” الفصل الثاني” إقصاء إريك فروم من الاتحاد الدولي للتحليل النفسي، بول روزان/ ترجمة: سارة اللحيدان، يوسف الصمعان

” الفصل الثاني” إقصاء إريك فروم من الاتحاد الدولي للتحليل النفسي، بول روزان/ ترجمة: سارة اللحيدان، يوسف الصمعان

 

إقصاء إريك فروم من الاتحاد الدولي للتحليل النفسي IPA[‌أ]

 

حظيت مسألة نسب التحليل النفسي مؤخرًا باحترام متجدد في أوساط المؤرخين في هذا المجال. رغم أن المحللين بشكل خاص، أدركوا وأقرّوا بأهمية أين يذهبون وعلى يد من يتدربون، إلا أنه من النادر نسبيًا أن يتركز اهتمام الرأي العام على التأثير القوي غير المعتاد الذي يحصل من نتائج التدريب التحليلي. كان يشار قديما للدور الايحائي الخاص لتجارب التدريب التحليلي عبر مناوشة جدلية بين رواد موجهين مختلفين مثل إدوارد غلوفر[1]، ويعقوب لاكان، لكن لم يكن من المعتاد أن يواجه معهد تدريب المحللين بذاته تحديًا علنيًا. وبقي شرط تحليل المحللين أنفسهم لأغراض التدريب غير معروف تاريخيا إلا للقلة، ثم ظهر رسميا تحت رعاية الاتحاد الدولي للتحليل النفسي عام ١٩٢٥، حينما أصيب فرويد بالسرطان و أقرّ بعجزه ضمنيًا عن إدارة مستقبل حركته[2] شخصيًا.

 

في الوقت نفسه، يستحق نسب التحليل النفسي-شجرة العائلة[3]– أن يحوز على اهتمام بالغ، لإنه من السهل نسيان الدور الذي لعبته الكتب نفسها، بنشرها للآراء خاصة للمفكرين. وربما يعتقد البعض أنه من البديهي أن الناس لا يذهبون فقط للعلاج بل يستجيبون بقوة لما يُلاقونه من مطبوعات. انجذب العديد منا لأول مرة إلى التحليل النفسي عبر مؤلفات إريك فروم (١٩٠٠-٨٠). كانت بحوثه غير معروفة تقريبا في بدايات ١٩٣٠، لكن كتابا مثل (الخوف من الحريةEscape From Freedom[4] ) بقي لسنوات منهجا رئيسيا تعليميا لعلماء الاجتماع. وقد شكلت أعمال فروم مثل (الإنسان لذاته Man For Himself ) و(التحليل النفسي والدينPsychoanalysis and Religion ) و(اللغة المنسية The Forgotten Language)، وأيضا (المجتمع السليمThe Sane Society[5] ) جزءاً أساسيا لجيل التعليم العام الذي عشته. وأعتقد أن الأعمال الوعظية الأخيرة لفروم، والسياسية منها أيضا قد سقطت في تصنيف مختلف، و بقدر التأثير العام الذي حظي به، لايزال الكتاب الذي اشترك في تأليفه فروم مع ماكوبي (شخصية اجتماعية في قرية مكسيكية Social Character in a Mexican Village [‌ب]) يستحق مزيدا من الانتباه[6]، بينما بيعت ملايين النسخ من كتابه (فن الحب The Art of Loving)، أما كتاب (الامتلاك أو الوجود To Have Or To Be?) فقد نجح في بيع ملايين النسخ في ألمانيا وحدها، بالإضافة للإنجاز البارز[7] (تشريح النزعة التدميرية عند الإنسان The Anatomy of Human Destructiveness).

 

إن سيرة فرويد التي كتبها إرنست جونز كانت مكوّنا للمعرفة بالتحليل النفسي ذلك الوقت، تماما مثل الجواب القصير والمهمل (رسالة سيجموند فرويد، تحليلا لشخصيته وتأثيره Sigmund Frued’s Mission: An Analysis of His Personality and Influence[8]) التي ألفها فروم ردّا على جونز. وبقيت تحريفات جونز التي بنيت بسرده الموثق منطلية حتى على أكثر الباحثين وعيا. دعوني أعطي مثالا واحد من (رسالة سيجموند فرويد) للإقناع بمنطق فروم. على خلاف جونز سلك فروم نمطا تأويليا خاصا به. يقول في النص التالي عن اللجنة “السرية” التي تكونت من كارل أبراهام وجونز، أوتو رانك، ساندور فرينزي، هانز ساكس، ماكس إتينغون، والتي تأسست قبل الحرب العالمية الأولى لحماية ” شأن” التحليل النفسي بعد انشقاق كارل يونغ:

 

من هم أوائل التلاميذ المخلصين، أصحاب الخواتم الستة؟ لقد كانوا مفكرين مدنيين ذوي ميول عميقة للالتزام بقدوة، بقائد، أو بحركة، رغم أنهم لا يملكون إيمانا أو مُثلاً دينية، فلسفية، أو سياسية، ولم يكن بينهم اشتراكي، صهيوني، كاثوليكي، أو يهودي أرثوذكسي. (ربما كان لإتينغون تعاطف قليل مع الصهيونية). كانت حركة التحليل النفسي دينا لهم. إن اتساع دائرة المحللين قد حمل خبرات متشابهة، فأغلبيتهم كانوا من مفكريّ الطبقة الوسطى، الذين ليس لهم مصالح والتزامات دينية، فلسفية، وسياسية. وكان للشعبية العظمى للتحليل النفسي في الغرب وبالأخص في الولايات المتحدة منذ بداية الثلاثينات، الأسس الاجتماعية نفسها. الطبقة الوسطى تلك التي أضاعت معنى الحياة، فليس لهم مُثل سياسية أو دينية، ومع هذا فهم في بحث دؤوب عن المعنى، لتصوّرٍ يكرّسون أنفسهم له، لمعنى حياة لا تتطلب إيمانا وتضحيات، والانتماء للحركة كان إرضاء لهذه الحاجة. وقد ملأت لهم هذه الحركة[9] بالفعل، كل تلك الاحتياجات”.

 

بالنسبة لي لاتزال هذه الكلمات صالحة بشكل مدهش. بعيدا عن إسهامات فروم النظرية، والعيادية، لعبت أحد مقالاته (التي نشرت بالأصل في مجلة السبت الأدبية      القديمةSaturday Review of Literature)وبصرف النظر عن محاولة ردّها من قبل محلل أرثودوكسي دورا ملحوظا في المساعدة على بدء “إعادة الاعتبار” للسمعة التاريخية لفرينزي ورانك،[10] وعلى نحو استثنائي كان جونز غير عادل بالنسبة للاثنين. وأعتقد في الواقع، أن النهضة الأخيرة لسمعة فرينزي العيادية كانت أحد قصص النجاح العظيمة في تاريخ التحليل النفسي المعاصر.

 

إن للمآسي البيروقراطية، كما سنرى، دورٌ في تحجيم مكانة فروم التاريخية. بما نصفه بدقة في الوقت الحالي بـ ” المفكر المنسي”، واُعتبرت المدرسة الفكرية التي عرفت باسم “الفرويدية التجديدية” (والتي لم يُرد فروم الانتماء إليها) سقطة للتاريخ الفكري[11]. حتى في أثناء حياته رأى فروم أن اتجاه التاريخ الفكري يمضي لتوجه غريب ومتصلب، إلى أن غُيّب موقفه المنصف أواخر عام ١٩٦٠.

 

كان لفروم شعور مبرر باستبعاده خارج القصة، عند بدء استحواذ مفهوم ” التاريخ-النفسي”، بفضل ما بادر إليه إريك إريكسون[‌ج] أواخر عام ١٩٥٠وبدايات عام ١٩٦٠. (قد تكون أعمال فرويد النظرية، محط جذب للفلاسفة السياسيين، لكن ليس لعلماء الاجتماع الممارسين)، ولم يعرف فروم لماذا استمر إريكسون في تجاهل أعماله الرائدة في هذا الشأن. بعد ذلك نُشر كتاب (عقيدة المسيح The Dogma of Christ[12]) لفروم- رسالة لمن تم حظرهم من قبل النازيين- والذي ظهر منذ فترة طويلة عام ١٩٣٠.

 

نعلم بأن إريكسون قد ناقش كتاب فروم )الخوف من الحرية) في اجتماع جمعية التحليل النفسي في سان فرانسيسكو عام ١٩٤٣ قبل أن يرى كتابه (الطفولة والمجتمع Childhood and Society) النور عام [13]١٩٥٠. كان إريكسون أكثر من متحفظ بالإشارة إلى فروم، ربما لخشيته أن يخاطر بمصير فروم واستبعاده كمحلل نفسي، أكثر من عواقب تجاسره بذكر اسم يونغ في آخر أعماله. ورغم تقديس إريكسون لفرويد أمام العامة، إلا أنه في الوقت نفسه شق طريقه نحو توجه أصيل بعيدا عن الأرثوذكسية.[14] (بقي فروم غير متسامح بشدة تجاه أعمال يونغ، لكن الجانب الجيد أنها لتلك الأعمال التي تخص السياسة عام ١٩٣٠ والتي سنتطرق لها فيما بعد).

 

لعب إريكسون دورا باهتا بالتعاون في قضية وصم فروم بمهنيّ دخيل، ويبدو أن فروم كان المستبعد الوحيد فعليا، بدلالة المقطع الذي يشير فيه إريكسون في كتابه (الشاب لوثر Youngman Luther) إلى “الأطروحة الاجتماعية لوقتنا الحاضر، للمؤلفين من فيبر حتى فروم”[15]. جاءت كلمة “اجتماعي” هنا بكل تأكيد للفصل بين إريكسون وفروم، وأن التسمية الحقيقية لفروم (ليس محللا نفسيا) بل متخصصا اجتماعيا، وخشي إريكسون أن يكون قد استغل عبر محللته الشخصية آنا فرويد. (كان ذلك أمرا معتادا، ففي التاسع عشر من ديسمبر عام ١٩٣٤ كتب جونز إلى آنا فرويد: ” يبدو أن كارين هورني، بدّلت التحليل النفسي بعلم الاجتماع، تماما مثلما فعل فرانز الكساندر والآخرون”). ساعد النقد القاسي الذي وجهه كارل ميننغر لعمل فروم (الخوف من الحرية) على تأسيس خط حزبي، والذي تبعه إريكسون بإخلاص. وفي لقاء مع (The Nation) حافظ منينغر على قوله بأن “إريك فروم كان عالم اجتماع مميز في ألمانيا، لكنه قام بكتابة كتابه على أنه محلل نفسي[16]“. أوتو فينخيل كان أيضا صارما تماما، ووصف مراجعته بـ “ملحوظات التحليل النفسي” في كتب فروم[17]. إن من أنشأ هذا النمط السيء هو فرويد بنفسه بجداله ضد الفرد أدلر وكارل يونغ، حيث امتنع عن الجدل مع المفكرين الأحرار الذين تم تصنيفهم لاحقا بأنهم “جاحدون”، وإن لم يكن فهم “مهرطقون” بدعوة أن لهم حق في تسمية أنفسهم محللين نفسيين.

 

رغم أن إنجازات إريكسون التي حققها بإعادة تسمية كثير من المراحل الشبقية المبكرة، والجمع بين الأخلاق والتحليل النفسي، إلا أنها كانت في الواقع مرتقبة من فروم. واستمر إريكسون بتوجهه الواضح بإثارة الجدل حول تسمية فروم بمحلل نفسي. أنشأ فروم في كتاب (الخوف من الحرية) مفهوم ” الشخصية الاجتماعية”, والتي وضعت البيئة الاجتماعية على الخارطة لكل المفكرين التحليليين المستقبليين. وبصدور كتاب إريكسون (الشاب لوثر) كان فروم يدرب مرشحي مدرسته الخاصة في المكسيك، على مخالفة ” ابتداعية” للسلطة التنظيمية داخل التحليل النفسي والتي لم يخاطر إريكسون بنسخها. (وتحالف فروم مرة في نيويورك مع كارين هورني لتستكمل تدريبها في معهد ويليام ألنسون الأبيض[‌د]William Alanson White Institute  خارج إطار الاتحاد الدولي للتحليل النفسي)، لكن كل ما عمله فروم للجمع بين المنظور الاجتماعي داخل فكر التحليل النفسي، متضمنا اهتمامه بشأن الهوية والانسجام قد غرقت بالنجاح الهائل والمؤقت ربما، لتعاليم أريكسون الخاصة[18]. (ولنكن عادلين بشأن النزاع الداخلي للتحليل النفسي، فالماركسيين كان لهم سمة خاصة لطائفيتهم، وقد عانى فروم من الانتقادات الموجهة من حليفه السابق هربرت ماركوس في معهد فرانكفورت للأبحاث الاجتماعية. وكان هربرت ماركوس قد وجه تهما لا أساس لها ضد فروم و ” تجديديين” آخرين مثل كارين هورني وهاري ستاك سوليفان، والذين بدأوا باكتساب سمعة سيئة أواسط عام ١٩٥٠.)

 

بدأت مشاكل فروم التنظيمية مع التحليل النفسي مع هيمنة القوة النازية في ألمانيا عام ١٩٣٣، إلى أن تم استبعاده أخيرًا من الاتحاد الدولي للتحليل النفسي أوائل عام ١٩٥٠. وللبدء، من الضروري أن نقدم التفاصيل الكاملة لمكانة فروم الرسمية كمحلل نفسي في ألمانيا. في الثامن عشر من يونيو عام ١٩٢٧ قام فروم بإرسال أول بحث له وكان آنذاك يعيش في هايدلبيرغ “كزائر” للجمعية الألمانية للتحليل النفسي في برلين“DPG”[‌ه]. (تم تغيير الاسم القديم جمعية برلين للتحليل النفسي عام ١٩٢٦ لتصبح الجمعية الألمانية للتحليل النفسي، واستمرت تعرف هناك بهذا الاسم). وكان فروم قد حصل على شهادة الدكتوراة قبل خمس سنوات في علم الاجتماع بمدينة هايدلبيرغ، تحت إشراف ألفريد فيبر، الأخ الأصغر لماكس فيبر. ومن المهم تاريخيا ذكر انتخاب زوجة فروم الأولى فريدا فروم-رايخمان أوائل عام ١٩٢٧ كعضو مساعد في الجمعية الألمانية، وأصبحت عضوا رئيسيا عام ١٩٢٩.

 

أُنشئ أول فرع للجمعية الألمانية للتحليل النفسي في فرانكفورت عام ١٩٢٦، وتم إدراج فروم وزوجته برفقة كلا من كلارا هابل، كارل لاندور، وهينريك مينغ كأعضاء للجمعية (تم تحليل لاندور من قبل فرويد، لكنه توفي بمعسكر اعتقال في بيرغن-بلزن، وقد كان أحد محللي فروم بصحبة فروم- رايخمان بنفسها، ساكس، فيلهلم فيتنبرغ، وتيودور ريك). وفي فبراير عام ١٩٢٩ قامت الجمعية الألمانية (جنوب – غربية) للتحليل النفسي في فرانكفورت بإنشاء معهد خاص مرتبط بمعهد فرانكفورت، موجّهٌ بشكل رئيسي لإلقاء محاضرات عامة. كان ذلك المعهد يدار من قبل لاندور، وكان مرتبطا بمعهد الأبحاث الاجتماعية لجماعة ماركسية يرأسهم ماكس هوركهايمر، المتصل بجامعة فرانكفورت.

 

كان فروم ولاندور برفقة مينغ وفروم-رايخمان أربعة محاضرين مبدعين في معهد فرانكفورت للتحليل النفسي، (في وقت مبكر كان س. هـ فوكس شخصية بارزة في معهد فرانكفورت للتحليل النفسي، والذي هاجر لاحقا إلى إنجلترا وقام بتغيير اسمه إلى فولكس ليصبح ذي شهرة خاصة بين المحللين). قدم فروم بحثًا آخرًا في برلين لصالح الجمعية الألمانية للتحليل النفسي. حيث اُنتخب عضوًا مساعدًا في السابع من أكتوبر عام ١٩٣٠ ثم تمت ترقيته ليكون عضوًا رئيسيًا في الثامن من أكتوبر عام ١٩٣٢، وكان مؤهلا بشكل كامل لعضوية الاتحاد الدولي للتحليل النفسي. وقد أقامت الجمعية الألمانية في لايبتيغ، هامبورغ ولاحقا شتوتغارت مجموعات بحثية إلى جانب تلك التي أقامتها في فرانكفورت. كان فروم مريضا بالسل منذ عام ١٩٣١ وكان خارج بلاده عندما أصبح هتلر زعيما لألمانيا في يناير ١٩٣٣، وبقي في سويسرا حتى خريف عام[19] ١٩٣٣، حيث انتقل إلى الولايات المتحدة كمحاضر في معهد شيكاغو للتحليل النفسي، وقد سبقه لذلك فرانز الكساندر وكارين هورني (كلاهما من الجمعية الألمانية للتحليل النفسي).

وتتابعت سلسلة من الأحداث السياسية المعروفة بعد هيمنة القوى النازية نهاية يناير عام ١٩٣٣، ففي ليلة السابع عشر من فبراير اندلع حريق في الرايخستاغ ، وفي أوائل مارس عقدت انتخابات برلمانية أخرى أسفرت عن حصول النازية على نسبة ثلاثة وأربعون فاصلة تسعون في المئة من الأصوات، وإبعاد أغلبيتهم من العمل في الرايخستاغ الجديد. أخيرا صدر قانون التمكين في الثالث والعشرين من مارس، وأصبحت الحكومة سلطة ديكتاتورية نعرفها كأحد سمات نظام هتلر. هاجرت المجموعة البحثية في فرانكفورت بأكملها، ولم يجد المحللون الماركسيون اليهود أي صعوبة في قراءة المكتوب على الجدار، ورغم أن هروب لاندور كان بقدر ما سمحت به هولندا إلا أنه وقع أخيرا في مصيدة الهولوكوست. (أغلق النازيون معهد فرانكفورت للأبحاث الاجتماعية في مارس، ثم أُقيل هوركهايمر رسميا من الجامعة في أبريل. وكانت “مدرسة” فرانكفورت قد أرسلت أموالها إلى الخارج إلى سويسرا أولا، ثم انتهى بها الأمر بجامعة كولومبيا في نيويورك، وأخيرا عادت الأموال إلى فرانكفورت بعد نهاية الحرب عام ١٩٤٩). وبعد صدور تقرير الاتحاد الدولي للتحليل النفسي حول الجمعية الألمانية للتحليل النفسي، ظهر أن ٢٤ عضوا من أصل ٣٦ من الأعضاء الرئيسين قد غادروا ألمانيا فعليا. وتقلص طاقم تدريس معهد الجمعية الألمانية إلى اثنين ( كارل مولر-براونشفايغ” محلل غير متخصص”، وفيلكس بوم), وتراجع حضور المحاضرات من ١٦٤ عام ١٩٣٢ إلى ٣٤ شخصا.[20]

 

تم القضاء على الجمعية الألمانية للتحليل النفسي لقدراتها التدريبية، حتى قبل هيمنة هتلر كان كلا من الكساندر (شيكاغو)، ساندور رادو (نيويورك)، هورني (شيكاغو)، وساكس (بوسطن) قد قدموا استقالتهم ليرحلوا إلى الولايات المتحدة. ومن بين من غادروا ألمانيا لاحقا من المحللين المدربين، سيغفريد برينفليد، إتينغون، فينخيل، جينو هارنيك، ريك، وإرنست زيمل. ومن بين من غادر من أعضاء التدريس القدماء ستيف بورنشتاين، جين لاميل دي غرانت، فيلهلم رايخ[‌و]، وهوغو ستاب. ومن المحللين المدربين الذين بقوا إلى جانب مولر-براونشفايغ، وبوم، كان هناك تيريز بينديك، إيديث جاكوبسون، فيرنر كمبر، وإيديث فينكل-فيغرت (والتي غادرت بعد مدة قصيرة). لكن الاثنين الأبرز عالميا للجمعية الألمانية داخل الاتحاد الدولي كانوا بوم (الذي أصبح رئيسا ومديرا للمعهد)، ومولر-براونشفايغ (الذي كُلف بأن يكون أمينا وسكرتيرا بالإضافة لإدارته للجنة التدريبية).

 

كان إتينغون من بين أوائل من قرروا الرحيل، وكان قد قدم استقالته رسميا حينما عُيّن إبراهام رئيسا للجمعية الألمانية في اجتماع عام جرى في التاسع من مايو عام ١٩٣٣، ولم يقرر الهجرة إلى فلسطين إلا بنهاية العام. هنا سرد للأحداث المبهمة، والتي يسردها جونز بأسلوب سردي محنك، حيث كتب على سبيل المثال: في ربيع عام ١٩٣٣ “فُرض في ذلك الوقت قرارٌ يقضي بعدم أحقية أي أجنبي بشغل وظيفة باللجنة التنفيذية المركزية لأي جمعية طبية في ألمانيا. وكان اتينغون يحمل الجنسية البولندية[21]“، ولكن الحقيقة أفظع من ذلك، إذ أعلن النازيون في السابع من أبريل أن “اللا آريين” (اليهود) غير أكفاء، وكان هذا القرار هو ما منع اتينغون من البقاء في أي مجلس إدارة للجمعية الألمانية، وخسر اليهود فجأة حقوقهم الأساسية (ومن المسيء أن “اللاآري” يعرف بمن كان له جد واحد “لا آريا” ، ثم توسع الأمر ليشمل المتزوج من ” لا آري”).

 

تبع جونز خطى فرويد حينما وصف اتينغون بكونه “أجنبيا” باستثناء أن جونز ترك الإشارة المستخدمة من فرويد “إلخ” بعد كلمة ” أجنبي”، وقد أرسل فرويد في ٢١ مارس ١٩٣٣ النصائح التالية لأتينغون:

 

1- لنفترض أن التحليل النفسي تم منعه، وتم إغلاق المعهد (التدريبي) من قبل السلطات، في هذه الحالة ليس هناك الكثير مما يقال أو يعمل بشأنه، عندها ستصمد حتى آخر لحظة إلى أن ينهار كل شيء.

 

2- دعنا نفترض أن لا شيء حدث للمعهد، لكنك أنت كأجنبي.. إلخ أزيل [خطي المائل] من قبل الإدارة. بقيت في برلين بحيث يمكنك استخدام سلطتك بصورة غير رسمية، في هذه الحالة لاأعتقد أنك ستغلق المعهد. صحيح أنك أنشأته [يشير فرويد هنا إلى أموال اتينغون]، وبقيت مسؤولا عنه لمدة طويلة، لكنك سلمته بعد ذلك إلى مجموعة برلين التي تنتمي لها الآن. لايمكنك أن تفعلها بصورة شرعية، لكن بقاؤه مفتوحا هو أمر في المصلحة العامة، لحفظ الذكريات المفضلة. في الوقت نفسه، يمكن لشخص مثل بوم ليس له إخلاص محدد أن يديره، وربما لن يكون هناك حضور كثير سواء من الألمان أو الأجانب [بخطي المائل] مادامت القيود مستمرة.

3- ربما نفترض مرة أخرى أن لا شيء حدث للمعهد، لكنك غادرت برلين طواعية أو مجبرا. هذا الوضع يقودنا لنفس المقاصد التي ذكرتها، إلا أن نفوذك تلاشى، وزادت المخاطر بوجود معارضين [بخطي المائل]، كتسلم شولتز-هانك المعهد واستغلاله لتعزيز خططهم. هناك أمر وحيد يمكن عمله اتجاه ذلك، وهو أن يعلن تنفيذي الاتحاد الدولي للتحليل النفسي انفصال المعهد المُساء له بهذا الأسلوب، حتى يتم تبرئته. ولكن بالطبع سيكون هناك تنبيه في البداية.

ياله من نقاش بائس![22]

 

كان هارلد شولتز-هانك كما سنرى، (مسيحي متزوج من امرأة يهودية) مفكرا “تجديديا” بارزا. وذكر جونز أن فرويد قام بالتحذير مرة أخرى في أبريل عام ١٩٣٣:”بأن أي تنازلات تتم لأشكال أخرى للعلاج النفسي [كالتي تخص شولتز-هانك] سيتبعها إبعاد جمعية برلين من الاتحاد الدولي للتحليل النفسي”. وأضاف جونز بأن ذلك الأمر: “قد حدث بالفعل في سنوات لاحقة”، رغم عدم وجود دليل على هذا المقترح. وفي الاجتماع العام للجمعية الألمانية في السادس من مايو[23] تم رفض العمل بالمقترح المقدم من قبل بوم ومولر- براونشفايغ والذي ينص على استبعاد اليهود من مجلس إدارة الجمعية. وعبرت آنا فرويد عن وجهة نظرها بهذا الشأن عبر رسالة أرسلتها لجونز في الأول من يونيو عام ١٩٣٣:”حتى في أدنى تلك الأزمة فإن هدف بوم هو جمعية برلين بكل تأكيد”، وكانت الأزمة قد تقلصت لتصبح أزمة شخصية.

 

كان اتينغون متجاوبا لقرار النازية ضد اللاآريين، وقبل أن يغادر ألمانيا أواخر عام ١٩٣٣ (كان قد مثُل عام ١٩٢٩ و ١٩٣٢ كرئيس لمؤتمرين في الاتحاد الدولي للتحليل النفسي). وقام بتقديم اقتراح لاستحداث فئة جديدة لتمنح ” العضوية المباشرة” في الاتحاد الدولي، لكلارا هابل و”أي عضو سابق للمجمعية الألمانية ممن لا يستطيع الانضمام لأي مجموعة موجودة في الوقت الراهن”[24]، وعلق اتينغون بأنه ظنّ أن هذا الاقتراح “ليس بحاجة لأن يناقش في المؤتمر [والذي تقرر عقده في لوسيرن نهاية أغسطس عام ١٩٣٤]، رغم أنه لم يظهر في التشريعات، ربما لكون المسألة قد حسمت في ذلك الحين. ومن وجهة نظري أن هذه الأمور يمكن مناقشتها عبر مجلس الإدارة بذاته دون ترتيبات مسبقة، لأن ميزاته لاتحتاج لأن تصبح سابقة لزمانها”[25]. (قام اتينغون بتأسيس جمعية التحليل النفسي في فلسطين).

 

رغم أن دور الألمان لعب أهمية عددية في الاتحاد الدولي للتحليل النفسي قبل هتلر وبعد الحرب العالمية الثانية، إلا أن دراسة تاريخ التحليل النفسي كانت أقل مقارنة بحال البلدان الأخرى. وعُرف عن معهد برلين الأصلي للتحليل النفسي بأنه أصبح أنموذجا للمعاهد التدريبية التالية، حتى لتلك التي تم إنشاؤها في فيينا. رغم ذلك، كان الأمر قاسيا بوضوح على نفوس الألمانيين أنفسهم أن يشاهدوا على مقربة ماحدث منذ بداية ١٩٣٠. حتى بالنسبة للأجانب كان لمتابعة تداعيات وتحولات الأحداث التي وقعت في ذلك الوقت، تأثيرًا نفسيا بالغا. انتقد النازيون التحليل النفسي علانية لكونه في نظرهم مظهرا لما دعوه بتطفل اليهود على الثقافة المسيحية. واُتهم فرويد على سبيل المثال بأنه يملك مخيلة “قذرة”، وقلصت تعاليمه “للمفاهيم الآسيوية” في الأكل والشرب والزواج والموت[26]. ارتبطت قناعة لامارك بوراثة السمات المكتسبة والتي (يشاركه فرويد في ذلك) بتفكير اليهود النموذجي. وكان مناصري المثلية والدمار الأسري متصلين أيضا بأكاذيب النازية حول أفكار التحليل النفسي.

في هذا السياق أصبح فيلهلم رايخ مسؤولية ملحّة للجمعية الألمانية للتحليل النفسي، كان معالجا في التحليل النفسي وتدرب في الأصل في فيينا ثم انتقل إلى برلين، وكان رايخ رائدا من بين عدة أمور أخرى في الجمع بين الماركسية والتحليل النفسي. ومن الواضح أن فروم استفاد في أعماله المبكرة من أفكاره بربط الشخصية الفردية وأنماط “البرجوازية” الاجتماعية. لكن رايخ اقترح أيضا إلغاء الطبقة الوسطى “البطريريكية” كوسيلة للقضاء على العصاب في مهده، ودافع عن أهمية علاج غريزة الإشباع الجنسي. (إسهامات رايخ لعلم خصائص الشخصية النفسية والعيادية لم تكن جديرة بالملاحظة، بل غالبا ما يتم تغييبها في أدب التحليل النفسي إلى هذا اليوم).

 

طبقا لهارولد لازفيل بدت حركة التحليل النفسي مهددة بطريقة خاصة بعد اشتغال رايخ أواخر عام ١٩٢٠ محاضرا في الاتحاد السوفياتي. فقد كان ستالين واضحا في تعزيز منع التحليل النفسي. ظلّ فرويد طويلا غير راض عن بعض آثار أفكار رايخ، وكان كتاب فرويد “القلق في الحضارة” موجها على وجه الخصوص ضد بعض أفكار رايخ الجنسية والعيادية والسياسية. كتب فرويد في السابع عشر من يناير عام ١٩٣٢ إلى جون لامبل دي غروت: ” لقد بدأت معركة ضد العداة البلشفيين رايخ وفينخيل[27]“، و “مباشرة بعد” استيلاء النازيين على الحكم قام اتينغون بـ: “إبلاغ رايخ بأنه لم يعد مسموحا له دخول مباني” معهد التحليل النفسي، “لإنه في حالة ما تم القبض عليه، لا يجب أن يحدث ذلك داخل مبنى المعهد”[28].

حظي بوم باجتماع شخصي مع فرويد في أبريل عام ١٩٣٣ (وكان بول فيدرن من جمعية فيينا للتحليل النفسي حاضرا). وحول موضوع مساعي النازية لإزالة “اللاآري” من مجلس إدارة الجمعية الألمانية كان فرويد متشائما من عدم وجود أية وسيلة لإنقاذ التحليل النفسي من الحظر، لكنه رأى بأنه من غير المنطقي أن يقدم أي مساعدة للحكومة لتفعيل ذلك، وعلى أساس هذا الأمر وافق على تغيير مجلس الإدارة الحالي كما يتطلب القرار الحكومي، وأثبت هذا القرار بأنه بداية لمنزلق خطير، وبشكل عام أفرط فرويد في تقييم أنصاره المسيحيين. (ربما كتب جونز في الثاني من أكتوبر عام ١٩٣٣، لآنا فرويد بأن بوم “أنقذ التحليل النفسي”). وحسب بوم فإن فرويد قد اقترح عليه أن يخلف أتينغون، وفي تقرير بوم عن اللقاء صرح: “عرض فرويد قبل مغادرتي أمنيتين لإدارة الجمعية، الأولى ألا ينتخب شولتز-هانك لمجلس إدارة جمعيتنا ووعدته بألا أكون معه في مجلس واحد، والثانية قال لي: ” حررني من رايخ”[29].

نعلم الآن أن رايخ كان مزعجا لفرويد شخصيا وفكريا لمدة طويلة. ففي عام ١٩٣٢ كان فرويد عديم الحس كما لم يكن من قبل في ذلك السن المتقدم حول أمر ” الانشقاق” ولم يعط أي محلل شعبية بذكر اسمه، واصفا ماسماه بالحركات “الانشقاقية” في تاريخ التحليل النفسي بأنها لا تدرك إلا قشة الحقيقة، ثم نصص فرويد بعد ذلك: “غريزة الاتقان [قاصدا أدلر] وصراع الأخلاق [قاصدا يونغ] أو الأم [رانك] أو الجنس [30][ قاصدا رايخ] …”. بحلول مارس عام ١٩٣٣ أبلغ فرويد رايخ بإلغاء العقد[31] الذي كان بينه وبين شركة فرويد للنشر في فيينا لنشر كتابه عن تحليل الشخصية. وفي صيف عام ١٩٣٣ كان إرنست زيمل قد اقترح بأن يزال اسم رايخ من قائمة أعضاء الجمعية الألمانية. ومن الواضح أن اتينغون كان يتفق من حيث المبدأ، ولكنه رأى أن يؤجل قرار”التطهير” من رايخ إلى أن يقدم اتينغون استقالته من الجمعية[32]. وكان اتينغون في ذلك الوقت يزاول عمله في كوبنهاغن، ولكن لم يكن بالأمر الفريد أن تدرج أسماء محللين، كأعضاء لأكثر من مجموعة تحليلية. قام فروم في كتابه “رسالة سيجموند فرويد” بكتابة كلمة واحدة بالخط المائل في رسالة فرويد الهامة لجونز عام ١٩١٩ ” إن نيتك في “تطهير” جمعية لندن من الأعضاء المنتمين ليونغ أمر ممتاز”[33].

 

وفقا لذلك، كتب مولر-براونشفايغ سكرتير الجمعية الألمانية في الأول من أغسطس عام ١٩٤٣ إلى رايخ: ” تتطلب الظروف إزاحة اسمك من سجل الجمعية الألمانية للتحليل النفسي. سأكون ممتنا لقبولك وتفهمك لهذا الطلب، وإبعاد أي مشاعر شخصية محتملة، بالتعبير عن موافقتك على هذه الخطوة، لمصلحة قضية التحليل النفسي في ألمانيا. وبما أنك باحث ومؤلف مشهور في عالم التحليل النفسي، فإن هذا الإبعاد قد يشكل ضررا لك، كتأثيره على قادم جديد للتحليل النفسي، على سبيل المثال. علاوة على ذلك، القضية بأكملها ستصبح أكاديمية بمجرد تمييز المجموعة الإسكندنافية في المؤتمر، وبالتالي ضمان تمثيل لقائمة العضوية مستقبلا لهذه المجموعة الجديدة”[34].

 

كان رايخ يواجه مصاعبا سياسية ومهنية خلال عمله في الدنمارك، وكتب أحد تلامذته التحليليين لفرويد طالبا مساعدته، فما كان من فرويد إلا القول: ” إنني أعترف بمكانة رايخ كمحلل نفسي، لكنه بيّن أن أفكاره السياسية تداخلت مع أبحاثه العلمية. ورفضه لطلب وزير العدل”. كانت السلطات البوليسية قد اشتبهت به بمجرد أن استقر مؤقتا في السويد، لأن إعلان دخوله كان ملغيا. ورغم أن الأنثروبولوجي البولندي العظيم برونيسلاف مالينوفسكي، وكان يعيش في إنجلترا آنذاك، كتب رسالة يساند رايخ في محنته، إلا أن فرويد بقي سلبيا وكتب فقط: “لن أنضم لاحتجاجك بشأن الدكتور فيلهلم رايخ”.[35]

احتج رايخ عند أنا فرويد (سكرتيرة الاتحاد الدولي للتحليل النفسي آنذاك) ضد الاستبعاد المدبر من الاتحاد، وبدورها أحالت رايخ إلى جونز الرئيس المقبل. وخلف الكواليس كان جونز يدير حملة ضد رايخ، و في مايو عام ١٩٣٣ كتب لآنا فرويد: ” برأيي الشخصي يجب أن يتوصل رايخ لحسم أمره حول ما هوالأهم بالنسبة له، السياسة أم التحليل النفسي”. في الشهر التالي وُصف رايخ من قبل جونز في رسالة بأنه رجل المتاعب “مجنون” بالتحليل النفسي[36]. تذكر رايخ بمرارة أن جونز قد أخبره في لندن: “أنه سيقف معارضا ضد استبعادي مهما كانت الظروف”[37]. سُمح لرايخ بالحضور لمؤتمر لوسيرن “كزائر”، وهو مؤتمر عقد في ٣١ أغسطس عام ١٩٣٤، وكان قد كُتب بشكل روتيني في الإجراءات الرسمية. لكن جونز لم يمنح رايخ حق المشاركة في الاجتماع العلمي. لم يدرج اسم رايخ في القائمة النرويجية- الدنماركية ولا في الجمعية السويدية- الفنلندية للتحليل النفسي، وكلا المجموعتين كانتا “منفصلتين رسميا” من أجل إبعاد المجموعة السويدية عن تحكم رايخ[38]. ورغم أن المجموعة النرويجية عرضت عليه العضوية، لكنه “بعد مشاورات طويلة قرر أن يبقى خارج منظمات التحليل النفسي بأكملها”[39] (كان لرايخ تجارب سيئة، وفي ذلك الحين بقي ضمن المجوعة الماركسية).

 

اكتفى جونز بتقريره لمؤتمر الاتحاد الدولي في لوسيرن بقوله: “تلك المناسبة هي التي جعلت رايخ يستقيل من الاتحاد، لقد تنبأ له فرويد بإيجاب في أول أيامه، لكن حميّة رايخ السياسية أدت به إلى نزاعات شخصية وعلمية”[40]. ومن العدل أن نختم بقولنا بأن رايخ لم يستقِل في لوسيرن لكنه “قطعا كان تحت تأثير الطرد من الاتحاد الدولي للتحليل النفسي”[41].

بدى النقاش حول رايخ وكأنه خروج عن الموضوع الرئيسي، لكنه بمثابة تصوير قبلي لما حدث لفروم لاحقا مع الاتحاد الدولي. وأعتقد أنها أثرت مباشرة على تقرير بوم ولقاءه مع فرويد في فيينا ربيع عام ١٩٣٣، وكيف يتفق مولر-براونشفايغ وجونز وروث إيسلر بشكل أكبر لاحقا (بالنيابة عن الاتحاد الدولي) مع فروم. وسوف يستحضر القارئ سؤال فرويد لبوم في فيينا عام ١٩٣٣، ليس فقط بأن يحرره من رايخ، بل أيضا أن يتخذ سبيلا واضحا مع هارلد شولتز-هينك داخل الجمعية الألمانية. تم تحليل شولتز-هينك في برلين (مثل رايخ) من قبل رادو، لكنه انتقد نظرية الليبدو لفرويد في وقت مبكر. عام ١٩٢٧-٢٨ درس في الجمعية الألمانية للتحليل النفسي، لكنه “أعفي من التدريب بسبب نقده للنظرية الجنسية، وعلى حساب مصلحته الشخصية جعل ” السيكولوجية الفردية لأدلر ونظريات يونغ متوافقة مع مفهومه للتحليل النفسي”[42]، وكان أي تقارب لأدلر ويونغ يُرى من قبل فرويد على أنه أمر محظور. وأن هذين الاسمين كانا “نكرتين” قبل الحرب العالمية الأولى ولايزالون غير مقبولين داخل دوائر التحليل النفسي الأرثوذكسية. أصرّ فرويد على صحة أساطيره التي بناها حول خطر المهرطقين في التحليل النفسي، وأن المجموعات يمكن أن تنهض بأعدائها.

 

‪‪كان شولتز-هانك خصبا في تأليفه، وناجحا كمتحدث ومنظّم [43]لكن في تلك الأيام صرح فرويد بأن شولتز-هانك يعارض بعناد فكرة المحلل النفسي، وعدّ ذلك تنازلا منه لآراء يونغ وأدلر. وحينما كتب فرويد لأتينغون كان قد وصف شولتز-هانك بـ”خصم داخل” التحليل النفسي، مهددا بطرد وإبعاد الجمعية الألمانية إن أمسك شولتز-هانك بمنصب إداري في المعهد. كان شولتز-هانك يرأس حلقة دراسية في الجمعية إلى جانب أوتو فينخل حيث كان من المفترض أن “يعرض شولتز-هانك باستمرار انحراف وجهات النظر التي أدت إلى نقاشات ملتهبة”[44] كانت كلمة “الانحراف” كلمة أخرى للهرطقة. وعندما التقى فرويد بِبوم كان “يرى” بأن شولتز-هانك يشكل نفس الخطر الذي كان يشكله رايخ.

 

بعد ذلك، سارع الآخرون للتصالح مع نظام هتلر، وفي عام ١٩٣٤ ساهم شولتز-هانك بإيجاد منظمة تهدف إلى “تعليم العلاج النفسي وفقا لمفاهيم الاشتراكية القومية”[45]، ومع هذا، اُنتقد في عهد النازية على أنه مثالا “للعصابات النفسية”. وذهب مولر-براونشفايغ إلى أبعد من ذلك بنشره عام ١٩٣٣ مقالة في الأسبوعية النازية، مفترضا أن التحليل النفسي يهدف إلى بناء أعضاء منتجين في المجتمع، وليس مساعدة الضعفاء: “بهذا القول وأين ومتى قاله، كان مولر-براونشفايغ يصادق على نفس اللغة التي كان يستخدمها النازيون لوصف المرضى اليهود والممارسين للتحليل النفسي”، ويوضح مولر-براونشفايغ للنازيين: “إن التحليل النفسي وجد كانضباط مخصص لزرع الأقوياء لا لمسايرة الضعفاء”. وقد كتب شولتز-هانك مقالا بالفعل “غير منشور لحزب النازية” مرددا ماقاله مولر-براونشفايغ، زاعما أن: “هدف العلاج النفسي هو تحرير قوى اللياقة البدنية والمهارية داخل الفرد”[46]  وادعى مراقب موثوق به بأن شولتز-هانك: “بآرائه السياسية لم يكن اشتراكيا قوميا، لكنه امتلك شجاعة شخصية”. كان شولتز-هانك مثل غيره يحاول “تطوير مصطلحات ذكية وعالمية”[47]، وقد يكون لهذا صلة بما كانت عليه أهداف النازية داخل ألمانيا. كان شولتز- هانك يدافع عن فترة العلاج القصيرة وانتُقد على إثر “تنازله البياني لأهداف النازية”، مقابل “جزء نفعي لصحة الإنسان مقدم من علاج التحليل النفسي”[48]. ومع ذلك، لابد أن نشير إلى أن شخصا مثل كارين هورني التي كتبت عن أهمية مفهوم “الشخصية العصابية” عام ١٩٤٥، أكدت بشكل خاص عام ١٩٣٩ تأثير هارالد شولتز-هانك وفيلهلم رايخ عليها كمحللين عرفتهما خلال إقامتها في برلين[49]: “إن أعمال فرويد الرائدة والعظيمة، تميل في الواقع و بشدة لهذا المفهوم  رغم أن سمته الجيني لم يسمح له بالوصول لصياغة واضحة. لكن الآخرين الذين استمروا بتطوير أعماله خاصة فرانز ألكساندر، أوتو رانك، فيلهلم رايخ، هارالد شولتز-هانك قاموا بتعريف أكثر وضوحا”[50].

 

رغم أن آراء كارين هورني الخاصة اختلفت عن الآخرين الذين “استمروا  في تطوير أعمال فرويد”، إلا أنها أرجعت في نقاط متعددة في كتاباتها موافقات خاصة لأفكار شولتز-هانك[51].

 

عرفت هورني كيف تحرك المحللون الألمان بالفعل تحت قيادة هتلر ليكونوا شموليين عندما يأتي الأمر لأدلر ويونغ، ويمكن أن يُرى ذلك كمحاولة لـ”إنقاذ” ممارسة العلاج والتحليل النفسيين. (ربما نشر شولتز-هانك مقالة في باريس حول مساعدته لحماية الناجين من التحليل النفسي في ألمانيا)، وحتى قبل هتلر كان شولتز-هانك قد عُوقب بعد ٢٨-١٩٢٧ داخل الجمعية الألمانية بسبب أفكاره الخاصة بالمذهب التحليلي، وتم عزله من طاقم تدريس الجمعية قبل النازية. لكن تنازلات الاتحاد الدولي البيروقراطية حول الهياكل التنظيمية وعزلها لليهود بدت لي صادمة كأي أيدولوجية محتملة، وبعد هذه المدة الزمنية الطويلة، يطهر بأن التخلي عن المخاوف من أفكار أدلر ويونغ كان أمرا مرغوبا فيه. وكما رأينا، كان عزل اليهود من مجلس إدارة الجمعية الألمانية، باعتباره فكر فرويد استجابة مباشرة ومساومة لضغط سياسي فوري.

كان الدور الشخصي ليونغ في أوروبا الوسطى عام ١٩٣٠ حاسما فيما يخص مستقبل موقفه التاريخي، منذ أن كان صريحا بعد وصول النازية لهيمنتها وإثباتها لسقطات فكر فرويد المتعددة وجذوره اليهودية[52]. ولربما تبرر هذه المواقف العامة ليونغ أخطاء له، في الوقت الذي يبقى صعبا كشف مناورة شخص مثل جونز-خلف الكواليس- (أو فرويد والاتحاد الدولي بذاته). وكان التعاون مع السلطوية أو الشمولية في هذا الأمر يحدث تحت العديد من المظاهر المختلفة. كان اللورد-ماير بهامبورغ بليغا عندما خاطب المؤتمر الرابع والثلاثون للاتحاد عام ١٩٨٥ حول خطر الائتلاف تجاه الهتلرية، يقول: “كل الخطى عقلانية، لكنها كانت في الاتجاه الخاطئ. هنا تسوية مع الأفراد وهناك مع جوهرهم، بأمل تافه بالحفاظ على الكل- والذي يجب أن يختفي … في معظم الحالات تضيع الحرية في ثنايا لا ترى”[53].

كما نرى، لا أظن أن الاتحاد الدولي للتحليل النفسي خرج بهذه القصة بمظهر البطل بعكس سلوك يونغ، بل حتى للمحلل النفسي غير المختص مثل فرانز ألكساندر، والذي كان ساذجا سياسيا باتهامه ليونغ بأنه “يفتقر إلى الثبات الأخلاقي المتجذر عند فرويد”[54]، أراد فرويد معرفة ما يجري أكثر من غيره ممن كانوا مستعدين للاعتراف. (كتابات جونز لأنا فرويد عن المشاكل في الجمعية الألمانية أعطت لفرويد ما يعرف الآن بسياسة الإنكار). إن هجرة شخص مثل فروم وزملاؤه في فرانكفورت (والتي لم تكن بالأمر السهل) من ألمانيا، جعلت منه أكثر نزاهة من غيره من البدلاء الذين أصبحوا زملاء يرتحلون مع النازيين أو يرتكبون خيانة أهلية.

 

في بداية عام ١٩٣٣ اختار يونغ نمطا انتهازيا، سارع رايخ للتنديد به، وفيما بعد وجّه المحلل غوستاف بالي، صديق فروم، نقدا ليونغ في أحد مطبوعاته. وبالنسبة للجمعية الألمانية للعلاج النفسي (تأسست عام ١٩٢٦) وعُرفت تحت الحكم النازي، وكان يونغ رئيسا للجمعية الدولية الألمانية العامة للعلاج النفسي، ومحررا لجريدتها. وكتب جونز كيف أن: “النازيين استولوا على الجمعية الألمانية للتحليل النفسي في يونيو ٩٣٣ ” وادعى أنها “تتخفى تحت لواء الجمعية الألمانية الدولية الطبية للعلاج النفسي”، والتي كانت بالمقابل “مُنظّمِة” للثورة القومية الألمانية.[55] لكن يونغ دافع في السنوات التالية عن الأسس التي أنجزها، وادعى بأنه كان يعمل من أجل حماية هذه المهنة، وحماية اليهود الذين مارسوها بعناء بالغ. واحتج يونغ: “بأن الطاقم من غير الأطباء اليهود” كان بإمكانهم أن: “يكونوا أعضاء فوريين للجمعية الدولية…[56]. (باتباع جونز لفكر أتينغون الأصلي، يكون قد عمل ترتيبا مشابها لما عمله لفروم والآخرين داخل الاتحاد الدولي). كان يونغ مثل جونز ينفذ هذه التسويات داخل ألمانيا، وكلاهما قدما المساعدة لليهود اللاجئين من ألمانيا ليبنوا أنفسهم في الخارج.

لنتقدم قليلا: في عام ١٩٣٦ اختار النازيون طبيبا نفسيا نازحا يدعى الدكتور ماتياس غورينغ، ابن عم هيرمان غورينغ، الذي ترأس منذ ١٩٣٣ الجمعية الألمانية للعلاج النفسي وفي ذلك الوقت كان يونغ محررا مساعدا (استقال يونغ عام ١٩٤٠). تم تحليل ماتياس غورينغ من قبل أدريان، ليونارد سيف، ولعب غورينغ دورا مركزيا في تاريخ التحليل النفسي تحت حكم هتلر منذ عام ١٩٣٨، ووسع معهده الجديد الجمعية الألمانية للتحليل النفسي كقسم فرعي. (وجهزت الجمعية الألمانية مبنى ومكتبة وعيادة). في نوفمبر ١٩٣٣ كتب يونغ عن ماتياس غورينغ، الذي كان اسمه الأخير سيء السمعة، من الممكن أن يخطر ببال أغلبية القراء اليوم: “كان رجلا لطيفا وعقلانيا لذلك كانت آمالي كبيرة في تعاوننا”[57].

 

في الثاني من أكتوبر ١٩٣٣ كتب جونز لأنا فرويد يخبرها بأنه كان يتوقع تأثيرا أفضل من بوم ومولر-براونشفايغ: “من سوء الحظ أن شولتز-هانك -الذي لا يعتبرونه جديرا بالثقة بشكل كاف في أعماله التحليلية النفسية- كان قد تسلم منصبا دائما لتمثيل التحليل النفسي”، بلجنة حكومية جديدة تدار بواسطة “معالج نفسي يدعى غورينغ … ابن عم المدمن الشهير”. ولاحقا كتب جونز لأنا فرويد حول غورينغ في العشرين من يوليو عام ١٩٣٦: كان من السهل الوصول إلى علاقة مع غورينغ الذي يملك شخصية عاطفية جدا. من السهل قيادته في اتجاهنا، لكن لسوء الحظ وكذلك الآخرون”.

 

أعتقد أن ما أثار انتباهي بشكل خاص هو تقدير جونز عام ١٩٥٧ بأنه وجد ماتياس غورينغ: “شخصا ودودا وسهل الانقياد إلى حد ما”. كتب جونز بحق حول غورينغ بقوله: “اتضح لاحقا [بعد ١٩٣٦] بأنه ليس في وضع يسمح له بالإيفاء بوعوده التي قطعها حول درجة الحرية التي يسمح بها لمجموعة التحليل النفسي [داخل معهد غورنيغ]. كان جونز مثل يونغ مستمرا بتقديم التحليل النفسي على السياسة، وكتب عام ١٩٥٧عن غورينغ بأنه كان مخيبا للآمال: “إن الجذور اليهودية للمحللين اتضحت له من دون شك بالضبط في ذلك الوقت”[58]. لكن تعبير جونز كان غير محتمل، ليس لكون ماتياس غورينغ مرتبطا كعضو بالحزب النازي، بل لأنه يجعل (السيرة الشخصية لهتلر) متطلبا لتدرس في معهده. ولقي ماتياس حتفه عام ١٩٤٥ مدافعا عن برلين ضد تقدم قوات التحالف.

 

لنصل أخيرا لتفاصيل ما حدث لفروم وعلاقته مع الاتحاد الدولي، فبينما كان في أمريكا كان مولر- براونشفايغ يكتب في العاشر من يناير عام ١٩٣٥ لفروم حول المستحقات المتعددة التي لايزال مدينا بها للجمعية الألمانية. (كان الإبقاء على تاريخ ١٩٣٤ في مذكراته الخاصة بفرويد، أمرا مغرضا من جونز: “شهدت هذه السنة رحيل ما تبقى من المحللين من ألمانيا وتصفية التحليل النفسي فيها[59]“. عن وعي أو دونه، علم جونز (أن هناك الكثير مما دفن عقب عام ١٩٣٤). وأخذت رسالة العاشر من يناير ١٩٣٥ وقتا ليعاد توجيهها إلى عنوان فروم الصحيح في أمريكا. شرح مولر- براونشفايغ بدقة نسبة المستحقات والواجبات لكل عضو مدان بالمقابل من الجمعية الألمانية للاتحاد الدولي، واعتبرها مولر-براونشفايغ “إنذارا نهائيا” لفروم لدفع مجمل المستحقات البالغة ٢١١ ماركا ألمانيا قبل الأول من مارس[60]. وعرض فروم بالمقابل أوضاعا تصحيحية ليدفعها بالتقسيط.

في الثالث من مارس ١٩٣٦ أرسل فروم رسالة قاسية لمولر-براونشفايغ: “إنني متأسف للغاية لإنني لم أقم حتى الآن بإرسال ما وعدتك به من الدفعةالأخيرة من الدين. أنا في وضع يسمح لي بفعل هذا، وكنت سأرسل إيصالا بالمبلغ في غضون أيام، لو لم أسمع من أوساط متعددة بأن الجمعية الألمانية قامت باستبعاد أعضائها اليهود. وأنك قمت بذلك دون أن تكلف نفسك عناء إخباري، (وبعيدا عن تبرير تلك الفعلة، والتي لاأريد الحديث عنها هنا)، لا أصدق أنني اسألك إفهامي للمرة الأولى حول ما إذا كانت تلك الشائعة تنطوي على حقائق”.[61]

قام مولر-براونشفايغ بالرد على فروم في الواحد والعشرين من مارس شارحا له أن الأعضاء اليهود في الجمعية الألمانية -في اجتماع برئاسة جونز- قد صوتوا بالاستقالة نهاية خريف ١٩٣٥. كما كتب مولر-براونشفايغ لجونز في الثاني والعشرين من مارس: أنا آسف لإقحامي إياك في هذه المسألة المزعجة، حسبما أذكر، عند زيارتك اللطيفة لنا في برلين أخذت على عاتقك النظر في أمر الأعضاء اليهود في الجمعية الألمانية، وأن من يعيشون خارج ألمانيا يجب أن يتم إخبارهم عن طريق المركز التنفيذي للاتحاد الدولي، حول القرار الطوعي للأعضاء اليهود المستقرين في ألمانيا كي يستقيلوا من الجمعية، وأنهم في نفس الوقت يجب أن تُقدم لهم المساعدة للانتقال لمجموعة أخرى أو تعرض عليهم عضوية دائمة مجانية. قبل عدة أيام تسلمت رسالة مرفقة من الدكتور فروم والتي كانت مزعجة لنا، بإثارتها للشكوك حول ما إذا كنت قد أخبرت كافة الأعضاء اليهود خارج ألمانيا وسألتهم حول الاستقالة، وأذكر أننا تناقشنا حول ذلك. من المهم لنا هنا أن يكون كل شيء واضحا لا لبس فيه لجميع المعنيين، ويجب أن يعلم الجميع بأنه لن يتم استبعاد أحد، ولكن يتوقع من الأعضاء اليهود تقديم استقالتهم، وأنهم لن يتكبدوا أي عناء بانتقالهم لمجموعات أخرى أو استلام عضوية مجانية مفتوحة دائمة”.[62]

كان مولر براونشفايغ محبطا (ليس عاجزا فقط) في محاولته لإدارة منحة دراسية ممولة، والتي أعدت في الأصل من محللي برلين الأغنياء، مددت هذه القروض الفترة التدريبية للطلاب مثل فروم. وحينما تولى النازيون زمام الأمور كان هناك يأس من حصول اليهود على إعانات لسداد قروضهم، لذا، عرض مولر-براونشفايغ أخيرا عام ١٩٣٧ نقل هذا التمويل لجونز والاتحاد الدولي، ولتحصيل هذه الديون اشترط أن تخصم مستحقات الجمعية الألمانية التي تدين بها للاتحاد الدولي من هذا البند المفترض. وكان موقف الألمان من هذا المال إن وضعته بعبارة لطيفة موقفا عديم الحس.[63]

 

في خريف ١٩٣٥ وقعت حادثتان خارجيتان لها علاقة مباشرة بما نتحدث عنه هنا. الأولى في سبتمبر، حيث سنّ قانون نورنبيرغ السيئ الشهرة خلال جلسة خاصة في الرايخستاغ أن لاحقوق للألمان من أصول يهودية، وتحريم الزواج بين الألمان واليهود، ومنع اليهود من توظيف خدم ” آريين”. وبعيدا جدا عن هذا التصعيد الرسمي من النازيين المعادين للسامية، والتسبب في مشاكل لليهود و”اللآريين” ليتواصلوا اجتماعيا، اُعتقلت في أكتوبر محللة متدربة في برلين إيدث جاكوبسون من طرف البوليس السري النازي”الجستابو”. كان لها ارتباط نوعا ما بجماعة المقاومة السرية، وحاولت بطريقة أو بأخرى إفراغ صندوق مليء بكتب أدبية ضد النازية[64] في بحيرة غروفيلد في برلين. قد يعتقد المرء بأنها كانت طريقة خرقاء للغاية للتخلص من مواد هدامة، وأن الموقد والبابور أكثر أمانا. في كل الأحوال، تم إخبار المحللين الدوليين بمصير المرأة بالإضافة الى تنبيه الجمعية الالمانية، وتوقفت جهود جونز بمساعدتها بعد تلقيه “برقية عاجلة”[65] من بوم. (حكم عليها بالسجن لسنتين)، وكان جونز “حادا بنقده لما وصفه بمواقف “اليهود المتطرفة” من جانب بعض المحللين.[66]

تجدر الإشارة أن جونز كتب في وقت سابق، في الثامن والعشرين من يوليو ١٩٣٤، إلى بوم قبل مؤتمر لوسيرن:

طلبي أن تبقي هذه الرسالة سرية باستثناء الدكتور مولر-براونشفايغ، كي تستعد للمصاعب التي قد تواجهك في المؤتمر. من المحتمل أنك لا تعي قوة عاصفة الاستياء والمعارضة التي تُهيّج في الوقت الحاضر دوائرا شرعية معينة، خاصة بين المنفيين من ألمانيا. وقد يأخذ ذلك شكل تصويت شخصي للإدانة ضدك أو حتى الإصرار على إبعاد الجمعية الألمانية من الاتحاد الدولي. واعلم بأنني غير متعاطف مع المواقف العاطفية اليهودية المتطرفة، ومن الواضح لي بأنك وزملاؤك كنتم منساقون للعاطفة والغضب الذي لامحل له هنا، بل تم توجيهه نحوكم. قلقي الوحيد هو مصلحة التحليل النفسي، ويجب علي أن أدافع عن وجهة النظر التي أحملها بثقة بأن ما قمت به قد تم بسبب نفس الدافع”[67]

في الحادي والعشرين من نوفمبر ١٩٣٥ قام بوم بمهاتفة جونز، يخبره أن الجمعية الألمانية تواجه: “كارثة حقيقية، وأن نهايتها وشيكة”. وفي السادس والعشرين من نوفمبر ١٩٣٥ احتج فينخل بشكل غير نافع بأن الجمعية الألمانية كانت مستسلمة للنازية. استبدلت على سبيل المثال صورة فرويد بصورة هتلر[68] (وكتب جونز لآنا فرويد في الحادي والعشرين من نوفمبر: ” أُفضّل أن يمارس التحليل النفسي في المانيا من قبل المسيحيين أو لا يتم ذلك اطلاقا”. اعتقدت آنا فرويد “من ناحية واقعية”[69] أن فينخل كان محقا. وبعد التفكير في مكالمة بوم في ٢١ نوفمبر، أرسل جونز (برقية قصيرة لإخبار بوم بتأخر زيارته)، وكان جونز قد “أكد بأن اليهود استقالوا طواعية”. بعد ذلك ذهب جونز بنفسه الى برلين حيث ترأس اجتماعا للجمعية الألمانية في الأول من ديسمبر، وكان كلا الداعمين لبوم وايدث جاكوبسون يعتقدون بان مصاعب الجمعية جاءت أساس من قانون نورنبيرغ الجديد.[70]

 

بعد ذلك لاحت في الأفق مشكلة خيار حلّ الجمعية الألمانية أو إلغاء انتماءها للاتحاد الدولي. ومنذ عام ١٩٣٣ أتت مطالب من النازيين بأن على المحللين اليهود الاستقالة. وبحلول ديسمبر ١٩٣٥: “اذا لم يستقِل المحللون اليهود، فمن المحتمل ان الجمعية الالمانية سوف تحلّ” من طرف النازية[71]. واحتلت العضوة الجديدة ايفا روزنفيلد ما اعتبره المرء مكانة جذابة بين الاعضاء اليهود انفسهم: “كان رأيها ان الزملاء في مأزق ترفضه داخليا، لأنهم لن يستقيلوا طواعية بسبب معاناة شديدة من المازوخية، وبالتالي من غير الممكن أن يكونوا جلادين لذواتهم”[72] كما صاغها المؤرخ والمحلل بيتر لوفينبرغ مؤخرا على هذا النحو: “من الواضح أن فرويد كان مهتما بالحفاظ على تنظيم وحضور التحليل النفسي في الرايخ الثالث أكثر من حفاظه لكرامة وثقة زملاؤه اليهود أو الأوضاع الضرورية للتحليل النفسي ليشتغل كعلاج عيادي. مؤلم ومخزي قراءة سجل رؤساء معهد محترم، قاموا من اجل الحفاظ على تنظيم ورقي المهن لخلفاء القيادة الجدد، بإهانة وإهمال الغالبية العظمى من اعضائهم، ليتكيّف مع طغيان الدولة. هذا المجتمع ” العلمي” او في هذا الشأن “الانساني” سيستبعد اعضائه عبر دوافع عرقية، اثنية، دينية، او اي دوافع اخرى عارضة من اجل وجود المعهد، ويرفض استقلال العلم من ايدولوجيات السياسة واخلاقية تقسيم الأفراد ، والتي هي جوهر التحرر الانساني للتحليل النفسي بذاته”[73].

ادعى جونز في رسالته لآنا فرويد في الثاني من ديسمبر ١٩٣٥ بانه يعارض “طرد اليهود”، وأخبرها أيضا بشكل عام عما كان يعتقده: “إن مولر- براونشفايغ مشغول بمغازلة فكرة الجمع بين فلسفة التحليل النفسي ومفهوم شبه-لاهوتي لايدلوجية القومية الاشتراكية ولك ان تتخيلي انها مهمة شاغلة جدا، وما من شك في أنه سيواصل جهوده في هذا الاتجاه، وقطعا لا يشابه بوم فهو من معادي السامية”[74]. (وكان مسؤول الاتحاد الدولي الهولندي فان- اوفويسن قد كتب لجونز في الواحد والعشرين من سبتمبر ١٩٣٣ بأنه قد ثبت أن كلا من بوم ومولر- براونشفايغ نازيين.[75] اعتقد جونز ان شولتز-هانك: “غريب بما يكفي ليكون على توجهه الصحيح”[76]، وأبلغ بوم أن شولتز-هانك اقترح أنه على: “الجمعية الالمانية أن تنفصل عن الاتحاد الدولي وكل واحد منا يجب أن يبقى عضوا سريا للاتحاد الدولي للتحليل النفسي وأن يواصل مسيرته/مسيرتها بسرية”.[77]

لكن بوم ومولر-براونشفايغ لم يكونا كما ذكره جونز في رسالته لآنا فرويد، بالتأكيد على كون جونز كانت له مصلحة في مغادرة اليهود للجمعية، ومن الواضح أنه أرسل برقية ايضا لتريزا بينديك: “مشورة عاجلة بالاستقالة الطوعية”[78]، والتي كانت تتزعم معارضة فكرة ابعاد اليهود لأنفسهم. (فيما بعد وتحت ظروف مشابهة)، اقترح على المحللين الهولنديين بأن يقدموا استقالتهم الاحتجاجية عوضا عن الاستقالة الطوعية. كان بوم لايزال في نعيم، مقيما داخل الاتحاد الدولي ليقضي ثلاثة ساعات عام ١٩٣٧ يصف وضع التحليل النفسي في المانيا قبل دخول مجموعة المحللين النمساويين الصغيرة.

 

في السادس والعشرين من مارس ١٩٣٦ كتب جونز إلى فروم، ردا على الرسالة التي بعثها مولر-براونشفايغ إلى فروم: “أعاد الدكتور مولر-براونشفايغ توجيه رسالتك المتذمرة من إقالة الاعضاء اليهود. غير صحيح انه تم استبعادهم، لكنهم قرروا عقب نقاش هام في برلين بينهم وبين زملاؤهم، نقاشا كنت حاضرا فيه، أن من مصلحة الجميع أن يقوموا بتقديم استقالتهم، كان واضحا لي أنه لن يوجد بديل لهم، أقول لك، انني اتوقع يوميا سماع خبر حلّ الجمعية الالمانية بذاتها كليا”.

فكرة اي حلّ وشيك قد تكون مفاجئة، لكنها كانت إحدى تلفيقات جونز البيانية أراد ان تجري على فروم: “وحول مسالة التواصل معي، إنك تتفهم بلا شك ان الكتابة من برلين امر شاق واتضح لي ان هناك سوء فهم في المسالة، حيث انني الملام الاكبر مقارنة بالدكتور مولر-براونشفايغ. لقد افترضوا أنني سأقوم بإبلاغ الاعضاء الالمان الذين يعيشون خارجها، وهو أمر لم يكن واضحا بالنسبة لي. أبلغت الذين يعيشون في انجلترا واعتقدت جليا أن ذلك يفي بالغرض. أنت العضو الوحيد في هذه الفئة، وظننت أنك عضو حالي في جمعية نيويورك”.

لكن أ.أ ابريل كان متواصلا بانتظام مع جونز حول انضمام أي عضو من الخارج لمجموعة نيويورك، وسوف يسمع جونز من أبريل كل خبر لانضمام عضو جديد. وعرف جونز بكل تأكيد ان المحللين غير المختصين مثل فروم كانوا يائسين من التحليل النفسي الامريكي بأكمله: “ومع ذلك”، أضاف جونز: ” إذا كان هناك اية مصاعب في مسألة قبولك هناك [في نيويورك]، فيمكنني ان اعرض عليك عضوية “نانسن” المباشرة للاتحاد الدولي. كن مخلصا لي لتخبرني بذلك”[79] (أسست عضوية نانسن على غرار جواز نانسن للاجئين السياسيين، والتي تقدم للاجئين الروس دون إقامة”[80] وهذا يتبع حادثة أتينغون مع كلارا هابل وأيضا إجراء يونغ مع متابعيه من علماء النفس التحليليين.)

بسبب خطأ بريدي قال فروم بأنه لا علم له برسالة جونز التي بعثها في مارس قبل شهرين وذكر فروم مايلي: “في غياب بديل، أقبل التخلي عن عضويتي في الجمعية الالمانية للتحليل النفسي. انا على اتصال مع جمعية واشنطن-بالتيمور للتحليل النفسي، التي قدمت فيها فصلا من المحاضرات السنة الماضية، لكن قبول عضو-غير متخصص يعدّ مخالفا لشروطهم، وافضّل الا اضغط في هذا الشأن، وعليه، مادام الأمر هكذا، أفضل ان اكون عضو “نانسن” للاتحاد الدولي وامتناني الكبير لك باتخاذ الخطوات اللازمة لتنفيذ ذلك”.

في ابريل، قام فروم بإرسال إيصال بخمسين دولارا (٢٤ مارك ألماني) إلى مولر- براونشفايغ، وفي يونيو صادق جونز على عضوية فروم كعضو مباشر للاتحاد الدولي للتحليل النفسي، وأمِل ان يحضر للمؤتمر القادم في مارينباد. وشرح فروم عدم قدرته على حضور المؤتمر، وكان ممتنا لرسالة جونز وسأله لمن عليه إرسال رسوم عضويته.

 

لم ترد المزيد من الرسائل بهذا الشأن وافترض انه لم يكن هناك وجود لقبول الرسوم للعضوية المباشرة. على اي حال، صُدمت بأن فروم قد دمر كثيرا من مراسلاته الخاصة، وكان قد حفظ الرسائل التي دارت بينه وبين جونز، مولر-براونشفايغ وكما سنرى ايضا روث ايسلر.

 

تأسست الجمعية الالمانية نتيجة لاتفاق جرى في يوليو عام ١٩٣٦ بين جونز، بريل، بوم، مولر-براونشفايغ و م.هـ. غورينغ. واصبحت الجمعية الألمانية (كانت لاتزال جزءا من الاتحاد الدولي للتحليل النفسي) جزءا جديدا من المؤسسة الجديدة المسماة بمعهد غورينغ. احتفلت الجمعية الألمانية بميلاد فرويد الثمانين، ولم يسمح لليهود بالحضور،[81] وكانت الجمعية الالمانية قد أنشئت أصلا من طرف أبراهام عام ١٩١٠، وحلّت في نهاية المطاف في نوفمبر عام ١٩٣٨. كان جونز من اوائل المبادرين لاقتراح عضوية الجمعية “عضوية مباشرة” في الاتحاد الدولي، لكن بوم رفض هذا الاقتراح. المسمار الاخير في نعش الجمعية الالمانية كان عبر “مجموعة العمل (أ)” لمعهد غورينغ، والتي أتت من رحلة مولر-براونشفايغ إلى فيينا، وذلك بعد زحف النازيين في الثاني عشر من مارس ١٩٣٨. (مجموعة العمل (ب) كانت تضم المحللين الجدد لشولتز-هانك، ومجموعة العمل (ج) أتباع يونغ).

 

عندما استولت النازية على جمعية التحليل النفسي النمساوية؛ كعيادة فرود ومطبعته، كان ابنه الأكبر مارتن مسؤولا آنذاك على الأمور المالية، أرسل برقية لمولر-براونشفايغ يستنجده من برلين. (مرة أخرى قام جونز في سيرة فرويد بتمويه مدى توسع الاتحاد الدولي بعد بدء هذا التعاون، حيث كتب: “لقد وصل مولر-براونشفايغ من برلين مصحوبا بمفوض نازي؛ بغرض تصفية وضع التحليل النفسي”[82]. كانت الفكرة واضحة، وهي التخلي عن مولر-براونشايغ ومن خلاله عن الجمعية الالمانية، مهما كانت ممتلكات المحللين في فيينا. ويشق عليّ أن أعتبر ذلك احتراما ذاتيا من فرويد وجمعية التحليل النفسي النمساوية؛ بأن يسلموا أصولهم الى الجمعية الالمانية الآرية يوم التجأوا لمولر-براونشفايغ ليأتي إلى فيينا.

 

توارت كافة الميول السياسية الفاشية لفرويد خلال العقد الاخير من حياته في فيينا، رغم انها كانت في ذلك الوقت غمّا على اتباعه السياسيين المثاليين في امريكا، والذين كانوا على علم بما يجري في فيينا. بكت روث ماك برونزيك على سياسة فرويد، وتوقف علاج زوجها مارك لأن فرويد “خان” الاشتراكية المحلية. كان المستشار إنغلبرت دولفس قد قمع في بداية عام ١٩٣٤ تمردا ماركسيا في فيينا بتعليق البرلمان وقصف مشروع الاسكان الضخم في المدينة حتى استسلمت،[83] وعلى الرغم من ذلك علق مارتن فرويد لوحة لدولفس في مكتبة مطبعة فرويد. أكثر من هذا، حاول فرويد استمالة موسيليني (الذي كان مدافعا عن استقلال النمسا)، وكان ذلك، من دون شك، لخدمة التحليل النفسي في إيطاليا، التي لم تكن مستقرة[84]. وقد وضع قرار فرويد بالبقاء مطولا في فيينا جميع الفرقاء في مصاعب، يوم أن شعروا أنهم لن يتمكنوا من المغادرة مبكرا دون أن يبدو بمظهر الهاربين. (فيما بعد لقيت أخواته الأربع حتفهن في مخيمات الاعتقال النازية).

 

قدِم جونز مباشرة بعد احتلال النمسا، وكان له دور في المشاورات، التي قبِل فيها مولر-براونشفايغ أن يصبح الوصي لجمعية التحليل النفسي في فيينا بالنيابة عن الجمعية الالمانية. كان هناك قلة من المحللين غير اليهود في فيينا لنجاح المشروع، لذلك، أراد جونز من (غير اليهودي) ريتشارد ستيربا ان يبقى في النمسا. تم استجواب آنا فرويد من قبل الشرطة النازية السرية “الجيستابو” حول أمور مالية، بعدما ترك اخاها مارتن دليلا اجراميا توثيقيا حول اموال خارجية. بعد ذلك، لكي تحمي نفسها عرضت عليهم رسالة مولر-براونشفايغ، بعدها قامت الشرطة باستجوابه أيضا.[85] من الواضح أن مولر-براونشفايغ (بصحبة العديد ممن حاولوا حماية فرويد) كان مساعدا لإعطاء الإذن لفرويد بمغادرة النمسا (غادر فرويد في الرابع من يونيو عام ١٩٣٨).

 

أخفقت المحاولة في مجموعة فيينا الآرية للتحليل النفسي، وتم تصفية المطبعة واتحاد التحليل النفسي والعيادة في الأول من سبتمبر. في تلك الأثناء، تلوثت سمعة مولر-براونشفايغ مجددا في برلين، وكانت رسالته مواسية لآنا فرويد وداعمة لمستقبل استقلالي لمعهد فيينا عن كل من معهد غورينغ والاشتراكية الوطنية[86]. كانت تلك هي المناسبة التي تم فيها حلّ الجمعية الالمانية. ثم قام النازيون عند نهاية سبتمبر ١٩٣٨ بإلغاء رخص جميع الاطباء اليهود والمحامين، وكان ذلك بعد ثلاث سنوات تقريبا من استقالة اليهود بأنفسهم من الجمعية الألمانية.

 

كانت أنشطة معهد غورينغ والدور الذي لعبه المحللون هناك قصة مختلفة تماما. وعلمنا انه ربما كان “مأوى للأغلبية”[87]. لكن سجلات المعهد تم تدميرها بالكامل في نهاية الحرب. على اي حال، نعلم جميعا الآن، ان مولر-براونشفايغ قد مرر للسلطات الفاشية اسماء الاعضاء اليهود لجمعية ايطاليا للتحليل النفسي[88]. وقد رفض الانضمام للحزب النازي، الذي قد يحميه من منع التدريس والنشر، ولم يسمح له بدخول معهد غورينغ رغم ان زوجته المحللة كانت تقوم بالتدريس هناك. لم يستطع بوم ان يتولى تدريب المحللين، لكن مولر-براونشفايغ واصل ممارسته السرية: “كان مسؤولا عن تنظيم الدروس حتى بعد عام ١٩٣٨”[89]. و قد عارض بوم مسبقا نهج النازية للشذوذ الجنسي “بالتطهير، العلاج الهرموني، السجن، العمليات ، معسكرات الاعتقال، وعقوبات الاعدام”[90]. وبحلول ديسمبر ١٩٤٤ توصلوا للموافقة على هذه الممارسات. ثم ظهرت قضية التواطؤ بالقتل الجماعي بما أن الجنود المصابين “بإجهاد المعركة” أبيدوا هم أيضا. وربما نذهب دون ان نقول انه لم يكن شرعيا ان يعامل اليهود في معهد غورينغ كمرضى غير قابلين للعلاج، وإعدادهم للبرنامج النازي للقتل الرحيم، حيث يتم تجهيزهم للإعدام. وحقيقة أن عضوا المانيا من مجموعة العمل (أ)، يدعى جون ريتمستر، الاقتصادي الذي كان طالبا لدى يونغ – قد أعدم لخيانته عام ١٩٤٣، لا تلمع كثيرا المرحلة الدنيئة والسيئة في التاريخ الاوربي.

تبعا للتهكم الخبيث، كان النازيون مقتنعون بأن “الاضطراب العقلي في العرق الاولي لا يمكن ان يكون جينيا او عضويا في الاساس”، ولذا اعتقدوا أن تطبيق العمق النفسي كان له دور خاص ليلعبه في الرايخ الثالث[91]. وأعتقد ان العلاج النفسي الحقيقي قد تدمر تحت حكم النازية. نجاح معهد غورنيغ في تسليم (مقاتلات وفتوفا) وتعزيز جهود الحرب النازية بذاتها قد لطخت كامل النهج او ما ندعوه بالعلاج النفسي الالماني. وعلينا ان نحذر جميعا من آثار اي نظام فكري قد يستهدف “انسجام” الفرد والنظام الاجتماعي. ومن يسعى للجدل بأن التحليل النفسي “قد أُنقذ من خلال مغادرة المحللين اليهود والتغطية على معهد غورينغ”[92] فقد فوّت المقصد. ربما اعتقد جونز في “محاولته إنقاذ” التحليل النفسي في المانيا، لكنه أدرك في نهاية الحرب فشل هذا المشروع. (وكان من الصعوبة كشف تسويغه بالصيغة السردية التي بناها في سيرة فرويد، مقارنة بصيغ يونغ الدفاعية الخاصة به). الى درجة أن الثقافة الالمانية قدمت مرة بعضا من أفضل ادوارها للتقاليد الغربية، مسألة تتمثل في كون “العلاج النفسي” تحت حكم الرايخ الثالث لابد أن يكون اخلاقيا، وهو امر مقلق بالنسبة لي أكثر من الانتهاكات المتعددة للطب النفسي تحت حكم النظام السوفييتي.

 

لابد من سرد أحد أسوء الجوانب لهذه القصة. رغم أن جونز كان لسنوات سابقة يكتب لآنا فرويد بأن مولر-براونشفايغ معاديا للسامية، إلا أن مولر-براونشفايغ نجح في النهاية (والذي ذهب لمحلل من أتباع يونغ بعد الحرب العالمية الثانية) بتصدر المجموعة الالمانية، لما بعد الحرب العالمية الثانية داخل الاتحاد الدولي. على الرغم من أن فرويد كان يرغب ان يؤنب الذين تصدروا “الانشقاقات” في تاريخ التحليل النفسي، إلا أنه كان يعتبر انشقاق مجموعة ما بمظهر التحليل النفسي الارثوذكسي أمرا مقبولا. كان مولر-براونشفايغ قادرا على النجاح كرئيس داخل الاتحاد الدولي، و كانت الأرثوذكسية “السبيل الوحيد لتخلص البعض من الماضي النازي”[93]. كان فرويد كما رأينا معاديا بشدة لشولتز-هينك والافكار التي عبر عنها. (شككت بان استخدام شولتز-هانك لمصطلح” التحليل التجديدي” وضع فروم لاحقا خارج اي تعيين لوجهة نظر خاصة). وطغى على السطح سؤال عن انضمام الجمعية الالمانية للاتحاد الدولي بعدما اعيد تكوينها برئاسة مولر-براونشفايغ، وذلك بعد نهاية الحرب العالمية الثانية عام ١٩٤٥.

 

كان مولر-براونشفايغ قادرا على التأكيد بان رأي شولتز-هانك حول “نظريات التحليل النفسي، وبشكل ادق نظرية الليبدو [كانت] بالأساس عتيقة ومنتهية الصلاحية”[94]. في مايو ١٩٤٦ كتبت آنا فرويد لمولر-براونشفايغ: “لطالما كنت متأسفة لكون زيارتك لفيينا وعلاقتك معي عام ١٩٣٨ كانت لها عواقب غير مفرحة بالنسبة لك. تعلم ان ذلك لم يكن في نيتي[95]. لطالما كان التحليل النفسي الارثوذكسي أقوى رباطا من السياسة. خلال بداية عام ١٩٣٣ بيّنت مريضة متدربة لدى آنا فرويد، تدعى استير مينكير، بأنها كانت في مأزق من تواجد: “كثير من الحركات المنشقة، يونغ، ادلر، رانك، لو كنتم تبحثون جميعا عن حقيقة الشخصية الانسانية، فلما لا تعملون مع بعضكم البعض؟” و “اجابتها آنا فرويد دون تردد”: “ليس هناك شيء يهمنا من غير حركة التحليل النفسي”[96].

في ديسمبر عام ١٩٤٧ اصبحت آنا فرويد امينة للاتحاد الدولي وكتبت لمولر-براونشفايغ: “ليحضر استجواب دفع متأخرات الاشتراكات السنوية عام ١٩٣٩”[97]. ضمنيا، كانت توحي بان الجمعية الالمانية بقيت بشكل غير رسمي داخل الاتحاد الدولي، عندما يتعلق الأمر بالأموال. وقامت آنا في تلك السنة، كسكرتيرة للاتحاد الدولي للتحليل النفسي، بإدراج انشطة الجمعية الالمانية بين عامي ١٩٤٥-١٩٤٧ داخل (النشرة) الخاصة بالاتحاد الدولي للتحليل النفسي.

 

عندما حاولت الجمعية الالمانية تجديد الاعتراف بها من قبل الاتحاد الدولي في مؤتمر زيورخ عام ١٩٤٩، تحكم جونز كرئيس في تلك السنوات “بدمج اشكال مختلفة من العلاج النفسي- يونغ ادلر، فرويد، والتحليل التجديدي”، والتي ظهرت لها آثار سيئة و بقي مولر-براونشفايغ كأحد “المحللين الحقيقين و المخلصين”[98]. واعتقد ان القبول المؤقت من الالمان كان سليما. على الرغم من أن المحلل الانجليزي جون ريكمان كان من المفترض أن يعمل بالنيابة عن الحكومة البريطانية، إلا أنه سلم لمحللي الاتحاد الدولي في لندن تقريرا يصف مولر-براونشفايغ: “بعدم أهليته كمحلل الى جانب ميوله النازية”.[99]

 

بعد مؤتمر زيورخ حدثت مشادات غير مرضية بين مولر-براونشفايغ وشولتز-هانك، واعتقد مولر بان شولتز يوضح بالتأكيد: “الانطباع بانك محلل نفسي”، واحتج شولتز بان مولر اساء في اقتباسه معطيا الحضور في زيورخ “صورة كارثية لمعتقدي”، وادعى شولتز-هانك: “أنت والآخرون من جانب واحد تعتقدون بانكم قادرون على كسر اتفاقية رجل شريف معقودة حتى الان.. إذا ذهبتم للتأكيد بأنني تخليت عن ٩٠٪ من المحللين النفسيين، يجدر بي ان اخبركم بحدة أن المحللين الشباب سوف يرون هذا الراي تافه ببساطة.. وإذا كنا سنتحدث بالأرقام فاستنتاجي يؤكد ان ما نسبته ٧٥٪ من الاكتشافات التجريبية في التحليل النفسي والتي ارتبط بها فرويد لها اهمية حاسمة. إنني لم اقم سوى بانتقاد الهيكل النظري والمجازي والذي كما عبر عنه فرويد بالافتراضي إلى حد ما. انتقدت محاولة التعبير بأسلوب التسعينات، لنظرية الليبدو النشطة الساذجة للطبيعة الفكرية. اعتقد انني بررت تماما وصفي لنفسي بمحلل نفسي كما لم افعل من قبل، تماما مثلما يصف الامريكيون أنفسهم عندما يُسألون بالمحللين التجديديين”

 

وجد مولر-براونشفايغ هذه الرسالة: “تعج بافتراءات واهانات ومحاولات تشويه” من شولتز-هانك. إن رأيك في علم النفس التأويلي، بالنسبة لمولر-براونشفايغ، مثل مجموعة فرضيات عفى عنها الدهر”. وكان يعني كون شولتز-هانك: “تمسك بنظرية لاوعي مختلفة عن تلك الخاصة بفرودي”[100]. تمسك مولر-براونشفايغ بموقف الاقلية داخل الجمعية الالمانية، وسنذكر بانه سُمح لشولتز-هانك بتدريب المرشحين خلال الحرب. ونتيجة لموقف مولر-براونشفايغ الانتهازي كأقلية داخل الجمعية الالمانية قام مع خمسة آخرين (واحد منهم يعرف بكونه أحد اعضاء الحزب النازي) بتنظيم اتحاد الماني جديد للتحليل النفسي، والذي بدوره أمّن حق الدخول الى مؤتمر الاتحاد الدولي في امستردام عام ١٩٥٢. لاحظ جوجينز مؤخرا: “أن دعم انضمام الاتحاد الألماني الى الاتحاد الدولي، يعني أن الرئاسة العليا العالمية لمجتمع التحليل النفسي، بقبولها الأعضاء النازيين، اختارت وضع العقيدة النظرية كعامل أكثر اهمية”[101]. ونجح مولر-براونشفايغ: ” بعد سلسلة من المناورات المنظمة” أن يُقبل هو ومجموعته الصغيرة مرة اخرى في الاتحاد الدولي، تاركا شولتز-هانك وحيدا في العراء، ليس بسبب الفرويدية-التجديدية -التي كان يمثل-، بل لإزالة الذنب المشترك بتعيينهم لمتعاون نازي، لم يقم به شولتز-هانك.[102]

 

كان فروم في ذلك الوقت يعيش في المكسيك (منذ عام ١٩٥٠)، مكتشفا أنه بطريقة ما، أبعد من كونه عضوا مباشرا للاتحاد الدولي. (خلال الاوضاع الصعبة للحرب العالمية الثانية حتى لائحة العضوية العامة لم تبق طويلا في (النشرة) التي ظهرت في (مجلة التحليل النفسي). العضوية المباشرة الوحيدة التي ادرجت عام ١٩٥٢ كانت للدكتور فانر كيمبر الذي تعاون مع بوم في دعمه “استئصال المثليين والجنود المصابين بإجهاد المعركة”. كان كيمبر مصدرا هاما في التضليل حول ما حدث للتحليل النفسي تحت الحكم النازي.[103] (وهو الذي قام بتحليل زوجة م.هـ غورينغ ايضا). علاوة على ذلك بحث كيمبر في قانون تحسين النسل في المانيا.

من الواضح ان جونز قام بتشجيع كيمبر ليذهب الى البرازيل حيث تورط قبل ان يعود لالمانيا باتهامات بإقراره على عقوبة التعذيب.[104] وبالعودة الى السؤال حول تاريخ نسب التحليل النفسي وشجرة العائلة والذي تطرقنا له في بداية هذا الفصل، وبما أن المحللين قادرين على تتبع خلفية تاريخ التحليل النفسي، سيبدو للبعض بأنه من العدل لوم كيمبر على ما اقترفته ايدي تلامذته في البرازيل.

 

في ٢٨ مايو ١٩٥٣ كتب فروم الى روث ايسلر سكرتيرة الاتحاد الدولي ومقدمة الرعاية في معهد التحليل النفسي في لندن، وكان جونز آنذاك رئيسا فخريا للاتحاد الدولي: “سأكون ممتنا بشدة إن تكرمتِ بإجابتي عن السؤال التالي: لقد كنت عضوا مهاجرا للاتحاد الدولي منذ عام ١٩٣٤، عندما اضطررت للاستقالة من الاتحاد الالماني. يظهر لي ان اسمي لم يعد موجودا في لائحة الاتحاد الدولي للأعضاء المهاجرين، على الرغم من أنني لم أقدم استقالتي، ولم يصلني إشعار بانتهاء عضويتي. هل تتفضلين بإخباري عن حالة عضويتي؟”.

حملت هذه الرسالة تشابها مدهشا لرسالة فروم الشجية لمولر عام ١٩٣٦.

ردت روث ايسلر من نيويورك في الحادي عشر من يونيو ١٩٣٥: “توصلت برسالتك في الثامن والعشرين من مايو. منذ ١٩٤٦ والاتحاد الامريكي للتحليل النفسي هو الجمعية الوحيدة المكوّنة للاتحاد الدولي للتحليل النفسي في هذه البلاد.

تم استبدال العضوية الأوتوماتيكية المبكرة للاتحاد الدولي الأعضاء في مختلف فروع المجموعات، بروتين خاص يتطلب اعتراف الاتحاد الدولي قبل التسمية الأوتوماتيكية لمحللي فروع الجمعيات ليكونوا اعضاء للاتحاد الدولي للتحليل النفسي، وقد واجه المحللون-غير المتخصصين حاجزا خاصا في امريكا”.

ومضت رسالة روث الى أن تعتمد عضوية الاتحاد الدولي على عضوية الجمعية المكوّنة للاتحاد الدولي. لقد أُدرجت كعضو لجمعية واشنطن للتحليل النفسي، وهي بدورها ليست جمعية مكونة للاتحاد الدولي للتحليل النفسي، لكنها جمعية منتسبة للأمريكية. ولم يعد هناك وجود للجمعية الالمانية القديمة.

لم يكن ذلك صحيحا، وكانت روث ايسلر تعلم ذلك، بما أن حق دخول الجمعية الالمانية للاتحاد الدولي عام ١٩٤٩ لم يتم تمديده عام ١٩٥١. والجمعية الالمانية لاتزال (وهي خارج الاتحاد الدولي) مستمرة في العمل في سنة ٢٠٠٣. او انها كانت تود أن تقول بأن الجمعية الالمانية لم تعد موجودة على حد علم الاتحاد الدولي؟ هذا التفكير يمكن ان يتماشى مع التحيز القديم، بأن كونك خارج الاتحاد الدولي للتحليل النفسي يعني أنك ستقدم شخصا ليس بالمحلل.

واصلت ايسلر: “تم تنظيم جمعية جديدة تحت رئاسة الدكتور كارل مولر-براونشفايغ. ربما تكون العضوية المهاجرة في الاتحاد مطلوبة في حالات استثنائية من قبل اولئك الذين كانوا اعضاء سابقين لجمعية مكونة للاتحاد الدولي. لقد قام عدد من المحللين-غير المتخصصين في تلك البلاد، والذين ليسوا اعضاء للاتحاد الامريكي للتحليل النفسي، بإعادة طلب العضوية في الاتحاد الدولي، والذين كانوا موافقين على فحص طلباتهم من قبل لجنة الفحص المشترك للاتحاد الدولي والامريكي. تأسست هذه اللجنة في مؤتمر امستردام ١٩٥١ قصد المساعدة في تقييم المحللين- غير المتخصصين الأجانب، لكي يعيدوا عضوياتهم في الاتحاد الدولي؛ والتي تحتوي على ثلاث اعضاء مناصبهم كالتالي: رئيس الاتحاد الامريكي للتحليل النفسي، رئيس مجلس ادارة المعايير المهنية للاتحاد الامريكي، عضوا من المركز التنفيذي للاتحاد الدولي والذي بدوره عضوا في الاتحاد الامريكي.

عليك الآن ان ترسل لي طلب اعادة العضوية بصفتي رئيسة لجنة الفحص المشترك ويجب ان تتضمن تفاصيل السيرة الذاتية متضمنة الانشطة الحالية. أتمنى أن تكون تلك هي المعلومات التي طلبتها.

قام فروم بالرد في التاسع والعشرين من يونيو: “شكرا جزيلا على لإجابتك على رسالتي.

مافهمته منك هو انني ان اردت ان يستمر وضعي كعضو مهاجر في الاتحاد الدولي، فيجب ان أقدم طلب اعادة عضوية. قبل ان اتخذ قرارا اود ان افهم الوضع بشكل ادق قليلا، وسأكون شاكرا جدا إن قمت بتنويري حول سؤالي عما قصدتِ” بالفحص” للعضو السابق المهاجر. هل يعني ذلك انهم يُعتبرون فاقدين لأوضاعهم كأعضاء مهاجرين، وان الفحص يعني عمليا تقديما جديدا للعضوية؟ وإن لم يكن كذلك فوفقا لأي المبادئ يتم تنفيذ هذا الفحص؟، هل يمكن ان يكون على سبيل المثال: ان تكون ارائي التحليلية نفسية لا تتوافق مع آراء الاغلبية، أحد العوامل المأخوذة في الحسبان عند الفحص، واحد اسباب رفض العضوية؟

لا بد أن أعترف كذلك بجهلي فيما يتعلق بالمبادئ التي تحكم الاتحاد الامريكي للتحليل النفسي وما يخص قبول الأعضاء، وهل هناك أي قاعدة قام الاتحاد وعلى أساس المبدأ باستبعاد كل من هو محلل-غير متخصص طبيا؟

أتمنى أنني لم أسرق من وقتك الكثير بطرحي لهذه الأسئلة وأشكر لك عناء الإجابة عنها.

فائق التقدير والاحترام لك”.

قامت روث بالرد في السابع والعشرين من يوليو ١٩٥٣، ولم تعرّج على ايّ من كتب فروم او مقالاته او اسهاماته المعروفة في التحليل النفسي. ولم تقرّ عن طيب خاطر حقيقة قبول بعض المحللين- غير المتخصصين كأعضاء للاتحاد الامريكي للتحليل النفسي. بدا قرار مؤتمر امستردام المتصل بالأعضاء المباشرين، وكأنها دعوة للتسهيل على المحللين-غير المتخصصين، خاصة في امريكا ليكونوا أعضاء للاتحاد الدولي.

 

على الرغم من كون مرتبة الاعضاء المهاجرين يفترض أن تمنح بعد “تقويم حذر لأهليتهم”، لم يكن هناك تلميح بأن هذه العملية قد تعني استبعاد الاشخاص الذين قبلوا بالفعل كأعضاء مباشرين.[105]

واصلت ايسلر بمزاجها البيروقراطي: “إنني آسفة لأن جواب رسالة التاسع والعشرين من يونيو قد وصل متأخرا. على اي حال، شغلتني تحضيرات المؤتمر الثامن عشر للاتحاد الدولي تماما.

ردا على سؤالك، في المؤتمر السابع عشر للاتحاد الدولي في امستردام ١٩٥١ [والذي فاز فيه مولر- براونشفايغ ومجموعته الجديدة بحق الدخول]، تأسست لجنة الفحص المشترك للاتحاد الدولي والامريكي للتحليل النفسي، بغرض اعطاء فرصة إعادة العضوية للمحللين-غير المتخصصين في شمال امريكا ممن لا يملكون عضوية للاتحاد الامريكي للتحليل النفسي، والذين خسروا عضوياتهم في الاتحاد الدولي خلال تغير الاوضاع في الاتحاد. لا يعد المحللون غير-المتخصصين اعضاء في الاتحاد الامريكي، باستثناء من كانوا أعضاء قبل ١٩٣٩. يجب على كل المحللين غير-المتخصصين الذين كانوا أعضاء مهاجرين في الاتحاد الدولي ونشأوا في شمال امريكا اعادة تقديم طلب عضوية بلجنة الفحص المشترك، بالإضافة الى الاعضاء المهاجرين السابقين. ويعتمد إعادة العضوية على توصيات اللجنة، التي تتضمن ثلاثة مناصبهم كالتالي: رئيس الاتحاد الامريكي للتحليل النفسي، رئيس مجلس معايير الاتحاد الامريكي للتحليل النفسي، وعضو المركز التنفيذي للاتحاد الدولي للتحليل النفسي، والذي بدوره عضوا في الاتحاد الدولي للتحليل النفسي“.

بعدما كررت روث ايسلر تشريعاتها القانونية وضعت فقرة قصيرة تقول: “بالطبع، أنا لست في موضع المراقب لتوصيات لجنة الفحص المشترك. ورغم ذلك، افترض شخصيا بان اي شخص لا يساند مع المبادئ الاساسية للتحليل النفسي لن يكون مهتما على اي حال ليصبح عضوا في الاتحاد الدولي للتحليل النفسي”.

قام فروم بالرد على روث مرة اخرى في السادس والعشرين من أغسطس، برسالة يتضح أنها كانت خاتمة مراسلاتهم: “شكرا لرسالتك البليغة المؤرخة بتاريخ السادس والعشرين من يوليو.

أقدر تعليقك الشخصي؛ بان اي شخص لا يساند المبادئ الاساسية للتحليل النفسي، لن يكون مهتما بالحصول على عضوية الاتحاد الدولي للتحليل النفسي. متأكد أنك تدركين أن المسألة الرئيسية هي مانعني بـ المبادئ الاساسية” للتحليل النفسي. إنني اعتبر نفسي أقتسم هذه المبادئ، لكن السؤال هو ما مدى دقة وشمول تفسير الاتحاد الدولي لها. وليس السؤال المناسب عن رغبتي بان اكون عضوا للاتحاد الدولي، بل عن أسباب استبعاد عضويتي

ارتأيت ان اعطيك لمحة عن المشكلة في حال رغبتك بإعادة فتحها”.

منطقيا، يظهر لي بأن اي متقدم بطلب العضوية سوف يقبل أوتوماتيكيا، لكن فروم كان متأكدا انها لم تكن تقصد ذلك. من الواضح انه اراد ان يبقى -غير منتسب- لعضوية الاتحاد الدولي للتحليل النفسي. ربما يضن ساذج بأنه كان منشغلا بتحضير مجموعته المكسيكية للاتحاد الدولي للتحليل النفسي. لكنني اشك ان روث ايسلر ستقوم بالرد مثلما فعلت في كتابها الخاص، وبقي مشهودا على سبيل المثال ما إذا كان رئيس الاتحاد الدولي هاينز هارتمان الذي يعيش في نيويورك او اي أحد في لندن كان له دور خلف الكواليس في سلسلة الرسائل الآنفة الذكر.

 

أشار فحص ملفات غريت بايبرنغ، كإجراء قامت به روث ايسلر بصفتها سكرتيرة الاتحاد الدولي بان مشكلة الاتحاد الدولي مع فروم عندما بدأ تدريبه وممارسته في المكسيك. كان روبرت نايت رئيسا لمجلس المعايير المهنية، بالإضافة لكونه رئيسا منتخبا للاتحاد الامريكي عند تسلمه استطلاعا حول موقف فروم. وبعد رسالة مطبوعة وطويلة حول موضوع فروم، وضع نايت ملحوظة صغيرة بيده لبايبرنغ قال فيها: “هل الدكتور فروم أحد الذين يريدون مرتبة في الاتحاد الدولي كعضو مهاجر؟”. من هنا، فقلة من الناس في الواقع ستعي حجم التعقيدات البيروقراطية في الاتحاد الدولي للتحليل النفسي. إن المكسيكي الذي كتب لنايت في المقام الاول كان متشجعا للتحري عن المؤهلات التنظيمية لفروم عبر كارل منينغر. وبحلول عام ١٩٥٣ كان منينغر لايزال منزعجا بحدة من فروم. عندما قامت خدمة المعلومات في المجلس الوطني لكنائس المسيح بالإشارة لفروم كـ “محلل مرموق” قام ميننغر بمعارضة ذلك: “حسنا، هو محلل نفسي مرموق لكن ليس بالقدر الجيد الذي صرحتم به. كان الدكتور فروم منشقا عن مجموعة التحليل النفسي، وغادر في البداية إلى المكسيك، حيث يلقن الاطباء المكسيكيين نوعا عجيبا من التحليل النفسي، واعتقد الاطباء هناك انه معتمد في امريكا لكنه لم يكن كذلك”.

قام ميننغر بالمقارنة بين فروم في المكسيك، وكيف يرى المجلس الوطني لكنائس المسيح “لمنشق عن الكنيسة المشيخية، دعونا نقول، فهو مبشر في المكسيك وواعظ على سبيل المثال بكون عيسى غير يهودي وانه عاش بالفعل في شمال افريقيا وآمن بمحمد كأحد أنبيائه”[106]. كان رد غريت بايبرنغ لاستطلاع آخر حول فروم في المكسيك أكثر ترددا وسلاسة من الجانب السياسي، مقارنة برد ميننغر او روث ايسلر، تقول بايبرنغ انها غير متأكدة “هل يخطط للبقاء طويلا هنالك، وربما من الافضل التروي ثم نرى كيف ستصبح الأمور”. على اي حال، بعد مرور سنتين “اتضح ان وجود فروم في المكسيك لم يكن مؤقتا”.

ربما يبدو الآن منطقيا أكثر كيف لفروم أن يدافع عن نفسه بشرعية ضد اتهامات ماركوس بانه كان ملتزما إلى حد ما. كان على سبيل المثال يخاطر بمكانته في جمعية واشنطن للتحليل النفسي بمواصلة تدريب لم يُشرع من قبل الاتحاد الدولي. وفي عام ١٩٧١ كتب احتجاجا للمؤرخ مارتن جاي بأن مجمل افكار ماركوس آخذت على فروم تنازله عن الأسس الفرويدية. احتج فروم بأن أطروحة مخطوطة جاي لا يمكن اعتبارها إلا: “بيانا عنيفا ومتوقعا فقط من وجهة نظر الفرويدية الارثوذكسية”[107]. كان فروم يحاكي دون علم ماحدث بين شولتز-هانك ضد مولر- براونشفايغ، فعلى الرغم من أن فروم اختلف عنهم سياسيا، فإنه لم يتلون باي تعاون سياسي. واحتج فروم كما فعل لاكان في فرنسا، بقوله: “لم أنو تأسيس مدرسة خاصة بي.

كنت عضوا تابعا للاتحاد الدولي للتحليل النفسي وتم استبعاد عضويتي من قبلهم، ومازلت عضوا لجمعية واشنطن الفرويدية بطبيعة الحال. لطالما انتقدت الفرويدية الارثوذكسية والطرق البيروقراطية للنقابات الدولية الفرويدية، لكن كافة اعمالي النظرية قامت على ما اعتبره اهم الاكتشافات الفرويدية، باستثناء تلك التي تخص علم النفس النظري. (وهذا بالمناسبة خلاف موقف ماركوس الذي بنى رايه خالصا على علم النفس النظري الفرويدي وتجاهل تماما نتائجه العيادية، ومنها اللاوعي، الشخصية المقاومة …الخ)”[108].

 

فشل ماركوس وأنصاره في مدرسة فرانكفورت دون وعي منهم، بتعريفهم للسلطة في فكر التحليل النفسي الارثوذكسي.

من الواضح أن جرح فروم كان عميقا عندما أُبعد من الاتحاد الدولي عام ١٩٥٣، وكان يمكن ان يسمى عضوا نظرا لما لحقه من اساءة واهانة لكبريائه. (لايزال الاتحاد الدولي يقدم عضويات مباشرة، لم ترق إلى مساهمات فروم الشخصية الخاصة). لم يذع فروم أمر اضطهاده كما فعل رايخ. ولو كان فروم ملاحما بيروقراطيا جيدا، لكان عرف ميزة جماعة مولر-براونشفايغ كجمعية المانية تم قبولها داخل الاتحاد الدولي. وكان بإمكان فروم حينها ان يتنازع حول زعم روث ايسلر بان الجمعية الالمانية لم يعد لها اي وجود.

 

كان تأليف الكتب أفضل طريقة للتقدم بالنسبة لفروم. وربما كان الايمان بان المفاهيم أكثر اهمية من الانتماء إلى التحليل النفسي او شجرته العائلية، ضربا من مثاليات التنوير في القرن الثامن عشر. كان لفروم روح ثورية صادقة للتحليل النفسي، تم تجاهلها من قبل مناصري وجهة نظر ماركوس.

 

مما عقد موقف فروم أنه لم يتقاسم كافة جوانب شولتز-هانك “الفرويدية-التجديدية”، إضافة إلى أنه ابتعد بنفسه أيديولوجيا من ادلر ويونغ، اللذان ظلّا مهرطقان في نظر الاتحاد الدولي للتحليل النفسي. لكن فروم كان لايزال بطريقة ما متشبثا بذلك الفكر التقليدي. لم تكن معاناته تشبه معانة الآخرين، لأنها لا يمكن أن تعتبر باي شكل من الاشكال قضية شخصية مع فرويد. عام ١٩٦١ وبعد وفاة شولتز-هانك انضم فروم للجمعية الالمانية ومجموعات اخرى غير تابعة للاتحاد الدولي للتحليل النفسي (مثل المعهد الابيض) ليؤسسوا الاتحاد الدولي لجمعيات التحليل النفسي.

 

إن كافة مراحل قصة استبعاد فروم من الاتحاد الدولي للتحليل النفسي، تنفي ما قاله ماركوس بأنه كان ملتزما. وربما اعترف فروم بتخليه عن آراء التحليل النفسي الارثوذكسية الخاصة به بيسر بعد عشر سنوات من التدريب العيادي، وعلى عكس الآخرين – كان قادرا على الوقوف لوحده. وكان له مناصرين مثل فروم-ريتشمان، هورني، كلارا ثومبسون، هاري ستاك سوليفان، ولا يحق التقليل من انجازاته الشخصية، تماما كالآخرين. (جزء من مصاعب فروم مع هورني اضافة لتفرده، انها نجحت في استبعاد فروم كمحلل متدرب في معهدها الجديد، تحت ذريعة كونه لا ينتمي إلى التخصص الطبي، رغم انها كانت ضحية للأرثوذكسية بنفسها، وعقب استقالته انضم لمجموعة ترتبط بسوليفان. انهيار المدى القصير الذي لحق فروم هنا، ربما كان بسبب كون مشاعر التنافس الحامية قد ولدت نجاحه الشخصي). لكن الطلب الخاص على كتب فروم يدل بأنه يستطيع ان يتفوق على رؤساء الاتحاد الدولي. وقد سدد فروم لكمة على الأقل في تصديه لجونز ضد فرينزي (ورانك)، بالإضافة الى كتابه (رسالة سيجموند فرويد). (طبقا لراينر فونك، الوارث الشرعي الأدبي لفروم، لم يشعر فروم بالراحة حيال النقد الذي وجهه إلى رانك اواخر عام ١٩٣٠ لذلك لم يرد أن يعاد طباعته.)[109]

 

كُوفئ فروم لاحقا بطريقة غير متوقعة. رأينا ان استبعاده من الاتحاد الدولي عصل لأنه لم يكن متخصصا، وعين ليكون عضوا للاتحاد الدولي، الذي كان في ذلك الوقت الهيئة التأسيسية الوحيدة في امريكا للاتحاد الدولي للتحليل النفسي. وعلى الرغم من ذلك، ظلّ لسنوات ملتزما بالدرجة الاولى مع المعهد الابيض، وسيكون اعضاء تلك المجموعة هم من لعبوا دورا رئيسيا عام ١٩٨٠، برفع دعوى قضائية لمكافحة ضبط التبادل التجاري ضد القيود التدريبية في الاتحاد الدولي والمعهد الامريكي للتحليل النفسي.[110] ومن سخرية القدر أن كيرت زوج روث ايسلر كان قد كتب كتابا ضخما عام ١٩٦٥، يقف فيه مع المحللين غير المتخصصين طبيا.[111] ومع كل أمثلة التلاؤم والتكيف والجبن والانتهازية لسرد حكاية استبعاد فروم من الاتحاد الدولي. كان فروم نفسه قد مر من باب الاحترام الذاتي.

من الصعوبة فهم ما قام به فروم عند قبوله عام ١٩٣٦ لاقتراح جونز ليكون عضوا “مباشرا” في الاتحاد الدولي، لكن مادام انه فعل، فقد بقي كمحلل-غير متخصص في امريكا، في موقف معارض. كان غلوفر داهية في بريطانيا اواسط عام ١٩٤٠ بإصراره على ان يصبح عضوا للجمعية السويسرية. وكان قد استقال من الجمعية البريطانية، بدلا من ان يعزم على التقديم لمنصب غير مؤكد كعضو مباشر.[112] وبعد مرور القوت، من البديهي ان ينزع منه ما وهبه إياه بسهولة رئيس الاتحاد الدولي، ونفس الشيء ينطبق على سكرتير الاتحاد. لم يكن استبعاد فروم يشبه استبعاد الجمعية الالمانية لأعضائها اليهود اواخر عام ١٩٣٥، وعلى القارئ ان يقرر بنفسه ما إذا كانت روث ايسلر محقة، بان فروم كان على خلاف مع “المبادئ الاساسية للتحليل النفسي.

 

المسألة الأخرى والأهم، هي مشكلة عامة تتعلق بكيفية تكيّف الناس في الازمات الاجتماعية. ولأولئك الذين لم يخوضوا غمار معايشة الاوقات الصعبة في أوروبا الوسطى خلال عام ١٩٣٠ والحرب بذاتها، ومن الرائع افتراض ان الناس قد تصرفوا بشرف كبير اتجاه الطغيان النازي، بدلا من الانهماك في توجهات ميكافيلية. رغم كل ذلك، كان المحللون مجهزين على نحو فريد لممارسة مهنتهم خارجيا. من جهة أخرى، وقعنا حتميا جميعا في حياتنا في شراك ايدولوجيات زماننا. وفي الوقت الحاضر، نتناول بالتأكيد الاتهامات المرتبطة بـ “الاصلاح السياسي” كمعارضة لسؤال ما إذا كانت الفرويدية التجديدية تندرج تحت الفاشية. بالنسبة لي مازالت كرؤية واضحة العالم للماضي مرغوبة بالتماشي مع تعاليم فروم.

 

اللافت للنظر أن قصة ابعاد فروم من التحليل النفسي بكل تشعباتها الى حد الآن بقيت طي الكتمان. وليس من السهل متابعة الامور مع شخص بمهارة جونز وقدرته على الحصول على ثرثرة سردية بشكل عشوائي. على سبيل المثال: ادّعى في وقت متأخر في مؤتمر الاتحاد الدولي في باريس عام ١٩٣٨:

واصلت الجمعية الالمانية وجودا حيا وضعيفا إلى حد ما. وقد تأسس في مايو ١٩٣٦ المعهد الالماني الجديد للعلاج النفسي وأبحاث التحليل النفسي [معهد غورينغ]، والذي يضم جمعية منفصلة للتحليل النفسي، تمتع القسم باستقلالية كبيرة وتدرب فيه العديد من المرشحين مع تزايد عام لقائمة أعضائها”.

 

بيّن جونز بان الجمعية الالمانية للتحليل النفسي قد تحولت في نوفمبر ١٩٣٨ إلى مجموعة العمل (أ)، وأُقيلت عضويتها من الاتحاد الدولي.[113] ويبدو من العسير فهم ما حدث، إلا إذا تتبع المرء، باستقراء شامل، القصة كاملة. بحلول عام ١٩٥٧، كان جونز متمكنا كما رأينا من خلق تحوير في مؤلفه البديع لسيرة فرويد، بأنه تم التخلص من التحليل النفسي في المانيا عام ١٩٣٤. واحتاج جونز خمسين عاما منذ كتابة تلك الكلمات ليفك العقد خلف منطقه العقلاني. لقد ارتاب فرويد من جونز الذي كان مؤلفا في وقت مبكر لبحث مشهور في العقلانية، ذلك لإنه كان من الصعوبة مواصلة تتبع ازدواجية جونز.

 

كان فرويد نفسه كاتبا عظيما، وهامّا على الدوام كمفكر بالنسبة لنا لنكون قادرين على فهم كون عيوبه كانت جزئيا عيوب الزمن والثقافة. عندما توفي في لندن عام ١٩٣٩، كان يبلغ من العمر ثلاث وثمانون عاما، واعتقد انه استقر جزئيا في فيينا لوجود أطباء عارفين بحالته، إضافة لتدهور صحته بشكل سريع في لندن. إنه ليس بحاجة لتعظيمنا له، ويُمكن ان يكفل لحياته استقراء دقيقا. تحدثنا حول الاجتماع الذي تم في نوفمبر ١٩٣٦ بين بوم وفرويد، وقد أنهى فرويد اجتماعه بنصيحة وجهها لبوم يقول فيها: ” الإدانة اللبقة غير المباشرة في الواقع، يعني أن تقوم بكل انواع التضحيات، لكن دون تنازلات”.

 

يجب ألا يجرفنا سحر العالم القديم. فقد قدم فرويد والاتحاد الدولي تنازلات كثيرة وقد يستمران في بذلك، على الرغم من أننا في العالم الجديد قد نكون ساذجين في خلطنا للنفاق بالحقيقة. كان الموضوع الرئيسي لروايات هنري جيمس يدور حول السلوكيات الأوربية والصراحة الامريكية التي ظلّت تواصل التصادم مع بعضها البعض.

حتى إذا حاولنا الاعتراف بكل الأخطاء التي نميل لتحميلها أمريكا الشمالية، لايعني هذا أن يعمى المرء عن الوسائل الاشكالية التي تم اتخاذها تحت قيادة فرويد، جونز والآخرين ليكون الاتحاد الدولي مؤسسة جبارة تقوم بالانقلاب على أعضائها. لحسن الحظ أن مقاومة فروم الفردية لم تتخذ الشكل المأساوي لريتميستر في المانيا خلال الحرب.

ختاما، لم يكن الخيار كما فرضه جونز بين التحليل النفسي والسياسة، ولكن ما يجب أن تكون عليه العلاقة السليمة بين تلك الانواع المختلفة والحتمية من التساؤلات.[114]

 

 

 

هوامش المترجم:

 


[‌أ]  تأسس هذا الاتحاد عام 1910, من قبل سيجموند فرويد، عبر فكرة تقدم بها ساندور فرينزي. يضم الاتحاد الدولي 12,000 عضوا يعملون في 70 منظمة تأسيسية. (المترجم)

[‌ب]  أصبحت المكسيك بلدا صناعيا عقب نهاية ثورة عام 1920, فألهم هذا التغيير إريك فروم إلى جانب مايكل ماكوبي لتأليف كتاب يتناول دراسة هذه التغيرات. (المترجم)

[‌ج]  إريك اريكسون، محلل نفسي عُرف بنظريته في التطور الاجتماعي للإنسان، حققت نظرية الأنا انتشارا واهتماما مهنيا لم يكن ليحدث لولاه. كان يصرّ على انتماءه لفرويد، ويصف نفسه بالفرويدي التجديدي. ألف العديد من الكتب، لكنها لم تحظى بشهرة كالتي حظي بها كتابه (الطفولة والمجتمع). ( المترجم)

[‌د]  تأسس معهد ويليام ألنسون الأبيض على يد إريك فروم وكلارا ثومبسون عام 1946 في نيويورك وذلك لتدريب المحللين والمعالجين النفسيين. يقدم المعهد برامج تدريبية، وخدمات عيادية، كما يستضيف مؤتمرات، ومحاضرات وحلقات دراسية. ( المترجم)

[‌ه] أنشئت الجمعية الألمانية للتحليل النفسي على يد فرويد. وهي تعنى بجلب المحللين النفسيين ممن أنهوا تدريبا متقدما لأجل تطويرهم. وللجمعية منذ نشأتها إسهامات بحثية وتعليمية وعلاجية بارزة. (المترجم)

[‌و]  فيلهلم رايخ محلل نفسي وعالم اجتماع نمساوي. من أبرز الشخصيات الراديكالية في تاريخ الطب النفسي، له مؤلفات عديدة أبرزها (تحليل الشخصية) (الثورة الجنسية). (المترجم)

error: المحتوى محمي