الرأسمالية والهوية المثلية – جون ديميليو / ترجمة: العنود سعد

الرأسمالية والهوية المثلية – جون ديميليو / ترجمة: العنود سعد

الرأسمالية والهوية المثلية

جون ديميليو


 تُعدّ فترة السبعينيّات من القرن العشرين سنوات إنجازٍ عظيمٍ للمثليين والمثليّات. فقد قَلبت حركات تحرير المثليين وتحرير المرأة المشهد الجنسي للأمّة، حيث أعلن مئات الألوف من الرجال والنساء عن مثليّتهم، وأكّدوا مَيْلَهم لذات الجنس دونَ مُوارَبَة، كسبنا إلغاء قوانين السَدُومِيّة في نصف الولايات، ورفعًا جزئيًا لمنع المثليين من العمل في الوظائف الحكومية، وحمايةً للحقوق المدنية في العشرات من المدن، وضمّ حقوق المثليين إلى برنامج الحزب الديمقراطي، وإسقاط المثليّة الجنسية من قائمة الطبّ النفسي للأمراض النفسية، كما توسّعت الثقافة الخاصّة بالمثليين الذكور وأصبحت مشاهدةً في المدن الكبيرة أكثر فأكثر، ومهّدت النِّسْويّات المثليّات الطريق لبناء مؤسسات وثقافة بديلة تهدف إلى تبني رؤيةٍ تحررية للمستقبل.

    ولكن مع نهوض جناحٍ يميني نَشِطٍ في الثمانينيّات راح المثليّون ينظرون إلى المستقبل بتوجّس. بدت انتصاراتنا ضئيلةً وهشّة، وبدت الحرية النسبية في السنوات الماضية أحْدَثَ من أن تكون قد ترسخت، تنامى الشعور بالنهاية بين أجزاءٍ من مجتمع المثليين والمثليّات، وأخذت المقارناتُ بالعهد المكارثي، حينما كان “المنحرفون جنسيًا” هدفًا محبّذًا لليمين، والمقارناتُ بألمانيا النازية، عندما كان المثليّون يُشحنون إلى معسكرات الاعتقال، تتردد باستمرارٍ متزايد. انْبَثّ في كلّ مكانٍ الإحساسُ بوجود استراتيجيات جديدة مهيأة في حال أرَدنا الحفاظ على مكتسباتنا والمضيّ قدمًا.

    أؤمن أنّ نظريةً جديدةً ودقيقةً لتاريخ المثليّة كانت جزءًا من هذا المشروع السياسي. عندما بدأت حركة تحرير المثليين في نهاية الستينيّات من القرن العشرين، لم يكن للمثليين والمثليّات تاريخٌ نُفيد منه في بناء أهدافنا واستراتيجياتنا، قمنا في السنوات التالية باختلاق أسطورةٍ أثناء تأسيسنا لحركةٍ بلا خلفيةٍ تاريخية، حيث استقينا هذا التاريخ الأسطوري من تجربةٍ شخصيةٍ قرأنا زمنها إلى الوراء، اكتشف معظمُ المثليّون والمثليّات على سبيل المثال ميولَهم المثليّة لأولّ مرةٍ وهم في معزلٍ عن الآخرين وجهلٍ بهم، وبلا توافر مصادرٍ تُسمّي شعورهم وتبيّنه، كوّنا من هذه التجربةِ أسطورةَ الصمت والخفاء والعزلة كصفات أساسيةٍ تَسِم الحياة المثليّة في الماضي والحاضر أيضًا، ونظرًا للقوانين والسياسات العامّة والمعتقدات الثقافية القمعيّة التي واجهتنا، قمنَا بخَلْعِ هذه الأسطورة على ماضينا السحيق كذلك: فمن قبل أن تقوم حركة تحرير المثليين كان المثليّون والمثليّات دائمًا ضحايا اضطهادٍ ممنهجٍ شاملٍ فظيع.

   ضيّقت هذه الأساطير نظرتَنا السياسية، فقد ساهمت، مثلًا، في الاتّكال على استراتيجية الإعلان اتّكالًا مُفْرِطًا- بحيث لو أعلن كلّ رجلٍ وامرأةٍ في أمريكا عن مثليّته فسينتهي الاضطهادُ الواقعُ على المثليين- وسمحت لنا بالغضّ عن الطرق المُؤَسَّسية التي يُعاد من خلالها إنتاج رُهاب المثليّة والعنصرية ضدّ المثليين (الهيتروسكسزم)، كما أثارت أحيانًا يأسًا شلّ العمل في أوقاتٍ مثل وقتنا الحاضر على وجه الخصوص: كيف نتخلّص من الاضطهاد المستفيض المُطّرِد الذي يتعرض له المثليّون؟

    تحظى أسطورة تاريخية أخرى بقبولٍ عالميٍ تقريبًا في الحركة المثليّة، ألا وهي أسطورة “المثليّ الأبدي” والتي تنصّ على أنّ المثليين والمثليّات لطالما وُجدوا وسيظلّون إلى الأبد، فنحن في كلّ مكان، ليس الآن فحسب، بل على مرّ التاريخ، وفي جميع المجتمعات والحِقَب. قدّمت هذه الأسطورة دورًا سياسيًا جيدًا في السنوات الأولى لتحرير المثليين، ففي بداية السبعينيّات، عندما كنّا نصارع إيديولوجيا إمّا تنكر وجودنا أو تصنّفنا أفرادًا معتلين نفسيًا أو منحرفين عن الطبيعة، كان من صالحنا التأكيد على “أننا في كل مكان” بيدَ أنّها قيّدتنا في الآونة الأخيرة بقدرِ ما قيّدتنا أشدُّ النظريات الطبيّة مناوئةً للمثليّة، وجعلت حركتنا حبيسةَ مكانِها.

    أرجو في هذه الورقة الردّ على هذه الأسطورة. أريد أن أبيّن أنّ المثليين والمثليّات لم يكونوا موجودين على الدوام، بل كانوا نَتَاج التاريخ، فقد تشكّلوا في مرحلةٍ تاريخيةٍ معيّنة، ويرتبط ظهورهم بعلاقات الرأسماليّة –بنظام عملها الحر تحديدًا- التي سمحت لأعدادٍ كبيرة من الرجال والنساء أواخرَ القرن العشرين أنّ يُسمّوا أنفسهم مثليين، ويعتبروا أنفسهم جزءًا من مجتمعٍ من الرجال والنساء المتشابهين، وأن ينتظموا سياسيًا على أساس هذه الهويّة

، كما أريد ختامًا طرح بعض الدروس التي يمكن استنباطها من هذا العَرْض التاريخي.

    ما هي إذن الروابط بين نظام العمل الحر الرأسماليّ والمثليّة الجنسية؟ لنراجع في البداية بعض سِمات الرأسماليّة. تحت ظلّ النظامِ الرأسماليّ، النّاسُ عمّالٌ “أحرارٌ” من جهتين، لدينا حرية البحث عن وظيفة، ونمتلك قدرَتنا على العمل، وحريةَ بيعِ قوتنا العامِلة مقابل الأجر لمن يرغب في شرائها، كما أنّنا أحرارٌ من مِلكية أيّ شيءٍ عَدَا قوتنا العامِلة، فلا يملك معظمنا الأرضَ أو الأدوات التي تنتج ما نحتاج إليه، بل علينا العمل لتحصيل كَسْبٍ نعتاشُ منه، إذن ففي حين أنّنا أحرارٌ في بيع قوتنا العاملة بالدلالة الإيجابية، نحن بالدلالة السلبية أحرارٌ من أيّ بديلٍ آخر أيضًا، تؤثّر هذه الدَيَالِكْتِيَّة –التفاعلُ المستمر بين الاستغلال وقدرٍ من الاستقلال- على جُلّ تاريخ أولئك الذين يعيشون ضمن الرأسماليّة.

    مثلما يتوسّع رأسُ المال –المال الذي يُستثمر لجَنْي مزيدٍ من المال- ينمو هذا النظامُ للعملِ الحر. يتوسّع رأس المال بطرقٍ متعددة، فهو يتوسّع في نفس المكانِ عادةً بتحويل الشركات الصغيرة إلى أخرى كبيرة، كما يتوسّع في تَوَلّ قطاعات إنتاجٍ جديدة: مثل حياكة الأنسجة، والخَبْز، وأخيرًا يتوسّع رأس المال جغرافيًا، ففي الولايات المتحدة، تأصّلّت الرأسماليّة بادئ الأمر في الجزء الشمال شرقي، فيما هيْمن نظامُ الرِّق في الجنوب، وانتشرت المجتمعات الأمريكية الأصليّة التي لا تتبع نظامًا رأسماليًا في النصف الغربي من القارة، ثمّ امتدّ رأس المال خلال القرن التاسع عشر من المحيط الأطلنطي إلى المحيط الهادئ، أمّا في القرن العشرين فقد اجتاح رأس المال الأمريكي كل بقعةٍ من بقاع الأرض تقريبًا.

    أدّى توسّع رأس المال وانتشار العمل لقاء الأجور إلى تحولٍ عميقٍ في بِنْية الأسرة النواة ووظيفتها، وإيديولوجيا الحياة الأسرية، ومعنى العلاقات الغيريّة، وهذه التغيّرات في الأسرة هي أكثر ما يرتبط ارتباطًا مباشرًا في ظهور حياةٍ جَمْعِيّة مثليّة.

    أسّس المستعمِر الأبيض في نيو إنجلاند في القرن السابع عشر قرىً مَبنيةً على الاقتصاد المنزلي، تتركب من وحدات أسرية تتمتع أساسًا بالاكتفاء الذاتي والاستقلال، وتتبع نظامًا أبويًا، حيث يعمل الرجال والنساء والأبناء في أرضٍ يملكها رئيس المنزلِ الذَّكَر، وعلى الرغم من تقسيم العمل بين الرجال والنساء، كانت الأسرة وحدة إنتاجٍ تكافُلية: فبقاء كلّ عضوٍ يعتمد على تعاون الجميع. كان المنزل مَقرًا للعمل حيث تقوم النساء بمعالجة المحاصيل الزراعية النيئة، وتحويلها إلى طعامٍ للاستهلاك اليومي، ويَحِكْن الملابس، ويصنعن الصابون والشموع، وحيث يعملُ الأزواج والزوجات والأولاد معًا لصناعة المنتجات التي يستهلكونها.

    ومع القرن التاسع عشر، بدأ نظام الإنتاج المنزلي هذا يتقلّص. استثمر أصحابُ رؤوس الأموال من التجّار في الجزء الشمال الشرقي أموالَ تجارتهم في إنتاج المنتجات، وشاع العملُ مقابل الأجر، جُذِبَ الرجالُ والنساء من اقتصادٍ منزلي مكتفٍ بذاته إلى حدٍ بعيد نحوَ نظامٍ رأسماليّ يعتمد على العمالة الحرة، قلّما تستمر نساء القرن التاسع عشر في العمل المأجور بعد الزواج، والذي قد استحال وضعًا دائمًا للرجال.

    لم تَعد الأسرة لذلك وحدةَ إنتاجٍ مستقلة، لكنها ما زالت تكافليّة مع أنّها خسرت استقلالها، فلم يصل توسّع الرأسماليّة إلى هذه الدرجة، إذ لم تستولِ على –أو لم تُجَمْعِن- إنتاج البضائع الاستهلاكية بعد، واصلت النساء القيام بالعمل الإنتاجي الضروري في المنزل، لم تعد الكثير من الأسر تنتج الحبوب، لكن ظلّت الزوجات يخبِزن الطحين الذي يشترينه بأجور أزواجهن، ويصنعن الملابس لأٌسرِهنّ من الخيوط والأقمشة التي يشترينها. ومع منتصف القرن التاسع عشر، دمّرت الرأسماليّة اقتصاد الاكتفاء الذاتي للكثير من الأسر، لكنها لم تَطُل الاعتماد المتبادل بين أعضاءها.

    حدث هذا التحوّل من الاقتصاد المنزلي المعتمد على الأسرة إلى اقتصادٍ رأسمالي يَرْتكِز على العمل الحر في بطءٍ شديد على نحو قرنين. فحتّى عام 1920، كان 50% من سكان الولايات المتحدة يعيشون في مجتمعات تقلّ عن 2.500 شخص، وعاشت الغالبية العظمى من السود بدايةَ القرن العشرين خارج نطاق اقتصاد العمل الحر في نظامِ المُزَارَعَة والمُساقاة الذي يعتمد على الأسرة، كما احتفظ ملايين الأمريكيين على الزراعة المستقلة أسلوبًا للحياة، وظلّت النساء في القرى والمدن الصغيرة يزرعن الطعام، ويعالجنه، ويصنعن الملابس، ويباشرن أنواعًا أخرى من الإنتاج المنزلي.

    أمّا فيما يتعلق بالأشخاص الذين ذاقوا وطأة هذه التغيرات، اكتسبت الأسرة أهميةً جديدة حيث أصبحت تمثّل وحدةً عاطفية، ومؤسسةً تنتج الرضا العاطفي والسعادة بدلًا مِن المنتجات. في عشرينيات القرن العشرين، أخذت الايدولوجيا التي تتناول الأسرة في الطبقة الوسطى البيضاء تصفها كوسيلةٍ يشكّل الرجال والنساء من خلالها علاقاتٍ سعيدة يعززها الطرفان، وتوفّر لهم بيئةً لرعاية الأطفال، أضْحَتِ الأسرةُ مُحِيطًا للـ “حياة الشخصية” التي تختلف بشدّة عن الحياة العامّة للعمل والإنتاج المنفصلة عنها.

    تبدّل أيضًا مفهوم العلاقات الغيريّة. ففي نيو إنجلاند إبّان الاستعمار، كان معدل المواليد يتجاوز سبعة أطفال لكل امرأة في سن الإنجاب، يحتاج الرجال والنساء إلى الأطفال للعمل، فكان إنجاب الأطفال ضروريًا لاستمرار الحياة بقدرِ أهميّة إنتاج الحبوب، وكان الجنْس مُسخّرًا للتَنَاسُل، لم يَحْتَفِ البيوريتانيون بالغيريّة الجنسيّة بل بالزواج، فقد أدانوا كل تصرفٍ جنسي يقع خارج إطار الزواج، ولم يفرقوا كثيرًا بين اللِّواط والزنا.

    أمّا في السبعينيّات، هبط معدل المواليد إلى أقل من اثنين، باستثناء طفرة المواليد التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، واستمر الانخفاض على مدارِ قرنين بالتزامن مع انتشار علاقات الإنتاج الرأسمالية، والذي حدث على الرغم من التقييد المُمَنْهَجِ دون الوصول إلى وسائل منع الحمل والإجهاض، وقد شمل جميع شرائح المجتمع، من الأسر الحضرية والقروية، والسود والبيض، والبروتستانتيين الأنجلو-ساكسونيين البِيض (WASPs) والمجموعات الإثنية الأخرى، والطبقة الوسطى والطبقة العاملة.

    وبما أن انتشر العمل لقاء الأجر وأصبح الإنتاجُ اجتماعيَّ الطابع، أمْكَن إعفاءُ الجنس من “إلزاميّة” التَناسل، وغَدَا التعبير عن الجنس الغيريّ من الناحية الإيديولوجية وسيلةً لتوطيد الألفة، وتحصيل السعادة، والشعور بالمتعة. خلقت الرأسماليّةُ بسَلْب الأسرة من استقلالها الاقتصادي ورعايةِ فصْل الجنس عن الإنجاب الظروفَ التي هيّئت لبعض الرجال والنساء تنظيمَ حياةٍ شخصيّة تدور حول ميولِهم الجنسيّة والعاطفية تجاه ذات الجنس، كما مكّنت من تشكيل مجتمعاتٍ حضرية من المثليين والمثليّات، بالإضافة إلى سياسةٍ تقوم على الهويّة الجنسيّة في الآونة الأخيرة.

    تشير الدلائل التي توفّرها سجلات محكمة نيو إنجلاند المستعمَرة وخطبُ الكنائس إلى وجودِ السلوك المثليّ بين الرجال وبين النساء في القرن السابع عشر، إلّا أنّ السلوك المثليّ يختلف عن الهويّة المِثْليَّة. لم يحتوِ نظام الإنتاج الاستعماري ببساطة على “فضاءٍ اجتماعيّ” يُتيح للرجال والنساء أن يكونوا مثليين، فقد كانت اسْتِمرارية الحياة مَبْنيّة على المشاركة في الأسرة النواة، وُجدت بعض الممارسات المثليّة –اللواط بين الرجال و”الرذيلة” بين النساء- التي يُمارسها الأفراد، لكنّ تغلغل الأسرة حال دون توفّر تصنيفٍ يخصّ الأفراد المثليين والسحاقيات في المجتمع الاستعماري، لم يكن في وسع الرجال والنساء الذين يطغى ميلهم تجاه ذات الجنس على الجنس الآخر، والذين يُتصور وجودهم آنذاك – تشير بعضُ القضايا في المحكمة الاستعمارية في واقعِ الأمر إلى رجالٍ أصرّوا على نَزَعاتِهم “غير الطبيعية”-، استحداثَ أسلوب حياةٍ على أساس هذا التوجّه، بل كانت في ماساتشوستس فترةَ الاستعمار قوانين تمنع الراشدين العزّاب من العيش خارج إطار الأسرة.

    أخذ هذا الوضع يتغير تغيّرًا ملاحظًا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر حيث استحكم نظام العمل الحر الرأسماليّ. فمن بعد أن أصبح الأفراد يكسبون عيشهم من العمل لقاء الأجور بدلًا من كونهم أعضاءً في وحدة أسرية تكافليّة، أضحَى من الممكن للرغبة المثليّة أن تنصهر في هويّة الفرد التي تستند على قدرة المرء في البقاء خارج الأسرة الغيريّة وبناءِ حياةٍ خاصّة على أساس ميله تجاه ذات الجنس. ومع نهاية القرن، تشكّلت طبقة من الرجال والنساء الذين يعون نَزَعاتهم الجنسيّة تجاه نفس الجنس، ويرونها صفةً تميّزهم عن الغالبية، وشرعوا في البحث عن نظرائهم، كان هؤلاء المثليّون من شتّى أطيافِ المجتمع، فمنهم المدنيون، ومدراء الأعمال، والباعة، والأساتذة الجامعيون، ومشغلو المصانع، والوزراء، والمحامون، والعمّال المنزليون، والعمّال المتنقلون، والأغنياء العاطلون، من الرجال والنساء، والسود والبيض، والمهاجرين والمولودين في البلد.

    بدأ المثليّون والمثليّات في هذه الفترة بابتكار طرق جديدة يلتقون ببعضهم من خلالها ويعززون حياةً جماعية. كانت المدن الكبيرة قد ضمّت حاناتٍ للرجال المثليين في بدايةَ القرن العشرين، وكان للمثليّين الذكور مناطق مخصصة للبحث عن شركاء لممارسة الجنس مثل ريڨرسايد درايڨ في مدينة نيويورك ومتنزه لافاييت في واشنطن، وكانت حفلات الرقص حيث يرتدي الرجال الأزياء النسائية (drag balls) تعقد سنويًا في سانت لويس والعاصمة والتي كانت تجمع أعدادًا كبيرة من الرجال المثليين السود، كما كانت الحمامات العامّة وجمعيات الشبّان المسيحيين نقاط تجمعٍ للمثليين، أسست المثليّات مجتمعات أدبية ونوادٍ اجتماعية خاصّة، وكانت بعض النساء من الطبقة العاملة يتنكرن كرجال ليحصلن على وظائف برواتب أفضل، كما كنّ يعشن مع نساء أخريات –أزواج مثليّات يظهرن للناس كزوجٍ وزوجته-،  يمكن للمرء العثور على علاقاتٍ حميمة استمرت مدى الحياة بدعم شبكة من الصديقات المثليّات بين كليّات الجامعات النسائية في المحلات الاجتماعية والجمعيّات المهنيّة والنوادي، واحتوت المدن الكبيرة مثل نيويورك وشيكاغو في العشرينيّات والثلاثينيّات على حانات للمثليّات، لقد ظهرت أنماطُ العيش هذه نتيجةَ إتاحةِ الرأسماليّة للأفراد إمكانيّة العيش خارج قيود الأسرة.

    تغيرت في الوقت ذاته التعريفات الإيديولوجية للسلوك المثليّ. وضع الأطباء نظريات تتعلق بالمثليّة، وصنّفوها حالةً مرضية، واعتبروها عرضًا متأصلًا في الشخص وجزءًا من “طبيعته”، لم تقدّم هذه النظريات أيّ تطورٍ علمي، أو تفسيراتٍ لمسائل معرفية لم يسبق اكتشافها، بل كانت ردًا إيديولوجيًا على الطريقة الحديثة لتنظيم الفرد لحياته الشخصيّة. أثّر انتشار النموذج الطبي بدوره على وعي النساء والرجال ذوي الميول المثليّة الذين أصبحوا يعرّفون أنفسهم وفقًا لحياتهم الجنسيّة.

    عكست هذه الأشكالُ الجديدة للهوية المثليّة وأنماطُ الحياة الجماعية التمييزَ بين الناس حسب النوع والعرق والطبقة الذي يشيع أيضًا في المجتمعات الرأسماليّة، كان المثليّون الذكور من الطبقة البيضاء مثلًا مُشاهدين على نحوٍ يفوق المثليّات كما جرت العادة، وهذا ناشئ جزئيًا من الفصْل بين حيّز الرجال العام وحيّز النساء الخاص، كانت الشوارع والحدائق والحانات لا سيّما في الليل “فضاءً ذكوريًا”، ويعكس هذا الحضور الأقوى للرجال المثليين من الطبقة البيضاء أعدادَهم الكبيرة كذلك، فقد وجد كينزي في دراسته لفترتي الأربعينيّات والخمسينيّات من القرن العشرين أنّ نسبة الرجال الذين تسود المثليّة على تجاربهم أعظم من نظيرتها بين النساء، يعود هذا التفاوت كما أرى إلى أنّ الرأسماليّة قد جذبت الرجال إلى القوّة العاملة بقدرٍ أكبر من النساء بكثير، وبأجورٍ أعلى، فاستطاع الرجال أن يبنوا حياةً خاصة بعيدًا عن الارتباط بالجنس المقابل، فيما بقت النساء يعتمدن في الغالب على الرجال اقتصاديًا، كما لاحظ كينزي ارتباطًا طرديًا بين سنوات الدراسة والنشاط المثليّ بين النساء، حيث كانت الجامعيات البيضاوات أقدر من صاحباتهن من الطبقة العاملة على القيام بأنفسهن، والعيش بسهولة من غير علاقات حميمة تربطهن برجال.

    وبالنسبة للمهاجرين من الطبقة العاملة في بداية القرن العشرين، قيّدت الشبكات العائلية وثيقة الترابط وقيمةُ التماسك الأسري استقلاليةَ الفرد مما جعل المثليّة خيارًا صعبَ المنال، أمّا المجتمعات الحضرية السوداء فقد كانت على النقيض من ذلك لأسبابٍ ليست واضحة، حيث أظهرت تسامحًا نسبيًا تجاه المثليّة، فرَوَاج أغانٍ بثيمات مثليّة وسحاقية في العشرينيّات والثلاثينيّات –”B.D. Woman,” “Prove It on Me,” “Sissy Man,” “Fiary Blue.”- يدلّ على انفتاحٍ في التعبير عن المثليّة على خلاف الحال عند البِيض. أمّا فيما يتعلّق بالرجال في الغرب الريفي في الأربعينيّات، فقد وجد كينزي أمثلةً وافرة على الممارسة المثليّة، ولكن على خلاف الرجال في المدن الكبيرة، لم يكن هناك وعيٌ كبيرٌ بهويّة مثليّة. إذن تأثّرت المجموعات البشرية المختلفة بصورٍ متباينة على الرغم من تأثير الرأسماليّة الذي يحثّ على التجانس بتحويل المزيد من الأفراد إلى عمّالٍ لقاء الأجور وبفصلهم تدريجيًا عن المجتمعات التقليدية.

    أدّى إقدامُ بعض الرجال والنساء على التصرّف وفقًا لتفضيلهم الجنسيّ\العاطفيّ لذات الجنس وإدراكُهم الحديث بأن هذا التفضيل يجعلهم مختلفين إلى تشكّل ثقافة فرعية حضرية للمثليين والمثليّات، إلّا أنّ هذه الثقافة الفرعية بقت خلال الثلاثينيّات على الأقل غير متطورة وغير مستقرة، ويصعب العثور عليها. كيف إذن ظهر المجتمع المثليّ المعقّد والمتطور الذي كان حاضِرًا حين انطلقت حركة تحرير المثليين؟ نجدُ الإجابة خلال الحرب العالميّة الثانية، حيث تضافرت التغيرات التي تراكمت على مرّ عدّة عقود فأنتجت بِنْيَة نَوْعيّة جديدٍة.

    مزّقت الحرب الأنماطَ التقليدية للعلاقة بين الجِنسَين، والجِنْسانيّة، وخلقت وضعًا جِنْسيًا جديدًا ساعد مؤقتًا على التعبير المثليّ. فقد أقصت الحرب ملايين الشبّان والشابات الذين في طور تشكّل هوياتهم الجنسيّة عن بيوتهم وقراهم ومدنهم الصغيرة وعن بيئةِ الأسرة الغيريّة، وزَجّت بهم إلى مواقعَ تفصل ما بين الجنسين –مثل المواقع التي يعمل فيها الجنود، ومشاة جيش النساء (WACs)، والنساء المجازات للخدمة التطوعيّة في حالات الطوارئ (WAVEs)، ومثل بيوت الإيجار ذات الغرف المفروشة المخصصة للنساء العاملات اللاتي انتقلن للبحث عن الوظائف-. حررت الحرب ملايين الرجال والنساء من الأماكن التي تحتّم الغيريّة عادةً، وأتاحت الفرصة للمثليين والمثليّات لأن يلتقوا بناسٍ مثلهم، كما كان للبعض أنّ يصبح مثليًا نظرًا للحريّة المؤقتة التي وفرتها الحرب لاكتشاف الجنسانيّة.

    أعلنت ليزا بِن، مثلًا، عن مثليّتها أيّام الحرب، تركت بلدتها الصغيرة التي نشأت فيها في كاليفورنيا وذهبت إلى لوس أنجلس بحثًا عن الوظيفة حيث عاشت في نُزُلٍ خاصٍ بالنساء، التقت هناك بمثليّات للمرة الأولى، واللاتي أخذنها إلى حاناتٍ مثليّة وعرّفنها إلى مثليّات أخريات. دونالد ڨايننج شابٌ مفعمٌ بالميول المثليّة، ولديه بعض التجارب المثليّة، انتقل إلى مدينة نيويورك أيّامَ الحرب، وعمل في إحدى جمعيّات الشبان المسيحيين الضخمة، تكشف مذكراته عن العديد من المغامرات الجنسيّة مع جنود، وبحّارَة، ومدنيين في الجمعيّة التي يعمل فيها، وفي نادِ سكن الرجال حيث يعيش، وفي المتنزهات والحانات وصالات عرض الأفلام أيضًا، كان العديد من الجنود يمكثون في المدن المينائية كنيويورك في جمعياتٍ للشبان المسحيين مثل التي عمل فيها ڨاينِنج. يلاحظ آلان بيروبي من التاريخ الشفهي للرجال المثليين في سان فرانسيسكو والذي يسلط الضوء على فترة الأربعينيّات دورَ الحرب المهم في تشكيل مجتمعٍ مثليّ للرجال في المدينة، افتُتحت أولى الحانات المثليّة في الأربعينيّات في أماكن مختلفة مثل سان هوزيه ودينڨر ومدينة كانساس، كما كان يمكن أن يترتب على القمع الشديد آثارًا جانبيّة حسنة، انضمت پات بوند المثليّة القادمة من داڨنبورت- آيوا إلى مشاة جيش النساء في الأربعينيّات، ووجدت نفسها مع مجموعةٍ من المثليّات المنبوذات اللاتي يعملن في الجيش في جهة المحيط الهادئ فلم ترجع إلى آيوا، بل بقت في سان فرانسيسكو واندمجت مع مجتمع المثليّات. كم رجلًا مرّ في تجربة مشابهة؟ وكم مدينةً شهدت نموًا سريعًا لمجتمعات المثليّات والمثليين؟

    كان المثليّون والمثليّات في حقبة الأربعينيّات روّادًا، فقد أرسى تصميمهم على التصرّف وفقًا لميولهم الأساسات لثقافة ثانوية خاصّة بالمثليين والمثليات. نَمَت هذه الثقافة خلال الخمسينيّات والستينيّات واستقرّت، فغدا من اليسير على الذين يعلنون عن مثليّتهم آنذاك الالتقاء بمثليين ومثليّات مقارنةً بالسابق، وأخذت الصحف والمجلات تنشر مقالات تتناول الحياة المثلية، كما نُشرت دون مبالغةٍ المئات من الروايات التي تضمّ ثيمات سحاقية، وراح المحللّون النفسيّون يشتكون من السهولة التي يعثر فيها مرضاهم المثليّون على شركاء جنسيين. لم تنحصر الثقافة المثليّة في المدن، بل انتشرت الحانات المخصصة للمثليين والمثليّات إلى أماكن مثل ورسستر، وماساتشوستس، وبوفالو في نيويورك، وكولومبيا، وساوث كارولاينا، ومدينة دي موين في آيوا. أصبحت الحياة المثليّة في حقبتي الخمسينيّات والستينيّات ظاهرةً على مستوى الأمّة، وحينما اندلعت أعمال شغب ستونوول في مدينة نيويورك عام 1969- الحدث الذي أشعل وقود حركة تحرير المثليين- لم يكن وضعنا وضعَ صمتٍ وخفاءٍ وعزلة، فقد كان من الممكن تشكيل حركة شعبية تحريرية ضخمة في عشية وضحاها تقريبًا، وذلك نظرًا لوجود مجتمعات المثليين والمثليّات بالتحديد.

    وعلى الرغم من كون المجتمع المثليّ شرطًا لقيام حركة جماهيرية، كان قمع المثليين والمثليّات الباعث الذي دفع بالحركة إلى الوجود. مع توسع الثقافة الفرعية ونمو حضورها في الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، اشتّد قمع الدولة الذي أصبح ممنهجًا وشاملًا، اتّخذ اليمين من “المنحرفين جنسيًا” كبشَ فداءٍ في العهد المكارثي، ومنع أيزنهاور توظيف المثليين والمثليات في القطاعات الحكومية والمتعاقدين معها منعًا تامًا، وتزايد طرد المثليين والمثليّات من الجيش بحدّة، وفرض مكتب التحقيق الفيدرالي رقابةً واسعة النطاق على أماكن تجمع المثليّين وعلى منظماتهم مثل بنات البيليتيز ومجتمع ماتاشين، كما أخذ مكتب البريد يتعقّب المراسلات بين المثليين ويقدّم الأدلة على النشاط المثليّ إلى أرباب العمل، كانت شرطة الآداب تقتحم المنازل الخاصّة في المدن، وتغلق حانات المثليين والمثليّات، وتنصب الكمائن للمثليين في الأماكن العامّة، وتشن حملات محلية للقبض عليهم. ارتفعت المخاطر المحدقة بالمثليين في نفس الوقت الذي زادت فيه فرص الفرد في أن يكون مثليًا، فكانت حركة تحرير المثليين ردًا على هذا التناقض.

    ومع الانتصارات العظيمة التي حققها المثليّون والمثليّات في السبعينيّات وتمكنهم من فتح فضاء اجتماعي آمن يسعهم، فإنّه لا يمكننا الزعم بأننا قد قضينا على العنصرية ضدّ المثليين ورهاب المثليّة، بل يمكن الجدل أنّ الاضطهاد الواقع على المثليين غيّر جهته فحسب، فقد تحوّل بطريقةٍ ما من الدولة إلى حيّز العنف الغير مقنن، وتفاقمت الاعتداءات الجسديّة على المثليين في العلن، لقد ولّدت حركتنا مع نموها ردة فعلٍ هددت بمحق إنجازاتنا، ومن اللافت للنظر أنّ معارضة اليمين الجديد هذه تمثّلت في حركة “مناصرة لشكل الأسرة.” كيف تعجزُ الرأسماليّة التي سمحت بِنْيَتُها في ظهور هويّة مثليّة وتشكّل مجتمعات مثليّة حضرية عن تقبّل المثليين والمثليّات ضمنها؟ ولماذا لم يظهر أدنى تأثيرٍ على العنصرية ضدّ المثليين ورهاب المثليّة؟

    تكمن الإجابة كما أرى في العلاقة المتناقضة بين الرأسماليّة والأسرة. فمن ناحيةٍ، وكما بيّنت سابقًا، قامت الرأسمالية بإضعاف الأساس الماديّ للأسرة النواة حيث قامت تدريجيًا بسَلْب الوظائف الاقتصادية التي تدعم الروابط بين أعضاء الأسرة، ومع توجّه المزيد من الراشدين إلى نظام العمل الحر، وتوسّع مجالات رأس المال حتّى أصبح ينتج معظم المنتجات والخدمات التي نحتاجها لاستمرار الحياة كسِلع، وَهَنَت الدوافع التي تحثّ الرجال والنساء نحوَ الانتظام في أسرٍ والتي كانت تبقيهم في إطارها. أمّا من الناحية الأخرى، توجّت إيديولوجيا المجتمع الرأسمالي الأسرةَ مصدرًا للحبّ والحنان والأمان العاطفي، وملاذًا يُشبع حاجتنا إلى علاقة إنسانية مستقرة وحميمة.

    لم يكن هذا الإعلاء المركزيّ لشأن الأسرة النووية في حيّز الحياة الشخصيّة محض صدفة، فكلّ مجتمعٍ يحتاج إلى هياكل تنظم عملية الإنجاب وتربية الأطفال، وليست الأسرة النووية الشكلَ الوحيد، إلّا أنّ الأسرة الخاصّة تتسق مع علاقات الإنتاج الرأسماليّة، فقد جَمْعَنَتِ الرأسماليّةُ الإنتاجَ مع الإبقاء على تبعيّة منتجاتِ العملِ المُجَمْعَنِ لأصحابِ المِلكيّة الخاصّة، كما جرت جَمْعَنَةُ تربية الأطفال تدريجيًا خلال القرنين السابقين بطرقٍ متعددة، حيثُ تولّتِ المدارس والإعلام والأقران والموظفون مهامًا كانت في السابق من تخصص الوالدين، لكن المجتمع الرأسمالي ما يزال يعتبر التناسل وتربية الأطفال مهامًا خاصّة، ويرى الأطفالَ “تبَعًا” لوالديهم الذين لهما حقّ الملكيّة. تُسيّرُ الرأسماليّة الناسَ إيديولوجيًا نحو الأسرة الغيريّة، بحيث ينطبع في ذهن كلّ جيلٍ جديدٍ نموذجٌ غيريّ للحَمِيميَّة والعلاقات الشخصيّة، فيما أضعفت من الناحيّة الماديّة الأواصرَ التي كانت تحافظ على تماسك الأسرة، والتي صار أفرادها يشهدون نقصًا متزايدًا في الاستقرار في البيئة التي كانوا يتوقعون منها السعادة والأمان العاطفي. أصبح المثليّون والمثليّات والنِّسْويّات الغيريّات بالتالي شمّاعةً للاضطراب الاجتماعي الحاصل في النظام من بعد انتزاع الرأسماليّة للأساس الماديّ من الحياة الأسرية.

    يحملُ هذا التحليل، في حال كان مُقْنِعًا، مضامينَ تُفيدنا اليوم، حيث يُمكنه التأثير على تصوّرنا لهويّتنا، وتشكيلنا لأهدافنا السياسية، وقراراتنا التخطيطية.

    ناقشت تبلور الهويّة المثليّة ومجتمعاتها جرّاء أسبابٍ تاريخية، ونتيجةً لعملية تطور رأسماليّ امتدت لعدة أجيال، يتبع هذا العرض بديهيًا أننا لسنا أقليّة اجتماعية ثابتة بحيث نمثل نسبةً حتمية من المجتمع في كل زمان، فنحن أكثر مما كنّا عليه قبل مئة سنة، ومما كنّا عليه قبل أربعين سنة، ومن الوارد أن يتضاعف عدد المثليين والمثليّات في المستقبل، إنّ الادعاءات التي يدلي بها المثليّون وغيرهم بأنّ الميول الجنسيّة تستقر في سنٍ مبكرة وأنّ رؤية أعدادٍ كبيرة من المثليين والمثليّات في المجتمع والإعلام والمدارس لا تؤثر على هويّات النَشْءِ الجنسيّة خاطئة، لقد خلقت الرأسماليّة الظروف المادية لأن تمثّل الشهوة المثليّة جزءًا مركزيًا في حياة بعض الأفراد، وتحركاتنا السياسيّة آخذة حاليًا في تغيير الوعيّ وخلق الأوضاع الإيديولوجية التي تسهّل هذا الاختيار على الناس.

    يؤّكد هذا الكلام بصورةٍ جليّة أنّ أخوفَ مخاوف معارضينا السياسيين وخطابهم المتشدّد في محلها، لذا يلزمنا في ردنا تحدّي الاعتقاد الضمني بدونيّة العلاقات المثليّة، وبكونها خيارًا بديلًا سيئًا، كما يجب أن لا ننزلق في الدفاع الانتهازي الذي يُطَمْئِن المجتمع فيما يخص التسامح معنا ذلك أنّ المثليين وحدهم فقط من سينتهون إلى المثليّة، قد تخدم دراسة لوضع جماعةٍ أقليّة واستراتيجية للحقوق مدنية، على أحسن تقدير، المثليين حاليًا، ولكن ذلك يترك نَشْءَ اليوم -مثليّات ومثليّو الغد- يتشرّبون نماذج غيريّة  قد تستنزف أعمارهم ليتخلّصوا منها.

    تطرّقت أيضًا إلى أنّ الرأسمالية قد أدّت إلى الفصْل بين الجنْس والتناسل. لم تعد الغريزة البشرية الجنسية رهينةَ الإلزامِ التناسلي، ووسيلة للإنجاب، إذ أصبح التعبير عنها يقع ضمن دائرة الاختيار أكثر فأكثر، يُجسّد المثليّون والمثليّات جوازَ هذا الانفصال بوضوح بما أنّ علاقاتنا المثليّة تقع كليًا خارج الإطار التناسلي. يعتمد تقبّل اختياراتنا الجنسيّة على مدى استعداد المجتمع لاعتبار التعبير الجنسي شكلًا من أشكال الترفيه، وأمرًا إيجابيًا يزين الحياة، ربما بدأت حركتنا كنضالِ أقليّةٍ، أمّا الآن فما يجب علينا أن نسعى “لتحريره” هو التعبير الجنسي الذي يمثّل جانبًا من جوانب الحياة الشخصية لجميع الناس.

    أشرت أخيرًا إلى أنّ العلاقة بين الرأسماليّة والأسرة متناقضة في أصلها. فمن ناحية، تُسهم الرأسماليّة باستمرار في إضعاف الأساس الماديّ للأسرة متيحةً للأفراد فرصة العيش خارج إطار الأسرة، وللهويّة المثليّة أن تتطور، أمّا من الجانب الآخر، فهي تحتاج إلى أن تدفع بالرجال والنساء لتكوين الأسر، بما يكفي لإنجاب الجيل القادم من العاملين على الأقل، وتضمن الهيمنة الإيديولوجية للأسرة بأن المجتمع الرأسماليّ لن يُنتج الأطفال فحسب بل العنصرية ضدّ المثليين ورُهاب المثليّة أيضًا، مما يجعل الرأسمالية أسّ المشكلة بكُلِّ معنى الكلمة.

    كيف نتلافى استدامة وضعنا كشماعاتٍ وضحايا سياسيين للاضطراب الاجتماعي الذي تسببه الرأسماليّة؟ وكيف نستغل هذه العلاقة المتناقضة في تحقيق التحرير؟

    يقع حيّز المثليين والمثليّات الاجتماعي خارج حدود الأسرة النواة الغيريّة، فقد تشكلّت مجتمعاتنا ضمن هذا الفضاء الاجتماعيّ، ويعتمد بقاؤنا على قيد الحياة وتحررنا على قدرتنا في الدفاع عنه وتوسيعه، ليس من أجلنا فحسب بل من أجل كلّ الناس، مما يعني جزئيًا دعم القضايا التي تفسح الفرصة للعيش خارج وحدات الأسرة الغيريّة التقليدية: قضايا مثل تيسير الإجهاض، وإقرار تعديل قانون التكافؤ في الحقوق، والتمييز الإيجابي لغير البِيض والنساء، وتمويل عام لحضانات الأطفال، وغيرها من الخدمات الاجتماعية الجوهرية، وإعانات اجتماعية محترمة، والتوظيف الكامل، وحقوق النَشْء –برامج وقوانين توفّر قاعدة حِسيّة للاستقلال الشخصي بعبارة أخرى.

    حقوق النَشْء بالذات من الأهمية بمكان، فالنظرة إلى الأولاد بصفتهم غير مستقلين عن الوالدين وتابعين لهم عميقةُ الرسوخ لدرجة أنّنا بالكاد نتصوّر ما معنى أن نعاملهم كبشرٍ مستقلين، بالأخص فيما يتعلّق بمجال التعبير الجنسي والاختيار، سيظلّ تحريرُ المثليين بعيدَ المنال ما لم يتحقق هذا الأمر.

    لكن الاستقلال الشخصي ليس سوى نصف المشوار، فالاضطراب الأسري والإحساس بالتفكك وانعدام الطمأنينة التي يعيشها الناس حاليًا في علاقاتهم الشخصيّة مشكلات اجتماعية حقيقية لا بدّ من التطرّق إليها، نحتاج إلى حلول سياسية لهذه الصعوبات التي تواجه الحيّاة الشخصية، والتي يجب أن لا تكون نسخةً متطرفة من الموقف الموالي لتركيب الأسرة، أو بعض الاقتراحات اليسارية التي تدعو إلى تقويّة الأسرة. لا ينادي الاشتراكيون، بصفة عامّة، إلى العودة إلى الزراعة العائلية والإنتاج اليدويّ ردًا على استغلال الرأسماليّة الصناعية وما يتخللها من انعدامٍ للمساواة الاقتصادية، فنحن نسلّم بأنّ الإنتاجيّة المتزايدة التي أتاحتها الرأسماليّة بجَمْعَنَة الإنتاج سمة من سماتها التقدميّة، لذا علينا أن لا نحاول أن نعود بالزمن إلى عصرٍ خياليٍ حيث تنعم العائلة بالسعادة.

    إنّما نحتاج إلى هياكل وبرامج تساعد على إذابة الحواجز التي تعزل الأسرة، بالأخص تلك التي تخصخص تربية الأطفال، نحتاج إلى حضاناتٍ يُديرها المجتمع أو العمّال، وإلى إسكانٍ يحترم الخصوصيّة والمجتمع معًا، وإلى منشآت الأحياء -من العيادات الطبيّة إلى مراكز العَرْض-، التي تسهم في توسيع الوحدة الاجتماعية ليضمن كلُّ واحدٍ منّا حيّزًا آمنًا، فكلّما عملنا على استحداثِ بِنْياتٍ تتجاوز الأسرة النواة وتُشْعِر بالانتماء تضاءلت أهميّة الأسرة وتناقصت قدرتها على بَعْثِ الأمان العاطفي أو قلقلته.

    إنّ المثليين والمثليّات مهيئون جيدًا للقيام بدورٍ استثنائيٍ فيما يتعلق بهذا الصدد. لقد تعيّن علينا خلقُ شبكات دعمٍ لنواصلَ الحياة بما أنّ أغلبنا منبوذٌ من عائلته، والتي لا تستند على روابط الدم أو إذْن الدولة بل يجري اختيارها وتغذيتها بحُريّة، لا بدّ أن يكون بناءُ “مجتمعٍ وجداني” جزءًا من حركتنا السياسية جنبًا إلى جنب مع حملات المطالبة بالحقوق المدنيّة، فقد يتسنّى لنا بهذه الطريقة التنبؤ بشكل العلاقات الشخصيّة في مجتمعٍ مبنيٍ على العدالة والمساواة لا الاستغلال والاضطهاد، في مجتمعٍ لا يَحُول فيه الاستقلالُ دونَ الأمان بل يتوافران معًا.

 

 


يعمل جون ديميليو بروفيسورًا في التاريخ ودراسات المرأة والجندر في جامعة إلينوي في شيكاغو، وهو مؤلف كتاب Sexual Politics, Sexual Communities: The Making of a Homosexual Minority in the United States الذي يسرد تاريخ تشكّل أقلية مثليّة في الولايات المتحدة والذي يعد مرجعًا في بابه، بالإضافة إلى مجموعة من الكتب الأخرى. هذه المقالة نسخة مراجعة عن محاضرة ألقيت عدّة مرات في عاميّ 1979 و1980.

error: المحتوى محمي