كلمة في اللغة اليابانية.

من جهة أخرى ، افترض الرجل الممكن الكامل الذي لا يخطر عليه حديث نفس إطلاقاً. يتحدث الإنجليزية بطلاقة وإن سؤل عن رأيه في مسألة فسيجيب عنها باستطراد. ولكنه لا يفكر عندما يتحدث بصوت عالٍ ولا يخطر شيء على باله ، باستثناء سماعه لصوته وهو يتحدث والشعور المعتاد من مجاوريه إضافة إلى شعور عام بالفهم. (قد يكون إعتاد على التحدث مع نفسه) عندما يقوم هذا الشخص بطباعة الحرف أو الذهاب إلى المتجر ..الخ فإنه لا يحظى بتيار من الأفكار في ذهنه، ولكن أفعاله هي أفعال ناتجة عن إدراك وغائية ، وعندما يمر منه أحد ويسأله “ماذا تفعل؟” فسيجيبه بإجابة متماسكة.

يبدو هذا الرجل قابلاً للتخيّل بالنسبة لنا. لن يتردد أحد في القول بأنه ممتلك للوعي، أصبح يكره موسيقى الروك اند رول(لو أظهر نفورا عن الروك اند رول بشكل متكرر) لأنه أصبح لا يفكر بأفكار واعية عندما يتحدث بصوت عالٍ.

ما نصل إليه من هذا كله هو : أ) الحالات الذهنية لا تؤسس للفهم –مثل الصور أو الأحداث الذهنية الأكثر تجريداً- . ب) لا توجد مجموعة من الحالات الذهنية الضرورية من أجل الفهم. بالتحديد ، فلا يمكن للمفاهيم ان تكون مطابقة للمواضيع الذهنية مهما كان نوعها. مع الافتراض بأننا نعني بالمواضيع الذهنية أنها أشياء قابلة للفحص ، لقد رأينا منذ قليل بأن ما يغيب عن الشخص الذي يفهم الكلمة المناسبة(وبالتالي يعي المفهوم تماما) ، قد يحضر عند الشخص الذي لا يعي المفهوم إطلاقاً .

نعود الآن إلى نقدنا لنظريات الإحالة السحرية (وهو موضوع شغل بال فينغشتاين) ، نرى بأنه ومن جهة فإن هذه المواضيع الذهنية التي نستطيع تحديدها بوضوح كالكلمات والصور والمشاعر ..الخ لا تحيل إلى شيء بذاتها أكثر مما تفعل رسمة النملة (وللأسباب ذاتها)، فيما أن محاولة التسليم ببعض المواضيع الذهنية المميزة والمفاهيم والتي لها اتصال ضروري بما تحيل إليه ، والتي لا يحددها إلا الفينومونولجيون المتمرسون ، يقومون بخطأ منطقي فادح ، لأن المفاهيم هي قدرات وليست ظواهر. الاعتقاد بوجود ممثلات ذهنية والتي تحيل ضرورة إلى أشياء في العالم الخارجي هو أمر لا يعد علماً طبيعياً فاشلاً فقط ، ولكنه أيضاً علم ظاهريات فاشل واختلال في المفاهيم.

 

 


1-لا يقصد باتنام بالعالم الممكن أن العالم الممكن موجود فعلا بل يقصد به مجرد الإمكان الفلسفي..وهذا مطرد في كل مؤلفاته- المترجم

2 – قمت بترجمة الكلمة حرفيا لأنها لا يشير إلى اصطلاح فلسفي معيّن بل هو إستعمال خاص بباتنام ويقصد به ما كان تخيّليا لم يثبت ولم يبرهن-االمترجم