الاختلاف الديني في عصر علماني: تقرير الأقلية – صبا محمود / ترجمة: نورة آل طالب

الاختلاف الديني في عصر علماني: تقرير الأقلية – صبا محمود / ترجمة: نورة آل طالب

k10580مقدمة كتاب “الاختلاف الديني في عصر علماني: تقرير الأقلية”

صبا محمود – ترجمة: نورة آل طالب


برز الشرق الأوسط خلال العقود القليلة الماضية باعتباره مركزًا لتصاعد العنف بين المسلمين والمسيحيين والأقليات الدينية الأخرى. وإذ تنزع وسائل الإعلام الغربية السائدة إلى إظهار ذلك على أنه نتاجًا للصراعات القديمة والتعصب الإسلامي المتأصل، فإنه حتى أولئك الناقدين لهذا التفسير يساورهم مع ذلك قلقٌ بشأن إمكانية اختفاء التنوع الديني الذي تميزت به المنطقة لقرون عديدة. ولم يشتد هذا الخوف إلا بعد النزوح الأخير للمسيحيين واليزيديين من دول مثل سوريا والعراق في أعقاب الحروب الأهلية التي دمَّرت البلدين.[1] وفي هذا الكتاب أحلل الوضع المتقلقل للأقليات غير المسلمة في الشرق الأوسط الحديث، مع تركيز خاص على المسيحيين الأقباط الأرثوذكس، وبدرجة أقل، على البهائيين في مصر. يُعد الدين البهائي جديد نسبيًّا في مصر بينما يعود تاريخ المسيحيين الأقباط الأرثوذكس إلى القرن الأول حينما نقل مرقس الرسول الديانةَ المسيحية إلى أرض الفراعنة والوثنيين. وباعتبارهم يمثلون أكبر أقلية مسيحية في الشرق الأوسط، احتل المسيحيون الأقباط مكان الصدارة في تأريخ القومية المصرية نظير مساهماتهم في مقاومة الاحتلال البريطاني الاستعماري إلى جانب المسلمين[2]. ورغم الاعتراف الكبير بمساهماتهم في النضال المصري المناهض للاستعمار، إلا أنه في فترة ما بعد الاستعمار عُومل المسيحيون الأقباط بصفتهم مواطنين من الدرجة الثانية وعانوا أشكالاً عديدة من التمييز الاجتماعي والسياسي.

يجادل هذا الكتاب بأن الحوكمة العلمانية الحديثة قد ساهمت في تفاقم التوترات الدينية في مصر ما بعد الاستعمار، الأمر الذي أدى إلى تقوية الحواجز بين الأديان واستقطاب الاختلافات الدينية. سيظهر هذا الزعم مخالفًا لتوقعات كثيرٍ ممن يعتقد أن العلمانوية هي حل لمشكلة الصراع الديني وليست عاملاً مؤثرًا في إنشاءه. ومع ذلك، كما آمل أن أبيّن، لا يمكننا فهم الصراع الديني في مصر دون الاهتمام الكافي بالكيفية التي من خلالها بدَّلت العلمانوية الهويةَ الدينية والعلاقات بين الأديان. إن للعلمانوية سمة لازمة تنشأ في جزء منها من بنية الدولة الليبرالية الحديثة التي تعِد بهدم التراتبية الدينية بهدف خلق كيان سياسي يتساوى جميع الأعضاء فيه أمام القانون. لقد غيَّر مبدأ المساواة الدينية العلماني، الذي ظهر في القرن التاسع عشر،  العلاقات بين المسلمين وغير المسلمين، جاعلاً من الممكن لغير المسلمين تخيل مستقبلاً من المساواة المدنية والسياسية. لكن بالرغم من هذا الوعد التأسيسي، لا تزال الأقليات الدينية تعاني من مختلف أشكال التمييز في مصر المعاصرة وأجزاء أخرى من الشرق الأوسط. وفي حين أن المفاهيم والممارسات الإسلامية لها دور حاسم في إحداث هذا التباين، إلا أني أجادل بأن الدولة الحديثة وعقلانيتها السياسية أدتا دورًا أكثر حسمًا في تغيير الاختلافات الدينية الموجودة مسبقًا، مع إنتاج أشكال جديدة من الاستقطاب الطائفي، وجعل الدين أكثر ما يُبرز الهويات الأقلية والأغلبية على حدٍّ سواء وليس العكس. علاوة على ذلك، أقترح أنه بقدر ما تتسم العلمانوية بصيغة مشتركة عالميًّا للبنية السياسية القومية، يتخذ تنظيم الاختلافات الدينية شكلاً معياريًّا عبر الحدود الجغرافية.

هناك سمتين متناقضتين لهذه العقلانية السياسية العلمانية شديدتا الصلة ببعضهما البعض. أولاً، أصبحت الدولة الحديثة منخرطة في تنظيم الحياة الدينية وإدارتها بدرجة لم يسبق لها مثيل رغم زعمها الحياد الديني، ما يستدعي زج الدولة في المسائل الجوهرية المتعلقة بالعقائد والممارسات الدينية. ثانيًا، بالرغم من الالتزام بهدم الاختلافات الدينية في المجال السياسي، تُغيِّر الحوكمة العلمانية الحديثة من شكل الاختلافات الموجودة مسبقًا بين الأديان وتفاقمها أحيانًا، متيحةً لها التنامي في المجتمع فيُصيَّر الدين رمزًا للهوية القومية والمعايير العامة. ورغم أن الدول الحديثة تتسم بكل تلك السمات، إلا أنه في حالة الدول غير الغربية كمصر فإنها تُعد دلالات على العلمنة غير المكتملة.  وكتابي هذا يعترض على هذا التشخيص ويحثنا على التنبه إلى التناقضات البنيوية اللصيقة بالمشروع العلماني وكيف ساهمت تلك المفارقات في تشكيل الصيغة المعينة التي اتخذتها العلاقات بين المسلمين وغير المسلمين في مصر الحديثة.

تحليلي في هذا الكتاب مدين لحقل الدراسات العلمانية المزدهر الذي تصدى على مدى العقدين الماضيين للتصوير التقليدي للعلمانوية بأنها الفصل بين الكنيسة والدولة، والدين والقانون، والسلطتين الكنسية والسياسية[3]. جادل باحثون من مختلف المجالات بأن العلمانوية الحديثة تتعدى ما تسمح به هذه الصيغة المصغرة؛ إذ تنطوي على تحولات جوهرية في تصورات الذات والمكان والزمان، والإيتيقيا والأخلاقية بالإضافة إلى إعادة تنظيم الحياة الاجتماعية والسياسية والدينية.

بعبارة أخرى، العلماني ليس الأساس الطبيعي الذي ينشأ الدين منه، ولا هو ما يبقى عندما يُبعد الدين. إن العلماني نفسه هو نتاج تاريخي ذو استتباعات إبستمولوجية وسياسية وأخلاقية معينة، ولا يُمكن فهم أيٍّ منها كفايةً من الوصف الرمزي للعلمانوية باعتبارها تراجع الدولة الحديثة عن الدين. وبالمجمل، تستكشف هذه المعرفة البارزة بعُدين متمايزين للعلماني، وإن كانا مترابطين، هما: العلمانوية السياسية (political secularism) والعلمانية (secularity). يتعلق البُعد الأول بعلاقة الدولة الحديثة بالدين وتنظيمها له، بينما يشير الثاني إلى مجموعة المفاهيم والقواعد والحساسيات والتدابير التي تميز المجتمعات والذاتيّات العلمانية[4].

يُعنى هذا الكتاب في المقام الأول بالعلمانوية السياسية، وتحديدًا إنتاج الدولة الحديثة للاختلافات الدينية وتنظيمها في منطقة واحدة في الشرق الأوسط، وبآثار هذا التدخل على الطريقة التي من خلالها أصبحت الهوية الدينية تُعاش من جانب المسلمين وغير المسلمين على حدٍّ سواء. إلا أنني أتناول في الفصل الأخير مسألة العلمانية  من حيث التدابير والحساسيات والممارسات التأويلية الملائمة التي يُفترض بالمؤمن الحديث إيرادها في تفسير التاريخ المقدس والحقيقة الدينية. ولأن هذه الافتراضات لا توجد كثيرًا في سياسات الدولة ومراسيمها وإنما تتغلغل في الثقافة عمومًا، يتتبع الفصل الأخير آثارها من خلال جدلٍ عنيف جرى حول نشر رواية تاريخية تتناول المسيحية المبكرة في مصر.

وعلى غرار طلال أسد، أصوِّر العلمانوية السياسية على أنها سلطة الدولة السيادية لإعادة تنظيم السمات الجوهرية للحياة الدينية من خلال تعيين ماهية الدين أو ما ينبغي أن يكونه وتحديد مضمونه الملائم وتعميم الذاتيات المصاحبة والأطر الإيتيقية والممارسات اليومية[5]. والعلمانوية في هذا التصور لا تقتصر فقط على البنية التنظيمية لما تُفهم عادةً على أنها مكونات قبلية للتنظيم الاجتماعي – الخاص والعام والسياسي والديني – إنما تنطوي كذلك على ممارسة خطابية للسلطة التي تنشئ تلك المجالات وترسم حدودها وتغمرها بالمضمون لإكسابها سمة طبيعية لأولئك الذين يعيشون ضمن شروطها.

سلطة الدولة السيادية في تعريف الحياة الدينية وتنظيمها ليست أحادية ولا مقدرة سلفًا. هي بالأحرى تنطوي على تناقضٍ توليديّ. فمن ناحية، تزعم الدولة الليبرالية الالتزام بالفصل بين الكنيسة والدولة من خلال إحالة الدين إلى المجال الخاص، ذلك المجال المقدس المعني بالمعتقد الديني والحرية الفردية. ومن الناحية الأخرى، تنطوي الحاكمية الحديثة على تدخل الدولة في مختلف جوانب الحياة الاجتماعية-الدينية وتنظيمها، الأمر الذي يستدعيها إلى إلغاء الحد الفاصل بين العام والخاص ومن ثم مخالفة زعمها الأول. هذا لا يعني زيف التزام الدولة الحديثة الأيديولوجي بإبقاء الدولة والكنيسة منفصلتين أو أن العلمانوية تقيِّد الدين بدلاً من تحريره، بل إن الاتجاهين الواقعين في صلب العلمانوية – تنظيم الحياة الدينية وتفسير الدين بأنه فضاء متحرر من تدخل الدولة – يفسران قدرتها الهائلة على توليد نفسها: أيُّ تدخلٍ من الدولة في الحياة الدينية عادةً ما يولّد الحاجة إلى إبقاء الكنيسة والدولة منفصلتين ومن ثم تجديد افتراض العلمانوية والتزامها المعياريان. وبالنتيجة، مسألة كيف وأين يُرسم الحد الفاصل بين الدين والسياسة وبين ما يُعتبر عامًّا وخاصًّا، تكتسب أهمية خاصة في الدول الليبرالية وتخضع باستمرار للسجال القانوني والسياسي.[6]

قد يعترض قارئ عند هذه النقطة مفترضًا أن نموذج الحكم الليبرالي العلماني الموضّح أعلاه ينطبق على الديمقراطيات الأوروأطلسية وليس على الدول الشرق أوسطية التي توصف أفضل ما توصف بأنها “استبدادية” بسبب انتهاكها الصارخ للحريات الفردية. بالنسبة للبعض، يعني هذا التمييز أن المجتمعات الشرق أوسطية علمانية بصورة غير كافية، في حين أن البعض الآخر يرى أن الأمر يستلزم وضع تصنيف للعلمانوية لتمييز هذا الطراز السلطوي المغاير للطراز المُمارس في المجتمعات الأورو-أطلسية العلمانيًّة النموذجية[7]. ورغم إدراكي لأهمية التنبه إلى مسارات العلمانوية المحددة تاريخيًّا، إلا أني أؤمن بأن هذه الطريقة في صياغة الاختلاف تُعمينا عن السمات المشتركة للمشروع العلماني التي تشترك فيها المجتمعات الشرق أوسطية والأورو- أطلسية.

بدايةً، الدول الليبرالية والسلطوية ليست كيانات متعارضة. فالممارسات السلطوية توجد في الدول الليبرالية النموذجية، تمامًا مثلما تُسائل الأنظمة الاستبدادية في المحاكم الوطنية والدولية لانتهاكها مبادئ الحوكمة الليبرالية. لننظر على سبيل المثال في سلسلة القرارات التنفيذية التي أجازت التعذيب والمراقبة السرية للسكان المدنيين وتعليق الحريات الفردية في الولايات المتحدة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وجميعها تنتهك المعايير الليبرالية للحكم[8]. علاوةً على ذلك، التفريق الراسخ بين الدول الليبرالية والسلطوية لا يعترف بكيف أن المبادئ والنُظم الليبرالية، ومن أهمها المبدأ الليبرالي القاضي بالمساواة السياسية والقانونية المكفولة لكافة المواطنين، أصبحت تُحدد نمطًا عالميًّا لا يُستثنى منه أي مجتمع حديث. إن ما يميز البُعد العلماني للمشروع الليبرالي هو التوسع في مبدأ المساواة فيما يخص الاختلاف الديني، أي المطالبة بوجوب معاملة جميع الناس معاملة متساوية بغض االنظر عن الانتماء الديني. وكونها مطمحًا ومبدءًا، حثت المساواة الدينية على إحداث تغيير عميق في الكيفية التي تُدرك بها اللامساواة بين الأديان عبر التاريخ: من كونها ممارسة مقبولة عمومًا في فترة ما قبل الحداثة إلى مشكلة تتطلب حلاًّ في العالم الحديث. ويتجلى هذا المطمح في الإصلاحات السياسية وكذلك برامج الأحزاب السياسية والحركات الاجتماعية؛ إنه يمثل الأساس لمجموعة من قوانين الدولة ومؤسساتها التي تحدد نوع المطالبات الدينية التي يُمكن للفرد المطالبة بها علنًا. وحتى في الدول الأكثر قمعًا، يشهد تنوع الحركات الاجتماعية المناضلة من أجل المساواة الدينية على الانتشار العالمي لهذا المبدأ المثالي وما يتضمنه من وعود[9]. إنني أرى هذا المبدأ المثالي وما يصاحبه من مخيال اجتماعي باعتباره سمةً بنيوية للعلماونية السياسية يتشارك فيها العالمين الغربي واللاغربي. ولا ينبغي أن تعمينا استحالة تحقيقه عن قوّته والتزامه المتجدد وتناقضاته البنيوية.

خلال تأليف هذا الكتاب، برزت لي قِسمة الليبرالي- السلطوي أثناء ما كنت أحاول تحليل التاريخ المضطرب والمتداخل للشرق الأوسط وأوروبا وأمريكا. ففي الفصل الرابع على سبيل المثال، حيث أقدم تحليلاً للوسائل المماثلة التي تُصادق بها المحاكم المصرية والأوروبية على أعراف الأقليات الدينية وممارساتها، كنت أميل ميلا شديدًا لإخفاء هذا التماثل ومغالبة مادتي للتماشي مع مصطلح الليبرالي-السلطوي. وهذا ليس مستغربًا، إذ أن هذه القسمة تمارس قوة هائلة على تفكيرنا وتُصيغ المسائل البحثية التي أصبحت كلاسيكية في دراسات الشرق الأوسط[10]. فعلى سبيل المثال، حتى عندما يعترف الباحثون بالاستقلال النسبي للقضاء المصري على مدى فترة طويلة من تاريخه التالي للاستعمار فإنهم ينظرون إليه باعتباره شذوذًا يتطلب تفسيرًا بالنظر إلى “النزعة السلطوية” للدولة المصرية[11]. أحد الأسئلة الكلاسيكية التي توجه عديد من الأطروحات والكتب والمقالات هو “لماذا يسمح نظام سلطوي بوجود سلطة قضائية مستقلة؟” [12] يندر أن نتسائل عمّا يُمكن أن يُعلمنا إياه هذا الشكل من المشروعية بشأن طبيعة القانون الحديث، والسلطة السيادية للدولة، والعلاقة البنيوية بين حكم القانون واستثناءاته وإخفاقاته. [13] ثمة مشكلة مماثلة تقع عند تعاملنا مع الصراع الديني: ففي حين يُحلَّل وضع الأقليات العرقية أو الإثنية في الشرق الأوسط من منظور “الطائفية”، إدراك مصير اليهود أو المسلمين أو غيرهم من الأقليات (العرقية أو الإثنية) في أوروبا وأمريكا يُنظر له على أنه يتطلب منظورًا تحليليًّا مختلفًا. وبتأكيدنا على هذه الاختلافات، نحن نخسر فرصة استكشاف الوضع المتقلقل بنيويًّا الذي تبوأته الأقليات (العرقية والدينية والإثنية) في كل المجتمعات الحديثة وكيف أن الدولة الحديثة تخلق وتكيِّف الوضع الهش لتلك الأقليات. حقيقة أن الدولة المصرية مُلزمة بالاستجابة لمطالب المساواة الدينية وأن دستورها يقدّر الحرية الدينية وأن محاكمها تقبل الاعتراضات القانونية على سياساتها التمييزية تشير إلى مجموعة من المبادئ الليبرالية والقانونية والسياسية التي تشترك فيها مع الدول الأوروأطلسية المحسوبة على أنها نماذجًا علمانية.

والاعتراض الثاني على توصيف الدول شرق أوسطية بأنها علمانية يتمركز على الدور الذي يؤديه الإسلام في تشكيل الهوية والقانون القوميين، وهو دور يُشكل انتهاكًا واضحًا لمبدأ حيادية الدولة تجاه الدين. ومصر تُجسد هذه المشكلة. فدولة مصر تتخذ من الإسلام هويةً لها ومن الشريعة الإسلامية مصدرًا أساسيًّا للقانون في البلاد (كما هو منصوص عليه في دستور البلاد منذ عام 1981). وبالرغم من أن معظم القوانين المصرية مستمدة من القانون الفرنسي، إلا أن المفاهيم الإسلامية لا تزال متغلغلة في قرارات المحاكم والمجادلات السياسية. على سبيل المثال، المفهوم القرآني (أهل الكتاب)، الذي يرمز للأديان الإبراهيمية، يُستخدم لمنح اعتراف الدولة للمسيحيين واليهود بينما يُستعبد أعضاء الديانات الأخرى (كالبهائيين). [14] هذا المزج بين المواطَنة والتدين يتجلى أكثر في وجود قوانين أسرة منفصلة وقائمة على الدين للمسلمين والمسيحيين واليهود بدلاً من تبني نظام مدني مشترك يخضع له كافة المواطنين بالتساوي بغض النظر عن انتمائهم الديني.

يظهر أن كل سمات الحياة السياسية المصرية هذه تُخل بمبدأ الحياد العلماني الذي يُفترض أن تُجسده المجتمعات الأورو-أطلسية. إلا أن هذا الفهم يغفل عن مركزية المسيحية، التي تًموَّه باستمرار على أنها حضارة يهودية مسيحية، في هوية الدول الأورو-أطلسية، وهي إرث يتغنى به السياسيون والقضاة والمفكرون على نطاق واسع[15]. لننظر على سبيل المثال في النص التالي المأخوذ من قرار (Lautsi v. Italy) المعروف الصادر من المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان عام 2011 الذي أيّد حق المدارس الإيطالية الحكومية في عرض الصليب داخل الفصول الدراسية:

من الممكن، بالنظر فيما وراء الشكل، أن نبصر الخيط الذي يربط الثورة المسيحية التي دارت رحاها قبل ألفي عام بالتأكيد الأوروبي على حق حرية الفرد وبعناصر التنوير الأساسية، …. أي الحرية الممنوحة لكل فرد، وإعلانات حقوق الإنسان، وأخيرًا الدولة العلمانية الحديثة … وعليه يمكن الزعم بأن الصليب في الواقع الاجتماعي المعاصر لا ينبغي أن يُعد رمزًا لتطور تاريخي وثقافي فحسب، ومن ثم رمزًا لهوية شعبنا، إنما ينبغي اعتباره أيضًا رمزًا لنظام قيمي: الحرية، المساواة، الكرامة الإنسانية، التسامح الديني وتبعًا لذلك رمزًا لطابع الدولة العلماني[16].

لاحظ اجتماع الطابعين الكوني والخصوصي في الحجة هنا.

وإذ أن الأسانيد اللاهوتية والعقائدية للمسيحية الغربية جعلت العلمانوية ممكنة، هي أيضًا الدين الوحيد القادر على تجاوز تاريخانيته لإنتاج نموذج كوني للحوكمة العلمانية[17]. يُردد هذا التقييم كثيرًا مفكرون معاصرون من أمريكا وأوروبا مثل مارسيل جوشيه وتشارلز تايلور وسلافوي جيجيك[18]. والتعليق التالي الذي أدلاه الفيلسوف العلماني الليبرالي الشهير يوغرن هابرماس يجسد روح هذا التقييم:

إن نزعة المساواة الكونية التي نبعت منها مبادئ الحرية والحياة الجماعية التضامنية، وسلوك الحياة المستقل والتحرر، وأخلاق الفرد وضميره، وحقوق الإنسان والديمقراطية هي إرث مباشر من أخلاق العدالة اليهودية وأخلاق المحبة المسيحية. هذا الإرث، الذي لم يطرأ عليه تغيير يُذكر، كان ولا يزال موضوع التخصيص النقدي المستمر وإعادة التفسير. وحتى يومنا هذا، لا توجد بدائل أخرى له. وفي ضوء التحديات الراهنة للتشكيلة ما بعد القومية، لا زلنا ننهل من هذا التراث. وكل ماعدا ذلك هو مجرد حديث فارغ ما بعد حداثي[19].”

نرى بشكل ملحوظ أن التاريخ الكامل لتطور المؤسسات العلمانية والحوكمة الديمقراطية يُنسب دفعة واحدة لمبادئ العدالة والمحبة “المسيحية-اليهودية”. إن المواجهة القديمة بين القيم الكهنوتية والجمهورية، فضلاً عن تاريخ معاداة السامية الطويل، تُطرح جانبًا لتصوير العلمانوية باعتبارها إنجازًا فريدًا وُلد من اندماج المسيحية واليهودية. وأنا أورد هذا المثال لا لتسليط الضوء على عدم دقته التاريخية بل للفت الإنتباه إلى مركزية المسيحية في سرديات الهوية الأوروبية. إن مثل تلك الأقوال لا تحتج بإرثٍ تاريخي على نحوٍ شاملٍ فحسب، إنما تأتي أيضًا في سياق يُصوَّر فيه الحضور الإسلامي في أوروبا باعتباره تهديدًا للهوية الحضارية الأوروبية. وهذه المزاعم ليست فقط تعبيرًا عن التحيز الأوروبي، إنما أيضًا تدل على المركزية الجوهرية للقيم والمبادئ والحساسيات المسيحية (مهما صُوِّرت على أنها يهودية) في التصورات الأوروبية لمعنى العلماني. إن التحيز ضد المسلمين الأوروبيين اليوم (واليهود الأوربيين وغير الأوروبيين في الماضي) ينشأ وينبع من هذا الفهم الذاتي لأوروبا باعتبارها مسيحية في جوهرها وعلمانية في روحها الثقافية والسياسية في آن واحد. والفصول التالية تتضمن توضيحًا لهذه الحجة.

والأكثر أهمية أن الزعم بعدم قابلية العلمانوية غير الغربية وتلك الغربية للمقايسة (الأولى ناقصة والأخيرة مكتملة) يخفق في إدراك كيف أن العلمانية تُنظم ممارسة الدين في دولة كمصر؛ حيث يغفل عن الوسائل الجوهرية التي من خلالها تلتقي جوانب أساسية من الإبستيمية العلمانية في القسم الغربي وغير الغربي، مثل مفهوم الزمن الفارغ المتجانس كشرط لسياسة الأمة-الدولة[20]. كما يُخفق في تقدير التاريخ المشترك لمأسسة الدولة الحديثة، التي تنبني عقلانيتها السياسية على الفصل بين العام والخاص الذي، بدوره، يُعد ركيزة أساسية للوعد بالمساواة المدنية والسياسية. وبموجب هذا التنظيم، يُحال الدين إلى المجال الخاص، الذي يُعد أيضًا الحقل القانوني والخطابي للأسرة والجنسانية، ما يجعل مصائرهم الأخلاقية والسياسية متداخلة عادةً. وبما أن الأخلاقية الدينية كانت ولازالت دائمةً الاهتمام بالجنسانية، كما سأشير في الفصل الثالث، فإن تعيينهما (أي الدين والجنسانية) على أنهما المقوِّمين الجوهرييِّن للحياة الخاصة في ظل الحداثة العلمانية أنشأ بينهما تكافلاً مدمرًا يمتاز بالفرادة التاريخية. وهذا يتضح في الأزمة التي تشكلها الجنسانية في عدد من الصراعات حول ما الذي يعنيه الديني أو العلماني في العالم، بما فيها النزاعات حول زواج المثليين، والحجاب، ومنع الحمل، ومرض نقص المناعة المكتسب (الأيدز)، والإجهاض. وفي دول متنوعة كمصر والهند وإسرائيل، يتجلى ذلك في الأهمية المبالغ فيها الممنوحة لقانون الأسرة باعتباره الحيّز المثالي لحفظ الهوية الدينية وتوليدها. وبالمثل، فإن الفصل بين الممارسة الدينية (العام) والمعتقد الديني (الخاص)، المترتب على التقاليد القانونية الأوروبية والمصرية، يواصل تسويغ العقوبات التي تفرضها الدولة على الرموز والممارسات الدينية للأقليات في المجال العام. (قرار لاوتسي المذكور أعلاه مثال واحد على ذلك، ومزيد من الأمثلة يوردها الفصل الرابع). لا يمكننا جعل أيِّ من هذه الصيغ العلمانية المرتبطة مفهومةً إن نحن ظللنا عالقين بعناد في فخ المنطق القائل بوجود اختلافات جوهرية ذات ثقل حضاري تبقي الحواجز بين العالم الغربي واللاغربي راسخةً وتامّة.

وبالرغم من هذه الصيغ المشتركة للعلمانوية، إلا أنه من المهم التنبه إلى الأنماط الحياتية ذات الخصوصية التاريخية التي أُدخلت فيها المفاهيم والمؤسسات العلمانية في الشرق الأوسط. في مصر على سبيل المثال، كان على العقلانية السياسية للدولة الحديثة أن تتكيف مع موروث الحكم السياسي الإسلامي، الذي لم يقيد فقط مشروع الدولة الحديثة التحرري ولكنه أيضًا يغير طريقة تفسير المشروع وتنفيذه. وحقيقة أن السيادة القومية ذاتها كانت مبنية على امتلاك القدرة على المطالبة بثقافة ودين ولغة فريدة عمَّقت أكثر من مكانة الإسلام في الدول الشرق أوسطية. ونتيجةَ لذلك، يمكن القول إن مفاهيم الحوكمة الإسلامية في فترة ما قبل الحداثة في مكان كمصر أعادت صياغة مبادئ العلمانوية السياسية ومفاهيمها ومؤسساتها ومسَخَتها ومن ثم منحنتها نمطًا خاصًّا.

كيف نجعل مثل هذه الاختلافات التاريخية بائنة مفهوميًّا بينما في ذات الوقت نكون مهتمين بالسمات المشتركة عالميًّا للعلمانوية؟ واحدة من استراتيجيات المعرفة المتعلقة بفترة ما بعد الاستعمار كانت ترمي إلى دعم فكرة العلمانويات المتعددة وذلك بإبعاد أية رواية متمركزة حول الغرب عن طريق عرض أنماط أخرى للعلمانوية، أحدها بروتستانتي والآخر إسلامي أو هندوسي أو بوذي، كل نمط يقدم مسارًا فريدًا للعلمانوية. هذا الموقف يستدعي المناقشات التي جرت في تسعينيات القرن الماضي تحت موضوع “الحداثات المتعددة”، وكانت كذلك تهدف إلى مواجهة سرديات الحداثة الرأسمالية المتمركزة حول الغرب من خلال لفت الإنتباه إلى التطورات المتغايرة ذات الطابع المحلي والإقليمي في العالم غير الغربي[21]. وعلى الرغم من الشعبية الأكاديمية لتلك السردية التعددية ظاهريًّا، إلا أن عدد من النقاد اللاذعين جادلوا حينها أن شيئًا هامًّا كان مفقودًا فيها. على سبيل المثال، أشار تيموثي ميتشل إلى أن “لغة الحداثات البديلة” ألمحت إلى وجود “حيِّز لا نهائي من الاحتمالات، دون وجود مدلول دقيق لما يمنح الحداثة الإمبريالية قدرتها الهائلة على التكرار والتوسع[22].” كما أشار إلى أن لغة البدائل واصلت الدلالة على “حداثة فريدة ضمنيًّا وجوهريًّا” ومتكيفة مع سياقات ثقافية مختلفة، منفصلةً برصانة عن الهيمنة الإبستمولوجية المعنية بأنماط الحياة الأوروبية والغائية التاريخية[23].

إن الدعوة إلى “علمانويات متعددة” تعاني من مشاكل مماثلة من حيث أنها تفسر تاريخ الشرق الأوسط على أنه إنحرافًا عن النماذج الغربية للعلمانوية أو على أنه قصة محلية وإقليمية تضيف القليل لصيغتها المفاهيمية. لا أتعامل مع العلمانوية على أنها صيغة أحادية تغيّر بتجانس كافة التواريخ ولا على أنها تعددية مُعبَّر عنها في صيغ ثقافية محلية. فأنا بالأحرى أرتأي القول إن العلمانوية تنطوي على شكل من أشكال البَنْينَة القومية- السياسية المنظمة حول مشكلة الاختلاف الديني، وهي مشكلة يتخذ حلٌّها صيغًا متماثلة على نحو مدهش عبر السياقات الجغرافية. وفي ضوء ذلك، فإن الإشكال النقدي لا يتعلق كثيرًا باستعمال العلمانوية في صيغة الجمع بقدر ما يتعلق بتكوين مفهوم لتنوعاتها وفقًا لمشروع كوني، يتضمن أيضًا في السياق ما بعد الاستعماري خضوع المجتمعات غير الغربية المستمر لمختلف أشكال الهيمنة الغربية.

هذا بلا شك مشروع مُقارن ينطوي على تحليل كيفية انتقال المفاهيم عبر الزمان والمكان في مجتمعات تحتل مواقع مختلفة في مصفوفة عالمية لعلاقات القوة. إن العلمنة في فترة ما بعد الاستعمار مرتبطة بتاريخ تباينات القوة بين العالم الغربي وغير الغربي، لأسباب ليس أقلها أن كثير من المفاهيم والمؤسسات والممارسات العلمانية أُدخلت (بصورة مباشرة أو غير مباشرة) عبر الحكم الاستعماري. والتطبيق المستمر لها في فترة ما بعد الاستعمار لا يزال مدينًا لتاريخ الهيمنة المتبانية هذا، كما آمل أن أبيّن في هذا الكتاب. وكما يُذكرنا طلال أسد، المسألة لا ترتبط بالأصول الغربية أو غير الغربية لتلك المفاهيم، إنما تتعلق “بالأنماط الحياتية التي تُشكلها والقوى التي تُمكِّن لها أو تُعطلها تلك المفاهيم[24]. وعليه فإن السؤال الناتج هو كيف غيّرت تلك المفاهيم العلمانية الإدراكَ الذاتي لشعب الشرق الأوسط من خلال فتح سبلٍ للفعل مع غلق سبلٍ أخرى[25].”

يتتبع هذا الكتاب الاشتغال المعاصر بالعلمانوية السياسية في مصر عبر مأسسة خمسة من أفكارها الراسخة: الحقوق المدنية والسياسية، والحرية الدينية، وحقوق الأقليات، والنظام العام، والفصل القانوني بين الخاص والعام. هذا النوع من العمل ارتدادي، بحكم الضرورة، بحيث أن أية محاولة لتتبع الاشتغال المصري بمفهوم أو نظام علماني ما تتطلب تتبع تمثيلاته المهيمنة في المشهد الأوروبي، ليس فقط لإثبات انحرافاته بل لضبط مطالبه التحررية والمتعالية. وسوف أستكشف عبر فصول هذا الكتاب جوانب مختلفة من العلاقة بين الصياغات العلمانوية المصرية والأوروبية. كما سأجمع في الخاتمة المواضيع المتنوعة لهذا الاستقصاء لتسليط الضوء على نتائج تحليلي للكيفية التي يمكن من خلالها وضع تصور للعلمانوية في وحدتها وتشتتها. وبالمختصر، حجتي هي أنه على الرغم من احتلال الأقليات الدينية مكانةً هشة بنيويًّا في كل القوميات-الدول الحديثة، إلى أن الشكل المعين الذي يتخذه هذا التباين –  نمط تنظيمه وصياغته – يكون خاص من الناحية التاريخية. ومن ثم، فإن الوسائل التي من خلالها تخوض الأقليات الدينية صراعًا ضد هذا التباين، فضلاً عن التناقضات والمفارقات الناشئة من تلك الصراعات، تختلف وفقًا للسياق (مصر، فرنسا، سوريا). وإذ أن كل فصل من هذا الكتاب يُفصِّل مجموعة من المشكلات ذات الخصوصية التاريخية التي يواجها المسيحيون الأقباط والبهائيون في مصر، أوضِّح أيضًا كيف أن تلك المشكلات ناشئة من مجموعة من المفارقات والأحجيات التي تنشئها الدولة-الأمة الحديثة في سياق تنظيمها للاختلاف الديني.

المساواة الدينية والاختلاف الديني

كما أشرت، هذه السمة اللازمة للعلمانوية تنبع جزئيًّا من بنية الدولة الليبرالية الحديثة التي تعد بهدم أشكال التراتبية السابقة للحداثة بهدف إنشاء دولة يُفترض أن يتساوى فيها كافة المواطنين في نظر القانون. كان ذلك الوعد مقترنًا بنقدِ تأسيسي  للتباين النسبي وبإعادة معايرة الأشكال الخصوصية للإنتماء. فكان على الفاعل السياسي الحديث أن يجعل الولاء لدينه وأرضه وعشيرته في مرتبة أدنى من الولاء للأمة-الدولة[26]. في القرن التاسع عشر، غيَّر الوعد التحرري بالمساواة السياسية والمدنية الطريقة التي من خلالها يُدرك أتباع الإمبراطوريات الإسلامية المسيحيون ذواتهم في سياق الدولة. لقد تضمن الإنتماء للدولة الحديثة وعدًا يقضي بتمكينهم من التساوي مع المسلمين، حيث لم يعد محتَّمًا لهم البقاء غير متساوين بسبب عقيدتهم. (انظر الفصل الأول)

أحد الأبعاد الرئيسة لهذا التحول كان التطور القانوني والسياسي لقسمة الخاص- العام، التي كانت مصدرًا هامًّا لنشوء تقسيمات أخرى حديثة مثل العلماني والديني، السياسي والمدني، الكوني والمحدود. حينما حاول المسيحيون الأقباط في مطلع القرن العشرين إيجاد ذواتهم في لغة المواطنة المجردة هذه، طرحت مسيحيتهم مشكلات جوهرية رغم اعتياديتها. لقد كان منحهم حقوق المواطنة مستِندًا على قبولهم خصخصة مسيحيتهم، وذلك يعود تحديدًا إلى أن اختلافهم الديني لم يكن يُعتد بأهميته لوضعهم العمومي والسياسي والقانوني. إن حصر المسيحية القبطية بالمجال الخاص تعاضَد مع تبجيل الإسلام بوصفه الهوية الجمعية للأمة. فعلى الرغم من ولاءات المواطنة المتنوعة، إلا أنه كان يُتوقع من كافة المصريين اعتبار الإسلام مكوِّنًا أساسيًّا لتكوين الأمة بطريقة ألغت هذه السمة عن بقية الأديان. وكما ذكرت في الفصل الثاني، عندما صِيغ الدستور المصري الأول في عشرينيات القرن العشرين، حاول المسيحيون الأقباط مقاومة هذا الوضع المفروض على حريتهم السياسية. لكن وعلى الرغم من الاحتجاجات، قرر ممثلو الأقباط قبول الرهان في ذلك الوقت، ويأتي ذلك القرار مُجملاً في التصريح الأسطوري الذي أدلاه القائد القبطي البارز مكرم عبيد حين قال: “أنا مسلم الجنسية، مسيحي الديانة.” الحالة الأولى عامة، والثانية خاصّة. هذا التقييم، كما سأوضح، لا يزال يخيّم اليوم على النضال القبطي السياسي من أجل المساواة.

غالبًا تُقرأ هذه اللحظة المبكرة من تكوين الأمة المصرية باعتبارها مقامرة مأساوية خسرها الأقباط أمام القوى الإسلامية التي اختطفت وعد المواطنة المتساوية. ومع ذلك يجدر بنا النظر بعينٍ ناقدة في التحديات البنيوية التي واجهها المسيحيون الأقباط، كالأقليات الدينية الأخرى، في إطار الأمة – الدولة. التشبيه بالمسألة اليهودية في أوروبا مفيد هنا. فكما يخبرنا المؤرخون، انطوى تحرر اليهود خلال القرن التاسع عشر على خصخصة الحياة الدينية اليهودية وفردنتها. نتج عن ذلك إنهاء حكمهم الذاتي على مختلف جوانب الحياة الجماعية، واندماجهم في الأنماط الثقافية للدول الأوروبية الموغلة في القيم والحساسيات المسيحية[27]. ورغم المساعي اليهودية لتلبية هذه الحاجة، إلا أن اختلافهم عن هوية الأمة لم يختفي تمامًا. فاستمرار “المسألة اليهودية” حتى القرن العشرين يشير إلى أن الاختلاف اليهودي، المتجسد تحديدًا في ممارسات وأنماط حياة اليهود غير المندمجين، لم يُزل تمامًا. وقد ظل يُشكِّل تحديًا أمام أنظمة الدول الأوروبية، التي كانت أممية ومحايدة تجاه الدين زعمًا ولكنها مسيحية جوهريًّا. إن ابتكار مفهوم “الأقلية القومية” ونظام حقوق الأقليات الذي شُكِّل تحت مظلة عصبة الأمم خلال فترة ما بين الحربين كان يُرمى منه فهم وإصلاح سياسات الاستيعاب القسري القومية الموجهة ضد يهود أوروبا وغيرهم من الجماعات ممن تجعلهم خلفيتهم الدينية والإثنية واللغوية في حالة استهداف. (انظر الفصل الأول)

في مقال “حول المسألة اليهودية”، المكتوب عام 1843، شخَّص الشاب كارل ماركس بذكاء المكان الممنوح للاختلاف الديني داخل عقلانية الدولة الليبرالية الحديثة[28]. كان ماركس يستجيب للرؤية العلمانية الليبرالية المهيمنة الرائجة في ذلك الوقت، والتي عبَّر عنها برونو باور بشكل بليغ، ومفادها أن تحرر اليهود الفعلي لم يكن يستدعي تخليهم عن اليهودية فحسب، إنما استدعى الدولة أيضًا إلى عدم تسييس الدين وجعله منفصلاً عن الوضع المدني والسياسي للمواطنين الأوروبيين. كان برونو يتوقع أنه بمجرد إزاحة الدين عن مجال السياسة، لن يستمر اليهود في “مواجهتهم الدينية أمام الدولة”؛ مسلكٌ علماني يبدو لنا صحيحًا حتى وقتنا الحاضر[29]. ومع اعترافه بأن “عدم تسييس” الدين كان يُمثل تقدمًا على الماضي، جادل ماركس بأنه من الخطأ الخلوص بأن الدين أصبح عديم الصلة بالحياة السياسية للدولة الديمقراطية الليبرالية (التي يشير إليها أحيانًا بالدولة “الدستورية” أو “السياسية”). فبالرغم من أن الدولة اللليبرالية كانت قد جعلت الدين هامشيًّا أمام ممارسة السيادة الشعبية، إلا أن الفروق الدينية، مثلها مثل “الفروق الأخرى الناتجة عن النشأة، والطبقة الإجتماعية، والتعليم [و] المهنة” أُتيحَ لها الإزدهار في الدول السياسية (بما في ذلك أمريكا الشمالية التي يقدمها باور نموذجًا). وقدرة تلك الفروق على تعزيز التباينات الاجتماعية وتوالدها ظلت غير مفحوصة[30]: “يحرر الإنسان نفسه سياسيًّا من الدين بإقصاءه من مجال القانون العام إلى مجال القانون الخاص. لم يعد الدين يشكل روح الدولة، [عوضًا عن ذلك] أصبح يشكل روح المجتمع المدني .. لم يعد يشكل جوهر الاجتماع … بل جوهر الاختلاف … إن انقسام الإنسان إلى إنسان عام وآخر خاص، وعزل الدين عن الدولة وإحلاله في المجتمع المدني – كل ذلك لا يُمثل مرحلة من مراحل التحرر السياسي بل يمثل اكتماله. ومن ثم، فإن التحرر السياسي لا يلغي التدين الحقيقي للإنسان كما لا يسعى إلى ذلك[31].” من خلال عزل الدين في المجال الخاص، فالدولة السياسية لا تدفن في الواقع التباينات التي يعززها الدين ولكنها أيضًا تنزع عنها الصفة السياسية بحيث تظهر طبيعية وخارجة عن المجال السياسي. لاحظ أنه، بالنسبة لماركس، “تفكيك الإنسان إلى يهودي ومواطن، بروتستانتي ومواطن، رجل دين ومواطن، ليس .. التفافًا على التحرر السياسي، بل هو التحرر السياسي ذاته، النسق السياسي للتحرر من الدين[32].”  وهكذا، على الرغم من إقصاء الدين عن العملية السياسية، إلا أنه في الوقت ذاته يحتل مكانة موقرة في المجال الخاص باعتباره مكوَّن أساس للهوية الفردية والجمعية في المجتمع الليبرالي.

كان ماركس، كما هو معروف، يسعى إلى التحرر البشري التام للإنسان بصفته “كائنًا نوعيًّا”، وهذا يستلزم إلغاء الدين والدولة الدستورية/السياسية. يجادل ماركس بأن التحرر البشري الحقيقي لا يتحقق إلا عندما يكون الإنسان “قد أصبح كائنًا نوعيًّا، وحين يكون قد اعترف بقواه الخاصة كقوى اجتماعية ونظّمها، فلا يفصل عنه هذه القوة الاجتماعية في هيئة قوة سياسية[33].” وعلى غرار فيورباخ، كان ماركس يميِّز الوعي الديني بوصفه سمةَ للذات المغتربة المقيدة التي تُسقط قواها البشرية الجمعية على اللاهوت المُجسد. يقترح ماركس في مقالته “حول المسألة اليهودية” أن الدين والدولة السياسية يعملان بطرق مشابهة من حيث أن كليهما تصويران للقوة البشرية المغتربة عن ذاتها: “الدولة هي الوسيط بين الإنسان وحريته، فكما أن المسيح هو الوسيط الذي إليه يَرُدُّ الإنسانُ كل ألوهيته وكل روابطه الدينية، فإن الدولة هي الوسيط الذي يَضعُ الإنسانُ فيه كل بشريته وكل حريته البشرية[34].” بالنسبة لماركس، كما يجادل ويندي براون، فإن الإنسان يرجع إلى “قوى مؤسستي الكنيسة والدولة اللتان لا تملكانها، إنما هي قوى ذات قدرات بشرية وآثار إنسانية استُثمرت بطريقة غير مباشرة في الدولة والكنيسة … وبالفعل، تشكلت قوة تلك المؤسستين من خلال ارتباطهما الممنهج بسوء التمييز وسوء الاستثمار[35]“. عبارة ماركس الشهيرة “الدين أفيون الشعوب” تعبِّر باقتدار عن معنى أن الدين، بالنسبة له، هو التشويش الإيديولوجي للواقع. وتبعًا لذلك، يُعارض ماركس من هذا المفهوم للدين مشورة باور العلمانية القاضية بوجوب تحرير الإنسان نفسه من الدين؛ إذ يرتأي، عوضًا عن ذلك، أن ذلك لم يكن ممكنًا حتى حرَّر الإنسان نفسه ماديًّا، أي، حتى امتلك الإنسان شروط وجوده وسيطر عليها.

كثير من الأدبيات الحالية حول الدين والعلمانوية واجهت وأعادت النظر في هذا المفهوم للدين باعتباره اعتقاد مموّه حول الطبيعة الحقيقية للعالم والقوى البشرية. ومن الكتابات التي نالت أهمية خاصة هو عمل طلال أسد الذي يُظهر أن مفهوم الدين باعتباره معتقدًا هو في حد ذاته جزء من إطار علماني معياري  يُجرَّد الدين فيه من ماديته[36]. هذا الإطار المعياري لا يؤمِّن مفهوم تصوُّري وذاتوي للدين على حساب تضميناته المادية فحسب، لكنه أيضًا يخفق في إدراك كيف أن التدين الحديث (سواء كان في هيئة إيمان بالسمو أو بهوية سياسية أو بإيديولوجية الدولة) مَكَّنت له المؤسسات العلمانية التي أصبحت أكثر إنخراطًا في تشكيله وتطبيقه. في الواقع، إن كان الديني والعلماني مترابطان ترابطًا مستحكمًا في العصر الحديث، كلٌّ منهما يكيّف الآخر، فإن السؤال لا يكون كيف يمكن للمجتمع الحديث محو الدين من الحياة الإجتماعية (كما تصور ماركس)، بل كيف يمكن إدراك سلطته وإنتاجيته المستمرة من ناحية حسية وعقلية. وفيما يتبع، أتناول هذه القضية بإظهار كيفية تزايد الاختلاف الديني في مصر الحديثة خلال ما كان يجري علمنة منطق الدولة (raison d’etat ). آمل أن أبيّن كيف أن تنظيم الدين في ظل العلمانوية لم يُضعف من قوته فقط بل حوَّرَه بطريقة جعلته أكثر أهمية لهوية الأكثرية والأقلية من السكان. وقد أسفرت هذه العملية عن تفاقم الصراع والتباين بين الأديان، وتقدير بعض جوانب الحياة الدينية على أخرى، والوضع الهش للأقليات الدينية في الدولة.

الحقوق الدينية وحقوق الأقليات في مصر

يقوم هذا الكتاب على أكثر من خمسة عشر شهرًا من العمل الميداني في القاهرة بمصر خلال الأعوام من 2008 إلى 2013. حينما وصلت إلى هناك عام 2008، كنت أخطط للعمل على عملية علمنة التأويل القرآني في الحياة المصرية العلمية والسياسية والعامة. لكن ثمة مشكلة أكثر إلحاحًا استحوذت على انتباهي بمجرد وصولي، وهي محنة الأقليات الدينية التي غصَّ بها الإعلام المصري. كانت الشبكات الإعلامية المصرية تنشر تقارير يومية عن المناوشات بين المسيحيين الأقباط والمسلمين، بدءًا من الحوادث البسيطة ووصولاً إلى الهجمات على الأديرة والكنائس والممتلكات المسيحية. كما أن نضال البهائيين، الذي يشكلون أقل من 1% من مجموع السكان، أثار نقاشًا محتدمًا في برامج وقت الذروة حول مسألة ما إذا كان يجب على الدولة الإعتراف بالدين البهائي أم لا.

أتت تلك النقاشات العامة على النقيض من الصمت عن المسألة في التسعينيات حينما كان يندر الإعتراف بوجود الأقليات في الإعلام ولا تكاد تُذكر مشكلاتهم بسبب الرقابة الحكومية الصارمة. أثار فضولي هذا الأمر؛ هل كانت هذه مشكلة قديمة لم يعد بالإمكان كبحها، أم هل ساءت العلاقات عبر السلالات المذهبية في العقد السابق إلى حد يتعذر إصلاحها؟

وبناء على اقتراح الأصدقاء، طلبت المساعدة من إحدى المنظمات البارزة المعنية بتقديم المساندة القانونية، وهي منظمة المبادرة المصرية للحقوق الشخصية (EIPR) (الناشئة عام 2002). وعلى عكس منظمات حقوق الإنسان العلمانية التي كانت تميل إلى الإبتعاد عن قضايا الصراع بين الأديان، كانت منظمة (EIPR) متفردة حينذاك في تولّي القضايا نيابة عن الأقليات الدينية، بما فيهم المسيحيين الأقباط والبهائيين والشيعة[37]. والأهم أن المنظمة كانت تمتاز بموضعة حق الخصوصية، الذي أُسِّست وسُمِّيت حوله المنظمة، وهي تركز على مسائل الدين والجنسانية[38]. أكثر ما كانت تقوم به المنظمة، إلى جانب إطلاق الحملات العامة، كان مقاضاة الحكومة لانتهاكها دستورها وقوانينها الخاصة بالتدخل في الحياة الدينية وتعيين القيم الدينية الجوهرية. وقد نجحت المنظمة نجاحًا باهرًا في كسب القضايا المعقدة، ومن أهمها حق البهائيين في الاعتراف بدينهم في المستندات الحكومية، رغم حظر الدولة المفروض على دينهم. (انظر نقاشي حول هذه المسألة في الفصل الرابع)

عملت مع المبادرة المصرية عامًا كاملاً وتتبعت طيلة تلك المدة الجدالات التي أثارتها في الإعلام وبين ناشطي حقوق الإنسان الآخرين في مصر. ومعظم ما جاء في هذا الكتاب هو بفضل الحوارات التي أجريتها مع فريق المبادرة الذكي والمتفاني وتأملات أعضاءه في الأسباب الاجتماعية والقانونية والسياسية للتمييز الديني في مصر. كما ثقفوني بشكلٍ دقيق حول طبيعة القانون الدولي لحقوق الإنسان الذي يعملون تحت مظلته، حيث يمتاز بالشمولية والمحدودية في الآن ذاته. هذا الكشف عن إمكانات النظام الدولي لحقوق الإنسان وحدوده حفزني على كسب فهمٍ أفضل لهذا القانون وأهميته التاريخية لنضال الأقليات الدينية. وعلى عكس ما توقعت، عرفت خلال هذا العمل الميداني أن خطاب حقوق الإنسان كان يحظى بمناصرة دينية قوية، وأبرز من يمثلها هي الحركة الإنجيلية الأمريكية. فبمساعدة من وزارة الخارجية الأمريكية، شنَّ الإنجيليون حملة عالمية ناجحة منذ تسيعنيات القرن الماضي “لإنقاذ المسيحيين المضطهدين” في الشرق الأوسط (انظر الفصل الثاني). بالنسبة لبعض المصريين، فإن الحركة الإنجيلية المعاصرة تُذكِّر بالبعثات التبشيرية في القرن التاسع عشر التي شُنَّت باسم الحرية الدينية وتدخلت في السياسة الداخلية المصرية كذلك (انظر الفصل الأول). وبالنسبة للآخرين، فإن الحركة الإنجيلية المعاصرة تختلف قطعًا عن البعثات التبشيرية في الماضي من حيث أنها لا تهدف إلى هداية المسيحيين الأقباط، بل لإيصال محنتهم إلى الساحة العالمية. دفعني هذا الجدل إلى استكشاف كيف أن التعزيز الاستعماري والتبشيري لحق الحرية الدينية يكوِّن جوهر الخطاب الحالي والحملات المعاصرة، مما يكشف عن التداخلات والإنفصالات بين التاريخ الأسبق والحاضر.

خلال عملي الميداني، وأنا أطالع المذكرات القانونية المصاغة بعناية التي أعدتها المبادرة المصرية نيابة عن موكليها، اتضح لي أن جينيالوجيا قانونية أخرى متأصلة في الإرث العثماني للحكم الإسلامي شكَّلت جوهر تلك الدعاوى القضائية، إلى جانب القانون الدولي وقانون حقوق الإنسان. ويمكن ملاحظة آثار هذا الإرث في مفاهيم مثل “أهل الكتاب” والحكم الذاتي القضائي الممنوح لكل جماعة دينية تعترف بها الدولة على ما يُسمى بقانون الأسرة. وعلى الرغم من ميلي في البداية إلى قراءة ذلك على أنه مجرد بقايا من الماضي، إلا أنني أدركت في النهاية الطبيعةَ المتحولة لتلك المفاهيم وما تفرضه من هيمنة وضبط في حياة الأقليات في مصر اليوم.

ينشأ صراع الأقليات الدينية في مصر اليوم حول مفهومي الحرية الدينية وحقوق الأقليات المزدوجين؛ ففي حين أن الأول ينص عليه الدستور المصري، إلا أن الأخير مُتنازعٌ عليه بشدة. ومع ذلك فإن كليهما ينتمي للحقل الدلالي والمفاهيمي للحقوق المدنية والسياسية. فكما أوضح في الفصل الثاني، لطالما كان معناهما محل نزاعِ عويص في تاريخ مصر الحديثة. في اللحظة الراهنة، على سبيل المثال، يتصور معظم الناشطين العلمانيين الحريةَ الدينية على أنها حق فردي يتماشى مع الخطاب الدولي لحقوق الإنسان. وأما بالنسبة للكنيسة القبطية المسيحية، فإنه حق الجماعة – وتحديدًا حق الكنيسة في إدارة شؤون المجتمع القبطي – وفي مراقبة حالات التبديل للإسلام، وفي المحافظة على حكمها الذاتي على قانون الأسرة القبطي. وبالنسبة للأقباط العلمانيين العاديين، المفهوم الفردي للحرية الدينية يمنحهم في بعض الأحيان انعتاقًا من الهيمنة الكنسية على حياتهم، وفي أحيان أخرى، تُمثل الحمايات الجمعية التي يوفرها مفهوم الحرية الدينية تنفيسًا مرغوبًا من التوجه الاستيعابي للمشروع القومي الإسلامي.

وكما أناقش في الفصل الثاني، هذه الإختلافات بين معاني الحرية الدينية ليست محلية تمامًا؛ حيث تنعكس في مباحثات القانون الدولي خلال فترة ما بين الحربين الدائرة حول ما إذا كان المفهوم الفردي للحرية الدينية كافيًا لحماية نمط عيش الأقليات. ومثلما تكشف هذه المباحثة المبكرة، القضية بالنسبة لكثير من الأقليات الأوروبية لم تكن حرية الضمير بقدر ما كانت قدرة الجماعة على إنشاء واستبقاء النظم الاجتماعية التي بدورها تضمن مرور التقاليد الأساسية للأجيال اللاحقة والحفاظ على الهوية الجماعية. وإن كانت مساعي يهود أوروبا في المطالبة بمثل تلك الأحكام في مختلف المعاهدات الخاصة بالأقليات خلال فترة ما بين الحربين العالميتين تُمثل مثالاً على ذلك (انظر الفصل الثاني)، فإن جهود الأمم الأولى (The First Nations) في استبقاء حكمها الذاتي الجماعي على الأراضي والموارد في أمريكا الشمالية هي مثال آخر. وقد تمت موضعة مسألة حقوق الأقليات من خلال مُنظريْ التعددية الثقافية اللبيراليين في التسعينيات، أمثال ويل كيمليكا وتشارلز تايلور وآيرس يونغ، الذين لفتوا الإنتباه إلى أهمية الهوية الجماعية للتعددية الديمقراطية، ونادوا بالحقوق النابعة من اختلاف الجماعة الأقلية لصالح بعض الجماعات الثقافية، لا سيما الشعوب الأصلية لأمريكا الشمالية. غير أن دعواهم كانت دائمًا محدودة، وكان يحددها اهتمام الليبرالية الأساسي بتحقيق أقصى قدرٍ من الحرية والاستقلالية الفرديتين[39]. وقد اقتصر اهتمام أولئك المنظرين على “الاختلاف الثقافي” وصمتوا عن مسألة الاختلاف الديني على افتراض أن الدين يُشكل سمة ثانوية نسبيًّا “للثقافة”[40].

ورغم أن النقاش الدائر حاليًّا في مصر يشترك في بعض المسائل المموضعة في تلك المباحثات السابقة حول الأقليات، إلا أنه يختلف عنها في بعض النواحي. فبما أن الإختلاف الديني هو عنصر جوهري في صراع الأقليات بمصر، فهو بالضرورة يرتبط بمسائل العلمانوية السياسية وينطوي عليها. كما أن الجدال فى مصر حول وضع الأقليات مختلف كذلك من حيث أنه يرتبط بجينيالوجيا أخرى متجذرة في تاريخ الفكر السياسي الإسلامي ومكانته في الدولة الحديثة. فمسائل مثل العلاقة الملائمة للشريعة بالقانون المدني المصري، وكيفية موازنة مبدأ المساواة المدنية والسياسية مع الهوية الإسلامية للدولة، وموقع الأقليات الدينية (كالبهائيين والشيعة) في الدولة تكون موضع جدل وخلاف محتدميَن. ومن ثم فإن اللاهوت السياسي للدولة المصرية يتنقل بين التقاليد الليبرالية والإسلامية، حتى لو كانت أحدها تحكم بقوة أكبر من الأخرى في هذه المداولة.

إن مفهوم الأقلية القومية أيضًا هو من المفاهيم المُتنازع عليها في مصر اليوم، مثله في ذلك مثل مفهوم الحرية الدينية. عندما بدأت العمل مع المبادرة المصرية، أدهشتني حقيقة أن هذا المصطلح غير معترف به قانونيًّا رغم تشبُّع النقاش العام به. وفي حين تنزع الكنيسة القبطية الأرثوذكسية والحكومة المصرية إلى تفادي المصطلح، فإن حقيقة مطالبة الأقباط بقانون أسرة يخصهم ويكون مبني على الدين تُشكل مثالاً على الحقوق النابعة من اختلاف الجماعة الأقلية المرتبطة غالبًا بسياسات الأقليات. بالنسبة لكثير من الأقباط القوميين، يظل هذا المصطلح موصوم بالاستخدام الاستعماري له، عندما استخدمته بريطانيا لزرع الإنقسامات بين المسلمين والمسيحيين لتأمين حكمها[41]. بالنسبة لأولئك الناشطين والمفكرين، مسمى الأقلية يعزل الأقباط عن هوية الأمة مما يُقصيهم أكثر عن مبدأ الوطنية والمساواة الشاملتين، وعبارة مكرم عُبيد المقتبسة أعلاه “أنا مسلم الجنسية، مسيحي الديانة” تعكس هذا الموقف وغالبًا ما تُردد بحماسة وطنية كبيرة. مهما يكن الحال، يوجد الآن رأي مخالف بقوة بين الأقباط الذين يدعون إخوانهم في الدين إلى تبني مسمّى “أقلية قومية” بغيّة إظهار تبعيتهم بلغة لها جاذبية في القانون الدولي وقانون حقوق الإنسان. تعتمد تلك الأصوات على لحظة مبكرة في التاريخ، يتجاهلها القوميون غالبًا، حينما سعت جماعة بارزة ممثلة للأقباط، في العقدين الأول والثاني من تسعينيات القرن الماضي، إلى التمسك بوضعهم كأقلية بهدف تسليط الضوء على التمييز الديني الممنهج الذي كانوا يواجهونه، واقتراح وسائل سياسية منصفة. ففي القسم الأول من القرن العشرين، سعى أولئك الناشطون الأقباط إلى التخلي عن مسمى الجماعة الطائفية (ملة/طائفة) لصالح استخدام مصطلحي “أمة” و “أقلية” للمطالبة بالمساواة مع المسلمين. وإذ أستكشف هذه النقطة بالتفصيل في الفصل الثاني، فإنه من المهم التأكيد على أن النزاع الشديد حول أيةِ مطالبة بهذين المبدأين، الحرية الدينية وحقوق الأقليات، يعود إلى تداخلهما مع تاريخ الحكم الإستعماري والحملات التبشيرية، إلى جانب مشاريع الهيمنة الغربية المستمرة في مصر. بعبارة أخرى، سيادة مصر التباينية بالنسبة إلى القوة الغربية تُحدد بشكل حاسم معنى تلك المفاهيم والتطبيق العملي لها. وهذا لا يتجلى فقط في التاريخ الإستعماري الذي يستدعيه اليوم هذين المفهومين، إنما يتجلى أيضًا في القوة العظيمة التي يحكم بها قانون حقوق الإنسان والقانون الدولي في تسوية الصراعات الداخلية في مصر اليوم. في المقابل، انتهاكات حقوق الأقليات والحرية الدينية في المجتمعات الأورو- أطلسية نادرًا ما يُفصل فيها على هذا الصعيد.

حقيقة أن مفهومي الحرية الدينية وحقوق الأقليات يبرزان بوضوح في النضال من أجل المساواة الدينية في مصر لا تثير الإستغراب؛ فكلاهما يعملان لتسليط الضوء على تواريخ التبعية ولتوفير وسائل للإنصاف ضمن إطار الدولة-الأمة. كلا المفهومين يُعيدان مسألة الإختلاف إلى لغة الحقوق المدنية والسياسية الصرفة. وتنشأ الحاجة لحقوق الأقليات عندما يعجز التكوين المهيمن في الدولة عن استيعاب أو دمج “الآخرين” التابعين لها. وبالمثل، فإن المناداة بالحرية الدينية تُمثل إنشقاقًا عن المعايير الدينية للأكثرية القائمة مقام الثقافة القومية. كلا المفهومين يُقدمان تشخيصًا لللامساواة الدينية التي تتخلل الحياة الاجتماعية في الدولة الليبرالية العلمانية، وهي لامساواة تُشكك باستمرار في الوعد غير الموفى بالمساواة السياسية النظامية. يمكن القول إن مفهومي الحرية الدينية وحقوق الأقليات من أعراض وعد العلمانوية السياسية وحدودها على حدٍّ سواء: ينعكس وعدها في زعمها جعل الدين محايدًا حيال توزيع الحقوق والحريات، وحدودها تنعكس في عجزها عن محو الإنتماءات الطائفية المقيِّدة من الهوية السياسية للمواطنين. هذه المفارقة، المتغلغلة في العلمانوية السياسية، تتجلى في كل فصل من هذا الكتاب.

اعتراضات علمانية

عند هذه المرحلة، أود التطرق بإيجاز إلى بعض الإعتراضات الشائعة التي قد يثيرها القراء على تحليلي للعلمانوية. قد يجادل أحدهم أني رسمت صورة قاتمة جدًّا للعلمانوية لا تعدو فيها أكثر من كونها ممارسة لسلطة الدولة والسلطة النيو كولونيالية، وأني تجاهلت أبعادها الأكثر تطلعًا وتحررية: الحماية التي تمنحها للأفراد والأقليات الدينية للتمسك بمعتقداتهم الدينية وممارستها بحرية دون إكراه من الدولة والمجتمع، أو ضمانها بأن الإنتماء الديني للمواطن لا يشكل أهمية لوضعه المدني والسياسي في نظر القانون، أو سماحها للمؤمنين وغير المؤمنين بالتعبير عن آرائهم دون خوف من أي تمييز يصدر من الدولة أو المجتمع. هذه الحريات بالغة الأهمية، مثلما يعرف تمامًا كل من تعرض للمضايقة بسبب معتقداته الدينية (أو غير الدينية). علاوةً على ذلك، علّمنا تاريخ الاضطهاد الديني أن نحذر من دمج هوية الدولة دمجًا وثيقًا مع مؤسسات السلطة الكهنوتية. وإن كانت محاكم التفتيش المسيحية مثالاً قديمًا على ذلك، فحريٌّ بنا أن نعي ما تُحذر منه الأمثلة الأقرب عهدًا من السعودية وإسرائيل وإيران بشأن التخلي عن مبدأ حيادية الدولة تجاه الدين.

وإذ أُقدِّر الحمايات والحريات التي قد تمنحها العلمانوية للمعارضين الدينيين وغير المؤمنين، أود كذلك الإشارة إلى أن العلمانوية السياسية لا تقتصر فقط على مبدأ حياد الدولة أو الفصل بين الكنيسة والدولة، حيث تنطوي كذلك على إعادة تنظيم وإعادة صياغة الحياة الدينية والعلاقات بين الأديان بما يتماشى مع معايير محددة، هي في حد ذاتها دخيلة على حياة الناس والأديان التي تُنظمها. هذا البعد للعلمانوية السياسية ينبغي أن يُدرك لفهم العوالم الحياتية التي تخلقها، وأشكال الإقصاء والعنف المنطوية عليها، وأنواع التراتبيات التي تُنشئها وتلك التي تسعى إلى تقويضها. يرتبط بُعدا العلمانوية السياسية – الدافع التنظيمي ووعدها بالحرية – ترابطًا وثيقًا بحيث أن كليهما لازمًا لتحقيق الآخر. وينبغي ألا يُنظر خطئًا للتقصي العلمي لهذه السمة الثنائية للعلمانوية وحدودها وتناقضاتها وحدتها على أنه إدانة للعلمانوية أو دعوة لزوالها. العلمانوية ليست أمرًا يُمكن القضاء عليه مثلها في ذلك مثل الحداثة، حيث أنها من المظاهر الحتمية لوضعنا الراهن باعتبارها مخيالاً سياسيًّا وإطارًا إبيستمولوجيًّا على حدِّ سواء. ولذا، فإن نقد نظام معياري معين لا يعني رفضه أو إدانته، بل إنه من خلال تحليل أبعاده التنظيمية والإنتاجية لا يترتب على ذلك في الواقع سوى تجريده من البراءة والحياد على أمل بناء مستقبل أفضل.

من أكبر المعضلات في الاعتقاد بأن العلمانوية الليبرالية هي أمر يختلف عن مبدأ حياد الدولة تجاه الدين هي أن ذلك التصور يضع إمكانية تحقيق المساواة المدنية والسياسية على المحك، ويستتبع ذلك المجازفة بوعد تحرير الإنسانية من العبودية الإلهية وسلطة رجال الدين. إن العلمانوية تُعلمن السلطة الإلهية بجعل مزاعمها المتجاوزة حلولية ودنيوية. والقول بأن السياسة العلمانية الليبرالية ليست مجردة من الدين يهدد الأمل بإمكانية وجود حَكَم محايد يكون قادر، أمام الصراع الديني الدائم، على حل النزاع بالبقاء خارج دائرته. يبدو لي أن الحديث عن العلمانوية في عالم اليوم يعني الإنخراط في ما أسماها كوانتين سكينر أفعال كلامية “تقييمية – وصفية”، حيث أن وصف نظام سياسي ما يعني أيضًا الإشادة به من خلال معاملة المزاعم المعيارية لنظام معين على أنها أساسًا لتقييم تفوقه[42]. ولعله لهذا السبب أٌتهم أحيانًا بالكفر بالمبدأ ذاته عندما شكَّكت في وعد الدولة العلمانية بالمساواة الدينية، كما لو أن التقصي عن الوعد العلماني يعني رفض مبدئها المثالي. ولكن الأمل العلمانوي القاضي بأن الدولة المعلمنة فعلاً ستنجينا من الصراع والتحيز الدينييَّن يقوم على سوء فهم جوهري للشيء المحدد الذي تتخذ الدولة حيالهُ موقفًا محايدًا (أو لما يمكنها أن تكون محايدة تجاهه). وكما يجادل ماركس، لا تكتفي الدولة العلمانية الليبرالية بانتزاع الصبغة السياسية من الدين فحسب؛ بل إنها أيضًا تدمجه في الحياة الاجتماعية للدولة من خلال إحالته للمجال الخاص والمجتمع المدني. وهذا الكتاب يسعى إلى تتبع هذه الحركة المزدوجة في الحياة الاجتماعية والسياسية في مصر.

يجادل عديد من نقاد السياسات التمييزية المصرية تجاه الأقليات الدينية بأنه لو كانت الدولة مُعلمنة فعلاً، بمعنى لو أنها أصبحت محايدة فيما يخص هويتها الإسلامية ومن هم تحت حكمها كذلك – فإن ذلك من شأنه أن يقضي على الصراع بين الأديان. لكن على الرغم من أنه ما من شك في أن تلك المحاججة من شأنها أن تُحسِّن حياة الأقليات الدينية في مصر، إلا أنها تتجاهل حقيقة أن الدولة العلمانية الحديثة ليست حكَمًا محايدًا للاختلافات الدينية فحسب؛ بل إنها أيضًا تنتجها وتنشئها. وللتفكير بهذه المشكلة، ينبغي البدء بإدراك التناقضات والتباينات التي تولّدها العلمانوية السياسية ذاتها والافتراضات الدينية التي تُضمِّنها في الحياة القانونية والسياسية للأمة. لا أقول إن الصراع الديني هو نتيجة حتمية وموقوفة على العلمانوية، لكن بما أن العلمانوية هي واحدة من الظروف المُمكِّنة للصراع الديني اليوم، فيجدر بنا فهم عملياتها المتناقضة من أجل تخفيف آثارها التمييزية.

قد يبدو جليًّا للمطلعين على الجدل حول العلمانوية أن هذا الكتاب يتجنب أي استعمال لمصطلح ما بعد علماني، الذي أصبح رائجًا هذه الأيام في بعض الأوساط الأكاديمية. هذا التجنب يوثق خلافي الأساسي مع الافتراضات المنطوية على هذا المصطلح. فعلى أكثر المستويات جوهرية، مصطلح ما بعد علماني يعبِّر عن نوع من الاندهاش من كون الدين لم يفقد أهميته للحياة الاجتماعية والسياسية رغم توقع ذبوله في المجمع الحديث. وهكذا، بصياغة يورغن هابرماس المؤثرة للمصطلح، بالرغم من “اليقين العلماني بأن الدين سيختفي من العالم في سياق التحديث”، إلا أنه لا يزال يحتفظ “بتأثير عام وأهمية عامة[43].” يقترح هذا الفهم، في تأكيده الزماني على البعدية، وجود شيء غريب وغير متوقع بشأن استمرار الدين في الوقت الحاضر. ومع ذلك، مثلما توحي كثير من الدراسات النقدية حول الموضوع، كان الدين ولا يزال سمةً بنيوية للعلمانوية خلال تاريخها الحديث. وما من جديد بشأن الحضور المشترك للديني والعلماني.

ولعل الأهم من ذلك، مصطلح ما بعد علماني برؤيته المبتذلة القاضية بأن الدين هو جزء من الحاضر العلماني يدعم ضمنًا نظرية تقليدية للعلمنة يسميها تشارلز تايلور على نحو ملائم “نظرية الإبعاد” (Suntraction Theorty)، حيث يُفترض أن يكون العلماني هو ما يبقى بعد إزاحة الدين. فكرة أن العلمانوية مجردة من الدين تشيع بين مناصريها ومنتقديها على حدٍّ سواء. فالأصوليون المسيحيون والإسلامويون، على سبيل المثال، يعارضون العلمانوية لتقويضها مكانة الدين في الحياة العامة، والعلمانيون يناصرونها باعتبارها ترياقًا لصعود السياسة الدينية. كلا الفريقين يشتركان في النظرة الثنائية ذاتها للدين والعلمانوية، ومن ثم يُخفقان في استقراء  تداخلهما وارتباطهما المتبادلان. هذا الفهم القاصر للعلمانوية (باعتبارها تمثل غياب الدين) لا يأخذ في الحسبان صيغتها الجوهرية، والتنظيمات الاجتماعية والسياسية التي تنشئها، والالتزمات الأخلاقية/الإيتقية التي تعمل على تطبيعها. وفي هذا التصور المهم، العلمانوية ليست مجرد تعبير آخر عن الحداثة، إنما هي مؤشر لتلك الظواهر والمؤسسات والممارسات الاجتماعية التي يبرز فيها الفصل بين العلماني والديني بشكل متكرر ويُتنازع بشأنه أحيانًا.

تعليق بشأن المنهجية

قبل أن أشرع، أود الإشارة إلى نوع الأنثروبولوجيا الكامنة في صلب هذا الكتاب. كما أشرت، لم أكن لأتمكن من تأليف كتاب (Religious Difference in a Secular Age) دون إجراء العمل الميداني مع منظمة المبادرة المصرية وبعض الجماعات المعنية بحقوق الأقليات في القاهرة. غير أني أدركت خلال عملي مع أولئك الناشطين أن الافتراضات التي شكَّلت عملهم لم تكن “افتراضاتهم”، وإنما كانت تنتمي إلى خطاب سياسي عالمي يمارس سلطة هائلة على مخيلتنا الجمعية. وزمانية وتاريخانية هذا الخطاب تختلفان تمامًا عن تلكما اللتان شكَّلتا أفعال الناشطين المصريين، ولم يكن الانفصال بينهم ظاهرًا على الدوام للناشطين أو لي خلال العمل الميداني. وبعد عودتي من مصر وبدء عملية التحليل والكتابة، اضطررت للتنقيب فيما وارء المواجهة الإثنوغرافية لفهم شظايا الماضي المترسخة في الحاضر وتأثيرها الزمني المقحم فيه. وهذه العملية بدورها تطلبت الانغماس في المواد التاريخية من القرن الثامن عشر إلى الوقت الحاضر والتي لم أكن أعرف عنها سوى القليل عندما شرعت في هذا المشروع. لذا فإن الكتاب لم يكن ليخرج للنور دون المواجهة الإثنوغرافية، ولكن أيضًا كان من اللازم تجاوزها سعيًا لفهم ما واجهته.

رغم أن كتاب Religious Difference in a Secular Age ليس إثنوغرافيًّا بالمعنى التقليدي، إلا أن وجود نسق تقصي أنثروبولوجي يُعد أمرًا ضروريًّا لبنية هذا الكتاب[44]. وفي فصول الكتاب التالية، لا أتعقب الحياة الفكرية للمفهوم، إنما انتشاره العملي والملموس في مجتمع يختلف من الناحية التاريخية لكنه أيضًا يشترك في قاعدة عالمية للحوكمة القانونية والسياسية. تُفهم الأنثروبولوجيا في كثير من الأحيان على أنها متساوية في الجوهر مع منهجها (الملاحظة بالمشاركة والعمل الميداني) وكذلك نوع من أنواع الكتابة (إثنوغرافيا). غير أن الأنثروبولوجيا، في رأيي، تُعد كذلك طريقةً لتحليل أنماط حياتية مختلفة عبر دراسة المفاهيم الكامنة فيها، المُضمَّنة والمطبَّقة في الممارسة الاجتماعية. وبما أن الأنثروبولوجيا هي دراسة المفاهيم في صورتها العملية، فإن طريقة الملاحظة بالمشاركة تُعد وسيلة نافعة لكن لا ينبغي أن يُفهم أنها تحل محل التحليل الأنثروبولوجي نفسه. من وجهة نظري، “الفهم” في الأنثروبولوجيا لا يتضمن فقط توثيق السلوكيات وأنماط التفكير لمجموعة من الناس في مجتمع ما، إنما ينطوي كذلك على وضع المفاهيم والممارسات البنيوية لنمط من أنماط الحياة مقابل نمط آخر بهدف طرح مجموعة مختلفة من الأسئلة، وإعادة النظر في الأطر المعيارية التي أدركنا الحياة من خلالها، سواء كانت حياة الفرد نفسه أو حياة آخر أو تلك التي لم تُدرك بعد. هذا الفهم للأنثروبولوجيا هو ما يسيِّر هذا الكتاب.

بنية الكتاب

يأتي هذا الكتاب في قسمين. أتتبع في القسم الأول التحولات الرئيسة في معنى وتطبيق مفهومي الحرية الدينية وحقوق الأقليات بين القرنين التاسع عشر والعشرين خلال انتقالهما عبر أوروبا الغربية والشرق الأوسط ومصر. في هذا القسم من الكتاب أسعى إلى وضع إطار تاريخي واسع أراهُ ضروريًّا لتحليل الصراع الحالي بين الأديان في مصر. ويركز القسم الثاني من الكتاب على ثلاث مواطن خلافية متعلقة بالمكانة الملائمة للأقليات الدينية في الدولة المصرية: وقائع لحالات زواج وتحول بين الأديان، الوضع السياسي والمدني للبهائيين أمام عدم اعتراف الدولة بعقيدتهم، ونشر رواية محتفى بها تتناول التاريخ المبكر للكنيسة الأرثوذكسية القبطية. يتوسع الخلافان الأولييان في السمات البنيوية الأساسية للعلمانوية السياسية وتنظيمها للاختلاف الديني، بينما يتبصر الخلاف الأخير في العلمانية (secularity) لا سيّما العلاقة بين التاريخ والوحي. وفيما يلي، أحدد بإيجاز المحاججات الأساسية لكل فصل.

يبدأ الفصل الأول بالفترة التي أٌدخل فيها خطاب الحرية وحقوق الأقليات لأول مرة في ما يُشكِّل الآن الشرق الأوسط الحديث باعتباره وسيلة لتوسيع نطاق الهيمنة المسيحية الأوروبية على الأراضي والسكان الواقعين تحت حكم الإمبراطورية العثمانية. في بداية القرن السادس عشر، نجحت الدول الأوروبية المسيحية في انتزاع تنازلات من العثمانيين لتمثيل وحماية مسيحيي الشرق (مثلما كانوا يُسمَّون في ذلك الحين) الخاضعين للحكم العثماني[45]. وقد اصطبغ حق الدول الأوروبية في تمثيل وحماية المسيحيين العثمانيين، الممنوح ابتداءً باعتباره جزءًا من السياسة الإمبريالية المعتادة، بصبغةٍ مختلفة مع تقهقر الحكم العثماني خلال القرن التاسع عشر. حيث جاءت تلك التنازلات بمثابة وسيلة، وتبرير، لتقويض نفوذ الدولة العثمانية على أتباعها المسيحيين واقتطاع حدودها الإقليمية. رغم أن الحكم العثماني كان قائمًا على نظام اللامساواة الدينية، إلا أن محاولة الإمبراطورية البطيئة والشاقة لتحويل نفسها إلى جمهورية قادت إلى تبني مبدأي الحرية الدينية وحقوق الأقليات. وعلى غرار التجربة الأوروبية، كان تطبيق ذانك المبدأين يهدف إلى ترسيخ مبدأ سيادة الدولة وإعادة توجيه ولاء أتباعها إلى الدولة/الأمة الناشئة أكثر منه إلى إرساء التسامح بين المذاهب والأديان.

إن تاريخ ظهور الدولة الحديثة في الشرق الأوسط لا ينفصل عن توسع القوة الإستعمارية الأوروبية في المنطقة. فأي تحليل لنشوء العلماونية في المنطقة – مفاهيمها ونظمها الرئيسة – يتطلب وضعه داخل إطار علاقات القوة التفاضلية التي أدت إلى ربط الشرق الأوسط بأوروبا. ويتضح ذلك أكثر ما يتضح في ترسيخ المفهوم القانوني للأقلية في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين. وكما يُظهر النصف الثاني من الفصل الأول، استغلت القوّتان الاستعماريتان فرنسا وبريطانيا هذه الهوية الديموغرافية الجديدة استغلالًا واسعًا من أجل حل المشاكل العملية للحكم الإستعماري. إن سياسة (فرِّق تسُد) الخاصة بهما معروفة جيدًّا في دراسات الاستعمار، ولكن ما لا يُعرف كثيرًا هي الطريقة التي من خلالها أخضعت القوى الاستعمارية الاختلافاتَ الدينية الموجودة مسبقًا إلى إطار مفهومي جديد. ففي ظل الحكم الإستعماري، أصبحت هوية الأقلية (الممنوحة من جانب الدولة) تُربط برمزٍ خصوصي (الدين) الذي تدعي الدولة الحياد تجاهه. وعلى النقيض من الباحثين الذين يميلون إلى قراءة هذا التناقض باعتباره نفاقًا استعماريًّا، أرتأي القول إن ذلك يُعد تشخيصًا للدافع المزدوج الكامن في العلمانوية السياسية – أي تنصل الدولة الحديثة من الدين في نهجها السياسي واعتمادها في الوقت ذاته على الفئات الدينية في هيكلة الحياة الاجتماعية وتنظيمها ومن ثم ربط المجالين الخاص والعام ربطًا وثيقًا، وهما اللذان تهدف الدولة الحديثة إلى إبقائهما منفصلين.

 أواصل النظر في مفهومي الحرية الدينية وحقوق الأقليات في الفصل الثاني فيما أتتبع مسيرتهما في مصر الحديثة منذ مطلع القرن العشرين وحتى يومنا هذا. بدأت بعشرينيات القرن العشرين، حينما استُهل الجدال بقوة حول مسألة حقوق الأقباط – ومصطلح الأقلية بحد ذاته – . واجه المصريون تحديًا هائلاً عندما صاغوا دستورهم الأول عام 1923 تحسبًا لاستقلالهم من الحكم الاستعماري. كيف يُمكن للغة المساواة السياسية والمدنية النظامية التجريدية أن تعالج اللامساواة بين المسلمين والمسيحيين التي كانت تسِم الحياة الاجتماعية؟ اقترح بعض واضعي الدستور من المسلمين والأقباط أن يحظى الأقباط بتمثيل نسبي في البرلمان وذلك لحماية مصالح الأقباط التي كانت ستُغفل لولا ذلك التمثيل. بالنسبة لآخرين، كانت مشاركة الأقلية المُشرَّعة في البرلمان تعني تحويل الجماعات الدينية (الطوائف الدينية) إلى جماعات سياسية (طوائف سياسية). وفي النهاية، رُفض اقتراح التمثيل النسبي للأقباط في البرلمان بسبب الافتراض العلماني القاضي بأن منح الأقليات الدينية صوتًا سياسيًّا كان يستدعي التنازل عن مبدأ حياد الدولة تجاه الدين.

إن الجدل حول استيعاب الأقليات الدينية ضمن البنية السياسية في عشرينيات القرن العشرين يبدو معتدلاً بالمقارنة مع الخلاف المحقون بالضغينة الذي اشتعل بين المسلمين والأقباط حول صياغة قانون انتخابي جديد عام 2012. فمن خلال قراءة متفحصة لهذا الجدل الأخير، أعرض بعض الرؤى حول التغيرات التي طرأت على وضع الأقباط منذ أوائل عشرينيات القرن العشرين حينما كان الأفق السياسي لعمل شراكة بين المسلمين والأقباط يبدو واسعًا. والتطوران الأكثر ارتباطًا بالوضع الراهن هما تعزيز حكم الدولة العسكرية واللبرنة (الجديدة) للاقتصاد، التي تصاعدت منذ سبعينيات القرن الماضي. ومن المفارقات أن الخصخصة الراديكالية للاقتصاد جعلت الدين أكثر مركزية للحياة العامة والسياسية في مصر مقارنةً بما كان عليه في العشرينيات. وصعود الحركة الإسلامية هي الوجه الأبرز لهذا التطور، غير أن الجانب الآخر من خصخصة الاقتصاد يكمن في الدور الأساس الذي أدته الكنيسة القبطية الأرثوذكسية لتوفير الخدمات الاجتماعية والرفاه الاجتماعي للأقباط العلمانيين. ونتيجة لذلك، تقف الكنيسة باعتبارها الممثل الاجتماعي والسياسي الوحيد للأقباط اليوم، وهو منصب سلطة لا نظير لها في تاريخ مصر. وعوضًا عن فهم هذا على أنه فشل العلمانوية في الترسخ في مصر، آمل أن أبيِّن كيف أن تلك التطورات هي جزء لا يتجزأ من علمنة المجتمع المصري.

يركز الفصل الثالث على مسألة الزواج والتحول بين الأديان، وهي من المواطن الرئيسة للعنف المحتدم بين المسلمين والمسيحيين في مصر. ورغم أن هذا الصراع متعمق في الجندرية، إلا أن قوانين الأسرة القائمة على الدين والتنظيمات غير العادلة الخاصة بتبديل الدين تؤدي دورًا مدمِّرًا فيه. منح الحكم الذاتي القضائي للمسيحيين واليهود (أهل الكتاب) في مصر على الشؤون الأسرية يُصوَّر غالبًا على أنه إدامةً لقواعد الشريعة القديمة. إلى أني أجادل، بالاعتماد على عمل مجموعة من المؤرخين، بأن قانون الأسرة، بوصفه مجالاً قانونيًّا مستقلاً،  يُعد ابتكارًا حديثَا لم يكن له وجود في فترة ما قبل العصر الحديث. فهو يستند على الفصل بين العام والخاص الذي يُعد ركيزة أساسية للنظام العلماني السياسي، وعلى مفهوم حديث للأسرة يُصورها باعتبارها وحدة نووية مسؤولة عن إنسال المجتمع والأمة. الدين والجنسانية والأسرة تُحال إلى المجال الخاص في ظل هذا النظام ما يؤدي إلى تداخل مصائرها القانونية والأخلاقية. وبالنتيجة، ألقيَ على كاهل قانون الأسرة حِمل استعادة الهوية الدينية والمحافظة عليها. فالكنيسة القبطية الأرثوذكسية على سبيل المثال ترى أن أي إصلاح تفرضه الدولة على قانون الأسرة هو تدخل سافر في مجال حكمها الذاتي القانوني والكنسي. ومنشأ الصراع بين المسلمين والمسيحيين يكون في الغالب من علاقات الحب والزواج الناشئة بين أطراف من الديانتين[46].

ومن خلال تحليل دقيق لبعض الخلافات الأكثر شهرة حول تحوُّل الأقباط للدين الإسلامي بين عامي 2006 و 2016، أطور في الفصل الثالث إطارًا تحليليًّا للتبصر في التداخل المدمر بين الدين والجنسانية والأسرة داخل الحياة الاجتماعية المصرية اليوم. بالمختصر، أجادل بأن الصراعات بين الأديان من هذا النوع هي نتاج الخصخصة المتزامنة للدين والأسرة في ظل الحوكمة العلمانية الحديثة، مما أدى إلى تفاقم أنماط من الهرمية الكهنوتية واللامساواة الجندرية التي كانت ظاهرة في فترة ما قبل العصر الحديث.

إن كان قانون الأسرة بالفعل هو الوسيلة التي من خلالها تُنظم الدولة المصرية وتُقر بوجود الاختلاف الديني المسموح فيها، فما هو وضع الطوائف التي لا تعترف بها الدولة؟ أتناول هذه المسألة في الفصل الرابع، حيث أركز على الأقلية البهائية الصغيرة من خلال قراءة متفحصة للقضايا المعروضة على المحاكم المصرية التي تتعامل مع حقها في الحرية الدينية ويستتبع ذلك وضعها المدني والسياسي في الدولة. وكما أبيّن، فإن المحاكم المصرية تمنح البهائيين حق التمسك بمعتقداتهم ولكنها تستعين بمبدأ النظام العام (public order) لحرمانهم من حق إظهارها في العلن، والذي يتضمن بحسب المحاكم التصريح بديانتهم في الوثائق الرسمية الصادرة من الحكومة. إن القاعدة القانونية التي تستخدمها المحاكم المصرية، لا سيما مفهوم النظام العام العلماني، تتشابه على نحو مذهل مع السوابق القضائية الخاصة بالأقليات الدينية التابعة للمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في عدد من البلدان، بما فيها تلك التي تتبنى هوية علمانية صريحة (فرنسا وسويسرا وتركيا) وتللك التي تصرح بمسيحيتها (إيطاليا واليونان). أجادل بأن الاستعمال المماثل للنظام العام والحرية الدينية، إضافة إلى الانحياز القانوني للأكثرية بغض النظر عن الهوية الوطنية للدولة (دينية أم علمانية) يفيد في تفسير القواعد القانونية المشتركة للعلمانوية السياسية التي يتقاطع فيها العالميَن الغربي وغير الغربي.

الفصل الأخير يخرج نوعًا ما عن تركيز الكتاب على العلمانوية السياسية من حيث أنه يتناول مسألة كيف أن العلمانية تكيِّف المساجلات الإسلامية المسيحية، حتى الأكثر جدلية منها، في مصر اليوم، ومن أهمها التصورات العلمانية للزمن والتاريخ والوحي. كانت تلك الافتراضات فاعلة في الجدل الذي ثار حول نشر رواية عزازيل (2008)، الفائزة بعديد من الجوائز الأدبية والمُترجمة إلى عدد من اللغات. رواية عزازيل تُصنَّف من الأدب التاريخي وتدور أحداثها في الفترة الزمنية التي تشهد تاريخ المسيحية المبكر في مصر (319 – 431 بعد الميلاد) حينما أدى الخلاف حول طبيعة المسيح إلى انقسام العالم المسيحي (بين الخلقدونيين وغير الخلقدونيين)، وهو الانقسام الذي أدى في النهاية إلى توحيد الكنيسة القبطية الأرثوذكسية. أثارت الرواية ضجة بين رجال الدين الأقباط الذين اتهمومها بتشويه صورة المسيحية وتحوير الانقسام المذهبي بهدف تشريع التفسير الإسلامي ليسوع المسيح. وفي حين كانت الكنيسة القبطية الأرثوذكسية تسعى إلى منع الرواية، كان قُراؤوها العلمانيون (مسيحيون ومسلمون) ومؤلفها، يوسف زيدان، يؤكدون على أن الرواية كانت تُمثل نقدًا مستنيرًا للعنف الديني وأن بطل الرواية، وهو راهب مسيحي زاهد، كان رمزًا لسعي الإنسان للحرية والحقيقة رغم السلطة الكهنوتية.

تقوم بنية الرواية على زعم المؤلف بأنها سرد تاريخي دقيق للانقسام الذي جرى حول طبيعة المسيح، وهو ما عارضته الكنيسة الأرثوذكسية القبطية بتفسيرها الخاص الثابت في المصادر التاريخية المنافسة. وعلى الرغم من الروايات المتضاربة حول التاريخ المبكر للمسيحية بين رجال الدين والمؤلف، إلا أنهم تشاطروا الافتراض القاضي بأن قبول الوحي يستلزم استناده إلى أحداث يمكن إثباتها تاريخيًّا. كلا المحاججتين قامتا على مفهوم علماني للتاريخ يصوِّرهُ باعتباره مستودعًا لـ “الأحداث الحقيقية” الواقعة في زمن تقويمي (وليس مقدس)، منفصلاً عن الزمن والأحداث الأخروية. هذا التصور عن التاريخ والزمانية هو ما يوفر الأساس الذي عليه يتجادل الشكوكيون والمتحمسون الدينيون على حدٍّ سواء حول تفسيرهم للحقيقة الدينية، وهذا أسلوب جدلي يعود إلى علمنة الدين والكتاب المقدس الذي يرجع تاريخه إلى القرن التاسع عشر. وفي ختام هذا الفصل، أتبصر في العلاقة بين العلمانوية والعلمانية، لا سيما المكانة التي يحتلها التصور الوضعي للتاريخ في تسوية ما يظهر أنها رؤى دينية للعالم لا تُقاس بالمعايير ذاتها.

وأخيرًا، أختم الكتاب بخاتمة قصيرة أستقصي فيها عن المساواة الدينية وأهميتها بصفتها أمر شرعي قانوني مقابل كونها تطلعًا إنسانيَّا يسِم مخيلتنا العلمانية المعاصرة. أقترح أن هذين البُعدين للمساواة الدينية متمايزان ولا يُمكن اختزال أحدهما في الآخر كما أن كل واحد منهما يتطلب أنواع مختلفة من العمل الاجتماعي. فبقدر ما تختزل العلمانوية مبدأ المساواة الدينية في سياسة الحقوق والاعتراف، هي تمنح امتيازًا لسلطة الدولة البعيدة كل البعد عن الحياد فيما يخص الاختلافات الدينية. في سياق كهذا، أسأل ما هي الموارد الاجتماعية والإيتقية والأخلاقية المتوفرة في دولة علمانية الكفيلة بتحقيق المساواة بين الأديان ولا تعكس أو تخدم مصالح الدولة.

 

 

 


المصدر

 

  • يمكن إيجاد التقارير التي ترصد هذه الأزمة كل يوم تقريبًا في الصحف. انظر مثلاً:

Daniel Brode, Roger Farhat, and Daniel Nisman, “Syria’s Threatened Christians,” New York Times, June 28, 2012, www.nytimes.com/2012/06/29/opinion/syrias-threatened-christians. html?_r=0; Jack Healey, “Exodus from North Signals Iraqi Christians’ Slow Decline,” New York Times, March 10, 2012, www.nytimes.com/2012/03/11/world/middleeast/exodus-from-north-signals-iraqi -christians-decline.html?pagewanted=all&_r=0; and Loveday Morris, “Desperate Iraqi Yazidis Flee into Syria,” Washington Post, August 8, 2014, www.washingtonpost.com/world/middle_east/desperate -iraqi-yazidis-flee-into-syria-after-kurdish-forces-secure-escape-route/2014/08/08/817a17ad-233a -4ee9-935e-820eb53594e4_story.html.

  • سوف أستخدم مصطلح الأقباط والمسيحيون الأقباط للإشارة إلى أتباع الكنيسة القبطية الأرثوذكسية. وبشكلٍ عام، تُقيَّد كافة الطوائف المسيحية في مصر بمصطلح الأقباط، كما في الكنيسة الرومانية الكاثولوكية القبطية والكنيسة القبطية الأرمينية وغير ذلك. ولكن في الخطاب السياسي التاريخي المصري، يشير مصطلح (الأقباط) إلى أتباع المسيحية القبطية الأرثوذكسية، وكذلك استخدامي.
  • Agrama, Questioning Secularism; Asad, Formations of the Secular; Baubérot, Histoire de la laïcité en France; Connolly, Why I Am Not a Secularist; Fernando, The Republic Unsettled; Fessenden, Culture and Redemption; McLeod, Secularization in Western Europe, 1848– 1914; Modern, Secularism in Antebellum America; Scott, The Politics of the Veil; Taylor, A Secular Age.
  • لمزيد من النقاش المتعمق حول كيفية ارتباط العلمانوية السياسية بالعلمانية، انظر مشاركة جون لاردز مودرن مع مايكل وارنر في Modern، “Confused Parchments, Infinite Socialities.”
  • Asad, “Trying to Understand French Secularism”.
  • هذا يتضح في الجدالات المستمرة حول مسائل مثل: هل ينتهك الحظر الذي فرضته الحكومة الفرنسية على ارتداء الحجاب في المدارس العامة حق المرأة المسلمة في الحرية الدينية؟ هل ينبغي أن تسمح الحكومة الأمريكية بالصلاة في الأماكن العامة أو أن تمول البرامج الدينية في السجون الفيدرالية؟ هل يمكن لألمانيا السماح بإظهار الرموز الدينية المسيحية واليهودية في العلن وتحظر ذلك في الوقت ذاته على الرموز الإسلامية دون الإخلال بزعمها الحياد الديني؟ ماذا يجب أن يكون الدور الصحيح للإسلام في الدساتير الجديدة لمصر وتونس (بعد الانتفاضات عام 2011)؟ هل قوانين الأسرة الهندية القائمة على الدين تنتهك قوانين الدولة العلمانية ذات التطبيق العام؟
  • من بين الباحثين الذي فرَّقوا تفريقًا تامَّا بين العلمانية الديمقراطية والعلمانية السلطوية هو عبد الله النعيم؛ انظر “الإسلام والدولة العلمانية” وخاصة الفصل الخامس “تركيا: تناقضات العلمانية السلطوية”. هذا التمييز يتغلغل حاليَّا في الخطاب السياسي الشعبي في الشرق الأوسط، كما يتضح ذلك في التصريح الذي أدلاه عضو بارز في جماعة الإخوان المسلمين عام 2007 حيث قال:”تصنيف النظام المصري بأنه “علماني” يمنحه ميزة لا مبرر لها. في الواقع/ النظام ليس علمانيَّا ولا إسلاميًّا. ولا هو بالليبرالي أو المحافظ أو الاشتراكي. المصطلح الدقيق الذي يمكن أن يصف النظام المصري بدقة هو “استبدادي”، ابراهيم الهضيبي، “Egypt’s Two- Faced Regime: Not Secular, Not Islamic, Authoritarian,” World Politics Review, March 30, 2007, www.worldpoliticsreview.com/articles/671/egypts-two-faced-regime-not-secular -not-islamic-authoritarian#.
  • قد يجادل أحدهم ردَّا على ذلك بأن احترام الولايات المتحدة للممارسات الدستورية يعم الممارسات العدائية المرتبطة بالأمن القومي بطريقة تجعلها تختلف تمامًا عن الدول الاستبدادية. لكن وكما يُظهر عمل عزيز رانا، فإن تقديس الدستورية الأمريكية ظهر عبر التاريخ بالتزامن مع دولة الأمن القومي، مما ساهم كثيرًا في تعزيز وشرعنة نفوذ الدولة بدلاً من وضع قيود عليها.” رانا، “Constitutionalism and the Foundations of the Security State”.
  • على سبيل المثال، في بلدان من السعودية وإسرائيل، حيث الهوية الدينية للأكثرية تهيمن على قوانين الدولة، لا يزال مبدأ المساواة الدينية يستثير مجموعة من النضالات الاجتماعية ضد السيادة الدينية.
  • توجد أعمال أكاديمية تتناول موضوع النزعة السلطوية في دول الشرق الأوسط. انظر على سبيل المثال،Democratization and Authoritarianism in the Arab World ، دياموند وبلاتنر؛ و Democracy and Authoritarianism in the Arab World، بلات؛ وللحصول على إصدار أسبق للنقاش حول الطبيعة الاستثنائية للنزعة السلطوية الشرق أوسطية، انظر “Democracy without Democrats?” ، واتربوري.
  • منذ الانقلاب العسكري الذي أتى بالسيسي إلى السلطة، هذه الصورة للقضاء المصري باعتباره هيئة محايدة أصبحت لا تُطاق. فكما يلاحظ عدد من المعلقين، نجح النظام في إخضاع القضاء لأهدافه من خلال تعيين مجموعة من القضاة المذعنين الذين لا يعكسون بالضرورة وجهة نظر القضاء ككل. انظر على سبيل المثال مقال ناثان براون

“Why Do Egyptian Courts Say the Darndest Things?”، واشنطن بوست، 25 مارس 2014

www.washingtonpost.com/blogs/monkey-cage/wp/2014/03/25/why-do-egyptian -courts-say-the-darndest-things/; and Ursula Lindsey, “Egypt’s Judges Strike Back,” New Yorker, March 26, 2014, www.newyorker.com/news/news-desk/egypts-judges-strike-back.

  • انظر على سبيل المثال، el- Ghobashy, “Constitutionalist Contention in Contemporary Egypt”; Ginsburg and Moustafa, Rule by Law; and Moustafa, The Struggle for Constitutional Power. ورغم أن هذه الأعمال تقدم أفكارًا قيمة، إلا أن البيانات المقدمة غالبًا ما تتعارض مع قسمة الليبرالي-السلطوي الذي يرتكز عليه التحليل.
  • على سبيل الاستثناء، انظر Esmeir, Juridical Humanity.
  • كما أبيّن في الفصل الرابع، مُنح أتباع الديانات غير الإبراهيمية حماية الدولة تحت حكم الإمبراطوريات الإسلامية في فترة ما قبل الحداثة. غير أن الحكومة المصرية ترفض منح البهائيين اعترافًا مماثلاً لتلك الحماية.
  • يلاحظ ديفد سوركين أن “التقليد المسيحي-اليهودي” هو مصطلح استحدثه أمريكا بعد الحرب العالمية الثانية ولم يكن له مقابل في أوروبا قبل المحرقة. “Religious Minorities and the Making of Citizenship”، 8، سوركين.
  • حكم المحكمة الإدارية الإيطالية مأخوذًا من قضية “لاوتسي وآخرون ضد إيطاليا”، 18 مارس 2011، http://hudoc.echr.coe.int/sites/eng/pages/search.aspx?i=001-104040، الفقرة 15، التشديد مضاف.
  • حول هذه النقطة، انظر Hirschkind, “Religious Difference and Democratic Pluralism.”
  • انظر على سبيل المثال، Gauchet, Disenchantment of the World; Taylor, A Secular Age; Žižek, On Belief. انظر أيضًا ردي على تصوير تايلور للعلمانية بأنها منجزًا فريدًا “للمسيحية اللاتينية” في  Mahmood, “Can Secularism Be Other- Wise?”
  • Time of Transitions، هابرماس، 150-51، التشديد مضاف.
  • لمزيد من النقاش حول الزمنية العلمانية التي تبني تاريخانية الدولة-الأمة، انظر Anderson, Imagined Communities; and Chatterjee, “The Nation and Its Pasts”
  • يلفت  ألفريد ستيبان، وهو مناصر شديد لنظرية “العلمانويات المتعددة”، الانتباه إلى نقاش “الحداثات المتعددة” الذي جرى في التسعينيات. انظر Stepan, “The Multiple Secularisms of Modern Democratic and Non- Democratic Regimes”. كما تبنى مفهوم “العلمانويات المتعددة” عدد من المشاركين في مؤلَّفين مُحرَّرين يتناولان هذا الموضوع: Calhoun, Juergensmeyer, and VanAntwerpen, Rethinking Secularism; and Jakobsen and Pelligrini, Secularisms.
  • Mitchell, Questions of Modernity, xii.
  • المرجع نفسه.
  • Asad, Formations of the Secular, 17.
  • للتوسع أكثر في هذه النقطة، انظر المرجع السابق، 212-18
  • انظر مناقشة ويندي براون المميزة لهذه العملية التاريخية إذ تخص صياغة الاختلاف اليهودي مقابل الجندر في أوروبا القرن التاسع عشر: Brown, “Tolerance as Supplement”.
  • Katz, Out of the Ghetto; and Vital, A People Apart. حول أشكال الحكم الذاتي الجماعي التي اضطر يهود أوروبا للتخلي عنها، انظر Marcus, The Jew in the Medieval World, esp. 185– 223. وللاطلاع على مناقشتي لهذه النقطة، انظر الفصل الثاني.
  • Marx, “On the Jewish Question”.
  • المرجع نفسه، 30.
  • المرجع نفسه، 33.
  • المرجع نفسه، 35.
  • المرجع نفسه، 35-36.
  • المرجع نفسه، 46.
  • المرجع نفسه، 32.
  • Brown, Politics out of History، 87، التشديد مضاف.
  • “Asad, “Thinking About Religion, Belief and Politics. من المهم الإشارة إلى أن فكرة ارتباط الدين بالإيمان بحقيقة متعالية يشترك فيها أنصار العلمانية ومعارضيها على حدٍّ سواء.
  • حالة المسلمون الشيعة في مصر (تمثل نسبتهم 1% من مجموع السكان) تختلف نوعَا ما في مصر مقارنةً بحالة البهائيين والمسيحيين الأقباط. إن التحالف الجيوسياسي بين مصر والولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية ضد دولة شاه إيران وجماعة حزب الله السياسية اللبنانية قاد الحكومة المصرية إلى تصوير الشيعة بأنهم عملاء أجانب غايتهم تدمير الإسلام السني. ونتيجةً لذلك، يعتقد كثير من المصريين أن المذهب الشيعي هو مذهب ابتداعي هرطقي (وليس أحد فروع الإسلام المُقر بها تاريخيًّا) وينبغي تصفيته من الحياة الاجتماعية للبلاد. وبموجب قانون الطوارئ، اعتقلت قوى أمن الدولة الشيعة في مصر واستجوبتهم وعذبتهم بوصفهم أعداءً للدولة. انظر “محكمة أمن الدولة ترفض التماس وزارة الداخلية”، المبادرة المصرية للحقوق الشخصية (EIPR)
  • توسَّع عمل المبادرة المصرية منذ ذلك الحين ليشمل قضايا أخرى، من ضمنها الدعوة إلى العدالة الاقتصادية، والحقوق الديمقراطية والسياسية، وإصلاح نظام العدالة الجنائية. للاطلاع على كافة المسائل التي تتناولها المنظمة حاليًّا، زُر الموقع الإلكتروني http://eipr.org/en
  • جادل كيمليكا، على سبيل المثال، بشأن ضرورة خلق نوع من التناسب بين حقوق الأقليات النابعة من اختلاف الجماعة وبين مبدأ الاستقلالية الفردية الليبرالي، الذي يعتبره من مقومات مبدأ التسامح الليبرالي. انظر Kymlicka, Multicultural Citizenship. وانظر أيضًا Young, Justice and the Politics of Difference.
  • الدين، على سبيل المثال، لا يكاد يُذكر في كتاب Multicultural Citizenship لكيمليكا الذي تناول فيه هذا الموضوع. أظن أن ذلك يعود إلى أن التحدي الأساسي الذي واجهته الدول الأورو-أطلسية، عندما بلغ جدل التعددية الثقافية ذروته، كان كيفية استيعاب المهاجرين في التيار الاجتماعي. في المقابل، في الفترة التي أعقبت الحادي عشر من سبتمبر، الدين، ولاسيما الإسلام، أصبح يمثل مشكلة أمنية ملحة لتلك الدول. فمن غير المستغرب أن ينزع تشالرز تايلور، وهو أحد منظري التعددية الثقافية البارزين الذي لم يتطرق كثيرًا إلى الاختلاف الديني في تأملاته السابقة حول التعددية الثقافية، إلى الاهتمام بمشكلة كيفية تنظيم التنوع الديني داخل الدولة الليبرالية. قارن على سبيل المثال Multiculturalism and “The Politics of Recognition” لتشارلز تايلور وآخرون بهذا التركيز الحالي على التنوع الديني في Secularism and Freedom of Conscience لتشالز تايلور وجوسلين ماكلور.
  • لاستعراض هذه المباحثة، انظر نقاشي في الفصل الثاني.
  • “Skinner, “Empirical Theorists of Democracy and Their Critics. انظر نقاش ديفيد سكوت حول هذه النقطة فيما يخص الديمقراطية الليبرالية، ” Norms of Self- Determination”.
  • “Habermas, “Notes on a Post- Secular Society.
  • للإطلاع على بعض الدراسات الإثنوغرافية الممتازة حول حياة المسيحيين الأقباط، انظر Heo, “The Bodily Threat of Miracles”and “The Virgin Made Visible”; Guirgius, Les Coptes d’Egypte; and Shenoda, Cultivating Mystery.
  • تضم الكنيسة الشرقية أربعة فروع: الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية، والكنيسة الأرثوذكسية المشرقية، والنساطرة، والكنيسة الكاثولوكية الشرقية. يمتد أتباعها إلى أراضي البلقان وأوروبا الشرقية وآسيا الصغرى والشرق الأوسط وأفريقيا والهند وأجزاء من الشرق الأقصى؛ ومن هنا جاءت تسمية المسيحيون الشرقيون. والمسيحية القبطية هي جزء من المسيحية الأرثوذكسية المشرقية، التي تضم كنائس الأرثوذكسية السورية، والرسولية الأرمنية، والأرثوذكسية الحبشية (الإثيوبية) والأرثوذكسية الهندية. هذا الفرع من المسيحية رفض مجمع خلقدونية عام 451 بعد الميلاد، ولهذا السبب يُشار إلى أتباعه كذلك باسم غير الخلقدونيين. ولمعرفة المزيد عن هذا التاريخ، انظر الفصل الخامس.
  •  تسود حالة مماثلة في بلدان تتبع نظام قانون الأسرة المبني على الدين. انظر على سبيل المثال، Yüksel, Human Rights under State- Enforced Religious Family Laws in Israel, Egypt, and India، و Agnes, “The Supreme Court, the Media, and the Uniform Civil Code Debate