إشكالية لسانيات الفلسفة في الخطاب المادي – آدم شاف / ترجمة: أنوار طاهر

إشكالية لسانيات الفلسفة في الخطاب المادي – آدم شاف / ترجمة: أنوار طاهر


       أصبحت الإشكالية اللسانية linguistique la problématique احد أهم الانشغالات المركزية، إن لم تكن الرئيسية، خاصة في الفلسفة غير الماركسية في القرن العشرين. فمجمل القضايا والمشاكل التي يدرجها النقد الماركسي عادة تحت مسمى ” الفلسفة السيميوطيقية philosophie sémantique ” تؤسس لظاهرة شديدة التعقيد والتنوع للغاية، على خلاف ما تبدو عليه في الظاهر. ولغرض التثبت من ذلك، يكفي تتبع الاتجاهات الفلسفية السائدة كما نلمحها في كل من: النزعة الرمزية لمدرسة الفيلسوف الألماني إرنست كاسيرر والمرتبطة بتيار الكانتية الجديدة؛ والنزعة التجريبية المنطقية لحلقة فيينا المقترنة بتيار الوضعية المنطقية؛ والنزعة الذرية المنطقية للفيلسوف الانجليزي برتراند راسل ومدرسته التي تجمع بين المدرسة التجريبية الانجليزية وبين النزعة الأفلاطونية على حد سواء؛ أضف إلى تلك التيارات أيضا، كل من: الفلسفة اللسانية لمدرسة أكسفورد المعاصرة والمستندة على طروحات الفيلسوف النمساوي فيتجنشتاين؛ وكذلك تيار التحليل السيميوطيقي لمدرسة لفوف-وارسو Lvov et de Varsovie البولونية التي تعود في أصولها إلى كل من الفيلسوف الألماني النمساوي فرانز برنتانو والى المذهب الوضعي…الخ من الاتجاهات الفلسفية الأخرى الشائعة، والتي طرحتُها على سبيل المثال لا الحصر، منتخبا منها ما هو فلسفي وما هو حامل لخاصية ولتوجه لساني بالمعنى الدقيق للكلمة، واضعا على حدة، الاتجاهات المتعددة المعبر عنها في علوم المنطق والجماليات والسوسيولوجيا…الخ. كان لتلك الاتجاهات الفكرية والفلسفية الأثر البالغ في تأسيس فرضيات الفيلسوفة الأمريكية سوزان لانجير Suzanne Langer، والمطروحة في كتابها الموسوم: Philosophy in a new key (Harvard University Press, 1942) ،حيث وجدت في النزعة الرمزية symbolisme الثيمة/أو السؤال الجديد الذي سيغلب على انشغالات الفلسفة المعاصرة، ويحقق فيها تغييرا جذريا.

ونلاحظ في الوقت نفسه، أن هناك مقداراً كبيراً من المنشورات المكرسة حول المظاهر المختلفة للإشكالية الفلسفية في اللغة، لدرجة تحولت فيها إلى ظاهرة مثيرة حقا ويتعذر قياسها تقريبا، حيث بتنا نشهد بأستمرار تأسيس حقولا علمية جديدة تدرس تلك المشاكل من جوانب متعددة ووفق وجهات نظر مختلفة. لكن الملمح الكمي ليس هو العامل الأساسي والمهم في دراستنا هذه.

بالطبع، إن إشكالية اللغة –وكما هو معروف– ليست بالإشكالية الجديدة في تاريخ الفلسفة. فمنذ العصور القديمة، والهندوس والصينيون نجدهم قد شددوا على أهمية تلك الإشكالية، أما الإغريقيون فقد منحوها مكانة عظيمة. بعدها، أخذت تلك الإشكالية بالظهور على مدار تاريخ الفكر الفلسفي بوصفها موضوعا للتأمل حول قابلية اللغة على إنتاج “ما هو خاطئ” في المعرفة الإنسانية. رغم ذلك، نلاحظ أن التوسع/الانفجار الهائل في دراسة الإشكالية اللسانية من جانب الفلسفة، لم يحصل إلا في القرن العشرين وذلك لعدة أسباب. ليس في النية هنا تحديدا، المضي قدما نحو إجراء تحليل شامل لتلك القضية، ومجمل ملاحظاتي المعطاة سوف لن تتعرض لتلك الأسباب في صورتها الكلية، ولن تكون أيضا مرتبة ضمن نظام محدد مسبّقا من التسلسل والتتابع الهرمي. بل سينصب جلّ اهتمامي نحو غاية تكمن في محاولة تقديم عرض لبعض تلك العناصر التي ساهمت وبشكل اكبر، حسب رأيي الخاص، في إحداث ذلك الانفجار.

وسنبدأ مع إكتشاف “مبدأ المتناقضات” في نظرية التعددية والمفارقات السيميوطيقية (علم السيميوطيقا sémantique هو علم دراسة انساق العلامات اللغوية ودلالاتها ورموزها ) في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. فالمفارقات من نوع (مفارقة برتراند راسل) والتي تشتمل على “نظرية المجموعات، التي لا تحمل عنصرها الخاص الصائب بديهيا”؛ أو تلك التي من نوع “مفارقة الكاذب” (وهي إحدى الحجج التي قارع بها الفيلسوف اليوناني اوبوليدس الملطي الفيلسوف ارسطو)، مثلّت في مجملها تهديدا لأسس المنطق الشكلاني وعلم الحساب، وأظهرت ما تتضمن عليه من تناقضات مستعصية الحل. ومنذ ذلك الحين، صار العلم أمام خيارين: إما أن يرفض نظام المنطق القائم؛ أو عليه البحث والتقصي لغرض العثور على أصل وقوع الخطأ الذي يؤدي إلى حصول مثل تلك التناقضات الأكثر تنوعا. وبالطبع، وقع الاختيار على الشق الثاني من الاختيارين، وذلك من اجل الوصول إلى النتيجة الراهنة والتي تستند على البرهان في انه في كلا الحالتين ( اي في نظرية التعددية والمفارقات السيميوطيقية) تُنتج المتناقضات من الاستعمال غير المسموح به للغة (كالمشاكل المتأتية من استعمالنا لكلمات مثل “كل واحد chaque ” و “جميع tous” …الخ، مثلما هو الحال عليه مع التمييز اللازم بين اللغة langage التي نتكلم بها؛ وبين اللسان langueالذي نتداوله يوميا). بهذه الطريقة حصلت عملية نشأة تحليل اللغة وتطور أدواتها الرمزية التي تتركز وظيفتها في عدم السماح لا بأرتكاب الأخطاء النحوية ولا بإساءة استعمال اللغة. وبذلك، أصبح هذا العمل الذي عمد إلى تشييده علماء المنطق بشكل خاص (والمتمثل في إعداد مختلف النظريات عن الأنماط types وعن المقولات السيميوطيقية…الخ، والتي من خلال إنتاجها لمجمل أشكال التقييد المناسبة في استعمال اللغة، سيتم بالضرورة تدارك وعلاج كل ما هو ملتبس وغامض المعنى في مقولات اللغة اليومية، أي إلى كل ما يؤدي إلى تشكيل مثل تلك المتناقضات المذكورة أعلاه)، أصبح هو أحد المعارف العلمية الثابتة والراسخة، بل وصار لزاماً تمييزه عن التأويلات الزائفة وتعميماتها المتشكلة في وقت لاحق. مع ذلك، أدت صيرورة التحولات في المناهج التحليلية إلى الوصول إلى هذه النتيجة العامة والأكثر أهمية، وهي أن اللغة ليست أداة للأبحاث وللتحقيقات investigationsالفلسفية فحسب، بل هي موضوع دراستها أيضا. وهذه الأطروحة هي من دفعت في المقام الأول، حسب رأيي الشخصي، نحو تعزيز موقع الإشكالية اللسانية في الفلسفة في القرن العشرين، وفيها يكمن على الأقل جوهر عقلانية ذلك الإعلاء من تلك الإشكالية.

فمن بين أهم تلك العوامل التي ساهمت أيضا في تعميق أهمية الإشكالية اللسانية ومنحها دورا ومرتبة أعلى ضمن السلم الهرمي للمشاكل الفلسفية، هو ما حصل من ثورات في العلوم الطبيعية، تجلت خصوصا في التغييرات التي أحدثتها النظرية النسبية ونظرية ميكانيكا الكم في الجهاز ألمفاهيمي الخاص بعلم الفيزيقا/الطبيعة الكلاسيكي. حيث كان لزاما على علماء الطبيعة والفلاسفة أن يعملوا على إعادة التفكير حول الأهمية التي تغلف مبدأ الدقة في الجهاز ألمفاهيمي لغرض بناء النظريات؛ وحول دور اللغة العلمية في بناء النظريات – خاصة عقب إضفاء قيمة إطلاقية absolutisation لهذا الدور – المستندة في حالات كثيرة على استعمال مصطلحات أمثال: “في نفس الوقت simultanément “، ضمن نطاق كل من: المعنى الكلاسيكي ومعنى النظرية النسبية. أفضت تلك العملية بالضرورة إلى إطلاق العنان للنزعة التوافقية الممتثلة للتقليد conventionnalisme (والمستندة على ما هو متعارف ومتفق عليه من المسلمات والمبادئ العلمية المثمرة والنافعة، وليس على معطيات التجربة التي ترتكز عليها النزعة التجريبية، ولا على حقائق منطقية قبلية واضحة في ذاتها، ولا على أفكار فطرية. ومثلّها فلاسفة العلم الفرنسيون بوتروكس E. Boutroux– بوانكاريه H. Poincaré –دوهيم P. Duhem ) وبعدها على التوالي إلى التأسيس أيضا لنزعة توافقية راديكالية.

مع ذلك، اتخذت فاعلية العلوم الطبيعية في تعزيز مكانة فلسفة اللغة philosophie du langage طريقا آخر أكثر التزاما إلى حد كبير، بهدف تحويل ذلك إلى ممارسة عملية فعّالة. وبدأ ذلك بشكل واضح مع موقف الريبة وعدم الثقة لدى علماء الطبيعة تجاه الإشكالية الميتافيزيقية اللفظية المحضة. ومن المناسب هنا، أن لا يتم الخلط بين مقاصد intentions العلماء وبين النتائج المغلوطة والمؤسفة التي توصلوا إليها، بسبب نفيهم التام لدور الفلسفة. لهذا نراهم يقعون ببساطة في الاعتقاد الدوغمائي بأكثر الفلسفات زيفا، حسبما تنبأ بذلك الفيلسوف الألماني انجلز. لكن، ينبغي علينا أن لا ننسى أن جينالوجيا الميتافيزيقا المثالية-الذاتية لمذهب الوضعية الجديدة، توضح وبشكل جليّ ذلك الميل عند ابرز ممثلي العلوم الطبيعية ( الذين يمثلون الجزء الأعظم من مبدعي ومؤيدي ذلك المذهب ) في مناهضة ميتافيزيقا الفيلسوف الألماني هايدغر وأمثاله، والمؤسسة على نزعة اللغو العقيم. فالمسار الذي كان ممثلا بالفيلسوفين الأمريكيين تشارلز بيرس وبيرسي بريجمان Bridgman والفيلسوف الألماني موريس شليك (دون ان نعقد مماثلة بين كل من بيرس والفيلسوف وليم جيمس الذي حاول تعميم صياغة بيرس لتعريف مصطلح الدلالة signification ولكن بتحويله إلى تعريف لمفهوم الحقيقةvérité ) بحث من خلال التأمل حول قضايا اللغة والتمييز بين ما هو منطقي وصائب وبين ما يفتقر لأي معنى ( فهناك تعبيرات محض لغو فارغ وغير حقيقية)، ومن ثمة، أدى ذلك إلى إنكار ورفض كل ما هو ميتافيزيقي يتطابق مع النزعة اللفظية الخالية من المعنى. بقي علينا أن نعرف فيما إذا كان أصحاب تلك الفرضيات البارزة، هم أنفسهم من الكُتاب الذين وقعوا هم أنفسهم أيضا في فخ الميتافيزيقا. من أجل عدم إلغاء أي بعد تاريخي، ينبغي علينا التمييز بين كل من مصطلحي: المقصد والتفكير السليم، تلك المصطلحات التي كانت هي الأصل في إتباع مثل ذلك النهج والوصول إلى مثل تلك النتائج غير المثمرة. فمهما يكن، لابد من القول أن العلوم الطبيعية عملت بلا شك على تحفيز علم اللسانيات، ولو كان بشكل غير مباشر، أي من خلال البرهان على أهمية التحليل اللساني في الدراسات الفلسفية.

إضافة إلى ذلك، تدين الأبحاث اللسانية في نهضتها إلى العلوم الاجتماعية. فعلم الثقافات المقارن éthnologie وما يُدعى بعلم الانتربولوجيا الاجتماعي anthropologie sociale عملوا أيضا على إبراز دور اللغة، أو بمعنى أدق، النزعة الرمزيةsymbolisme في الحياة الاجتماعية، لان وظيفة الرمز هي بالتأكيد ما نعمل على دراستها في الأديان والأساطير لدى المجتمعات التي يُطلق عليها “بدائية”. حيث تُعد النتائج الأكثر قيمة وأهمية تلك التي جرى الوصول إليها عقب الأبحاث المكرسة من اجل دراسة السُن تلك المجتمعات، وتأثير الأنظمة اللسانية المختلفة على طريقة التفكير وعلى صورة العالم أيضا. فأبحاث العالم الانتربولوجي والسوسيولوجي الفيلسوف الفرنسي ليفي-بريل Bruhl- Lévy والعالم الانتربولوجي والسوسيولوجي مالينوفسكي Malinowski والتي تركزت في مجملها على مدى الاستعداد اللغوي لدى المجتمعات الأصلية في التعبير التجريدي عن العالم، سلطت الضوء حول تلك المشاكل. لكن، لم تظهر الأهمية القصوى لتلك الابحاث من ذلك النوع، إلا مع فرضية كل من العالم الانتربولوجي واللساني الأمريكي ادوارد سابير Sapir – والعالم الانتربولوجي واللساني الأمريكي وورف Whorf التي أشاروا فيها إلى عدم استقلالية تشكل صورة العالم عن النظام اللساني الذي هو نتاج لوسط محدد ولشروط وجود يفترضها ذلك النظام اللساني. هذه الفرضية ومجمل آثارها الفلسفية المهمة، تأسست على تحليل الالسُن التي تتحدث بها القبائل الأمريكية الأصل amérindiennes، وهي فرضية عملت المدرسة الأمريكية لوحدها فقط على تطويرها (بأستثناء بعض الأعمال المكرسة في جزء منها نحو اللغة الصينية).

وتجدر الإشارة هنا إلى تنامي اهتمام علماء السوسيولوجيا بإشكالية اللغة بوصفها وسيلة للتواصل communication بصفة عامة، وللتواصل ذو الشرعية السارية المفعول على وجه الخصوص الذي تجري بناء عليه ليس عملية تبادل الفهم المشترك لدلالات الكلمات فحسب، بل وأيضا للاعتقادات الراسخة والمرتبطة مدى شرعيتها بالعبارات الصائبة منطقيا. فما هو ذلك العامل اللغوي الذي يعزز أو يعيق مثل ذلك التواصل؟ هنا تقع بالضبط المشكلة العقلانية لما يُدعى بعلم السيميوطيقا العام sémantique générale (ويعود لمؤسسه عالم الرياضيات والفيلسوف البولوني الفريد كورزيبسكي Korzybski) هذا العلم الذي يجرى جزافا الخلط بينه وبين علم السيميوطيقا المنطقي sémantique logique. وهنا – اي ضمن مجال هذا التيار السائد “علم السيميوطيقا العام” الذي كان مثار نقد بسبب افتقاره لصرامة التفكير العلمي الدقيق- يمكننا بالتحديد أن نستوضح في الفكر العقلاني مدى الأهمية المنسوبة لوظيفة اللغة في عملية processus المعرفة، ومن ثمة، ضرورة البحث الفلسفي حول اللغة. وذلك لأن هذا الفكر العقلاني يرتبط إرتباطا وثيقا بدراسة أسس نظرية الدعاية propagande théorie de la، وهذا ما يفسر لنا النجاح الذي حققه علم السيميوطيقا العام على المستوى الاجتماعي، في حقبة صعود النظام التوتاليتاري الهتلري حيث كان يسعى إلى أن يُظهر، من خلال الوقائع والأحداث، إلى أي درجة يمكن فيها أن يكون استعمال الدعاية ذات التوجيه السياسي القصدي الواعي، سلاحا قويا وخطيرا في آن واحد.

وعلينا أن نشير ، في النهاية، إلى أن تطور علم اللسانيات الرياضية ونظرية المعلومات théorie de l’information شكل مقدمة تمهيدية في طريق الأبحاث حول اللغة بواسطة استعمال مناهج العلوم الصرفة، وفتح بذلك أفاقاً جديدة في هذا المجال البحثي كما نجده في التحليل الفلسفي لوظيفة اللغة في عملية التواصل الإنساني.

 

***

 

كما ذكرت سابقا، أن التحليل الوارد أعلاه لا يدعي أنه كاملا أو شاملا؛ ولا يزعم تحديد تدرج هرمي واف للعناصر المشار إليها. بقدر ما هو محاولة تسعى إلى توضيح الكيفية التي يمكننا أن نصل فيها إلى مستوى الفهم والإقرار بفرضية أن اللغة ليست وسيلة فحسب، بل وأيضا موضوعا للتحقيقات/وللأبحاث الفلسفية. إلا أن هناك خطوة واحدة تفصل بين هذه الفرضية المناسبة والمثمرة، وبين الاستنتاج الخاطئ الذي يروم إلى أن يجعل من اللغة موضوعا وحيدا للأبحاث الفلسفية وهذا هو بالضبط ما أصبح السمة المميزة للتيار الفلسفي الذي يُدعى بالفلسفة السيميوطيقية التي تصدَّرت موجة النقد الحادة التي وجهها لها الخطاب الماركسي على وجه حق. لكن من اجل أن يكون هذا النقد أكثر فاعلية، بعبارة أخرى، من اجل أن يكون معالجا للقضايا الإشكالية بطريقة ملائمة وأكثر إقناعا، ينبغي له أن يستوفي، على الأقل، أهمّ شرطين أساسيين في أن يكون نقدا ماديا ملموسا concrète وبناءاً.

وكما هو معروف أن مثل هكذا نقد مادي يفترض معرفة دقيقة بالقضية الإشكالية المراد معالجتها، تسمح له أن يتحرك بمرونة تامة بين مختلف الأجزاء المكونة للنظام système المعقد الذي تتشكل ضمنه الأبعاد الإشكالية لتلك القضية، مع الأخذ بعين الاعتبار خصوصية ذلك النظام. وعلى ضوء فرضيتها المركزية التي تستبعد الواقع الموضوعي من مجال الرؤية والاهتمام الفلسفي، تكون الفلسفة السيميوطيقية هي الصيغة المعاصرة للنزعة المثالية الذاتية idéalisme subjectif. فمع ممثليها الأكثر راديكالية، تبلغ أوجّ ذروتها في النزعة الذاتوية solipsisme السيميوطيقية. والأكثر من ذلك، إنها تشكل صيغة معاصرة للنزعة المثالية الذاتية بطريقة مموهة وذات آثار وخيمة العواقب إلى حد كبير، وذلك لأنها تعمد إلى التستر خلف ادعائها بألتزام الحياد تجاه المشكلة الأساسية في الفلسفة، بدعوى أن الفلسفة ليست إلا علما زائفا pseudo-scientificité أو من العلوم غير المضبوطة التي لا تستعمل منهجا علميا في لغتها الرسمية. نتيجة لذلك، يصبح النقد الموجه ضدها في هذه الحالة من طرف الفلسفة الماركسية –حتى ما يُعد منه نقدا شديدا- ضروري وواجب ويمتلك مبرراته المنطقية. لكن عملية النقد هذه، حتى الأكثر صرامة منها، لا ينبغي لها أن تكون مجرد عملية بسيطة ودعائية مفتقرة للأسس العلمية، بل يجب أن تتناول التأويلات الفلسفية الزائفة عن القضايا المطروحة وليس القضايا نفسها، وذلك حينما تكون هذه القضايا واقعية؛ وتعكس صعوبات حقيقية وتعبر عن تساؤلات إشكالية. إذ ينبغي التمييز في العلوم الطبيعية وفي العلوم الاجتماعية أيضا بين القضية العلمية وبين حلولها أو تأويلاتها الخاطئة. لهذا، ليس هنالك من سبب يؤدي إلى نتائج سلبية خطيرة، أكثر من تغييب إشكالية علم السيميوطيقا العام التي تعد نقطة انطلاق جميع التأويلات الخاطئة في علم السيميوطيقا ؛ أو من تهميش وظيفة اللغة الفاعلة في إعادة صياغة رؤيتنا حول العالم، وهذه تعتبر من المصادر الأساسية التي نهلت منها النزعة التوافقية الممتثلة للتقليد conventionnalisme. فأذا اُريد للنقد أن يكون ماديا ملموسا، ينبغي أن يتوجه اهتمامه تحديدا صوب ما جرى دحضه أو تهميشه من قضايا غير مُفَكَر فيها، وليس لما هو معطى من قضايا صائبة منطقيا ومن حلول عقلانية. وعليه، لا يجوز لمثل هكذا نقد أن يتحاشى البحث في إشكالية علمية واقعية، حتى وإن كانت إشكالية متداخلة مع نظام خاطئ من الآراء المزيفة، ولا ينبغي له أيضا أن يُنظر إليها بوصفها عَرَضَاً سلبيا للنزعة الموضوعانية objectivisme. فلطالما كانت مسارات العلم أكثر تعقيدا مما تبدو عليه في الظاهر، والكشوفات العملية والنافعة للقضايا العلمية ليست امتيازا خاصا للأنظمة والمفاهيم الصائبة كليا. فأن التقدم العلمي يتطلب تشخيص المشاكل ومحاولة فهمها من جميع الجوانب المتصلة بسياقاتها التي تتمظهر فيها، حتى لو لم نتوصل مباشرة إلى الحل المناسب ( وهي حالة أصبحت تشكل قاعدة règle من القواعد المعروفة في تاريخ العلم ). كل مفكر غير قادر على العمل بمثل تلك الطريقة، وعلى إدراك الحقيقة الموجودة في أسفل قاع الحياة، سيؤدي به هذا الحال إلى إضعاف إمكانياته المعرفية؛ وتضييق رؤيته وملكاته الفكرية وستحرمه على الأمد الطويل من كل إمكانية في التطور. أضف إلى ذلك، أن عزوفه عن البحث في الإشكالية الواقعية، تاركا معالجتها لمعارضيه في مجال العلم، سيقلص كثيرا من موضعه وموقفه في الصراع من اجل العثور على أفضل الحلول للمشاكل الإنسانية، لأننا بشكل عام، لا نرغب بمتابعة من لا ينظر بعين الاعتبار إلى مشاكلنا المهمة للغاية بوصفها –حسب رأيه- غير مثيرة للاهتمام.

وهنا بالضبط تلتحق فرضية النقد المادي بفرضية النقد البّناء. في الواقع، إن المسألة لا تتعلق فحسب بكيفية التمييز بين الغث والسمين، أي بمدى قدرة المفكر على إدراك الإشكالية العلمية الواقعية حتى لو كانت محتجبة بين طيات كثيفة من الأفكار الزائفة والخاضعة أيضا لعملية النقد تلك. وإنما تتعلق أيضا بطريقة تناول تلك الإشكالية من خلال السعي في العثور لها على حل جديد وأصيل ومبتكر، يكون أكثر ملائمة من الحل السابق الذي عملنا على تفنيده. وبهذه الطريقة، ستوضع الكثير من الاعتبارات والأسباب المختلفة على المحك، بدء من ضرورة إقناع الطرف المعارض أو غير المتثبِّت بعد من الفرضية المطروحة، وحتى مشكلة فاعلية أداء العملية النقدية وشروط نجاحها في الصراع الأيديولوجي، حيث سيجري هنا التعبير عنها بطريقة أكثر وضوحا.

في الواقع، ينبغي علينا أن لا نغفل عن الهدف الأساسي الذي نسعى لتحقيقه من خلال عملية النقد البنّاء. فمن المؤكد أننا نضع في عين الاعتبار المتلقي الذي يبادلنا وجهة النظر نفسها والذي يؤيدنا في كل ما نعلنه وما نشير إليه من أسباب دَعَتْنا إلى تفنيد الفرضيات الأخرى بوصفها زائفة وخاطئة. لكن علينا الإقرار بأن من يقع في المقام الأول بالنسبة لنا هو ليس ذلك النوع من المتلقي، وإنما ذلك المتلقي الذي يكون في موضع المعارض لوجهة النظر المطروحة والذي علينا أن لا نكف عن محاولة إقناعه بالحجج arguments الكافية، أضف إلى ذلك أيضا، علينا أن نضع في الأعتبار ذلك المتلقي الذي لا يزال في حالة من الشك والريبة التي تجعله غير متثبِّتا تماما من صحة اختياره بين الفرضيات المعطاة، فنراه يصغي بعناية وحذر لكل من الطرفين. لهذا، تصبح عملية إقناع أولئك النوع من المخاطَبَين بأستعمال الخطابات الجاهزة مهما اتسمت به من ملامح القوة والإكراه حال إلقائها، عديمة الفائدة والجدوى. إن ما نحتاج إليه بالضبط، هو استعمال تقنيات الحجاج الواقعية، التي تعرض وبصورة موضوعية لمفاهيم الفرضية المعطاة من طرف الآخر، وبذلك نتجنب حصول أي حالة من حالات التحريف أو ألتشويه أو عدم الفهم، ونحقق، على حد سواء، استنطاقا للإشكالية الواقعية والمتضمنة داخل نظام من الآراء لا زالت في موضع طعن وتفنيد. لذا، ينبغي علينا قبل كل شيء، أن نسعى للتواصل مع ذلك المتلقي الذي لا يزال في حالة بحث دؤوب للعثور على حل مناسب لمشكلته القائمة، ولم يتخذ بعد موقفا نهائيا، ومن ثمة، لم يصرح بعد بتأييده لأي طرف من الأطراف الحاضرة (وهذا النوع من المتلقي يشكل عموما الغالبية من الناس)، وأن نحاول إقناعه بأن نهجنا النقدي المستعمل في تحليل مفاهيم الطرف الخصم، ليس نهجا علميا فحسب بل وهو أيضا يضع دائما صوب اهتمامه الإشكالية التي تتضمن عليها تلك المفاهيم، حتى لو اتسمت عملية نقدنا للحلول المعتمدة بصفة الصرامة الشديدة. إن نقدا معدا وفق تلك المبادئ، سوف لن يفقد شيئا من دقته المنهجية ولا من أمانته العلمية، ولن يصبح موضوعانيا على الإطلاق لكونه يتبنى الاتجاه الموضوعي، بل على العكس من ذلك، بل سيحقق فاعلية اكبر بواسطة أدواته الإقناعية، وذلك لما يمتلكه من خاصية ايجابية. علاوة على ذلك، إن هدف هذا الشكل من أشكال النقد هو الفاعلية وكفاءة الأداء التي لا تفترض استنطاق الإشكالية الواقعية المتضمنة داخل النظام ألمفاهيمي موضوع النقد والتفنيد فحسب، بل واقتراح الحلول الجديدة –غير الموضوعية التجريدية– المتلائمة مع تحولات السياق الثقافي والمنسجمة مع حاجات المجتمع الإنساني. وعلى أساس توفر مثل تلك الشروط يمكننا أن نعزز من تفوق فرضيتنا المتبناة، وأن نحقق أطروحات نقدية بنّاءة تمتلك إمكانية الانفتاح على أفضل الحلول بهدف تفنيد الآراء الموضوعية التجريدية.

إن استنادنا على كل تلك الاعتبارات، في واقع الأمر، يجعلنا نعلن وبشكل لا لبس فيه عن موقفنا المعارض للأسلوبيات styles الجاهزة والمعتمدة في عملية نقد التيارات الفكرية السائدة والمتمركزة حول إشكالية اللغة في الفلسفة البرجوازية، إنها أسلوبيات نمطية لا زالت، للأسف، تنهل من أخطاء الماضي المتراكمة والتي لم نتجاوزها حتى الآن. إذ ينبغي علينا أن نتحدث بصراحة ووضوح كبير عن تلك الأخطاء، هذا في حال توفرنا على الرغبة الحقيقية في التفكير حول طبيعة المهام التي تقع على عاتقنا ضمن نطاق مشروع تطوير الإشكالية الفلسفية الخاصة باللغة.

ففي حال الشروع في عملية نقدية ضد الفلسفة السيميوطيقية عامة، بطريقة غامضة تفتقر إلى التحليل المادي الملموس concrète، من المؤكد أنه سيشكل خطأ فادحا، ولا يتضمن نهائيا على أدواته النقدية الكافية لغرض إقناع المتلقي. لأنه نقد لا يُحسِن تمييز الاختلافات بين الاتجاهات الفكرية السائدة والتي يجري وضعها تحت مسمى واحد وعام وهو الفلسفة السيميوطيقية، ومن ثمة، فهو غير قادر على استنطاق كل إشكالية تخص اتجاه فكري معين دون آخر، فكان لابد له من أن ينتهي الحال بتلك العملية النقدية إلى تهميش وإقصاء مجمل الأبعاد الأساسية/و الظاهرة منها والأخرى المتضمنة داخل الإشكالية على حد سواء. إذن، لمصلحة منْ تعود مسألة إصرار البعض على تثبيت حالة من التماثل والخلط والجمع بين تلك الاتجاهات الفكرية المختلفة في سلة واحدة تحمل نفس المسمى “الفلسفة السيميوطيقية”، فلا يصح أن يوضع كل من: عالم الاقتصاد والكاتب الأمريكي ستيورات جيز Sruart Chase والفيلسوف والعالم البولوني كورزيبسكي من جانب، وعالم المنطق والفيلسوف البولوني تارسكي Tarskiوعالم المنطق والفيلسوف الألماني كارناب Carnap من جانب آخر، ضمن تيار فكري واحد؟ لأنه بتلك الطريقة، سوف لن نتمكن من إقناع المتلقي غير ذلك المؤيد لوجهة نظرنا، وسنخسر لا محالة في تحقيق هدفنا، ويصبح عديم الجدوى كل ما بذلنا من جهد فكري وقمنا به من عملية دحض ونقد لاذع ضد خصمنا. ومن ثمة، سيتمكن ذلك الخصم الذي يعرف كيف يتعامل مع طرق ووسائل العامة من الناس في الحجاج argumentation (والذي كثيرا ما يكون حجاج بديهي يعتمد مبدأ الوضوح في ذاته) من استغلال ذلك الجانب في صالحه، وان يجنب نفسه، بواسطة قلة معرفتهم، الوقوع في فخ السؤال عن مدى صحة قضاياه المشكوك فيها والقابلة للطعن. ثم من هو المستفيد أيضا، من التعنت في موقفه الرافض بالاعتراف لأي قيمة للإشكالية اللغوية، في الوقت الذي نجد فيه أن التزام علماء منطق ولسانيين وبقائهم على مواقفهم الماركسية، لم يمنعهم من الاستفادة والبحث بغزارة في تلك الإشكالية المهمة للغاية، ولم يُضعِف من فاعلية نقدهم الذي لم يكن صارما أو حادا إلا في الظاهر فحسب؟

مما سبق طرحه أعلاه، نسعى إلى بيان وتوضيح أن نقد الفلسفة السيميوطيقية بحجة الأمانة العلمية ومدى الفاعلية المعطاة، وذلك انطلاقا من مواقف ماركسية معينة، لا ينبغي له أن يدفعنا نحو اتخاذ جانب الإقصاء والإنكار للإشكالية الواقعية التي تعالجها وتتناولها تلك الفلسفة. بل على العكس من ذلك، يجب علينا أن نعمل على تمييز تلك الإشكالية وفصلها عن مجمل التأويلات الفلسفية الزائفة والخاطئة، ومن ثمة، دراستها وفقا للمناهج الماركسية ومحاولة تقديم حلول جديدة، تعتبر من الناحية الفلسفية ملائمة ومثمرة عمليا.

 

***

 

مع ذلك، لم تستند ضرورة معالجة تلك الإشكالية اللغوية التي ظلت حكرا على الفلسفة السيميوطيقية لفترة طويلة، على الحجة الارتكاسية غير البنّاءة في الحاجة إلى معارضة أكثر صلابة وقوة في مواجهة الفلسفة البرجوازية. وإنما على الحجة الفاعلة والايجابية التي هي ليست بأقل قدرة على الإقناع، والقائمة على أساس الفائدة المرجوة من تطوير وتعميق التحقيقات والأبحاث الخاصة بالفلسفة السيميوطيقية ، سيما في حقل النظرية الماركسية حول المعرفة.

ويكفينا أن نحيل بخصوص تلك المسألة إلى رأي الفيلسوف السياسي فلاديمير لينين في إحدى فقرات كتابه “حول الديالكتيك” والذي حاول أن يوجز فيها الخطوط العريضة لمشروع بناء نظرية ماركسية حول المعرفة تتأسس بصفة خاصة على تاريخ اللغة. فإذا كان من الواضح انه وفقا للتحليل المادي matérialiste للمعرفة، يجري اعتبار الوعي conscience الإنساني كعملية تفكير لسانية وكيان ذهني-لساني mentale-linguistique entité (ونحن ندين إلى الفيلسوف ماركس بأطروحة أن اللغة هي وعي بالأنا وبالآخرين)، إذن ينبغي أن يكون كل تحليل لعملية التفكير pensée وعملية المعرفة connaissance هو تحليل لعملية تطور اللغة على حد سواء، وبدون ذلك يصبح، بكل بساطة، التفكير مستحيلا. وإن كان من الصعوبة بمكان ولأسباب مختلفة تبرير ما تعاني منه الفلسفة الماركسية الراهنة من عدم توفرها على تحليل دقيق للإشكالية الفلسفية للغة يقوم على قاعدة الديالكتيك dialectique الماركسي، مع ذلك فأنه من الممكن توضيح وتفسير دواعي حدوث ذلك. فنتيجة للتأويلات الزائفة والخاطئة لأهداف وطرق النقد المستعملة ضد الفلسفة البرجوازية، وللتصور غير البنّاء nihiliste عن ذلك النقد، انتهى الحال بالماركسيين إلى التخلي عن البحث في تلك الإشكالية الفلسفية الواقعية والمجدية، وذلك للسبب نفسه الذي جعل خصمهم البرجوازي يقترب من معالجتها واحتكارها مع مرور الوقت لغرض تحقيق منافعه الخاصة، وبناء تنظيرات تجريدية مثالية تتأسس على تأويلات خاطئة. ماذا كان سيقول الفيلسوف ماركس بخصوص ذلك السلوك لو كان معاصرا لذلك التحول النظري والتطبيقي في آن واحد، هذا الفيلسوف نفسه الذي أكدّ في كتابه “اطروحات حول فويرباخ” أن النزعة المثالية l’idéalisme التي طورت الجانب الفعال في المعرفة الإنسانية، ليس بقصد إنكار شرعية تلك الإشكالية، بل على العكس، كان ذلك بهدف بيان وإبراز أهميتها بهدف أن يكون البراكسيس praxis (الجانب الفاعل حسب المفهوم المادي matérialiste) هو القضية الأساسية في نظرية المعرفة.

إن إجراء مثل تلك المقاربة للإشكالية الفلسفية في اللغة فتح حقلا واسعا من الأبحاث، في العديد من المجالات، لم يتم أبدا اكتشافها من جانب الفلسفة الماركسية. وأصبح في الإمكان العثور على ثيمات ومشاكل فلسفية تتضمن عليها تلك الإشكالية، لكن دون أن يجري العمل – حسب رأيي الخاص – على تطويرها بالشكل الكافي. بل وجعلنا نكتشف فيها أيضا الكثير من القضايا التي لم نأتِ على مناقشتها إطلاقا، لسبب ما أو لأخر. هذه القضايا هي ما أود التحدث بخصوصها لغرض الإشارة إلى ما تحتوي عليه من إمكانيات يهيئها إلى أن تكون مادة للأبحاث العلمية.

دعونا نبدأ من القضية التقليدية التي عادة ما يتم تحديدها من خلال إرجاعها إلى علاقة اللغة بالتفكير. حيث نلاحظ أن بعض الفرضيات التي تتعلق بتلك القضية تتسم بالبداهة، يصل إلى درجة التآلف معها. من هذا القبيل، على سبيل المثال، الاطروحة المتعلقة بوحدة unité اللغة مع التفكير، التي يكفي فقط أن نتجه بنظرنا إلى قاع الأشياء السفلي، حتى ينكشف لنا أن تلك الفرضية لم تحسُم باب الجدل القائم حولها مطلقا، بقدر ما دفعت به نحو الانفتاح على فكرة أن استيعاب وفهم تأويلات متعددة تفترض إتخاذ مواقف جديدة ومختلفة في فلسفة اللغة. فماذا نعني في الواقع بذلك الشكل من الوحدة unite ؟ أنقصد به أن علينا التعامل مع عناصر مختلفة من الممكن أن تتضمن على عنصر استقلالها الذاتي autonomes رغم أن الواحد منها متصل بالآخر، وهما: اللغة والتفكير؟ بالطبع هذا هو المفهوم المُسلَّم به من طرف اغلب الفلاسفة وعلماء اللسانيات الذين هم في حالة من القناعة المتزايدة (وخصوصا عند علماء اللسانيات) بأنه يكفي أن يجري تفنيد خاصية الاستقلالية الذاتية autonomie المنسوبة لهذين “العنصرين” اللذان يشكلان المجال الخاص لدراساتهم، حتى يتم تقويض أسس وجود ذلك الشكل من الوحدة. مع ذلك، من الممكن لمعنى مصطلح “الوحدة” أن يفسح الطريق أمام تأويل آخر، والذي لأسباب فلسفية أساسية، اعتبره شخصيا هو الأكثر ملائمة. انه تأويل يصدر عن إحدى فرضيات الفيلسوف ماركس التي جرى نسيانها في مجملها وبغير وجه حق، وطمرها تحت ألانقاض الأخرى من نظرية ذلك الفيلسوف. وفقا لذلك التأويل، جرى النظر إلى مصطلح “الوحدة” بوصفه سلسلة متدرجة من المراحل الذهنية واللسانية mental et linguistique يخضع لمسألة تجريدية تفترضها الدراسة، تهدف إلى تحقيق حالة من التمييز والفصل بين “العناصر” من أمثال التفكير واللغة التي تُستوعب عبر خاصيتها في الاستقلالية الذاتية autonomiquement ، بالرغم من أن تلك العناصر في الواقع لا تشكل سوى مظاهر aspects لعملية متجانسة يقتضي معالجتها من مختلف الجوانب. اعتقد أن هذا السؤال في غاية الأهمية، لان كل واحد من حلوله المقدمة يتضمن على إسهامات نظرية implications théoriques ، سيما وانه حل يفسح المجال بالضرورة أمام إمكانية التعارض مع مفاهيم المعرفة السائدة و “الصائبة vraie ” التي تسعى منذ بداية تاريخ الفلسفة إلى إدراك المعرفة الحقّة/الصائبة والمتمثلة في حدس جوهر الأشياء l’intuition de « l’essence » des choses بوصفه تفكير غير شفاهي averbale منفصل عن اللغة langage ومتناقض مع التفكير اللساني linguistique بطريقة ما أو بأخرى.

بشكل عام، إن الفلسفة عندنا تجيب عن ذلك الجدل، إما بالصمت؛ وإما بمساعٍ تحاول العثور على حلول تبقى مجرد حبر على ورق. بَيْدَ أننا لسنا الآن في حاجة إلى السجال والمناظرة الكلامية، بل إلى دراسات نقدية معمَّقة تستند إلى الوقائع التاريخية. أي أن الأمر يتعلق هنا، بأبحاث مادية واقعية ملموسة ومكرسة لدراسة العلاقة الموجودة بين عمليات كل من التفكير واللغة، وخصوصا لمشكلة مبدأ التجريد abstraction تحديدا التي تُنتَج على مستوى العلامة الشفاهية signe verbal. نجد أن أمثال تلك الأبحاث اضطلعت بها سابقا منذ مطلع القرن العشرين مدرسة فورزبورغ Wurzbourg (والتي شكلت تمهيدا لعلم السايكولوجيا الفينومينولوجي، وللعلوم المعرفية/الإدراكيةcognitives – مصطلح cognition مشتق من الكلمة اللاتينية cognoscere والتي تشير تقريبا إلى نفس معنى كلمة التفكير أو الإدراك المعرفة أو الذكاء intelligence- المتضمنة على وصف ودراسة مجمل العمليات الذهنية والمتعلقة بوظائف المعرفة من الذاكرة واللغة والتعلم والذكاء…الخ. ومن ابرز ممثليها العالم السايكولوجي الألماني كاسبار آخ Kaspar Ach )، وشَرَعت بها لاحقا، وبواسطة إجراء مقاربات مختلفة، مدرسة عالم المنطق والبيولوجيا والابستمولوجي السويسري بياجيه Piaget. أما في مجال العلوم السوفيتية، فقد جرى تدشين تلك الأبحاث من قبل مؤسس علم النفس الثقافي-التاريخي الطبيب النفساني السوفيتي فيغوتسكي Vygotski، وواصل ذلك وإن كان بصورة غير متكاملة، العالم السايكولوجي والفيلسوف الألماني روبنشتاين S. L. Rubinstein . وجرى أيضا معالجة تلك القضايا من خلال الجوانب السايكولوجية الخاصة بنظرية العالم السايكولوجي والطبيب الروسي بافلوف Pavlov. من جهة أخرى، إن هذه الأبحاث هي الوحيدة التي تستطيع أن تتوفر على العناصر والأدوات التجريبية empiriques التي من شأنها أن تحررنا من سيطرة مجال الكلمات واللغو المجاني الفارغ، وأن تجعلنا نسير على ارض صلبة تستند على النقاش العلمي المادي وليس التجريدي. أما فيما يتعلق بالدراسات حول نشأة وتطور وحدة اللغة-التفكير، فمن الممكن أن تشكل مصدر مساعدة لنا في تلك الأبحاث على حد سواء.

وهذا ما حصل بالضبط في العقود الأخيرة، عندما بدأنا، في إطار ما يُدعى بعلم الانتربولوجيا المقارن anthropologie comparative، في إجراء أبحاث مثيرة للاهتمام (سبق وان تم ذكرها أعلاه) حول العلاقة بين عملية التفكير لدى المجتمعات الأولى وبين نظامهم اللساني système linguistique من جهة، وحول العلاقة بين هذا النظام وشروط وجود تلك المجتمعات من جهة أخرى. إذن، لم يتم هنا طرح مشكلة “اللغة-التفكير” ضمن سياق تأويل خاصية “الوحدة” لهذين العنصرين فحسب، وإنما جرى، في المقام الأول، ضمن سياق الوظيفة الفعالة للغة في عملية المعرفة. حيث نتمكن هنا، بالاستناد على المحتوى التجريبي، من أن نتتبع قضية وحدة اللغة والتفكير انطلاقا من سمة الترابط والانسجام المتبادل بينهما interdépendance . هذه القضية المطروحة تقريبا وبشكل حصري حتى الآن، بناءً على معطيات علمية أمريكية، لم تأخذ بعد الاهتمام الكافي الذي تستحقه من جانب الفلاسفة، أما الفلسفة الماركسية marxiste فقد أهملتها بالكامل. مع ذلك، تبقى تلك القضية في غاية الأهمية، خاصة فيما يتعلق بالصراع ضد النزعة التوافقية الممتثلة للتقليد conventionnalisme. لأنه إذا كان صحيحا أن هذه النزعة السائدة تمثل شكلا بديلا للنزعة الذاتية subjectivisme في الفلسفة، يغدو من الصائب أيضا القول – كما عبر عن ذلك الفيلسوف لينين خلال حديثه عن النزعة المثالية idéalisme بصورة عامة– إنها نزعة أصبحت أشبه بزهرة يابسة وغير نضرة تعلو فوق شجرة المعرفة الحيّة، أي بعبارة أخرى، إنها تعبر عن التأويلات الزائفة والخاطئة التي حجبت مشكلة الفلسفة الحقيقية والتي تكمن في الوظيفة الفعالة للغة في المعرفة.

يشير مصطلح اللغة، في احد معانيه، إلى كونها “انعكاس reflet ” للواقع، لكن ما أن تتمأسس اللغة حتى تبدأ بممارسة تأثيرها على كيفية تشكيل صورة العالم الخارجي التي تتبلور خلال تطور مسار المعرفة الذهنية mentale واللسانية linguistique. وهنا، تأخذ النزعة التوافقية الممتثلة للتقليد conventionnalisme على عاتقها تحويل ذلك التأثير إلى “نفوذ مطلق” يعمل على تزييف حالة الواقع، ويتضمن في ذاته على عنصر عقلاني rationnel في آن واحد. لذلك، لا يمكننا الزعم أن الاكتفاء فقط بالإعلان عن موقف الرفض والإنكار على نحو مجرد وبسيط لحجج تلك النزعة التوافقية الممتثلة للتقليد ، سيؤدي بالضرورة إلى تجاوز نفوذها وتأثيرها بشكل مؤكد. ومن يمارس هكذا نوع من النقد غير البنّاء، يجازف حتما بفقدانه الرؤية السليمة والواضحة للقضية الواقعية والمهمة للدور الفعال للغة في المعرفة. ومن ثمة، لهذه الفرضية البسيطة جدا والتي تتخذ من المذهب الماركسي marxisme قاعدة تهدف إلى الشروع في تطوير الإشكالية المتعلقة بالوظيفة الفعالة للغة في المعرفة، وذلك بهدف إجراء تحليل عميق لعملية التفكير والمعرفة، وكذلك لغرض الشروع في توجيه نقد جوهري وذو فاعلية ملموسة ضد النزعة التوافقية الممتثلة للتقليد conventionnalisme. وبالطبع، لغرض تحقيق تلك الغاية، سيكون من الضروري إنجاز أبحاث تجريبية حول العلاقة بين نظام système التفكير ورؤية vision العالم من جهة؛ وبين المنظومة اللسانية المتمأسسة تاريخياً من جهة أخرى. وبالتأكيد ذلك لن يتحقق إلا بالمساهمة والتعاون بين العلوم الإنسانية المختلفة مع علماء اللسانيات. فعلى سبيل المثال لا الحصر، هل تستحق القبائل الأمريكية الأصل amérindiennes فحسب، أن تكون محل اهتمام علماء الثقافات المقارن ethnologues وعلماء اللسانيات؟ أليس هناك من آثار ستنتج عن النمو الاجتماعي والثقافي السريع الحاصل لدى المجتمعات المختلفة والقبائل الأصلية مَنْ تسكن في شمال وشرق آسيا السوفيتية l’Asie Soviétique ، تلك التي تكمن في زوال العديد من الألسُن والثقافات في شكلها الأساسي/الأولي وإلى الأبد؟

بعبارة أخرى، ينبغي معالجة وتحليل مسألة العلاقة المتداخلة والشائكة بين اللغة-التفكير انطلاقا من معطيات علمية تجريبية أخرى على حد سواء، خاصة تلك التي تقدمها الدراسات السايكو-باثولوجية psycho-pathologique لحالات المصابين بالحُبسَة الكلامية aphasies. فحتى هذه اللحظة لا نجد سوى علوم الطب والسايكولوجيا من اهتموا بالمظاهر الناشئة عن الانقطاع الباثولوجي للصلة بين الوظيفة اللسانية والوظيفة الذهنية mentale، وذلك عقب تلف الوظيفة الأولى –أي اللسانية–منهما مباشرة. (وأصبح من المعروف اليوم أن علم الطب يميز بين أربع أشكال أساسية من الحُبسَة الكلامية). فكل تلك القضايا والمشكلات تقع خارج دائرة اهتمام الفلاسفة عامة، والماركسيين منهم خاصة. وهذا أمر مؤسف حقا ! فتلك المعطيات العلمية توفر، في الواقع، إمكانيات جديدة لغرض تقديم تحليل وبطريقة تجريبية معنى خاصية “الوحدة” التي تربط ما بين اللغة والتفكير، وذلك بهدف عقد مقارنات عملية بين المفاهيم الفلسفية والمعطيات التجريبية، والكشف عن مدى صلاحية فاعلية تلك المفاهيم.

وهناك إشكالية تقليدية أخرى ترتكز على سؤال العلاقة بين اللغة والواقع. غير أنها إشكالية لم يتم معالجتها كلياً إلا بصورة ظاهرية، كما حصل بالضبط في الحالة السابقة الذكر أعلاه. فالصيغ التي غالبا ما يكون مروج لها ترويجا واسع النطاق في الحقل العلمي، يصل إلى حد التآلف banale التام مع شكلها المتواضع للغاية، تحجب، في الواقع، القضايا والمشكلات الهامة جدا والتي تتطلب دراسات وتفسيرات علمية جديدة.

فعلى خلاف النزعة التوافقية الممتثلة للتقليد conventionnalisme التي تعتبر اللغة منتجاً إراديا/اختيارياً، نحن نؤكد على أن اللغة تعكس reflète الواقع. وكما هو معروف أن النظرية الماركسية حول المعرفة تتأسس على نظرية الانعكاس reflet، وأن مصطلح الانعكاس شائع في المذهب الماركسي، لكن دون أن يعني ذلك بأي وجه من الوجوه أنه قد جرى دراسته وتوضيحه بصورة تشمل مجمل آثاره ودلالاته، خاصة عندما تم استعماله في إشكالية علاقة اللغة بالواقع. لهذا، علينا أن نتساءل: ماذا تعكس اللغة وكيف تتم تلك العملية التي تنجزها ألعلامات الشفوية signes verbaux؟ وعندما نقول، على سبيل المثال، أن كلمة “كرسي chaise” تعكس لنا شيئا ما، ماذا نعني بذلك؟ فمن الواضح أن صوت son العلامة اللسانية نفسه لا يعكس شيئا بتاتاً، مثلما هو الحال عليه مع صوت أي كلمة لا نتقن اللسان أو اللغة المشتقة منها، مثل صوت كلمة “Krambambouli”، ومن ثمة، فهي تفتقر لأي دلالة ومعنى بالنسبة إلينا. في مقابل ذلك، إذا نظرنا إلى العلامة الشفوية بوصفها كياناً entité يتركب من الدلالة signification ومن العناصر المادية المساعدة support matériel في الحفاظ على معنى الكلمة المعطى وإسناد حمولته اللغوية في آن واحد، فأن طرح سؤال مشكلة معنى “الانعكاس” سوف لن يتوقف بالتأكيد، وسيظهر، عند ذلك الحين، ملمحا جديدا آخر اً في خاصية “الوحدة” لكل من: اللغة والتفكير.

إن مفهوم اللغة بوصفها “صورة للواقع image de la réalité” هو ليس مفهوما خاصا بالنظرية الماركسية حول الانعكاس إطلاقا. إذن ينبغي أن نتعمق في تحليل تلك الفرضية التي تنظر إلى أن اللغة “انعكاس” للواقع. وأن لا ننسى في الوقت نفسه أن الفيلسوف راسل أوضح مثل الفيلسوف فيتجنشتاين – هذا الأخير دفع بمفهومه المثالي للغة إلى حدود النزعة الذاتوية solipsisme – أنه يمكننا الوصول إلى بنية structure الواقع بواسطة بنية اللغة. فهل يعني ذلك أن “الانعكاس” يتكون ضمن مماثلات analogies في البنية؟ ربما ليس كذلك، لان العلاقات بين عناصر الجملة اللغوية لا تكون مماثلة للعلاقات بين أجزاء العالم الخارجي. ثم بعد ذلك كله، ما هو “الانعكاس”؟ هذه هي المشكلة المهمة التي لم نعثر لها على حل إلا ظاهرياً بواسطة استعمالنا لكلمات تبدو لنا قابلة للفهم في الظاهر أيضا. في الواقع، إن ما يجعلنا نقع في الخطأ والتضليل، هو التعبيرات الشفوية التي تفتقر لأي ضمان couverture اجتماعي داخل المعرفة الواقعية. ألا يشير ذلك إلى ضرورة أن يكون تحليلنا تحليلا سيميوطيقا، بعبارة أخرى، ينبغي أن نعمل على تحليل الكلمات من خلال دراسة أنماط وطرق استعمالها؟ بالطبع، إن تحليلا من هذا النوع يمكن له أن يكون مثمرا ونافعا على حد سواء، إلا إنه سوف لن يكون كافيا. إذ يجب إنجاز أبحاث تجريبية من نوع، على سبيل المثال لا الحصر، التحليلات التي قام بها العالم الانتربولوجي واللساني الأمريكي بنيامين وورف حول موضوع استقلالية شكل forme اللسان عن الشروط المادية والاجتماعية الخاصة بنشأته. فدراسة مثل تلك المشكلة لابد وأن تؤدي بنا إلى اكتشاف نماذج تجريبية جديدة في كيفية تشكل وصياغة منظومة مفاهيمنا الخاصة، إضافة إلى المبادئ المرتبطة بتلك المنظومة، فضلا عن مناهج تجريبية لم نألفها من قبل في اختبار تلك المشكلة.
ربما لاحظتم كيف أني بدأت -وبشكل قصدي- في الحديث عن القضايا والمشكلات المعروفة على نحو تقليدي في المذهب الماركسي. وذلك من أجل التأكيد على أنه حتى الإشكالية التي نقضي بأنها إشكالية أصبحت واضحة المعالم ومعروفة للجميع، يمكن لها أن تشتمل على أكثر من علامة استفهام ونقاط تساؤل تدعونا إلى الإقرار أن تلك الإشكالية لا زالت متضمنة على عدد كبير من الأسئلة الجديدة التي تحتاج إلى استعراض وتوضيح ومعالجة بأستعمال كافة المناهج العلمية دون هوادة. علما أن هذا الأجراء يفترض تطبيقه أكثر مع الحالات المتضمنة على ثيمات واقعية جديدة تكشف وتثير مشكلة الخاصية العلمية للغة.

وعلى الرغم من السرد الذي قدمناه أعلاه، لمختلف النقاط والجوانب المتعلقة بالإشكالية التقليدية، والذي استعملنا فيه مصطلح “لغة langage” إلا إننا لم نقم بتحليل ما نعنيه بهذا المصطلح. مع أن هذا التحليل يُعد ضروريا، سيما إذا وضعنا في نظر الاعتبار على الأقل الاهتمام الكبير الموجه منذ عقود لهذه المشكلة في إطار علوم اللسانيات والفلسفة والمنطق…الخ. في الوقت الذي نجد فيه كيف أن المذهب الماركسي يسعى نحو التقليل من أهمية إشكالية اللغة، خاصة نظرية العلامة والدلالة، إلى أن الحق الضرر الكبير ليس بفلسفته الخاصة فحسب، بل أيضا ببعض المسائل المتعلقة مباشرة بالممارسة التطبيقية للعقول الالكترونية في العصر الراهن. وعند تتبعنا لأطروحات عالم اللسانيات السويسري سوسير Saussure حينما أعرب، في بداية القرن التاسع عشر، عن فرضيته في تدشين علم دراسة العلامات اللسانية الشفوية وغير الشفوية “السيميولوجيا sémiologie ” بوصفها نظرية عامة في العلامة، نلحظ كيف أنه استأنف، لصالح فرضيته، فكرة قديمة جدا، تم صياغتها نظريا من قبل عدد من المفكرين أبرزهم الفيلسوف الانجليزي لوك Locke . وهذه هي بالضبط الفكرة التي يسعى إلى تحقيقها علم السيميوطيقا sémiotique الراهن. ويمكننا أن نوجه لها نقدا من مختلف الجوانب، لكن – اكرر ذلك وللمرة الثانية– سوف لن يكون لذلك النقد فاعلية، إن لم يتضمن على حلول ايجابية. فعلى سبيل المثال، إن تعريف العلامة وعلم تصنيفtypologie العلامات استنادا على أطروحات النظرية الماركسية في التواصل communication سيؤدي بالنتيجة إلى إمكانية عرض وتحليل العوامل السوسيولوجية الخاصة بمشكلة لطالما كانت موضوع تحليلات شكلانية formelles محضة. وذلك لو حصل، فسيؤدي إلى تحقيق نتائج نافعة بالتأكيد من الناحية النظرية، خاصة عندما يكون بهدف الكشف عن ما تتضمن عليه العلامة الشفوية من خاصية متفردة والتي بدونها يصبح من المستحيل إجراء تحليل للغة.

مع ذلك، إن تحليلا متواضعا للعلامات بشكل منعزل عن النظام système اللساني الذي تتمأسس فيه، يغدو غير كافي بالمرة. إذ ينبغي أيضا أن يجري تحليل هذا النظام على مستوى “قواعد تشكل الجُمَل و العبارات syntaxe” في المقام الأول. بهذه الطريقة يفسح المجال أمام تحقق إمكانية فهم طبيعة مختلف “الالسُن” المقارَنَة مع لغة العلامات الشفوية. مع التأكيد التام على بقاء الدلالة، في علاقتها الوثيقة مع إشكالية العلامة، حقلا واسعا للأبحاث والدراسات، وهذا ما جرى الاشتغال عليه حتى الآن من قبل باحثين غير ماركسيين على وجه الحصر، وقدموا نتاجا مهما من المشاريع العلمية الضخمة. فأصبحت دراسة تلك القضية تعني في آن واحد: تحليل اللغة في مجمل محتواها ألمفاهيمي conceptuel والعاطفي émotionnel والجماليesthétique …الخ.

لهذا، لاحظنا كيف أن الإشكالية المتعلقة أكثر بالأسلوب والكيفية العملية technique لبنية المنظومات اللسانية، والتي جرى تطويرها بواسطة علم السيميوطيقا المنطقي ومختلف النظريات الحديثة حول النماذج modèles، نجحت في أن تؤسس لمجال علمي مستقل. وينطبق هذا الشيء على المظاهر اللسانية لنظرية المعلومات informations(التي تُعنى بنقل ومعالجة البيانات والمعلومات بهدف تخزينها أو نقلها ضمن قناة/وسط اتصال ما بأكبر حجم ممكن)، هذه النظرية لا تزال في الواقع تتطلب التوفر على خاصية المعرفة التقنيةtechnique العلمية على المستوى النظري والمستوى العملي بشكل كبير. ومع ذلك، إذا لم يرغب الفلاسفة في أن يجعلوا من تلك القضايا والإشكالات موضوعا لدراساتهم وأبحاثهم الخاصة، ينبغي عليهم على الأقل ألاهتمام بنتائج الأبحاث المنجزة ضمن نطاق تلك العلوم التي توفر لنا، حالها في ذلك حال العلوم الصرفة الأخرى، بيانات ومعطيات ضرورية من اجل التحقق من المبادئ والنظريات الفلسفية المعمّمةgénéralisations philosophiques .

وقبل الختام، أود أن أشير إلى الإشكالية السوسيولوجية للغة. فعندما نقول أن اللغة هي مُنتج/ونتاج الامتياز والتمايز الاجتماعي. فهل يعني ذلك أنه محدد وفق الطبقة الاجتماعية التي تفرزه/تنتجه؟ في نقده لمفهوم عالم اللسانيات الروسي مار Marr ، احتج ستالين Staline بشدة ضد فرضية “مار” حول الخاصية الطبقية للغة. بالطبع، أن القضية هنا هي ليست بهذه البساطة التي يحاول أن يفترضها لنا الرأي السلطوي autoritative لستالين. ويمكننا أن نلاحظ كيف أن هناك الكثير من المفكرين مَنْ هم ابعد من يكون عن تبني الاطروحات الماركسية، مثل عالم اللسانيات الفرنسي مييه Meillet، لكنهم تمكنوا من إدراك وفهم عملية تطور اللغة داخل صيرورة سياق آثار تداخلها مع الواقع الاجتماعي، وأعلنوا صراحة عن تأييدهم لفرضية الإعداد/والتحكم الاجتماعي conditionnement social في إنتاج اللغة. فأذا نظرنا إلى هذه الفرضية بمنظور ضيق من التفسيرات الدوغمائية، فمن المؤكد أن تلك الفرضية ستكون زائفة وغير صائبة. لكن ليس هناك من شيء يُجبرنا على تبني مثل تلك التفسيرات، إذا كانت هناك وقائع مادية ملموسة بما في ذلك من وقائع أثبتها علم الثقافات المقارن التي تفسح المجال لنا في فحص تلك التفسيرات والتحقق منها، وبهذه الطريقة سيتسع مدى رؤيتنا لتلك الفرضية وعملية التأويل المتعلقة بها على حد سواء. من ناحية أخرى، حتى لو كنا متفقين مع نظرية “انعكاس” الواقع بواسطة اللغة ( أي انعكاسا للواقع الاجتماعي)، فلا يمكننا أن ننكر تلك الفرضية أعلاه والتي هي محل جدل واعتراض إلى حد كبير. وبمقتضى ذلك، سنتمكن من الوصول إلى مقاربة جديدة في قراءة فرضية الإعداد/والتحكم الاجتماعي في إنتاج منظومة معرفتنا بالكامل، ولمجمل آرائنا (خصوصا، الآراء المتعلقة بحياتنا الاجتماعية)، وذلك يتم بواسطة فرضية الإعداد/والتحكم الاجتماعي في إنتاج اللغة والتي يجري داخلها صياغة وتشكيل الآراء الفردية.

وبواسطة عقد تلك المقاربة، ستتاح لنا إمكانية إعادة اللُحمة بين إشكالية اللغة وبين تاريخ وثقافات المجتمعات المختلفة. حيث أن دراسة الالسُن للمجتمعات الأصلية/الأولى، تسلط الضوء على تلك الإشكالية بطريقة غير متوقعة بتاتاً. كما أوضح ذلك مالينوفسكي في وقته آنذاك، حينما أشار إلى استحالة عملية فهم تلك الالسُن دون أن تشتمل على مجمل أشكال ثقافة وشروط وجود تلك المجتمعات. بطبيعة الحال، تكون هذه الفرضية ذات صلاحية إلى حد ما وبطريقة معينة على حد سواء، والشيء عينه ينطبق أيضا فيما يتعلق بالالسُن الخاصة بفضائنا sphère الثقافي.

حقا أن علم السيميوطيقا العام يطرح علينا الإشكالية السوسيولوجية في اللغة. فأذا تركنا جانباً كل ما هو مُلغز وغامض في نظرية كورزيبسكي، فستبقى مشكلة التأثير الذي تمارسه اللغة على تشكيل وصياغة الاعتقادات عند الأفراد، وكذلك مشكلة المظهر اللساني لنظرية الدعاية. ولا يمكن إنكار مدى أهمية وواقعية تلك المشكلات. فطرح السؤال عن العنصر الذي يعزز أو يكبح عملية التواصل بين الأفراد، أي الذي يعمل ليس فقط على نقل وبث الدلالات ضمن صيرورة الواقع الاجتماعي للتواصل، بل وأيضا مجمل الاعتقادات المشتركة بين الأفراد. هذه هي بالضبط الثيمة المركزية لتلك الإشكالية والتي ينبغي على الفيلسوف الماركسي أن لا ينكرها أو يرفضها، بمقدار يعادل إصراره على أن لا يكون إلا ماركسياً مرتبطا بحركة جماهيرية وبنضال اجتماعي.

***

سبق وأن ذكرت سابقا، أن هذا الاستعراض الفلسفي للغة ليس شاملا، وغير مركب بطريقة منطقية وغير منظم تنظيما هرميا. وما افترضه ليس وضع برنامج متكامل للأبحاث، وإنما الإشارة إلى كيفية توافر الإمكانيات وضرورة العمل عليها استناداً على قاعدة و نطاق الأطروحات الماركسية. وما قصدته من ألاسلوب الذي اخترته في عرض الإشكالية، هو الحث على معالجة الإشكالية اللغوية من خلال تسليط الضوء على أهميتها وبيان إمكانية مجال امتدادها واتساعها في حقل البحث والتحقيق.

فالمرحلة الراهنة من أبحاثنا، أو بالأحرى بسبب ما نعانيه من حالة تأخر في هذا الحقل العلمي، يصبح من الضروري، رغم كل المعوقات والصعوبات، أن نفكر ليس في الإشكالية ومدى اتساعها وأهميتها فحسب، بل وأيضا في الطرق التي تضمن لنا تحقيق أفضل النتائج الممكنة، وكذلك حول تنظيم جهودنا البحثية والذي من شأنه أن يردم الفجوات الملاحَظَة في الحقائق العلمية المتوافق عليها عامة، وبأسرع وقت ممكن.

في المقام الأول، ينبغي علينا تنظيم تعاون متعدد التخصصات interdisciplinaire . وذلك لان الإشكالية التي يجري معالجتها معقدة للغاية وتقع ضمن نقطة تتلاقى عندها العديد من العلوم المختلفة. فبدون مساهمة المختصين في كل من: علم اللسانيات وعلم المنطق وعلم الثقافات المقارن وعلم السايكولوجيا وعلم الطب…الخ، يصبح الفلاسفة في مجال اختصاصهم شبه عاجزين. فالأبحاث المعقدة تفترض بالضرورة التفكير في التهيئة والإعداد للتعاون في المجهود الجماعي المشترك.

في المقام الثاني، ينبغي أن تكون تلك الأبحاث دولية internationales تتوحد فيها الجهود المشتركة للفلاسفة الماركسيين. فإشكالية اللغة تتطلب استعداد ومهارة وتخصص كفء. غير أن المعسكر “camp” الماركسي لا يزخر بمثل هكذا نوع من الباحثين، وإنما فقط ببعض من المختصين المنعزلين أو بعدد من المجموعات المتواضعة والمهتمة بتلك المشاكل في مختلف البلدان. لكن، ما الذي يمنعهم من تركيز جهودهم ضمن مجال بحثي متوحد وخطة عمل مشتركة، بهدف إنجاز تقسيم في العمل حسب كل اختصاص علمي و توجيه الطاقات المشتركة نحو هدف مشترك أيضا؟ من المؤكد أنه ليس هناك من عائق حقيقي، سوى غياب روح المبادرة التي إن توفرنا عليها، ستساهم في تطوير مسار الخطاب الفلسفي وفاعلية أداء العملية النقدية على حد سواء.

 

 

 


 الهوامش:

Adam Schaff: De La Nécessité Des Recherches Marxistes Sur Le Langage, Un Essai sur la philosophie du langage, dans son livre ” Langage et Connaissance”, Traduit du polonais par Claire Brendel, Edition anthropos, Paris, 1969, pp. 199-215

آدم شاف (1913-2006) فيلسوف بولوني الأصل ذو توجهات مادية وتاريخية وسوسيولسانية وسوسيوثقافية. مختص في الابستمولوجيا واهتم في ميتودولوجيا العلوم الاجتماعية وعلاقتها في تحليل النظرية الماركسية.

error: المحتوى محمي