ابتسامة كاريامين – أحمد توهاري/ ترجمة: أنور الغامدي

ابتسامة كاريامين – أحمد توهاري/ ترجمة: أنور الغامدي

ابتسامة كاريامين

أحمد توهاري | ترجمة: أنور الغامدي


مشى كاريامين ببطء وبخطوات حذرة، حاملا سلّتين ثقيلتين من الحجارة الكبيرة على الطريق جانب النهر، كان الطريق الذي يسير فيه زلِقا بسبب تساقط عَرقه و عرَق أصدقائه، كانوا يحملون الحجارة جيئة و ذهابا من عند النهر و حتى وصولهم لتاجر مواد البناء بالجملة في أعلى التل. لطالما كانت لكاريامين طرقه الخاصة في الصعود ولطالما حرص على أن تكون رحلة صعوده للتل آمنة.

يصعد بخطوات حذرة بينما يحافظ على توازنه بتركيز وزنه ووزن حمولته على احدى قدميه اليمنى أو اليسرى، نقل تركيز الوزن من قدمٍ الى أخرى يجب أن يتم بكل حذر، لأجل أن يتوازن بشكل مثالي كان على كاريامين أن يَحسب حِساب كل نفَس يُخرجه من فمه وعلى كل ترنيحة تقوم به يداه

 على كل حال، هذا الصباح انزلق كاريامين مرتين، سقط وتدحرج مع كل الحجارة التي كان يحملها، في كل مرة يسقط فيها تتصاعد ضحكات أصدقائه عليه، حمّالوا الحجارة هؤلاء يجدون متعة في الضحك على أنفسهم.

 في محاولة الصعود التالية كان كاريامين أكثر حذرا، بالرغم من ان ركبتيه كانتا ترتجفان إلا أن أصابعه كانت تجذب الأرض بشدة، صَبّ جل تركيزه واهتمامه على كيفية الحفاظ على توازنه لدرجة ان وجهه قد تجعّد. في ذات الوقت، كمية كبيرة من قطرات العرَق تنسدل على جسده المبتلّ نحو سرواله، الحِمل الثقيل فوق ظهره جعل عروق عنقه تنتفخ تحت جلده . كان كاريامين لينجو ويصل للقمة بسلام لولا ذلك الطائر الصغير القذر ، من فوق غصن احد الأشجار الواقعة عند النهر انقض طائر البلشون* على الماء ليظفَر بسمكة صغيرة ويطيرَ عاليا بسرعة خاطفة ومن غير قصد على بعد 5 انشات من عيني كاريامين

 “اللعنة” صاح كاريامين. بعدها ببضع ثانية فقد توازنه

 تمايل قليلا قبل أن يقع على قدميه بينما تتدحرج الحجارة ساقطة من سِلاله ، تدحرج جسده أيضا لكنه استطاع ان يوقفه بتعلّقه بكتلة من الأعشاب . أربع أو خمس من أصدقائه انفجروا ضاحكين، حمّالوا الحجارة هؤلاء يجدون متعة في الضحك على أنفسهم .

 “هذا يكفي يا مين ، عد لمنزلك ، أعتقد انك تركت قلبك في منزلك لهذا انت بليدٌ اليوم” قال سيرجي ؛ كان انسانا يخفي حسدا كبيرا لأن كاريامين يمتلك زوجة شابة وممتلئة الجسم

“انها لمخاطرة كبيرة أن تترك زوجتك لوحدها في البيت يا مين، أنت تتذكر موظّفي البنك الشبّان صحيح؟ هل تعتقد حقا أنهم يأتون كل يوم ليسألوا زوجتك عن تسديد الديون؟ إيّاك أن تصدق جوّاع المال اللصوص أولئك ولو للحظة! اذهب لمنزلك، أراهن انهم يغازلون زوجتك الآن”

” زوجتك ليست جذابة فقط لأولئك الموظفين الذين يأتون كل يوم ، لا تنسى بيّاع اليانصيب . سمعت انه ايضا يأتي بعض الأحيان لمنزلك عندما لا تكون متواجدا. أتعتقد حقا انه يأتي كل يوم ليبيع اليانصيب لزوجتك؟ اراهن انه يبيع نفسه! “

 رنّت أصوات ضحكاتهم وسط أصوات اصطدام الأحجار التي رموها على جانب النهر، تناثرَ الماء إثر وقعها. ورقة من شجرة الخشب الصلب سقطت على سطح النهر وذرَتها الرياح عكس التيار.

اسفل التيار قليلا، ثلاث نساء عُدن توا من السوق يجهزن لعبور النهر.الحمّالون متعة في مشاهدتهن يرفعن التنانير. كان كاريامين لايزال جالسا، ينظر لسَلّتيه الفارغتين المتناثرة حوله، هبّت نسَمة باردة جعلت جِلده يتنمّل بالرغم من حلول الشمس كبِد السماء. مجددا، طائر البلشون محلقا فوقه، كان على وشك ان يشتِم الطائر، لكن فجأة وميض معمي أغشى بصره، غير ذلك، شعر أيضا وكأن سرب نحل يحوم و يئز عند أذنه. دمدمت معدته الخاوية وبدا كل ما حوله فجأة اصفرا مشعا…

في هذه الأثناء اصدقاؤه بدأوا بالحديث عن النساء اللاتي يعبرن النهر، وجدوا لأنفسهم متعة تتسلى بها أعينهم، على الأقل هذا المنظر سيجعلهم ينسون أصابعهم المسلوخة الخشنة التي ما انفكت تحمل الأحجار، ينسون تاجر الجملة الذي لم يروه لشهر ونصف وشاحنته الممتلئة بالأحجار التي لم يَدفع ثمَنها، ينسون الأرُز و بائعة سلطة الفول السوداني التي تطلبهم أن يدفعوا ثمن طعامهم لاحقا، ينسون اليانصيب الذي لم يفوزوه من قبل أبدا .

 “مين”صاح سيرجي مناديا، “لماذا انت هادئ جدا هكذا؟، الا ترى تلك الأسماك البيضاء الدخينة؟” ضحكوا معا ، حمّالوا الحجارة هؤلاء يجدون بسهولة متعة في الضحك على أنفسهم. كاريامين لم يضحك معهم. ابتسم فقط. بالنسبة لهم الضحك أو الابتسامات كانا فعّالين كحاجز أخير . هي بالنسبة لهم كرموز لانتصارهم على بائع الجٌملة ، على اسعار الحِجار المٌنخفضة ، على ذلك الطريق الزلِق المؤدّي لأعلى التل . في ذلك الصباح ابتسامة كاريامين كانت أيضا رمز انتصاره على بطنه الجائع، على عينيه المغبّشتين.

 استطاع كاريامين بالفعل ان يبني لنفسه نصرا وهميا من خلال ابتساماته و ضحكاته ، على نحو غريب شعر كاريامين بالإهانة العميقة من ذلك الطائر الذي كان يحلق  فوق رأسه جيئة و ذهابا ، مرةً كان على وشك أن يرميه بإحدى سِلاله لكنه عدِل ذلك لعلمه أنه من المستحيل ان يستطيع اصابته برؤيته المتهزهزة .لذا فقد ابتسم فقط و نهض من مكانه ، كان رأسه يشعر بالدوار وبدا له وكأن السماء تدور بشكل أسرع ، أخذ سِلاله ومضى في طريقه لأعلى التل. ابتسم حين خطى على الطريق الزلِق والذي كان يبدو مشقوقا قليلا نتيجة سقوطه الأخير . في منتصف الطريق وقف جامدا للحظة متأملا كمية الحجارة –اقل من ربع مكعّب- التي تركها خلفه . تحت شجرة “الوارو” كانت سعيدة تقوم بتجهيز الطعام الذي ستبيعه ، الأرز و سلطة الفول السوداني ، بلع كاريامين ريقه بقوة و اكتسح معدته المٌ فظيع .

 -” لم أنت عائد للمنزل مبكرا يا مين؟” سألت سعيدة ؛” هل انت مريض؟”

هز كاريامين رأسه و ابتسم , لاحظت سعيدة ازرقاق شفتيه وراحة يده الباهتة ، عندما اقترب منها استطاعت سعيدة سماع قرقرة بطنه

-” هل تريد ان تأكل شيئا؟ مين”

-“كلا ، فقط أعطيني شيئا لأشربه ، أنتِ لا تبيعين الكثير هذه الأيام و أنا لا أريد ان أُراكِم ديوني”

-“أتفهم ، لكن لابد من أنك جائع صحيح؟”

كاريامين ابتسم فحسب و أخذ زجاجة الماء التي ناولته له سعيدة ، دفئ اكتسى حلقه وامتد نزولا الى معدته .

-” لم لا تأكل يا مين؟ لا أستطيع احتمال رؤية شخص جائع ، ليس عليك أن تدفع الآن أنا صبورة بما يكفي لأنتظر بائع الجملة . هو لم يدفع لك مقابل الحِجارة صحيح؟”

حلّق طائر البلشون منقضاً و مزقزقا بصوت عالٍ . لم يعد كاريامين يكره الطائر، لأنه استوعب أن هذا الطائر مشغول بالبحث عن شيئ  يُطعم به صغاره في عشٍ بمكان ما . تخيّل كاريامين ذلك الطائر الصغير وهو يحضن صغاره في عش ، في حفرة ما تقع في جُرف محصّن . هبّت الريح . تمايلت أغصان شجرة الخشب الصَّلب و تساقط بعضها على سطح النهر . دائما ما تذروا الرياح بتلك الأغصان عكس التيار .

 -“اذا انت حقا لا تريد الأكل يا مين؟” قالت سعيدة عندما رأت كاريامين قد نهض

-“لا ، ان كنتي لا تستطيعين رؤيتي جائعا فأنا لا أستطيع رؤيتك تُفلسين بسبب ديوني و ديون أصدقائي”

-“أعلم لكن …”

علِقت كلمات سعيدة بحنجرتها لأن كاريامين قد بدأ المشي مبتعدا لكنها استطاعت ملاحظته عندما نظر لها للخلف و ابتسم . ردت سعيدة الإبتسامة وبلعت ريقها بقوة كما لو أن قطعة كبيرة من شيئ ما كانت عالقة بحلقها ، شاهدَته وهو يعبر الطريق الأخضر الطبيعي بجانب النهر .

كان أصدقاء كاريامين يصيحون و يصرخون بأفحش و أفجر التعليقات ، لكنه لم يتوقف سوى مرة أو مرتين يراقبهم و يبتسم. قبل أن يصعد الطريق و يترك جانب النهر ، لاحظ كاريامين شيئا يتحرك على جذعٍ فوق الماء .

 أوه ! انه طائر البلشون. ظهره أزرق لامع و صدره ناصع البياض و منقاره قرمزيُ أحمر ،  انقض فجأة تحت الماء ظافرا بسمكة فضيّة و ناثرا بانقضاضه قطرات الماء ، حاملا السمكة بمنقاره طار بسرعة ومرّ أمام حمّالي الحجارة كومضة ذهبية . طار متجنبا كومة من أشجار قصب السكر البرّي و اختبئ خلف شجيرات البندانوس.

شعر كاريامين بالحسد عندما رأى البلشون ، لم يسعه سوى الإبتسام حين رأى سلّتيه الفارغتين .

في الواقع لم يكن كاريامين يعلم بالضبط لمَ يجب عليه العودة للمنزل. فليس فيه ما يُسكت به قرقرة بطنه و زوجته لم تكن يوما مصدرا للقلق ، اه زوجته ! تذكّر كاريامين فجأة ان زوجته سبب جيد كفاية لأن يعود للمنزل من أجله. طوال الليل لم تستطع زوجته أن تنام بسبب اهتياجٍ في شرجها.

-“ليس هناك أي حرج إذا ذهبت للمنزل و اعتنيت بزوجتي “

 حاول كاريامين أن يٌسرع في مشيه ، رغم انه كان يشعر ببعض الأحيان كما لو أن سربا من اليرعات تهاجم تجاويف عينيه ,بعد أن عبَرَ جسر المشاة الضيق رأى كاريامين وردة تفاح ناضجة1 ، أراد التقاطها من الأرض لكنه غيّر رأيه حينما لاحظ أن خفاشا قد قضمها، رأى أيضا مجموعة من فاكهة “جلد الأفعى المسلوخ”2 على الأرض بجانب شجرتها ، اخذ واحدة ، أكلها ، ورمى ما تبقى منها . مرارة  اكتوى بها لسان كاريامين لأن الفاكهة لم تكن ناضجة بعد.

استمر كاريامين بالمشي . كانت أذناه تطن عندما بدأ تسلّق طريق آخر يؤدي لقمة تل، لكن لم يزعجه الأمر لأن منزله كان خلف التل مباشرة

  في وسط التل، كاريامين توقف فجأة. رأى درّاجتين كبيرتين في الباحة الأمامية لمنزله، الطنين في اذنيه أصبح أعلى ، الكثير من اليرعات داخل عينيه. ظل كاريامين واقفا ثم خطى للخلف. تخيّل ان زوجته المريضة تواجه اثنين من مجمّعي الديون من البنك . يعرف تماما ان زوجته ليست قادرة على ان تسدّده اليوم ، غدا ، بعد غد ، وحتى الله اعلم متى يكون ، بنفس مقدار عدم معرفته متى يأتي تاجرالجملة –والذي اختفى منذ شهر و نصف مع حِجاره- .

  الاف اليرعانات تتزاحم داخل عينيه ,كاريامين بدأ يفكر في ما اذا كان من الضروري حقا أن يرجع للمنزل، لم يستطع حتى مساعدة زوجته على مواجهة موظفَي تحصيل الديون من البنك ، لذا ببطئ استدار كاريامين للخلف ، مستعد للنزول رجوعا . لكن اسفل التل رأى كاريامين رجلا يلبس قميص باتيكي ذو أكمامٍ طويلة ,من قبعته المهترئة الحمراء التي كان يرتديها استطاع كاريامين أن يعرف فورا انه السيد بامونج.

-“اه، ها انت ذا أخيرا ، مين . كنت أحاول العثور عليك في منزلك و مكان التقاط الحجارة ولكن من دون فائدة ، هل تتجنبني؟”

-“أتجنبك؟”

-“نعم ، يالك من ثائِر ، مين . من جماعتنا أنت هو الوحيد الذي لم يٌشارك. أنت هو الوحيد الذي لم يتبرع بالمال للجمعية الخيرية الأفريقية ، انها حملة تبرع لمساعدة الجوعى هناك. حسنا و اليوم هو آخر يوم، لا أريد المزيد من المشاكل.”

كاريامين سمع صوت أنفاسه ، ببطء ، سمع أيضا صوت نبضات قلبه ، لكنه لم يلاحظ أن شفاته قد شكّلت ابتسامة. كانت الإبتسامة خير ممثل لحالة الوعي العميق بذاته و للوضع الذي عليه أن يواجهه ، للأسف السيد بامونج قد غضب عندما رأى الإبتسامة.

-“هل تسخر مني؟”

-“كلا، صدقا سيدي كلا”

-“اذا لماذا تبتسم هكذا؟ هيا ، اعطني تبرعك!!”

هذه المرة لم يبتسم كاريامين و حسب بل وضحك أيضا ، بصوت عالٍ، عالٍ جدا لدرجة انه اجتذب الف نحلة لأذنه و الف يرعة لعينيه ، اهتزت معدته الخاوية وجعلته يفقد توازنه.

عندما رأى كاريامين يسقط و يتدحرج اسفل التل نزولا للوادي حاول السيد بامونج أن يمسكه ، لكنه للأسف قد فشِل

 

error: المحتوى محمي