أحزان صني – جيمس بالدوين / ترجمة: العنود سعد

أحزان صني – جيمس بالدوين / ترجمة: العنود سعد

أحزان صني[1]

جيمس بالدوين

 

ترجمة: العنود سعد

 

 

     قرأته في الجريدة عندما كنت في المترو في طريقي إلى العمل. قرأته ولم أستطع تصديقه. ثم قرأته ثانيةً، ولربما أطلت النظر إليه فحسب في الجريدة وهي ترص حروفَ اسمه وتسرد الخبر. أخذت أراه في أنوار المترو المتأرجحة، وفي وجوهِ الناس وأجسادهم، وفي وجهي العالِق في الظلمة المُدَوّية في الخارج.

     حدّثت نفسي أنّه لا يمكن الوثوق بالخبر فيما كنت أمشي من المترو متوجهًا إلى المدرسة الثانوية، وفي نفس الوقت لم يَعْتَرِضْني فيه شكٌ، تملّكني الخوفُ على صني، لقد أصْبحَ حقيقةً مجددًا، وكأنّما استقرّت قطعةٌ ضخمةٌ من الثلج داخل بطني، وراحت تذوب فيها ببطء لبقية اليوم بينما أشرح لطلّابي الجبر، قطعة خاصة من الثلج حيث ظلّت تذوب مُرسِلَةً  قطرات الماء الصاقع إلى جميع أوردتي بينما لا يتقلّص حجمُها، بل تتجمّدُ أحيانًا فتتسع حتى أشعر أن أحشائي ستخرج من محلها، أو أنني سأختنق، أو أصرخ، دائمًا ما يراودني هذا الشعور عندما أتذكر بعض الأمور المعيّنة التي قالها صني أو فعلها.

     كان وجهه مُشرقًا ومنشرحًا عندما كان قريبًا من عمر الأولاد في فصلي، كانت سحنته وردية، وعيناه بنيّتي اللون كاملتي الاستدارة، رائعتين، كما كان بالغ الدماثة، وميّالًا إلى الانزواء. تساءلت كيف يبدو الآن، فقد ألقي القبض عليه لترويج الهيروين وتعاطيه حينما دوهمت شقة وسط المدينة البارحة.

     لم أستطع تصديق الأمر، أعني أنني لم أستطع إيجاد أيّ متسعٍ له في داخلي، فلطالما أبقيته خارجي مدةً طويلة، لم أود أن أعرف، ساورتني الشكوك ولكنني لم أسمّها، بل ما انفككت أتحاشاها، أخبرت نفسي أن صني طائش ولكنه ليس مجنونًا، ولطالما كان ولدًا جيدًا، فهو لم ينقلب صعب المراس أو لئيمًا أو عديم الاحترام كما يمكن للأطفال الانقلاب بسرعةٍ كبيرةٍ، خصوصًا في هارلم، لم أشأ تصديق أنّي قد أرى أخي يهوي، ويستحيل حاله عَدَمًا، وينطفئ النور الذي في وجهه مثلما رأيتُ الكثير من غيره، ولكنّ الأمر وقع، وها أنا هنا أشرح الجبر للعديد من الأولاد الذين يردُ أنّهم -كُلَّ واحدٍ منهم- يحقنون أنفسهم بالإبر كُلَّ مرةٍ يذهبون بها إلى دورة المياه، لعلّ الإبر تصنعُ لهم الكثير مما لا يُمكن للجبر صُنْعه.

     كنت متأكدًا من أن صني لم يكن يكبر هؤلاء الصبية بكثير عندما  تعاطى الهيروين لأول مرة. يعيش هؤلاء الصبية في الوقت الحاضر مثل عيشتنا من قبل، يكبرون قبل أوانهم، وتصطك رؤوسهم فجأةً بالسقف المنخفض لفرصهم المتاحة، يشحنهم الغضب، وكل ما يعرفونه حقًا ظلامان، ظلام حياتهم الذي يطوّقهم الآن، وظلام السينما التي تعميهم عن الظلام السابق، والتي يحلمون بها بحقدٍ جماعةً أكثر من أي وقت مضى، وفرادى في نفس الوقت.

     قُرع الجرس وانتهت الحصة الأخير، تنهدت وكأني كنت حابسًا نفَسي طوال الوقت، كانت ملابسي مبللة، ربما بدوتُ وكأنني قضيت العصر جالسًا في حمام بخارٍ بكامل ملابسي. جلست لوحدي في الفصل مدةً طويلة، استمعت إلى الأولاد في الخارج في الدور الأسفل يصرخون ويلعنون ويضحكون، شدّتني ضحكاتهم لأول مرة، لم تكن ضحكات البهجة التي، ويعلم الله السبب، يتوقعها المرء من الأطفال، كانت ساخرةً ومُنكمشة،  تهدف إلى الاستنقاص، وتعمّها الخيبة التي تُبرر لعناتهم أيضًا، ربما كنت أصغي إليهم لأنني سمعت فيهم أخي الذي كنت مشغولًا به، ولأنني سمعت فيهم نفسي.

     كان أحد الصبية يُصفّر لحنًا بالِغَ التعقيد والبساطة في آنٍ معًا، ينصبُّ منه كما لو كان عصفورًا بعذوبةٍ شديدة، يسير خلال الهواء الجاف القائظ بتماسكٍ بين ضجّة الأصوات.

     نهضت وذهبت إلى النافذة أطلُّ على الساحة في الأسفل، كانت بداية الربيع والصبيةُ مفعمون بالحيوية، يمشي بينهم معلمٌ بين حين وآخر على عجَلٍ وكأنه لا يُطيقُ انتظار لحظة خروجه منها، وإزاحةِ منظرِ الأولاد عن بصره وعقله. بدأتُ ألُمُّ أغراضي، فكرت أنّه من الأفضلِ أن أعودَ إلى المنزل وأتحدّث إلى إيزابيل.

     كانت الساحةُ خاليةً تقريبًا عندما نزلت إلى الدور السفلي، رأيتُ صبيًا يقف في ظلِّ المَدْخلِ، بدا كصني تمامًا، فكدت أناديه حتّى تبيّن لي أنه ليس صني، بل شخصًا كنّا نعرفه، صبيًا قريبًا من حيّنا، كان صديق صني، ولم يكن قط صديقي، فهو يصغرني بكثير، ولم أكن لأتقبّله على أيّة حال، والآن على الرغم من أنه قد أصبح رجلا بالغًا إلّا أنّه ما يزال يتسكع حول ذلك الحي، وما يزال يقضي الساعات في زوايا الشوارع، منتشيًا ومبهدلًا بصورة دائمة، اعتدت مصادفته بين حين وآخر فيتحايل طالبًا مني ربع سنتٍ أو خمسين، حيث يعرض سببًا مقنعًا كلّ مرة، ولطالما أجبته ولا أعلم لماذا.

     إلّا أنني كرهته الساعةَ فجأةً، لم أطق طريقته في النظر إلي، ينظر حينًا بنظرات الكلب، وحينًا بنظرات طفلٍ مخادع، أردت سؤاله عمّا كان يفعله في ساحة المدرسة.

     سحب رجليه تجاهي وقال: “أرى الصحف معك، وصلك الخبر إذن.”

     “تقصد عن صني؟ نعم علمت بأمره.  كيف لم يقبضوا عليك؟”

     ابتسم ابتسامةً عريضة جعلته يبدو كريهًا، وصوّرت لي طباعه أيّام طفولته. “لم أكن معهم. أبقي نفسي بعيدًا عن هؤلاء الناس.”

     “أفضل لك.” مددت سيجارةً إليه، وأخذت أنظر إليه خلال الدخان. “تكلفت المجيء إلى هنا لتخبرني بأمر صني فحسب؟”

     “ذلك صحيح.” وهزّ رأسه. كانت عيناه غريبتين وكأنهما على حافّة الاحْولال، وقد أطفأت الشمس الساطعة بشرته الرطبة البنية الداكنة، وجعلت عينيه صفراوين، وأظهرت الوسخ في شعره الأكرت، كانت رائحته عفنة، ابتعدت عنه قليلا وقلت: “شكرًا. لكنني أعلم عنه مسبقا وعلي الذهاب إلى المنزل.”

     قال: “سأرافقك بعض الطريق” وأخذنا نمشي. ظلّ القليل من الأولاد يتسكعون في الفناء، قال لي أحدهم تمسي على خير، ورَمَق الصبيَّ إلى جانبي بغرابة.

     سألني: “ماذا ستفعل؟ أعني حِيال صني؟”

     “اسمع، لم أرَ صني لأكثر من سنة ولست متأكدًا من أنني سأقوم بأي شيء، وعلى كلٍ، ماذا عساي أفعل؟”

     أجاب فورًا: “معك حق. ليس بيدك فعلُ شيء. أظنّ أنه لم يبقَ من مزيد لمساعدة المسكين صني.”

     كان ذلك ما اعتقدته أيضًا، لذا بدا لي أنه لا يحقَ له التفوه به.

     أكملَ قائلًا: “لقد فاجأني صني.” -كانت طريقة كلامه مضحكة، ينظر أمامه باستقامة كأنما يحدث نفسه- “اعتقدت أنّ صني ولدٌ ذكي. ظننته أذكى من أن يُلقى القبضُ عليه.”

     أجبت بحدّة: “أظنّه اعتقد ذلك أيضًا مما يفسّر إلقاءَ القبض عليه. وماذا عنك؟ لا بد من أنك شديد الذكاء.”

     نظر في عينيّ للحظةٍ وقال: “لستُ ذكيًا. لو كنتُ ذكيا لتمكنت من الحصول على مسدس من مدّة طويلة.”

     “اسمع! لا تحكِ لي قصتك الحزينة، فلو كان الأمر بيدي لأعطيتك واحدًا.” ثم شعرت بالذنب، ربما لأنني لم أتصوّر أن لهذا الحقير المسكين قصة تخصه، وإن كانت أقلّ مرارةً. سألت فورًا: “ماذا سيحصل له الآن؟”

     لم يرد علي، فقد كان سارحًا في أمرٍ ما.

     قال: “أمرٌ مضحك!” بنبرةٍ وكأنمّا كنّا نتناقش عن أسرع طريقٍ يؤدي إلى بروكلين، “أول سؤال بَدَرَ إلي عندما شاهدت الخبر هذا الصباح هو ما إذا كانت لي يدٌ فيه. شعرت أنني مسؤول نوعًا ما.”

     بدأت استمع بانتباهٍ أكثر، كانت محطة المترو على الزاوية صَوْبَنا فتوقفت، وتوقّف هو أيضًا، انحنى قليلًا أمامَ الحانة التي كانت أمامنا وأخذ ينظر، بدا أنّ الشخص الذي كان يبحث عنه غير موجود، كان صندوق الموسيقى يصخب بأغانٍ سوداء طربية، راقبت الساقية وهي تتمايل في طريقها من عند صندوق الموسيقى إلى مكانها خلف المنضدة، وشاهدت وجهها وهي تجيب على شيءٍ قاله أحدهم ضاحكةً، فيما لا تزال محافظة على تناغمها مع إيقاع الموسيقى، يرى المرء الفتاةَ الصغيرة حينما ابتسمت، ويحس بالمرأة المنكوبة التي تناضل من خلف الوجه المعنّف لشبه عاهرة.

     قال الصبي أخيرًا: “لم أعطِ صني شيئًا. لكن قبل مدة طويلة أتيت إلى المدرسة الثانوية، وسألني صني عن الشعور الذي يبعثه.” ثم توقف. لم أطق النظر إليه، رحت أشاهد الساقية، واستمع إلى الموسيقى التي تكاد تهز الأرضية. “أخبرته أنّه عظيم.” توقفت الموسيقى، وتوقفت الساقية التي ظلّت تنظر إلى صندوق الموسيقى حتّى اشتغلت الموسيقى من جديد. “شعورٌ عظيمٌ حقًا.”

     حملني كلّ هذا إلى حيثُ لا أريد، لم أرغب بتاتًا في معرفة الإحساس الذي يبعثه، ملأ ذلك كل شيءٍ بالخطر، الناس، والمنازل، والموسيقى، والساقية ذات المزاج المتقلب والبشرة الداكنة، الخطر الذي يجسده واقعهم.

     أعدت سؤالي: “”ماذا سيحصل معه الآن؟”

     هزّ رأسه: “سيرسلونه إلى مكان ما ويحاولون معالجته. ربما سيظن أنّه تخلّص من الإدمان هو الآخر، ثمّ يخلون سبيله.” أومأ ورمى سيجارته في البالوعة. “هذا كل ما في الأمر.”

     “ماذا تعني بأن هذا كل ما في الأمر؟”

     ولكنني كنت أعلم ما يعنيه.

     “أقصد أن هذا كل شيء.” التفت ونظر إلي وقد ثنى طرفي شفتيه إلى أسفل. “ألا تعلم ما أقصده؟” سأل بهدوء.

     “كيف لي أن أعرف ما تقصده؟” لا أدري لِمَ همستُ ذلك تقريبًا.

     “صحيح”، قال في الهواء. “كيف له أن يعرف ما أقصده.”

     التفت إلي مرة أخرى بطولة بال وهدوء، لكنني شعرت به يرتجف، يرتجف وكأنه سيتداعى، شعرت بقطعة الثلج تلك في أحشائي مرة أخرى، بالهلع الذي أصابني طيلة العصر، ثم عدت لمشاهدة الساقية تمشي حول المنضدة تغسل الكؤوس وتغني. “اسمع سيخلون سبيله، ثمّ يبدأ كلّ شيء بالحدوث من جديد كما في السابق. هذا ما أعنيه.”

     “أي سيخلون سبيله فيصنع ما يعيده إلى هناك ثانيةً، أي أنه لن يقلع عن الإدمان، أليس كذلك؟”

     قال بسعادة: “صحيح، فهمتَ قصدي.”

     قلت أخيرًا: “أخبرني لِم يرغب في الموت؟ لا بدّ من أنه يرغب في الموت! إنّه يقتل نفسه! لِم يرغب في الموت؟”

     نظر إلي متفاجئًا. لعق شفتيه وقال: “لا يرغب في الموت. يُريد أن يعيش. لا أحد يرغب في الموت أبدًا.”

     أردت أن أسأله بعد ذلك عن أمورٍ كثيرةٍ لا أظنّه سيستطيع الإجابة عليها، أو أنّه في حال استطاع فلن أتمكن من تحمّل الاستماع إلى ما يجيبني به. بدأت أمشي. “عمومًا لا أظن ذلك من شأني.”

     قال: “ستشتد الأمور على المسكين صني.” وصلنا إلى محطة المترو. سألني: “هذه محطتك؟” فأومأت ونزلت درجةً حتّى قال فجأة “اللعنة!” فرفعت بصري إليه وقد ابتسم ابتسامته العريضة مجددًا. “اللعنة على ذلك! لو لم أنسَ جميع نقودي في المنزل! أمعك دولار؟ ليومين فحسب؟”

     استكان شيءٌ داخلي بمجرد أن سأل، وهدد بأن يتدفق مني، لم أعد أبغضه، شعرت أنني للحظةٍ تالية سأبكي كطفل.

     قلت: “بالطبع، لا تهتم.” ونظرت في محفظتي، لم يكن معي دولار بل ورقةً من خمس دولارات فحسب. “إليك. هل تكفيك؟”

     لم ينظر إليها، بل لم يرغب في النظر إليها، اضطربت على وجهه نظرةٌ منقبضةٌ كأنما يريد إبقاء الرقم على الفاتورة سرًا عني وعنه، شكرني ثم صار يتحرّق لرؤيتي ذاهبًا. “لا تقلق حيال صني، ربما سأكتب إليه.”

     قلت: “نعم قم بذلك. مع السلامة.”

     أجاب: “مع السلامة.” ونزلت السلم.

     لم أكتب إلى صني أو أرسل إليه أي شيء لمدة طويلة، وعندما فعلتُ أخيرًا كانَ ذلك بعد وفاة ابنتي الصغيرة، وقد أجابني برسالة جعلتني استحقر نفسي.

     هنا ما كتبه:

أخي العزيز،

     لا تعلم كم كنت في حاجةٍ لأن أسمع منك. أردت الكتابة إليك مراتٍ عديدة، ثمّ أتذكر الآلام التي سببتها لك فانثني. لكنني أشعر الآن كرجلٍ يحاول أن يتسلّق ليخرج من حفرة شديدة العمق نتنة، فيما تلوح له الشمس عاليًا في الخارج. لا بدّ أن أخرج.

     لا يمكنني أن أخبرك الكثير عمّا أوصلني إلى هنا، أقصد أنني لا أدري كيف أخبرك، ربما كنت أخشى من أمرٍ ما، أو أنني كنت أحاول الهرب من شيء، وتعلم أنني لم أكن لامع الذكاء قط (ابتسامة). مسرورٌ لأن أمي وأبي ليسا على قيد الحياة ليروا ما حلّ بابنهم، أقسم لو أنني كنت أعي ما كنت أقوم به لما آلمتك هكذا، أنتَ والكثير من الناس الطيبين الذين كانوا لطفاء معي وآمنوا بي.

     لا أريدك أن تظن أن للأمر علاقةُ بكوني موسيقيًا، فهو أكبر من ذلك، أو ربما أصغر، لا يسعني التفكير بوضوح بأي شيءٍ هنا، أحاول أن لا أُشغل نفسي بما سيحصل لي عندما أخرج من جديد، أحيانًا أظنني سأجن فلا أخرج من هنا أبدًا، وأحيانًا أظنني سأعود إليه مباشرة، وبصراحة أحبذ قتل نفسي على العودة إلى هنا مرةً أخرى، ولكن ذلك ما يقوله الجميع ويخبرونني به. بلّغ سلامي إيزابيل والأولاد، لقد آسفتني وفاةُ قرايس الصغيرة للغاية، وددت لو أستطيع الترديد كأمي “لتكن مشيئة الرب”، ولكن لا أدري لِم يبدو لي التعبُ الشيءَ الوحيد الذي لا ينتهي، ولا أدري ما نَفْعُ إلقاءِ اللوم على الرب، ولكن ربما إيمانك بذلك يريحك.

                                                                                    أخوك صني.

     بقيت بعدها على اتصالٍ دائم به، أُرسل إليه ما استطعت، وعندما عاد ذهبت للقائه في نيويورك، لمّا رأيته أخذت الكثيرُ من الأمور التي حسبت أنني نسيتها تنهمر علي، وذلك لأنني بدأت أخيرًا أتساءل عن صني، عن الحياة التي عاشها في الداخل، هذه الحياة أيًّا كانت جعلته يبدو أكبر وأهزل، وعمّقت دائرة سكونه التي لطالما تحرّك ضمنها، لم يشبه أخي الصغير، ولكنه عندما ابتسم وتصافحت أيدينا، أخذ أخي الصغير الذي لم أعرفه قط يطالعني من أعماق حياته السرية كقطةٍ تنتظر لأن يتلطّف إليها أحد لتظهر إلى النور.

     سألني: “كيف هي أحوالك؟”

     “جيدة. ماذا عنك؟”

     “لا بأس بها.” ملئت الابتسامة وجهه. “أسعدتني رؤيتك من جديد.”

     “وأنا كذلك.”

     يحول فرق سبع سنوات بين أعمارنا كالفجوة بيننا، تساءلت ما إذا كان لهذا الفرق أن يعمل كجسرٍ بيننا، كنت أتذكر أنني كنت حاضرًا عندما وُلِد، وأنني سمعت الكلمات الأولى التي نطق بها، يجعلني ذلك بالكاد ألتقط أنفاسي، عندما بدأ يمشي خطا من عند أمنا صوْبِي مباشرة، تداركته قبل أن يقع وهو يخطو خطواته الأولى في هذا العالم.

     “كيف هي إيزابيل؟”

     “على ما يرام، وهي متشوّقةٌ لرؤيتك.”

     “والأولاد؟”

     “هم بخير كذلك، متلهفون للقاء عمّهم.”

     “بالله عليك، تعلم أنهم لا يتذكرونني.”

     “أتمزح معي؟ بالطبع  يتذكرونك.”

     ابتسم ابتسامة عريضة مجددًا. ركبنا سيارة الأجرة. كان لدينا الكثير لنحدّث بعضنا به، الكثير حيثُ لم نعرف بمَ نبدأ.

     عندما تحرّكت السيارة سألت: “أما زلت تود الذهاب إلى الهند؟”

     ضحك. “ما زلت تَذْكُر ذلك! طبعًا لا، فقد أصبح هذا المكان أصبح هنديًا بما يكفي في نظري.”

     قلت: “كان مكانهم.”

     فضحك مجددًا. “لا بدّ أنهم كانوا يعرفون ما يقومون به عندما تخلصوا منه.”

     قبل سنوات، عندما كان في الرابعة عشر من عمره تقريبًا، هَوِسَ بفكرة الذهاب إلى الهند، يقرأ كتبًا عن ناس يجلسون عراة على الصخور في مختلف أنواع الطقس الذي يغلب عليه السوء بطبيعة الحال، ويمشون حفاة على الجمر الساخن ويصلون إلى الحكمة، اعتدت القول أنّهم يبدون لي وكأنهم يفرّون عن الحكمة بأسرع ما عندهم، وأظنه ازدراني لذلك.

     سألني: “أتمانع لو طلبنا من السائق أن يقود بمحاذاة المتنزه من الجهة الغربية؟ لم أرَ المدينة منذ مدّة طويلة.”

     قلت: “بالطبع لا أمانع.” خشيت أن أبدو وكأنني أحاول استرضاءه، وأملت أن لا يحس مني ذلك.

     سرنا بين خضْرة المتنزه وحجارة الفنادق وعمارات الشقق الأنيقة التي تفتقر إلى الحيوية باتجاه شوارع القتل المفعمة بالحياة، والتي قضينا فيها طفولتنا، لم تتغير هذه الشوارع على الرغم من أنّ منازل الإسكان نتأت عاليًا مثل صخورٍ وسط بحرٍ يَفور، اختفت معظم البيوت التي نشأنا فيها، كما انمحت المحلّات التي كنا نسرق منها، والأقبية التي شهدت تجربتنا الأولى للجنس، والأسطح التي كنا نقذف من فوقها بعلب المعدن والطوب، بيدَ أن المنازل لم تختلف عن منازلنا في السابق خلا أنّها سادَت المشهد، يختنق الصبية مثلنا تمامًا في هذه المنازل فينزلون إلى الشوارع بحثًا عن الضوء والهواء ليجدوا الشقاء يُحيط بهم، نجا بعضهم من هذا الشَرَك وآخرون لم ينجوا، أمّا الذين هربوا فقد تركوا خلفهم أثرًا من أنفسهم مثل ما تترك الحيوانات أطرافها المبتورة في الشَرَك، ربما يمكن القول أنني نجوت فأنا في النهاية معلمٌ في مدرسة، وصني كذلك فهو لم يعش في هارلم لسنين. وفيما اتجهت السيارة إلى أعلى المدينة مارةً بالشوارع التي اكتظت سريعًا بناسٍ داكني البشرة، وبينما كنت أدرس وجه صني خِفيةً، خطر لي أن ما كان كلّ واحدٍ منّا يبحث عنه سرًا من خلال نافذته المنفصلة في سيارة الأجرة هي تلك القطعة من نفسه التي تركها وراءه، تلك القطعة المفقودة التي دائمًا ما تنبضُ ألمًا ساعةَ الشدّة والمواجهة، اجتزنا وَن تينث ستريت وبدأنا بصعود لينكس أفينيو، لقد خَبِرت هذا الأفينيو طوال حياتي، لكنّه بدَا لي مرةً أخرى، مثلما بدَا يومَ وصلني الخبر عن صني لأوّل مرة، مليئًا بالخطر الخفي الذي كان نسمةَ حياته الأولى.

     قال صني: “اقتربنا.”

     “تقريبا.” حال توترنا دون التحدث بأكثر من ذلك.

     نعيش في مشروع إسكان لم تمضِ على بناءه مدة طويلة، ظهر جديدًا تمامًا لأيام معدودة بعد افتتاحه، أمّا الآن فقد صار خرابةً بطبيعة الحال، وكأنّه محاكاة ساخرة للحياة الطيبة النظيفة المجهولة، ويعلم الله كم لا يدّخِرُ الناسُ الذين يعيشون فيه جهدًا في المضاعفة من سخريتها، لا يفي العشب المهترئ الذي يرقد حولهم لجعل حياتهم خضراء، ولن يتماسك سياج الأشجار في الشوارع، وهم يعلمون ذلك، أمّا النوافذ الكبيرة فلا تخدع الناظر، فهي ليست كبيرة بما يكفي لتصطنع مساحةً حيث لا مساحة، كما أنّها لا تهمهم إذ يستعيضون عنها بمشاهدة التلفاز، أمّا الملعب فأكثر من يرتاده هم الأطفال الذين لا يلعبون بالحصى، ولا يقفزون الحبل، ولا يتزلجون، ولا يتمرجحون، ويبقون فيه حتّى بعد حلول الظلام. انتقلنا إلى هذا المكان لأنّه لا يبعد كثيرًا عن مقر عملي، ومن أجل الأولاد كذلك، وفي حقيقة الأمر، المنازلُ هنا مثل المنازل التي كبرنا فيها أنا وصني، إذ تحدث نفس الأمور، وسيتذكرون الأشياء عينها. في اللحظة التي دخلت فيها وصني المنزل أحسست أنني أعود به ببساطةٍ إلى الخطر الذي كاد أن يموت ليفر منه.

     لم يكن صني كثير الكلام أبدًا، فلا أدري لم ظننته متشوقًا للحديث معي بعد انتهائنا من العشاء الليلةَ الأولى، سارت الأمور على ما يرام، فقد تذكره ابني الأكبر، وراقَ ابني الأصغر، ولم ينسَ صني إحضارَ شيء لكلٍ منهما، أمّا إيزابيل التي تفوقني لُطْفًا فقد كانت أكثر انبساطا وعطاءً، تكلّفت الكثير لإعداد العشاء، وكانت صادقة السعادة لرؤيته، لطالما تمكّنت من إثارة صني على نحوٍ لم أقدر عليه، أسعدتني رؤية وجهها مشرقًا من جديد، والاستماع إليها وهي تضحك، ومشاهدتها تُضحك صني، لم تكن مُربَكة أو مُحرجة، أو أنها على الأقل لم تُبدِ ذلك، كانت تتحدث وكأنه لا يوجد موضوع يلزم تجنبه مُخْرِجَةً صني من ذلك الانقباض الخفيف الذي اعتلاه في زيارته الأولى، وأحمد الله على وجودها إذ دبّ فيني ذلك الهلع الصاقع مرة أخرى، فبدا لي كل ما أقوم به مُحرِجًا، وكل ما أقوله مبطّنا بمعنى خفي، كنت أحاول استحضار كل شيء سمعته عن إدمان المخدرات، لم أستطع الكَفَّ عن تلمس علاماتها على صني، لم أنوِ سوءًا بذلك، بل ألتمس شيئًا عن أخي، فقد كنت أتحرّقُ لأسمعه يُخبرني أنّه في أمان.

     “أكثر أمانًا!” ينخر أبي  كلما اقترحت عليه أمي محاولةَ الانتقال إلى حي قد يكون آمَن للأولاد. “أكثر أمانًا! لا يوجد مكانٌ آمِن للأطفال ولا لأي أحد.”

     هذا حال أبي دائمًا، لكنّه لم يكن بالسوء الذي قد يبدو عليه أَلْبتّة، ولّا حتّى في نهاية الأسبوع حينما يسكر، كان أبي في الواقع يبحث دومًا عن “شيءٍ أفضل بقليل” لكن الوفاة أدركته قبل أن يعثر عليه، فقد توفي فجأةً في عطلة أسبوعٍ مليء بالسكر والحربُ في منتصفها، كان صني في الخامسة عشرة من عمره آنذاك، لم يسد الوئامُ العلاقةَ بينهما قط، وذلك يعود بعض الشيء إلى كون صني قرةَ عينِ أبيه، فهو في شجارٍ دائمٍ مع صني لحبّه الشديد له وخوفه عليه، ولا يفيد الشجار مع صني بأي شيء، فصني يتقوقع داخل نفسه حيثُ لا يمكن الوصول إليه، ولكن السبب الرئيس وراء عدم توافقهما هو الشبه الكبير بينهما، فقد كان أبي ضخمًا وجلفًا وعالي الصوت بخلاف صني، ولكنهما يمتلكان الانزواء ذاته.

     حاولت أمّي إخباري بعضًا عن ذلك بعد وفاة أبي مباشرة حيث كنت في المنزل في إجازةٍ من الجيش.

     كانت تلك آخر مرةٍ أرى فيها أمي في حياتها، مع ذلك تختلط في عقلي صورتها هذه مع صورٍ لها أخرى في شبابها، فدائمًا ما أراها في شكلها الذي اعتادت أن تطلّ به في أمسيات الأحد حيث يتسامر كبار السن بعد وليمة الأحد الكبيرة، أتخيلها دائمًا في ردائها الأزرق الباهت، تجلس على الصوفا بينما يجلس أبي على الكرسي المريح قريبًا منها، ويملأ غرفةَ المعيشة معارفٌ من الكنيسة والأقارب، يجلسون على كراسٍ تحيط بها، فيما يتسلل الليل في الخارج من دون أن يشعروا، يمكنك رؤية الظلام وهو ينمو على زجاج النافذة، وسماع ضوضاء الشارع بين حينٍ وآخر، وربما سماع ضربات دفٍ رنانة آتية من إحدى الكنائس القريبة، لكن الهدوء يسود الغرفة، يصمت الجميع لبرهةٍ قصيرة فيما تعتلي العتمة كل وجهٍ كما تعتلي السماء في الخارج، تهز أمي جزئها العلوي إلى الأمام والخلف، وعينا أبي مغمضتان، كل واحدٍ يُبصر أمرًا لا يسع الطفل رؤيته، ثم يغفلون عن الأطفال ساعةً، قد يوجدُ طفلٌ مُستَلقٍ على السجادة غافيًا، وربما يكون في حُضنِ أحدهم طفلًا يمسح على رأسه وباله غائب، ويُحتمل أن يكون هناك طفلٌ هادئ قد اتّسعت عيناه يجلسُ القرفصاء على كرسي كبير في الزاوية، يُثير الصمتُ وحلولُ الظلّام وتلك الظلمة التي كست الوجوه خوفًا مُبهمًا في نفس الطفل الذي يرجو أنّ لا تتوقف تلك اليدُ التي تمسح على جبهته أبدًا، أن لا تموت أبدًا، ويأملُ أن لا يأتي يومٌ لا يجتمع فيه المسنون في غرفة المعيشة ليتحدّثوا عن الأماكن التي أتوا منها، وعمّا رأوه، وما حصل معهم ومع أقاربهم.

     بيدَ أنّ شيئًا عميقًا ويقظًا في الطفل يُدرك أنّ هذا محتومٌ إلى الفناء، أو أنّه على قيد الفناء الآن. يقوم بعد ذلك أحدهم ويضيء الإنارة، ثمّ ينتبه المسنون للأطفال فيكفون عن الحديث بقية اليوم. تملأ الوحشةُ قلبَ الطفل عندما ينتشر النور في الغرفة، فهو يعلم أنّه في كل مرةٍ يحصل فيها ذلك يُزاح قليلًا بالقرب من ذلك الظلام في الخارج، الظلام الذي كان حديثَ المسنين، فمن هناك أتوا، ومنه يقاسون، ويعرف الطفل أنّهم لن يتكلمون زيادةً لأنه إذا علم عن الكثير مما جرى لهم سيكون قد علم مبكرًا جدًا عن الكثير مما سيجري له.

     أتذكر أنني كنت ضَجِرًا في آخر مرةٍ تكلمت فيها مع أمي، كنت أريد أن أخرج لأقابل إيزابيل، لم نكن قد تزوجنا حينها، وكانت لدينا العديد من الأمور لتُحسم بيننا.

     جلست أمي بردائها الأسود إلى جانب النافذة، ترنّم أنشودة دينية قديمة، ربّ كنت معي طوال الطريق الشاق، كان صني في الخارج، ظلّت أمّي تنظر إلى الشوارع.

     قالت: “لا أدري ما إذا كنت سأراك من جديد بعد رحيلك من هنا، لكنني أرجو أن تتذكر الأمور التي حاولت أن أعلّمك إيّاها.”

     قلت: “لا تقولي ذلك.” وابتسمْت، “ستعيشين عمرًا مديدًا.”

     بادلتني الابتسامة ولكن لم تنبس بشيء، ظلّت هادئة مدةً طويلة. قلت: “أمي لا تهتمي لشيء، سأظل أرسل دومًا، وستستلمين الشيكات …”

    قاطعتني فجأة: “أريد أن أتحدث إليك بشأن أخيك، لو جرى لي أمرٌ فلن يبقى لديه أحدٌ يهتّم به.”

     قلت: “أمي، لن يحصل لك شيءٌ ولا لصني، صني بخير، فهو صبيٌ صالحٌ وفطن.”

     ردّت أمي: “لا تتعلق المسألة بصلاحه ولا بفطنته، فهي لا تقتصر على أهل السوء ولا المغفلين الذين انجروا وراءهم.” أمْسَكت ونظرت إلي، “كان لأبيك أخٌ.” قالتها بابتسامة يعتريها الألم، “لم تكن تعلم عنه، أليس كذلك؟”

     “لا، لم أعلم عنه مطلقًا.” وأخذت أنظر إلى وجهها.

     “نعم، كان لأبيك أخٌ.” ونظرت خارج النافذة، “أعلم أنك لم ترَ أباك يبكي من قبل، ولكنني رأيته يبكي مراتٍ ومراتٍ على مرّ تلك السنين.”

     سألتها عمّا جرى لأخيه، وكيف لم يأتِ على ذكره أحدٌ البتّة.

     كانت تلك أوّل مرةٍ ألاحظ فيها علامات تقدّم السن ظاهرةً على أمّي.

     قالت: “قُتل أخوه عندما كان يصغرك بقليل، لقد عرفته، كان ولدًا جيدًا، ربما كان ينزع إلى الشيطنة قليلًا لكنه لم يكن ليؤذي أحدًا.”

     سكتت وعمّ الصمتُ الغرفةَ مثل ما يعم أحيانًا في مساءات الأحد تلك تمامًا، فيما استمرت أمّي تنظر إلى الشوارع.

     قالت: “كان يعمل في المطحنة، ومثل كلّ الشباب كان يحب تقديم العروض في ليالي السبت، كان وأبوك يتسكعان في أماكن مختلفة، ليرقصا ونحو ذلك، أو ليقضيا وقتًا مع بعض الصحبة فحسب، كان عمّك يغني حيث كان حسن الصوت ويلعب القيتار في نفس الوقت، وفي ليلةِ سبتٍ فارقة كان وأبوك عائدين إلى المنزل من إحدى الأماكن ثملين، كانت الليلة قمراء منيرة كالنهار، وكان مزاج عمّك عاليًا فراح يُصفّر، وقيتاره معلقٌ على كتفه، وفيما هما ينزلان تلًا ينتهي إلى طريقٍ متفرعٍ عن الخط السريع، غلبت الحماسةُ عمّك كالعادة، فقرر أن ينزل التلّ ركضًا، أخذ يركض وقيتاره يقعقع ويجلجل خلفه، ثم قطع الطريق ركضًا ليقضي حاجته خلف إحدى الأشجار، وفيما أبوك ينزل التلّ في بطءٍ مبتهجًا بأخيه سمع محركَ سيارةٍ في نفس اللحظة التي خطى فيها أخوه من خلف الشجرة إلى الشارع تحت ضوء القمر وأخذ يمشي إلى الجهة الأخرى، باشر أبوك بالركض إلى أسفل التل، يخبرني أنّه لا يعلم ما الذي دفعه إلى ذلك، كانت السيارة مليئة برجالٍ بيض، كانوا جميعهم سكارى، راحوا يهتفون ويزعقون بما أن رأوا عمّك، ووجهوا سيارتهم تجاهه مباشرة، كانوا يروحون عن أنفسهم، أرادوا إخافته فحسب، مثلما يفعلون أحيانًا كما تعلم، إلّا أن السكر غلب عليهم، وأعتقد أنّ الصبي لكونه سكرانًا هو الآخر وخائفًا كذلك فَقَد السيطرة على نفسه، وفاته الوقت ليقفز، يخبرني أبوك أنّه سمع صراخ أخيه عندما مشت السيارة عليه، وسمع خشب القيتار وهو يتكسر، وأوتاره وهي تتقطع، وسمع الرجال البيض وهم يزعقون، استمرت السيارة تسير بأقصى سرعة ولم تتوقف إلى يومنا هذا، لمّا وصل أبوك وجد أخاه مضرجًا بالدماء وقد صار أشلاءً.”

     اغرورقت عينا أمي بالدموع. لم أجد شيئًا أقوله.

     قالت: “لم يتحدث بهذه القصة قط لأنني لم أكن أسمح له بذكرها أمامكم وأنتم أطفال، كان أبوك كرجلٍ مجنون تلك الليلة ولليالٍ كثيرة تلت، يقول أنّه لم يرَ في حياته شيئًا بظلمة ذلك الطريق عندما تلاشت أنوار السيارة، لم يكن هناك شيء، لم يكن هناك أحد على الطريق غير أبيك وأخيه وهشيم القيتار، نعم لم يعد أبوك طبيعيًا مرةً أخرى، فإلى يوم وفاته كان يرى في كل رجلٍ أبيض الرجلَ الذي قتل أخاه.”

     صمتت أمي، أخرجت منديلها ومسحت عينيها، ونظرت إلي.

     ثمّ قالت: “لا أُحكيها لك لأثير فيك الخوف أو المرارة أو الكره تجاه أحد، بل أخبرك بها لأنّ لديك أخ، ولأن العالم لم يتغير.”

     أعتقد أنني لم أرغب في تصديق ذلك، وأحسبها رأت شعوري على وجهي، أعرضت عني تجاه النافذة تتفحّص الشوارع مجددًا.

     قالت أخيرًا: “لكنني أحمدُ الله الذي أحضر أباك إليّ في المنزل، لا أقول ذلك رغبةً في المديح، ولكنني لا أخفي أن مساعدتي لأبيك في تخطي هذا العالم بسلام تخفف علي وطأة الانكسار، لطالما تصرف أبوك على أنّه أشد رجلٍ والأقوى على الأرض، كما كان الجميع يراه، ولكن لو لم أكن إلى جانبه وأرى دموعه!”

     أخذت تبكي من جديد بينما ما زلت غيرَ قادرٍ على التحرك. قلت: “يا الله يا الله، يا أمي، لم أعلم أن الأمر كذلك.”

     قالت: “آه يا حبيبي، هناك الكثير مما لا تعرفه لكنك ستكتشفه.” نهضَت من عند النافذة واتجهت إلي: “عليك أن تتمسّك بأخيك، لا تدعه يسقُط، مهما حصل له، ومهما غلظْت عليه، ستغلظ عليه مراتٍ كثيرة لكن لا تنس كلامي، تسمعني؟”

     “لن أنسى ذلك، لا تقلقي، لن أنسى ذلك، لن أسمح لأي شيء بإيذاء صني.”

     ابتسمت أمي وكأنها أنِسَت بشيءٍ رأته على وجهي، ثمّ قالت: “قد لا تستطيع أن تحول دون وقوع الأمور، لكن عليك أن تُشعره أنّك إلى جانبه.”

     تزوجت بعد يومين، ورَحلت، ثم تراكمت علي مشاغل الدنيا، ونسيت وعدي لأمي تمامًا إلى أن عُدت في سفينةٍ في إجازة اضطرارية لحضور جنازتها.

     لمّا انفردت مع صني في المطبخ الخاوي حاولت أن أتقصّى حاله.

     سألته: “ماذا تنوي أن تفعل؟”

     أجاب: “سأصبح موسيقيا.”

     كان قد تدرّج في غيابي من الرقص على نغم صندوق الموسيقى إلى البحث عن أسماء العازفين وأدواتهم وكيف يستعملونها، ثم اشترى لنفسه عدّة من الطبول.

     “أيّ تُريد أن تصبح قارِعَ طبول؟” لم أرَ بأسًا في أن يقرع المرء الطبول طالما أنّه ليس أخي صني.

     أجابني بنظرةٍ جادة: “لا أظنني سأجيد القرع على الطبولِ أبدًا، ولكن أعتقد أنني سأحسن العزف على البيانو.”

     قطّبتُ وجهي، لم ألعب دورَ الأخ الأكبر بجديّة من قبل، بل نادرًا ما سألت صني عن أدنى أمر، شعرت أنني في موقف لم أعلم حقيقةً كيف أتعامل معه، ولا أفهمه، فلم يسعني سوى أن عمّقت عبوسي فيما سألت: “أيّ نوعٍ من الموسيقيين تريد أن تصبح؟”

     ابتسم ابتسامةً عريضة: “كم نوعًا هناك في ظنّك؟”

     قلت: “أجب بجد.”

    ضحك راميًا رأسه إلى الخلف ثم نظر إلي: “ها أنا أكلمك بجدية.”

    “إذن بالله كفّ عن الهزل، وأجب هذا السؤال الجاد، أقصد هل تريد أن تصبح عازف بيانو؟ تريد أن تعزف موسيقى كلاسيكية وما إلى ذلك؟ أم ماذا؟” وقبل أن أنتهي من كلامي بكثير كان قد بدأ بالضحك مرة أخرى. “بالله عليك يا صني!”

     بالكادِ ضبط نفسه وقال: “آسف، لكنك تبدو مرعوبًا.” واستغرق ضاحكًا مجددًا.

     “قد تحسب أن الأمر مضحكٌ الآن يا عزيزي، ولكنه لن يكون مضحكًا عندما تضطر لكسب عيشك منه، دعني أنبهك إلى ذلك.” غضبت لأنني متيقنٌ من أنّه كان يضحك علي بلا سببٍ واضح.

     “لا” قال بكامل اتزانه الآن وبخوفٍ ربما من أنّه قد يجرحني، “لا أريد أن أصبح عازف بيانو كلاسيكي فليس هذا ما يجذبني، أعني ..” توقف ونظر إلي بحدّة وكأن عيناه قد تساعدانني على فهمه، ثم أومأ بائسًا لعل يده تشرح، “أعني لا بدّ من أن أدرس الكثير، علي دراسة كل شيء، ولكن .. أعني أنني أرغب في أن أعزف موسيقى الجاز.” توقف وقال: “أريد أن أعزف الجاز.”

     لم تقع علي كلمةٌ بهذا الثقل والجزم مسبقًا كتلك الكلمة من فم صني ذلك المساء، نظرت إليه وقطّبت وجهي صادقًا هذه المرة، فببساطة لم أفهم رغبته في قضاء وقته يتسكع بين النوادي الليلة، ويهرج على المنصَات فيما يتدافع الناس على حلبة الرقص، فهذا أدنى من قدره، لم أُعِر موسيقى الجاز بالًا ولم أضطر إلى ذلك من قبل، ولكن أظنني لطالما صنفتها ضمن الفئة التي يطلق عليها أبي: “ناس الزمن الجميل.”

    “هل أنت جاد؟”

    “نعم جاد.”

     بدا ضعيفًا كما لم أره من قبل، ومنزعجًا، وبالِغ الجرح.

     قلت على سبيل المساعدة: “تعني مثل لويس أرمسترونغ؟”

     فانكمش وجهه وكأنني خبطته عليه. “لا، لستُ أتحدّث عن تلك السخافات القديمة الساذجة.”

     “إذن اسمع يا صني، أنا آسف. لا تغضب. كل ما في الموضوع أنني لا أفهمه لا غير. سمّ لي شخصًا تعرفه، عازفَ جاز يُعجبك؟”

     “بيرد.”

     “من؟”

     “بيرد! تشارلي باركر! ألا تتعلمون أيّ شيءٍ في الجيش اللعين؟”

     أشعلت سيجارة وقد أخذتني الدهشة، ثمّ ذهلت قليلًا عندما انتبهت إلى أنني كنت أرتجف. أجبت: “كنت منقطعًا عن هذه الأمور، عليك أن تتحملني، من يكون هذا المدعو باركر؟”

      قال صني بنبرة كئيبة ويداه في جيبه وظهره إلي: “من أعظم موسيقي الجاز على قيد الحياة، إن لم يكن أعظمهم.” ثم أضاف بمرارة: “ربما لذلك لم تسمع به من قبل.”

     قلت: “حسنا، أنا جاهل وأعتذر. سأذهب وأشتري جميع أسطواناته في الحال، طيب؟”

     رد صني بكبرياء: “لن يفرق ذلك معي، لا أهتم لما تستمتع إليه، ولن يعود علي بفضل.”

     بدأت أدرك أنني لم أره متضايقًا بهذا القدر من قبل، ظننت أنّها ليست سوى مرحلة يمر بها الأولاد وعلي أن لا أعظم من شأنها بالإلحاح، لكنني لم أجد بأسًا لو سألت: “ألن يستنزف كل ذلك جزءًا كبيرًا من وقتك؟ هل يكفي متطلبات عيشك؟”

     التفت إلي وقد اتكأ على طاولة المطبخ وكأنه جالس. قال: “كل شيء يأخذ وقتًا، نعم يمكنني كسب عيشي منه بالطبع، ولكن يبدو أنه لا يسعني إفهامك أن هذا هو الأمر الوحيد الذي أود القيام به.”

     قلت بلطفٍ: “حسنًا يا صني أنت تعلم أنه لا يتسنّى للناس دومًا القيام بما يريدونه..”

     فاجأني برده: “لا، لا أعلم ذلك. أؤمن أن على الناس القيامُ بما يرغبون به، لأي شيءٍ يعيشون إذن؟”

     قلت بيأس: “إنّك تكبر، حان الوقت لتفكر بمستقبلك.”

    أجاب بنبرة كئيبة: “أفكر بمستقبلي. أفكر به طوال الوقت.”

     استسلمت، ورأيت أنّه بوسعنا دائمًا تأجيل مناقشة الموضوع في حال لم يغير رأيه. قلت: “عليك أن تكمل دراستك في الوقت الحاضر.” كنا قد قررنا مسبقًا أنّ عليه الانتقال للعيش مع إيزابيل وأهلها، أعلم أنه ليس الترتيب الأمثل، فأهل إيزابيل متكبرون، ولم يرق لهم زواجي من إيزابيل، ولكن ليس بيدي حلٌ غيره. “علينا تهيئة وضعك في منزل إيزابيل.”

     عمّ صمتٌ طويل، مشى من عند طاولة المطبخ إلى النافذة. “هذه فكرة فظيعة، وأنت تعلم ذلك.”

     “هل لديك حلٌ أفضل؟”

     أخذ يروح ويجيء في المطبخ لدقيقة، كان بطولي، وقد بدأ يحْلِق، باغتني شعورٌ بأنني لا أعرفه البتة.

     توقف عند طاولة المطبخ والتقط علبة سجائري، نظر إلي بسخرية مستمتعًا بالتحدّي، ووضع واحدة بين شفتيه. “ألديك مانع؟”

     “تُدَخّن؟”

     أشعل السيجارة وأومأ برأسه وهو ينظر إلي بين الدخان.

     “أردت أن أرى ما إذا كنت أجرؤ على التدخين أمامك.”

     ابتسم ابتسامة عريضة ونفخ سحابة عظيمة من الدخان وصلت إلى السقف. “كان ذلك سهلًا.” نظر إلى وجهي: “بالله عليك، أراهن على أنك كنت تدخن في عمري. قل الحقيقة.”

    لم أقل شيئًا إلّا أن الحقيقة ارتسمت على وجهي، فضحك ضحكةً شابها اصطناعٌ هذه المرة. “طبعًا، وأؤمن أنّك لم تقف عند ذلك فحسب.”

     أخافني بعض الشيء. قلت: “كُفّ عن الهراء! قررنا مسبقًا أنك ستذهب وتعيش مع إيزابيل، فما الذي أتاك فجأة؟”

     قال مشيرًا: “أنت قررت ذلك. أنا لم أقرر شيئا.” توقف أمامي مستندًا على الفرن وقد ثنى ذراعيه بشكل طليق: “اسمع يا أخي، لا أريد البقاء في هارلم أكثر مما مضى، بحق لا أريد.” كان في منتهى الجدية، نظر إلي ثم التفت إلى نافذة المطبخ، لاحَ في عينيه أمرٌ لم ألحظه من قبل، تفكيرٌ وقلقٌ، مسح ذراعه بيده: “حان الوقت لأخرج من هنا.”

     “إلى أين تريد الذهاب يا صني؟”

     “الالتحاق بالجيش أو البحرية، لا فرق، سيصدقونني إذا أخبرتهم أنني في العمر المناسب.”

     استشطت غضبًا لما نالني من الرعب الشديد: “لا بدّ أنك فقدت عقلك! أيها الأحمق اللعين! لم عساك تريد أن تذهب وتنضم إلى الجيش؟”

     “أخبرتك للتو، لأخرج من هارلم.”

     “حتّى أنّك لم تنه تعليمك في المدرسة يا صني، وإن كنت ترغب في أن تصبح موسيقيًا بحق، فكيف ستتسنى لك الدراسة وأنت في الجيش؟”

     نظر إلي محشورًا وحزينًا: “هناك سُبُل، قد أتمكن من تدبير حلٍ ما، وعلى أية حال سأستفيد من قرار إعادة تكييف رجال الخدمة عند عودتي.”

     “إذا عدت.” أخذنا ننظر إلى بعضنا. “أرجوك يا صني تعقّل، أعلم أن الترتيب سيء، ولكن علينا أن نبذل ما بوسعنا.”

     قال: “لا أتعلّم أي شيء في المدرسة، حتّى عندما أذهب إليها.” أعرض عني وفتح النافذة ورمى سيجارته في الزقاق الضيق بينما كنت أنظر إلى ظهره. “على الأقل لا أتعلم أيًّا مما تريد أن أتعلمه.” صفق النافذة صفقةً قوية حتّى ظننت أن زجاجها سيتطاير. “سئمت نتانة صناديق القمامة هذه.”

     قلت: “صني، أفهم ما تشعر به، ولكنك إذا لم تكمل دراستك الآن فستندم لاحقًا.” أخذت بكتفيه: “لم تفضل لك إلّا سنة واحدة، هانت، سأعود وأقسم لك أنني سأساعدك في القيام بما تريده مهما كان، حاول أن تصبر على الوضع لحين عودتي، فهل تعدني بذلك أرجوك؟ من أجلي؟”

     لم يُجب ولم ينظر إلي.

     “هل سمعتني يا صني؟”

     ابْتَعَد. “أسمعك، لكنك لا تُصغي إلى أي شيء أقوله.”

     لم أعرف كيف أجيبه على ذلك. نظر خارج النافذة، ثم التفت إلي وقال: “حسنًا.” وتنهّد “سأحاول.”

     قلت له محاولًا إسعاده قليلًا: “هناك بيانو في منزل إيزابيل، يمكنك التدرّب عليه.”

     أسعده ذلك لدقيقة في الحقيقة، قال لنفسه: “صحيح، نسيت ذلك.” وانطلق وجهه بعض الشيء، ولكن ما زال القلق والتفكير يضطربان على وجهه كما يضطرب الظلّ على وجه الناظر إلى النار.

     لم يجر في ظني أنّ صوت البيانو سيؤول إلى نهايةٍ. في البداية كانت إيزابيل تكتب إلي وتصف كم كان شغفُ صني بالموسيقى مبهجًا، وكيف يتوجّه إلى البيانو فورَ عودته من المدرسة، أو من حيث ما كان حين يجدر به أن يكون فيها، فيظل يقابله حتّى وجبة العشاء، ثم يعود إليه بانتهائها، ويبقى عليه حتّى يخلد الجميع إلى النوم، يقضي يومي السبت والأحد لابثًا أمام البيانو، ثمّ اشترى مشغل الاسطوانات وبدأ يستمع إلى التسجيلات، يصغي إلى أغنية واحدة مرة تلو المرة، طوال اليوم أحيانًا، ويرتجل العزف على البيانو معها، أو قد يستمع إلى مقطعٍ من التسجيل، وإلى كلّ تآلفٍ وكلّ تعاقبٍ وكلّ انتقالٍ ثم يطبّق على البيانو، ثم يعود إلى التسجيل، ثم إلى البيانو مرةً أخرى.

     لا أعلم كيف تحمّلوا ذلك في الحقيقة، اعترفت إيزابيل أخيرًا أن الوضع لم يماثِل العيش مع إنسان أبدًا، بل مع صوت، ولم يعنِ لها ذلك الصوت ولا لأي واحدٍ منهم شيئًا بطبيعة الحال، فقد بدؤوا نوعًا ما بالانزعاج من ذلك الحضور الذي يعيش في منزلهم، وكأن صني إلهٌ أو وحش، يتنقّل في مجالٍ لا يُشبه مجالهم البتة، يأكل مما يُطعمونه، يغتسل، ويدخل ويخرج من بابهم، لم يكن بلا شك بذيئًا أو بغيضًا أو وقحًا، فليست تلك من طباع صني، لكنه كأنما قد لُفّ بغيمةٍ أو نارٍ أو تصورٍ يخصّه، ولم تكن هناك أي طريقة للوصول إليه.

     وفي نفس الوقت لم يكن رجلًا ناضجًا بعد، بل ما زال طفلًا، عليهم الانتباه له بشتّى الوسائل، ولم يكن باستطاعتهم طرده طبعًا، كما لم يجسروا على تعظيم مسألة البيانو تلك إذ انتابهم إحساسٌ، مثلما انتابني على بُعد آلاف الأميال، بأن صني عندما يجلس أمام البيانو إنّما يعزف لحياته.

     لكنه لم يكن يذهب إلى المدرسة، في يومٍ من الأيام وصلت رسالة من مجلس المدرسة، فتحتها أم إيزابيل، من الواضح أنه كانت هناك رسائل غيرها ولكن صني كان يمزقها، لمّا أتى صني ذلك اليوم أرته أم إيزابيل الرسالة، وسألته أين كان يقضي وقته، لم تزل به حتى أخبرها أنّه كان في قرين ووتش فيلاج، مع مجموعة من الموسيقيين وغيرهم في شقة فتاة بيضاء، ممّا أثار خوفها فجعلت تصرخ عليه، وبما أن بدأت، مع أنّها ما تزال تنكر ذلك، حتّى أخذت تسرد التضحيات التي بذلوها ليوفروا له مسكنًا محترمًا وكيف أنّه لم يقدر ذلك كما ينبغي.

     لم يعزف صني على البيانو ذلك اليوم، ومع حلول المساء هدأت أم إيزابيل، ولكن بقي الرجل الكبير وإيزابيل نفسها، تذكر إيزابيل كم بذلت ما بوسعها لتبقى هادئة ولكنها انهارت باكيةً، تقول أنّها راحت تطالع وجه صني فحسب، كان لها إدراك ما يحدث معه بالنظر إليه، فما كان يحدث هو أنّهم اخترقوا غمامته، لقد وصلوا إليه، وبالرغم من كون أصابعهم أرقّ ألف مرةٍ من أي إصبع على الإطلاق إلّا أنّ صني شعر أنّهم جرّدوه حتّى صار عريانًا ثم أنّهم أخذوا يبصقون على ذلك العُري، لقد رأى أن الموسيقى التي تمثّل وجوده، والتي كانت مسألة حياة أو موت بالنسبة له، تُعذبهم، وأنّهم ما تحمّلوها إلّا من أجلي لا من أجله، لم يتقبّل صني ذلك، أمّا الآن فيتقبّل الأمر أفضل من ذي قبل ولكنه ما يزال غير جيّدٍ في ذلك، وبصراحة لا أعلم أحدًا يجيد ذلك.

     كان صمتُ الأيام القليلة التي تلت أعلى من صوت أي موسيقى ارتفعت منذ بدء الخليقة، في صباحٍ ما كانت إيزابيل تبحث عن شيء في غرفته قبل ذهابها إلى العمل، فطنت فجأةً إلى اختفاء جميع اسطواناته، فتيقنت أنّه رحل، وبالفعل كان قد رحل، مُبتعِدًا إلى حيث أخذته البحرية، وبعد مدة أرسل إلي بطاقة بريدية من مكان في اليونان، والتي علمت بها أن صني ما يزال على قيد الحياة لأول مرة، لم أعد أراه حتى عاد كلانا إلى نيويورك، وكانت الحرب قد وضعت أوزارها منذ وقت طويلة.

     كان بالطبع قد اشتدّ رجُلًا آنذاك، ولكن لم أرغب في رؤية ذلك، كان يمر على المنزل من حين إلى آخر، وكنّا نتشاجر في كلّ مرة نتقابل فيها تقريبًا، لم تعجبني طريقته في حمل نفسه سائبًا، وكأنه في حلم طوال الوقت، ولم يرق لي أصدقاؤه، بدت الموسيقى مجرد عذرٍ لحياته التي يعيشها, والتي كانت بنفس الغرابة والفوضوية.

     ثم نشب شجارٌ عنيفٌ بيننا، ولم أره لأشهرٍ، لمّا بحثت عنه في النهاية وجدته يعيش في غرفة مفروشة في فيلاج، حاولت إصلاح ما بيننا، لكن كان في الغرفة الكثير من الناس، وكان صني مستلقيًا على ظهره لا ينوي النزول معي، كان يعامل هؤلاء الناس بحسبة أهله وكأنما لم أكن منهم، غضبت جرّاء ذلك ثم غَضِب، ثم قلت له أنّه بمثابة الميت على أسلوب حياته، فنهض وأخبرني أن أكف عن القلق بشأنه تمامًا، وأنّه بمثابة الميّت بالنسبة إليّ، كان الناس ينظرون وكأنما لا شيء يحدث، صفَق  الباب خلفي، ووقفت في الردهة أنظر إلى الباب، وسمعت أحدهم يضحك فانهمرت الدموع من عيني، أخذت أنزل الدرج وأصفّر حتى لا أبكي، تابعت التصفير، ستحتاجني يا عزيزي في إحدى الأيام الباردة الممطرة.

     قرأت عن ورطة صني في الربيع، فيما توفيت قرايس الصغيرة في الخريف، كانت فتاة صغيرة وجميلة لكنها لم تتخط السنتين من العمر إلّا بقليل، توفيت من شلل الأطفال الذي عانت منه، أصابتها حرارةٌ طفيفةٌ ليومين، لم تبدُ خطيرة، فلم نقم بشيء عدا إراحتها في السرير، كنا سندعو الطبيب بكل تأكيد ولكن الحرارة انخفضت وبدَت بخير، اعتقدنا أنّه بردٌ لا أكثر، وفي يومٍ ما، بينما كانت تلعب، كانت إيزابيل في المطبخ تجهز الغداء للولدين لحين عودتهما من المدرسة، فسمعَت وقعة قرايس في غرفة المعيشة، عندما يكون لديك العديد من الأطفال لن تجد نفسك تهرع لأحدهم حال وقوعه دومًا، إلّا لو علا صراخه ونحو ذلك، كانت قرايس هادئة هذه المرة، إلّا أنّ إيزابيل تقول أنّها لمّا سمعت تلك الوقعة وما تلاها من صمت توجست خوفًا فركضت إلى غرفة المعيشة لتجد قرايس الصغيرة على الأرض، وقد التوى جسدها لأعلى، لم تصرخ لأنها لم تقدر أن تجمع أنفاسها، تقول إيزابيل أنّها لمّا تمكّنت من الصراخ كان صوتها أفظع ما سمِعَت في حياتها كلها، والذي ما زالت تسمعه في أحلامها أحيانًا، إذ يوقظني أنينُ إيزابيل الخافت المخنوق بعض الأوقات، فأسارع في إيقاظها فورًا وأضمها إلي، وحيث ما يقع دمع إيزابيل يستحيل محلّه جرحا قاتلًا.

     أظنني كتبت إلى صني في نفس اليوم الذي دُفنت فيه قرايس الصغيرة، كنت جالسًا في غرفة المعيشة المظلمة وحدي فخطر لي صني، جعلتني مصيبتي أشعر بما حلّ به.

     في مساء سبتٍ، بينما كان صني يعيش معنا، أو بالأحرى موجودًا في المنزل، لقرابة أسبوعين، وجدت نفسي أروح وأجيء في غرفة المعيشة بلا هدفٍ وأشرب البيرة، أحاول أن أستجمع قدرًا من الشجاعة لأفتش غرفته، لم يكن في المنزل حينها، إذ يخرج بالعادة عندما أكون موجودًا، كانت إيزابيل مع الأطفال لزيارة جديّهم، توقفت فجأةً أمامَ النافذة في غرفة المعيشة بسكون، ورحت أنظر إلى سيفينث أفينيو، جعلتني فكرة تفتيش غرفة صني جامدًا، بالكاد أجرؤ على الاعتراف لنفسي عمّا كنت في صدد البحث عنه، لم أعلم ما عساي أفعل لو عثرت عليه، أو حتّى في حال لم أعثر عليه.

     كانت مجموعة من الناس قد عقدت لقاءَ إحياءٍ تقليدي على الرصيف من الجانب الآخر أمامي، قريبًا من مدخل محلٍ للشواء، وقد وقف المشرف على الشواء عند المدْخل بمريلته البيضاء المتسخة، وشعره المفرود الذي يظهر أحمرًا ومعدنيًا تحت الشمس الباهتة، وبين شفتيه سيجارة ليشاهدهم، انصرف الأطفال والعجائز عن أشغالهم وتوقفوا هنا، ومعهم بعضُ الرجال المسنين وامرأتان قاسيتا الملامح الذين من طبعهم مراقبة كل حدثٍ يحصل في الأفينيو وكأنّه من ممتلكاتهم، أو ربما وكأنهم ملْك له، وها هم يراقبون هذا أيضًا. تقيمُ الإحياء ثلاث أخوات متوشحات بالسواد وأخ، ليس معهم إلّا أصواتهم، وأناجيلهم، ودفًا. قام الأخ يعظ، ووقفت الأختان جنبًا إلى جنب وكأنهن يؤمّن على كلامه، أمّا الأخت الثالثة فأخذت تمشي وقد مدّت الدف الذي رمى فيه بعضُ الناس قطعًا نقدية، انتهت موعظةُ الأخ، وأفرغت الأخت التي تكفّلت بالجَمْع النقودَ في راحتها ثم طرحتها في جيب ردائها الأسود الطويل، ثمّ رفعت كلتا يديها، وهزّت الدفّ في الهواء، ثم راحت تضربه بيدها وشرعت بالغناء وقد انضمّت إليها الأختان ومعهم الأخ.

     باغتني شعورٌ بالغرابة وأنا أشاهدهم على الرغم من اعتيادي رؤية هذه اللقاءات في الشوارع طوال حياتي، مثل كل شخصٍ هنا طبعًا، والذين توقّفوا أيضًا ليشاهدوا ويستمعوا، بينما لزمت السكون واقفًا عند النافذة. كانوا يغنون: “هذه سفينة صهيون القديمة” تابعت الأخت التي معها الدفّ ضربَه برتمٍ مطرد مصلصل “التي أنقذت الألوف.” ما من روحٍ تصلُ إليها أصواتهم إلّا وقد سمعت هذه الأغنية من قبل، وما من أحدٍ جرى إنقاذه، كما أنّهم لم يشهدوا الكثير من الأعمال الإغاثية التي تجري من حولهم، ولم يؤمنوا بقداسة الأخوات الثلاث والأخ، فهم يعرفون الكثير عنهم، يعرفون أين يعيشون، وكيف يعيشون. ليس هناك فرقٌ كبيرٌ بين المرأة التي تحمل الدف، والتي هيمن صوتها على الجو، ووجهها المشرق بالبهجة، عن المرأة التي وقفت تشاهدها، والتي كانت تضع سيجارة بين شفتيها الغليظتين المتشققتين، بدا شعرها كعش الوقواق، وكانت آثار الندبات والتورم بارزة على وجهها من ضرباتٍ شتّى، فيما تلمع عيناها السوداوان كالفحم، ربّما وعيهن بذلك يدفعهن لأن تنادي إحداهن الأخرى أختًا في الفرص النادرة التي يتخاطبن فيها. وفيما عمّ الغناء الجوّ، خضعت الوجوه المتفرجة المصغية إلى تغيير، راحت العيون تتأمّل شيئًا داخلها، وكأنما كانت الموسيقى تطرد سمومًا خارج أجسادهم، بدَا الوقتُ ينسرق من الوجوه التي تلوح عليها الكآبة، والعدوانية، والإرهاق، وكأنّ الموسيقى تعود بهم إلى حالتهم الأولى فيما هم يحلمون بالأخيرة. هزّ الطبّاخ رأسه مبتسمًا وألقى سيجارته ثمّ دخل محله. راحَ أحدُ الرجال يتحسس ثوبه باحثًا عن بعض الفكّة التي راح يمسكها بيده متبرمًا وكأن لديه موعد عاجل أعلى الأفينيو، فقد بدَا غاضبًا. ثمّ رأيت صني يقف في طرف الحشد، وبيده دفترٌ كبير رفيع غلافه أخضر جعله يبدو كطالب مدرسة، عكست الشمس النحاسية الحُمْرة على سحنته، وارتسمت عليه ابتسامة خفيفة وهو واقفٌ بهدوء. انتهى الغناء، وتحوّل الدفّ إلى صحنِ جمعٍ من جديد، رمى الرجل الغاضب قطَعَه واختفى، كما فعلت المرأتان، وصني الذي وضع بعض الفكّة وهو ينظر في عيني المرأة مباشرة بابتسامة صغيرة، ثمّ قطع الأفينيو متجهًا إلى المنزل، كان يمشي بخطوات واسعة وثقيلة في بطءٍ مثلما يمشي الهيبستريون في هارلم خلا أنّه أضاف إليها رتمه الخاص به، لم ألاحظها من قبل.

     بقيت عند النافذة مطمئنًا وخائفًا في نفس الوقت. شرعوا في الغناء من جديد، اختفى صني عن ناظري، وفيما هم يتابعون الغناء دار مفتاحه في القفل.

     قال: “مرحبا.”

     قلت: “مرحبا. هل تريد بعضًا من البيرة؟”

     “لا… بل ربما.” أتى إلى النافذة ووقف إلى جانبي ينظر. قال: “يا له من صوتٍ دافئ.”

     كانوا يغنون ليت لي أن أسمع أمي تصلي ثانيةً.

     قلت: “نعم. كما أنّها تُجيد الضرب على الدف.”

     “لكن يا لها من أغنية فظيعة.” قالها وضحك. ألقى دفتره على الصوفا وذهب إلى المطبخ. “أين إيزابيل والأولاد؟”

     “أظنهم ذهبوا لزيارة جديّهم. هل أنت جائع؟”

     “لا.” عاد إلى غرفة المعيشة ومعه علبة بيرة. “أتوّد الذهاب معي إلى مكانٍ الليلة؟”

     أحسست أنّه لا يمكنني الرفض. “بالتأكيد. أين؟”

     جلس على الصوفا ورفع دفتره وأخذ يقلّبه. “سأشارك بعض الرفاق في نادٍ في فيلاج.”

     “إذن ستعزف الليلة؟”

     “صحيح.” شرب من البيرة، واتجه إلى النافذة، ثم نظر إلي بجانب عينيه: “إن كنت تطيق ذلك.”

     قلت: “سأحاول.”

     ابتسَم، وشاهد كلانا الحَشْدَ على الجانب الآخر وهو ينسل، بينما تغني الراهبات الثلاث والراهب معهم ليكن الرب معكم لحين لقاء، وقد خفضوا رؤوسهم، والهدوء يسود الوجوه من حولهم، ثم انتهت الأغنية، وانفضّ الجَمْعُ الضئيل، ورأينا النساء الثلاث وبرفقتهم الرجل الوحيد يسيرون على هونهم في الأفينيو.

     “عندما كانت تُنشد قبل قليل..” قال صني فجأة “ذكرني صوتها للحظةٍ بالشعور الذي يبعثه الهيروين أحيانًا وهو ينتشر في أوردتك، يبعث فيك إحساسًا بالدفء والبرودة في آنٍ معًا، يُشعرك أنّك بعيد، وواثق.” أخذ يرتشف بيرته متعمدًا الحَيد ببصره عني، وأنا أطالع وجهه. “يُشعرك أنّك ممسكٌ بزمام الأمور. لا بدّ من أن تشعر بذلك من حينٍ لآخر.”

     “وهل تفعل ذلك؟” جلست بمهلٍ على الكرسي المريح.

     “أحيانًا.” اتجه إلى الصوفا والتقط دفتره مجددًا. “بعض الناس يفعلون ذلك.”

     سألت: “لكي تعزف؟” كان صوتي بشعًا، ينضح ازدراءً وغضبًا.

     نظر إليّ بعينين واسعتين قلقتين، وكأنّما، في الحقيقة، يأمل من عينيه أن تبوحا لي بأمورٍ لا يستطيع قولها بطريقة أخرى. “يعتقدون ذلك، وبما أنهم يعتقدون ذلك فإذن –”

     سألت: “وماذا تعتقد أنت؟”

     جلس على الصوفا، ووضع علبة البيرة على الأرض. قال: “لا أعلم.” لم أدرِ ما إذا كان يُجيب على سؤالي، أم أنّه كان مستغرقًا في أفكاره، لم يُفصِح لي وجهه. “لا لأن تعزف، بل من أجل أن تُطيقه. لتُصبح قادرًا على ذلك بأيّة حال.” قطّب حاجبيه وابتسم: “لكي لا تنهار.”

     قلت: “لكن من الواضح أنّ رفاقك ينهارون بسرعة كبيرة.”

     “ربما.” قال وهو يعبث بالدفتر. شعرت أن علي قبض لساني، فصني يحاول قدر استطاعته أن يتكلّم، وعليّ الإصغاء إليه. “لكنك بالطبع لا تعلم إلّا عن أولئك الذين تدمّروا، ليسوا جميعهم في مثل هذه الحال، أوّ أنّهم على الأقل لم يصلوا إلى تلك المرحلة بعد، هذا كلّ ما نستطيع قوله.” توقّف. “هناك من يعيشون في جحيمٍ، وهم يعرفون ذلك، يرون ما يجري، ويستمرون على ما هم عليه. لا أدري.” تنهّد وألقى الدفتر وثنى ذراعيه. “يمكنك أن تلاحظ من طريقة عزفِ بعض الشبّان أنّهم في نشوةٍ طوال الوقت، فهي تُضفي معنى على الأمور بالنسبة لهم، لكنّهم بالطبع ..” التقط البيرة من الأرض وارتشف منها ثم وضعها ثانيةً: “يريدونها أيضًا، عليك أن ترى ذلك، حتى بعض أولئك الذين يزعمون أنّهم لا يريدونها، بعضهم وليس جميعهم.”

     سألته: “ماذا عنك؟ هل تريدها؟” لم أستطع أن أتحمّل.

     نهض ومشى إلى النافذة وظلّ صامتا مدة طويلة ثم تنهّد وقال: “لمّا كنت تحت في طريقي إلى هنا قبل قليل، وأنا أستمع إلى تلك المرأة تغني، أخذني فجأة حجمُ الألم الذي لا بدّ من أنّها قد تجرّعته لتغني هكذا. كم من البغيض التفكير بأن عليك أن تعاني بهذا القدر.”

      قلت: “ولكن ما من طريقة للخلاص من العناء. أمِن طريقة يا صني؟”

     “لا أؤمن بوجود مفرٍ.” قال وابتسم. “ولكن لا يمنع ذلك أحدًا عن المحاولة.” نظر إلي: “هل يمنع؟” أدركت من نظرته الساخرة أنه يحول بيننا إلى الأبد ما يتجاوز قوة الوقت والمغفرة، تلك الحقيقة في التزامي الصمت طويلًا جدًا حينما احتاج إلى من يحدّثُه ويساعده. عاد إلى النافذة. “لا، ما من سبيل لتفادي المعاناة، لكنك تستنزف كل وسيلة لكي لا تغرق فيها، لتبقى على سطحها، وأن تجعلها تبدو .. مثلك. كأنّك قد صنعت شيئًا، ثم ها أنت تقاسي من أجله. تفهمني؟” لم أقل شيئًا. “تعْلَم” قال بصبرٍ قليل “لماذا يعاني الناس؟ ربما من الأفضل عمل شيءٍ لإضفاء سببٍ على معاناتهم، أيّ سبب.”

     قلت: “لكننا اتفقنا للتو على أنّه لا يمكن تجنّب المعاناة، أفليس من الأفضل التسليم بذلك؟”

     “ولكن لا أحد يستسلم لها ببساطة.” ارتفع صوت صني. “هذا ما أقوله لك! فكل إنسان يحاول أن يتحرر منها بطريقة ما. مشكلتك في لجوء البعض إلى طريقةٍ غير طريقتك!”

     بدأ وجهي يتصبب عرقًا ويحكّني. قلت: “ذلك غير صحيح. غير صحيح. لست أكترث لما يفعله الآخرون، كما لا أبالي لحجم معاناتهم، فأنت من يهمّني مصابه.” نَظَر إلي. قلت: “أرجوك صدقني. لا أريد أن أراك تلقى حتفك بيدك فيما تسعى لتجنّب العناء.”

     قال بنبرةٍ قاطعة: “لن أموت وأنا أحاول التخلّص من الشقاء. لن أموت أسرع من غيري على الأقل.”

     قلت متصنعًا الضحكة: “ولكن ما من داعٍ لأن تقتل نفسك، أليس كذلك؟”

     وددت أن أقول أكثر مما قلت ولكن لم أقدر، أردت أن أحدّثه عن قوة الإرادة وعن كيف للحياة أن تصبح، لنقل، جميلة، كنت أريد أن أخبره أن العلّة في دواخلنا، ولكن هل هي كذلك؟ أليست هذه المشكلة بالأساس؟ وددت أن أعده بأنني لن أخذله مجددًا مهما كان، ولكن لبدا كل ذلك مجرد كلماتٍ فارغة وأكاذيب.

     لذا أخذت العهد على نفسي، ودعوت أن أقوى على الحفاظ عليه.

     قال: “أحيانًا يعتريك إحساسٌ مريعٌ داخلك، هذه المشكلة، تتجوّل في الشوارع ببشرتك السوداء ورائحتك النتنة والبرد يلسعك، فلا تجد مخلوقًا تتحدّث معه، لا شيء يتحرك، لا تستطيع أن تنفّس عن تلك العاصفة التي تموج في داخلك، لا يمكنك أن تفضفض عمّا بك، ولا أن تصطلح معه، وحين تقرر في النهاية أن تسايره وأن تعزفه لحنًا، تجد أنّه لا أحد يسمعك، لذا عليك أن تستمع، عليك أن تجد طريقةً لأن تستمع.”

    ابتعد عن النافذة، وجلس على الصوفا ثانيةً بنفسٍ مخنوقٍ: “أحيانًا قد تفعل أي شيءٍ لكي تعزف، قد تنحر أمّك.” ضحِك ونظر إلي، “أو أخاك.” ثم اتّزن، “أو أن تقتل نفسك.” قال بعدها: “لا تقلق، فأنا على ما يرام الآن، وأحسبني سأظلّ كذلك، إنّما لا أقدر أن أنسى أين كنت، وما كنت عليه.”

     سألت: “وما كنت عليه يا صني؟”

     ابتسم، وجلس بالعرض على الصوفا مُسندًا مرفقه على ظهرها، وأصابعه تعبث بفمه ودقنه غيرَ ناظرٍ إلي: “لم أفهم ما كنت عليه. لم أعلم أنّني قد أصير إليه، أو أنّه في الإمكان أن يصير إليه غيري.” توقّف، وراح ينظر بينه وبين نفسه، يلوح عليه صغر السن، وقلة الحيلة، والكِبَر كذلك. “لا أتكلّم عن هذا الآن لأنني أشعر بالذنب أو بإحساسٍ من هذا القبيل. ربما يجدر بي ذلك. لا أدري. لا يمكنني التحدّث عنه على أيّة حال. لا إليك ولا إلى غيرك.” وهنا استدار وقابلني. “تعرف شيئًا، أحيانًا عندما أكون أبعد ما يكون عن العالم، أشعر أنني فيه، أنني معه حقًا، فأتمكّن من العزف، بل ليس علي طرْق المفاتيح، إذ ينبعث مني، فهو في داخلي، لا أدري كيف كنت أعزف عندما أفكر بالأمر الآن، لكنني أعرف أنني قمت بأعمال سيئة في تلك الأيام، في حق الناس أحيانًا، أو أنّني لم أقترف شيئًا لأنهم لم يكونوا حقيقيين.” رفع علبة البيرة الفارغة وراح يديرها بين يديه: “وفي أوقاتٍ أخرى، أكون في حاجةٍ إلى جُرعة، في حاجةٍ للعثور على مكانٍ أرتاح فيه، في حاجةٍ لغُرفةٍ هادئةٍ لأصغي، ولا يتحصّل لي أيّ من ذلك، فيجن جنوني وأؤذي نفسي، كنت مجرمًا في حق نفسي.” أخذ يعصر العلبة بين يديه، رأيت المعدن يعوّج ويلمع كالسكين وهو يقلّبه، خشيت أن يجرح نفسه لكن لم أقل شيئًا. “لا يمكنني أن أصف لك على الإطلاق، كنت وحدي في قاعٍ ما، تنبعث مني النتانة، ويتصبب مني العرق، أبكي وأرتجف، كنت استنشق عفني، ظننت أنني سأموت إن لم أخرج منه، لكن لا فرق، كنت أعلم أن كل ما أقوم به يحبسني فيه أكثر، لمْ أدرِ..” أمْسَك بينما لا يزال يضغط العلبة، “لمْ أدرِ، وما زلت أجهل ذلك الشيء الذي ظلّ يخبرني أنّه ربما من الجيّد أن أستنشق عفني، إلّا أنّه أمرٌ لم أودّ فعله، فمن عساه يطيقه؟” أسْقط العلبة المهترئة فجأةً، ناظرًا إليّ بابتسامةٍ خفيفةٍ جامدة، ثم نهض واتجه إلى النافذة التي بدت وكأنها حجر مغناطيس، نظرتُ إلى وجهه وهو يُطالع الأفينيو. “لم أستطع إخبارك عند وفاة أمي، ولكن السبب وراء رغبتي الملّحة في مغادرة هارلم كان للابتعاد عن المخدرات، فذلك ما كنت أفرّ منه حقيقةً عندما هربت، وحين عدت لم يتغير شيء، ولم أتغيّر، إنّما كَبِرْت فحسب.” توقف وراح يطرق زجاج النافذة بأصابعه. غابت الشمس، وسيحل الظلام قريبًا. راقبت وجهه. “قد أعود إليها.” قالها وكأنه يحدّث نفسه، ثم التفت إليّ معيدًا: “قد أعود إليها. أريد إعلامك بذلك فحسب.”

     قلت بعد صمتٍ: “نعم. قد تعود إليها. نعم.”

     ابتسم ابتسامةً ألمّ بها الحزن، وقال: “عليّ إخبارك.”

     قلت: “نعم. أفهم ذلك.”

     “فأنت أخي.” قالها وهو ينظر إلي مباشرة، وقد اختفت ابتسامته تمامًا.

     أعدت: “نعم. نعم. أفهم ذلك”

     عاد لينظر من النافذة، وقال: “كلّ هذا الكره هنا، كلّ هذا الكره والبؤس والحب، من العجيب أن لا يفجّر الشارعَ إلى قطع!”

     ذهبنا إلى النادي الوحيد الذي يقع في شارعٍ قصيرٍ ومظلم وسطَ المدينة، شققنا طريقنا داخل الحانة الضيقة وقد اكتظّت وضجّت فيها الثرثرات إلى مدخل الغرفة الكبيرة حيث كان المسرح، ووقفنا هناك برهة إذ لم نتمكن من الرؤية في إنارة الغرفة الخافتة. “مرحبًا بك أيها الصبي.” قال رجلٌ أسود ضخم أكبر من صني عمرًا ومنّي بكثير، والذي برز من قلبِ الإنارة الهادئة، ووضع ذراعه على كتفِ صني: “كنت أجلس هنا في انتظارك.”

     كان جهوري الصوت أيضًا فالتفتت إلينا الرؤوس في العتمة.

     ابتسم صني ابتسامة عريضة، وتراجع إلى الوراء قليلًا، ثمّ قال: “كريول، هذا أخي. لقد حدّثتك عنه.”

     صافحني كريول وقال: “سررت بلقائك يا بني.” إلّا أنّه كان واضحًا أنّه لم يسر بلقائي إلّا من أجل صني، ثمّ ابتسم: “لتهنأ عائلتكم بهذا العازف البارع.” أنزل ذراعه عن كتف صني، وخبطه بظاهر كفّه خبطةً خفيفة حانية.

     ثم سمعنا أحدهم من خلفنا يقول: “لقد سمعت أصواتكم.” كان موسيقيًا آخر من أصدقاء صني، كان شديد السواد، بشوش الوجه، قصير القامة، والذي بدأ فورًا ببث فضائح صني إلي بأعلى صوته، كانت أسنانه تلمع مثلما تلمع الفنارة، وضحكته تخرج كهزّة الزلزال. اتضح أن كلّ من في الحانة يعرف صني، أو أن أغلبهم يعرفه بالأصح، فبعض الموجودين كانوا موسيقيين يعملون في أماكن أخرى، أو بالقرب من هنا، أو أنّهم قد اعتزلوا، وبعضهم ليسوا سوى مجموعة من المتزلّفين، وآخرون كانوا قد أتوا للاستماع إلى عزف صني، عرّفوني إليهم جميعهم، كانوا بالغي اللطف معي، لكن بدَا واضحًا أنني لم أكن بنظرهم سوى أخ صني. هنا كنت في عالم صني، بل في مملكته، لم يكن موضعًا للشك أنّ أوردة صني تجري بدماء نبيلة في هذا المكان.

     حين اقترب موعد العزف، أجلسني كريول على طاولة وحدي في زاوية مظلمة. رحت أشاهد كريول والرجل الأسود الضئيل وصني والآخرين وهم يتبادلون المزاح الثقيل بينما هم وقوف أسفل المسرح، انتشرت الإضاءة من المسرح إلّا أنّها لم تبلغهم، شاهدتهم وهم يضحكون ويؤشرون لبعضهم ويتحركون، ومع ذلك شعرت بحرصهم الشديد على أن لا تزل أقدامهم داخل دائرة الضوء غفلةً بلا تفكير، إذ لو فعلوا فقد يضمحلون في الوهج. وبينما كنت أشاهدهم، خطى الرجل الأسود الصغير ضمن بقعة الضوء ماشيًا على المسرح وهو يستعرض بطبوله، ثمّ أخذ كريول بحسٍ ظريف ورسمية عالية بذراع صني وقاده إلى البيانو، أذاعت امرأةٌ اسم صني، وشرعت بضعة أيادٍ بالتصفيق، وبروحٍ من الدعابة والرسمية كذلك اعتلى صني المسرح بثقة، على الرغم من التأثّر الذي ظهر عليه والذي جعلني أظنّ أنّه كان على وشك البكاء، إلّا أنّه لم يأبه في إخفائه أو إظهاره، حيث ابتسم ابتسامة عريضة وقد وضع يديه على صدره وانحنى.

     ثم تناول كريول الكمان، ووثب رجلٌ بشرته بنية لامعة على المسرح والتقط بوقه، التأم الشمل وتغيرّت الإضاءة على المسرح وفي الغرفة وتقلّصت، تقدّم أحدهم إلى الميكرفون وأعلن عنهم، ارتفعت الهمسات بأنواعها وراح الناس في الحانة يسكّتون بعضهم، وأخذت النادلة تروح وتجيء على عجلٍ وبتوترٍ لتقدّم الطلبات الأخيرة، اقترب الشبّان والفتيات من بعضهم، وتحوّلت الأضواء على المسرح والرباعيّ الذي عليه إلى درجةٍ من درجات النيلي، فبدو مختلفين هناك، نظر كريول حوله للمرة الأخيرة وكأنه يريد أن يتأكد من أن كل واحدٍ قد استعد في موضعه، ثم اسْتهلّ العزف على الكمان، وبذلك بدؤوا.

     كلّ ما أعلمه عن الموسيقى هو أنّ معظم الناس لا يصغون إليها، وحتّى حين يحصل ذلك، في تلك الأوقات النادرة عندما ينفتح شيء بداخلنا فتنفذ الموسيقى، فما نسمعه بشكلٍ رئيس، أو ما نسمعه في ظلّها، هي أصداءٌ شخصية سرية تتلاشى، أمّا الرجل الذي يصنع الموسيقى فيستمع إلى شيءٍ آخر، فهو يتعامل مع الهدير الذي يصعد من الفراغ ليروضه حال بلوغه الهواء، فما يستثار فيه إذن أمرٌ من نوعٍ مختلفٍ، أشدّ إخافةً لأنه بلا كلمات، كما أنّه أعزّ انتصارًا لنفس السبب، وانتصارُه حينما يحوز عليه لنا. رحت أنظر إلى وجه صني، كان الارتباك يلوح عليه وهو يبذل قصارى جهده، إلّا أنّه لم ينسجم مع اللحن بعد، أحسست بطريقةٍ ما أنّ كل واحدٍ على المسرح ينتظره، ينتظره ويدفعه قدمًا في نفس الوقت، ولكن بما أن التفتُ إلى كريول أدركت أنّه هو من يكبحهم عن المضي، كان يطوقهم بزمامٍ محكم، فبينما هو على المسرح يُحافظ على الإيقاع بكامل جسده، ويأنّ على الكمان، وعيناه شبه مغمضتين، كان يصغي إلى كلّ شيء، وإلى صني خاصّة، كان يخوض حوارًا مع صني، يطلب منه مغادرة الساحل ليلج المياه العميقة، كان شهيدَ صني على أنّ المياه العميقة والغرق لا يعنيان الشيء نفسه، فقد ذهب إلى هناك وعرِف، وأراد من صني أن يعرف هو الآخر، كان يرتقب صني أن يعمل في المفاتيح ما سيدعه يعلم أنّه قد خاض المياه.

     وفيما كريول يصغي، اختلج شيءٌ عميقٌ داخلَ صني مثل إنسانٍ موجوعٍ تمامًا. لم أفكّر من قبل كم فظيعةٌ العلاقة بين الموسيقي وآلته التي عليه أن يملأها بنفسِ الحياة، حياتِه، عليه أن يجعلها تقوم بما يريُده منها، فليس البيانو سوى آلة مصنوعة من خشبٍ كثير، وأسلاكٍ، ومطارق صغيرة، وأخرى كبيرة، وعاج، في حين تستطيع أن تصنع العديد من الأمور به، والطريقة الوحيدة لتكتشف ذلك هو أن تحاول، أن تحاول وتجعله يصنع كل شيء.

     لم يعزف صني على البيانو لأكثر من سنة، ولم يكن قد ائتلف جيدًا مع حياته التي تمتد أمامه الآن. تلعثم على البيانو، شرع بطريقةٍ، أصابه الذعر فتوقّف، ثم بدأ بطريقةٍ أخرى، خاف وتوقّف قليلًا، ثم باشر من جديد وقد بدا أنه استرشد، لكنه هلع مجددًا، واحْتَبَس. لم أرَ وجه صني في هذه الحال من قبل، حيث أخذت نارُ الصراعِ الذي يضْطَرِم عليه وعنفُه بتنقيةِ كل شيءٍ، بل وبحفرِ الأمور المخبوءة عادةً في الوقت نفسه.

     بينما كنت أراقب وجه كريول وهم يقتربون من نهاية المقطع الأول، اجتاحني شعورٌ بأنّ شيئًا قد حدث، شيءٌ لم أسمعه. انتهوا واعتلت صفقات متفرقة، ثم شرع كريول فورًا بلا تنبيه بمعزوفةٍ أخرى ساخرة تدعى Am I Blue? وكما لو أنّه قد أعطى أمرًا باشَر صني العزف، شيءٌ ما أخذ يحدث، أفلت كريول الأَزِمّة، أصدر الرجل الصريح صاحب الجسم الضئيل والبشرة السوداء صوتًا مُهيبًا على الطبل، أجاب كريول عليه، ثم ردّت الطبول، واصل البوق بصوتٍ عذب عال والذي بدَا منعزلًا بعض الشيء، يُصغي كريول ويعلّق بين حين وآخر بعزفٍ مستحكم، وجميل، وهادئ، وعتيق، ثم انضمّوا إلى بعضهم من جديد، وقد صار صني فردًا من العائلة مرة أخرى، أستطيع رؤية ذلك على وجهه، وكأنه قد وجد بيانو جديدًا تحت أنامله، كان منْدهشًا به، أظهرت الفرقة سعادتها بصني، واتفقت معه أنّ البيانو جديد أثمَر بنجاح.

     ثم تقدّم كريول ليذكرهم أنّ الموسيقى التي يعزفونها هي البلوز، لمس شيئًا فيهم جميعهم، كما لمس شيئًا فيني كذلك، تعمّقت الموسيقى، وازدادت شاعرية، انتشر التوجّس في الجو، بدأ كريول يخبرنا عمّا تدور حوله البلوز، لم تكن عن شيءٍ جديد، إنمّا هو والرجال الذين معه يبتدعون فيها، تحت ظلّ الخراب والدمار والجنون والموت، ليخلقوا طريقةً عصريةً تجذبنا للاستماع إليها، إذ لا بدّ دائمًا من الإصغاء إلى القصة التي تحكي حجم ألمنا، وفرحنا، وكيف السبيل إلى الانتصار، والتي ليست بالجديدة على الإطلاق. ليست هناك قصةٌ أخرى لتروى، إنّها النور الوحيد  الذي نمتلكه وسط هذا الظلام.

      ولهذه القصة، وفقًا لذلك الوجه وذلك الجسد وتلكما اليدين القويتين على الأوتار، جانبٌ آخر في كل بلد، وعمقٌ جديد مع كل جيل. وكأن كريول يقول: أصغوا! هذه بلوز صني الآن، مُخْطِرًا بذلك الرجلَ الأسود الضئيل الذي معه الطبول، وصاحبَ البشرة البنية اللامعة الذي يمسك البوق، لم يعد كريول يحاول إنزال صني إلى المياه، بل أصبح يدعو له بالتوفيق، ثم تنحّى في بطءٍ شديد مفسِحًا المجال لصني ليتكلّم بنفسه.

     اجتمعوا بعد ذلك حول صني فيما واصل العزف، يبدو أحدهم بين فينةٍ وأخرى وكأنّه يقول آمين، ملئت أنامُل صني الجوّ بالحياة، بحياتِه التي تضمّ الكثيرَ من غيرها. عاد صني إلى مَطلع الأغنية وبدأ بأول نغمةٍ من جملتها الافتتاحية، ثم أخذ يطبعها بطابعه، كانت بديعةَ لأنها لم تكن مستعجلة، ولم تعُد تبعث على الأسى، سمعتُ الحرقة التي صَبَغها بها، والحرقة التي علينا أن نصبغها بها لنَقْطَع الحزن، أخذت الحريّة تحوم من حولنا، وفهمت أخيرًا أننا لو أصغينا فستتسنّى له مساعدتنا، وأنّه في حال أعرضنا فلن يتمكّن من التحرر أبدًا، زَالَ الصراع من على وجهه الآن، سمعت ما مرّ به، وما سيظلّ يمرّ به حتّى يواريه الثرى، امتَزَج بالسلسلة الطويلة التي لم نعرف منها غير أمي وأبي، وراح يُعيدها، مثلما تجبُ إعادة كل شيء، ليُكتب لها الخلود إذا هي مرّت بالموت.

     لاحَ لي وجهُ أمي من جديد، أحسست بقدميها التي ورمّتها الحجارةُ على الطريق الذي مشته، ورأيت الشارع الذي توفي عليه شقيق أبي تحت ضوء القمر، كما عبَر أمامي طيفٌ آخر، وحملني إلى جانبه، فقد رأيت طفلتي الصغيرة مرةً ثانية، وشعرت بدموع إيزابيل مجددًا، اغرورقت عيناي بالدمع، ولكنني كنت أعي أنّها لحظةُ فحسب، فالعالم ينتظر في الخارج جائعًا وكأنّه نمرٌ، والمشكلات تظلّنا من فوقنا أوسع مما تظلّنا السماء.

     انتهت المعزوفة، تنهّد كريول وصني، والعرق يتصبب منهما، وابتسما ابتسامة عريضة، اشتعل التصفيق الذي غلب الصدق على بعضه. أتت النادلة في العتمة وسألتها أن تأخذ بعض الشراب إلى المسرح، كانت هناك وقْفةٌ طويلة أخذوا يتحدثون فيها وهم على المسرح تحت الإنارة النيلية، رأيت الفتاة بعد دقائق تضع الويسكي والحليب على بيانو صني، لم يلحظه بادئ الأمر، ولكنه ارتشف منه قبل شروعهم في العزف من جديد، نظر إلي وأومأ برأسه ثم أعاد الكأس على البيانو، وما إن باشروا في العزف حتّى رأيته يتوهّج ويهتز فوق رأسِ أخي وكأنّه كأس الترنّح[2] بعينه.

 


[1] نُشرت هذه القصّة، “أحزان صني” أو “البلوز التي يعزفها صني”، عامَ 1957 تحت عنوان “Sonny’s Blues”.

[2] “هكَذَا قَالَ سَيِّدُكِ الرَّبُّ، وَإِلهُكِ الَّذِي يُحَاكِمُ لِشَعْبِهِ: هأَنَذَا قَدْ أَخَذْتُ مِنْ يَدِكِ كَأْسَ التَّرَنُّحِ، ثُفْلَ كَأْسِ غَضَبِي. لاَ تَعُودِينَ تَشْرَبِينَهَا فِي مَا بَعْدُ.” إشعياء 22\51.

 

error: المحتوى محمي