هل يغير الفن وعينا للواقع؟ – مجلة لوموند / ترجمة: مي الفالح

هل يغير الفن وعينا للواقع؟ – مجلة لوموند / ترجمة: مي الفالح

مراجعة وتدقيق: حاج لطيف نوفل


مقدمة

إن الانسان هو الكائن الذي توسط عالم من الأشياء بينه وبين الطبيعة، وبذلك لا شيء أو تقريبا في الواقع الذي يحيط بنا “طبيعي”: فبالإضافة إلى الأدوات التي تملأ حياتنا اليومية والتي في معظمها إنتاج بشري وتحمل بصمة الإنسان، ناهيك أن المناظر الطبيعية للريف نفسه لا تعدو أن تكون سوى ثمرة مسار طويل من استصلاح الأراضي وتهيئتها للزراعة.  ومن بين جميع المنتجات التي تملأ عالمنا نميز بعضاً منها، تلك التي ترقى إلى مرتبة الأعمال الفنية ونفرق بينها وبين الأشياء التي نستخدمها عادة. وبلا شك يجب الاعتراف بأن علاقتنا بالأعمال الفنية تختلف عن علاقتنا بسائر الأشياء الأخرى وبلا شك أيضاً أن غاية الأعمال الفنية تختلف عن غاية بقية الأشياء، وحتى مع الاعتراف ببديهية هذه الاختلافات (ورغم ذلك ليست هذه القضية) فثمة فرق بين أن نقول إن الأعمال الفنية غير قابلة للاستخدام إذا كانت خارج إطار الغرض اليومي، وبين أن نثبت أن وجود الأعمال الفنية يغير إدراكنا للأشياء ذاتها. إذاً هل يغير الفن وعينا للواقع؟ كيف يمكن لتأمل تمثال أو لوحة تغيير طريقة تواصلي مع العالم من حولي بشكل عام؟ إننا إزاء صعوبة على قدر من الأهمية إذ يتعلق الأمر بإعادة النظر في مدى قدرتنا على التمييز بين الأشياء: كيف يمكن للتأمل في الأعمال الفنية تغيير وعيينا للواقع؟  إذا كانت الأعمال الفنية تتميز نوعيا عن الأشياء وإذا كان ارتباطنا بها خاصاً وليس له علاقة بارتباطنا بالأشياء؟ وبلغة أخرى إذا لم نعتبر فعلا الأعمال الفنية كوقائع من بين وقائع أخرى، وإذا كانت الأعمال الفنية تستمد خصوصيتها من هذا الاختلاف، أنى للفن أن يغيّر ارتباطنا بما ليس له وجود وهذا محال؟ علينا، بلا شك، أن ننطلق من التساؤل حول هذا التقاسم وذلك من خلال توضيح النمط المميز لحضور الأعمال الفنية، ولكن هذا يتطلب منا أولاً أن نتساءل عن كيفية إدراكنا لشيء ما بشكلٍ عام، ومن ثمّ لنا أن نتساءل كيف وإلى أي مدى ستغير علاقتنا بالأعمال الفنية علاقته بالعالم وتطلعنا عليه؟

 

1.الموقف الطبيعي من العالم.

أ. الوعي البسيط بالعالم المحيط

وفقاً لهوسرل، القصدية هي التي يحدد علاقة الوعي بالعالم، نعني بذلك أن الوعي يهدف دائماً إلى شيء معين، وهذا الشيء يكون مبدئياً مثبت أو منفي حدسيا، وذلك هو الإدراك، ولا يتحقق الوعي بشيء ما بمجرد أن تتواجد الذات وموضوعها معاً، فمن الضروري أولاً أن يكون الوعي متصلا باذات حسب الهدف، وهذا يعني أنه يجب أن يكون للموضوع معنى بالنسبة للوعي الذي يتجه إليه. فيكتور، طفل البرية، لم يسمع الطلقة النارية خلفه لأن صوتها ليس له معنى بالنسبة له: كل وعي بشيء هو وعي بمعنى مُتشكل مسبقاً، ثم يمنحه الحدس بعد ذلك مضمونه.  بمعنى آخر، عندما نعي بأن شجرة بالخارج يعني ذلك أننا نقصد وجود شجرة بالخارج، ثم بعد ذلك إما أن يثبت الإدراك هذا القصد أو ينفيه (“إنها شجرة فعلا” أو “ليست شجرة”).

لهذا أكد هايدجر في تحليله للعالم المحيط، عالم الحقيقة اليومية، أن علاقتنا الأشياء علاقة نفعية. فأن نعي بأن مطرقة على المنضدة معناه أننا نقصد معنى محدد للمطرقة، وهو استخدامها لطرق المسامير. وهكذا من وجهة نظرنا الطبيعية، لا يوجد لدينا وعي «محايد» للواقع الذي يحيط بنا وعلينا أن نؤكد بأننا نربط كل شيء نستخدمه في حياتنا ب “التجارة”، الوعي بأن القلم يستخدم للكتابة، وأن الغابة هي المكان المناسب للنزهة في أيام الأحاد أو المكان الذي يزود النجار بالخشب، وما إلى ذلك. إن ما يميّز الشيء الذي يحمل معنى هو أنه دائماً ما يشير إلى شيء غيره، لن يكن هنالك مطرقة إن لم توجد مسامير، ولن توجد مسامير إن لم توجد ألواح لطرقها، لا جدوى من بناء منشآت إن لم يكن من الضروري حماية أنفسنا من الشمس والمطر والرياح، وبصورة طبيعية تشير المعاني إلى معاني أخرى وهذه الشبكة من المعاني سماها هايدجر «العالم بوصفه عالما» وباختصار، نسيج الواقع نفسه.

 

ب. الإدراك المقترن بالحاجة

إن الواقع برمته يتمحور حولنا، عندما نعي شيء هذا يعني أن نضفي عليه معنى ما، وإضفاء معنى على شيء ما معناه أن نستخدمه في اتجاه معين أو أن يكون لنا فيه منفعة ما. وتتحدد وجهة الوعي في الواقع بحسب النفع أو الضرر، ويعتبر برغسون بأن الإدراك هو بدوره يتجه مسبقا نحو الفعل والممارسة. ولنضرب على ذلك مثلا هذه المطرقة التي أبحث عنها الآن، لقد رأيتها في مكان ما، لكن لا أعرف أين. هذا النسيان ليس بالصدفة أو غير مقصود: هذا يعني أنني لن أدرك الوجود الفعلي للمطرقة على المنضدة إلا عندما أكون بحاجة إليها، أي عندما أكون بحاجة لطرق شيء ما. قد ألاحظ وجود المطرقة عندما لا أكون بحاجة إليها لكن ملاحظة هذا شأنها ستكون مجرد ملاحظة عابرة لا تثير الاهتمام، لكن عندما أكون بحاجة إليها لن أراها كمطرقة أو مجرد شيء من الأشياء المختلفة بل كأداة للاستخدام. هذه هي المفارقة: عندما لا أكون بحاجة شيء ما لن أهتم بوجوده بينما عندما أكون بحاجة إليه سيندثر، عندها حتى مجرد النظر للمطرقة سيكون أفضل من الطرق بالأصابع. إذاً الوعي بشيء، لا يعني التوجه إليه كشيء موجود في ذاته، مستقل عن العالم وعنّي بل كأداة أنا في حاجة إليها بشكل مباشر.

 

ج. العمل الفني عديم النفع

إنه من المؤكد بأن طريقة علاقتنا بالأعمال الفنية تختلف عن الطريقة التي نقيم من خلالها علاقتنا بالواقع اليومي، وخاصة بالأشياء التي نستخدمها. ولنا أن نتبين هذا الاختلاف في موقف الذات تجاه العمل الفني. إننا نتأمل الأعمال الفنية في حين نستفيد من الأشياء التي نستخدمها، وإذا كانت معاني الأشياء تتوقف على استخدامها، فإن وجه النفع في الأعمال الفنية مشكوك فيه. كما يتجلى الاختلاف أيضاً في طرائق إنتاج متمايزة نوعيا: يصنع الحرفيون الشيء تبعاً لخطة معدة مسبقا وتكون عملية تصنيعه بحسب وظيفته (يُصنع القلم بهذه الطريقة لأن وظيفته هي الكتابة)، بينما يبدع الفنان عمله دون خطة مسبقة لأن العمل الفني ليس له علاقة بالاستخدام اليومي الذي لا يخص الأدوات فقط بل بدأ يطبع شيئا فشيئا الواقع المحيط برمته. ويندرج العمل الفني تحت ما أسماه كانط «الميل البرجماتي إلى الرفاهية» الذي يفرض علينا تهيئة العالم حتى يكون وجودنا أكثر سهولة أو أكثر رفاهية. لا يمكن تصور العمل الفني وفقاً لقاعدة «اُعدّ من أجل» التي تميز علاقتنا المباشرة بالواقع، وإذا كان الواقع الذي نعيه لا ينفصل أبدا عن فعلنا وعن حاجاتنا، فإن العمل الفني يقطع مع الضرورة الملحة للفعل في تأمل ينأ بنفسه عن كل غاية نفعية، ومن ثمة فالتأمل الجمالي، كما لاحظ كانط، منزه عن غرض نفعي، وبعبارة أخرى، لا يستجيب العمل الفني إلى غرض مسبق. فعلى سبيل المثال عندما أجد تمثالا جميلا لن أسأل ماذا يمكنني أن أفعل به؟ وبطبيعة الحال لا يمكنه أن ينفعني في شيء غير تأمل جماله. لا يمكن تحقيق منفعة من العمل الفني بأي وجه عدا الاشباع الجمالي الذي يحدثه في النفس.

 

2.خصوصية علاقتنا بالأعمال الفنية

أ. الروح الموضوعي

كل شيء له غاية تشكل معناه في كل مرة وهو معنى مرتبط بحاجتنا إليه (الغاية من القداحة، إشعال النار، وإذاً ما كان لتكون هناك قداحة إن لم نكن بحاجة لإشعال النار). يبدو العمل الفني متميزا تماما عما يميز العالم الموضوعي، وبعبارة أخرى، الواقع المستخدم. وإذاً كيف يمكن للفن بأي شكل من الأشكال أن يغير وعينا بالواقع؟  يجب علينا هنا، بلا شك، أن ننظر في الطريقة التي بيّن من خلالها هيجل نهاية الفن، عندما نصنع منتج، مطرقة على سبيل المثال، هذا يؤكد طبيعتنا الروحية، نعني بذلك أن المطارق لا تنمو من الأشجار فهي موجودة لأن الإنسان صنعها وكانت قبل ذلك فكرة في ذهنه قبل صنعها (يجب أن تكون لدينا فكرة الشيء الذي نريد تصنيعه لنصبح قادرين على تصنيعه)، المطرقة هي الفكرة التي أصبحت من خلال عملية التصنيع مادة أو شيئاً وهي بطريقة ما روح تشكلت كمادة أو كموضوع وهكذا فإن أبسط الأشياء التي صنعها الإنسان تشهد على طبيعتها الروحية. إن الكائن الواعي بنفسه هو الوحيد القادر على فكرة التجريد والشروع في التصنيع من تلقاء نفسه. لكن الأشياء المصنعة مسبقاً والتي نستخدمها يومياً ليس لها علاقة بالوعي لأنها العقل يعتمد على الجسم عند استخدمها. إذا كان لدينا الوعي لصنع المطرقة لن نصنعها إلا بوجود جسد يحمينا من البرد ومن تقلبات الطقس أثناء عملية التصنيع.

 

ب. الغاية الروحية للأعمال الفنية

عندما نقول إن العمل الفني لا جدوى منه فإنما نعتقد أنه يجب أن يخدم حاجاتنا الجسدية. لكن هذه الحاجات ليست غايتنا الوحيدة. وعندما نقول إن العمل الفني لا يخدم أي غاية كأننا نقول إنه لا يخدمنا كالمطرقة أي إنه لا يلبي حاجتنا الجسدية، لكن نحن كائنات روحية أيضا لا تقتصر حاجتنا على ما هو جسدي فحسب. ووفقاً لهيجل فإن الروح أيضاً لها حاجتها وهي أن تصبح واعية بذاتها وهنا، تحديدا، تأتي أهمية إبداع شيء لا علاقة له بالحاجات الجسدية ليصبح الانسان تدريجياً واعيا بطبيعته الروحية. الجميل هو الاسم الذي يعبر عن الاشباع الذي يرافق هذا الوعي، ومن هنا نفهم كيف يغيّر الفن وعينا للواقع. وإذا قلنا إن العمل الفني يتيح للروح تأكيد ذاتها، وأن الجميل هو الشعور الذي يصادق على هذا التأكيد، فهذا معناه أن الجميل الحقيقي هو في الأصل جميل فنيا. عندما نلاحظ جمال الطبيعة التي تحيط بنا، نحن، في الحقيقة نحكم عليها من خلال تجاربنا مع الأعمال الفنية. فما نحبه في غناء طائر العندليب هو أنه يبدو لنا كموسيقي، وما يثير اعجابنا في المناظر الطبيعية هو أنها أُبدعت لترسم على اللوحات الفنية (المناظر الطبيعية الخلابة تعني اشتقاقيا أنه بإمكاننا أن نحولها إلى لوحة فنية جميلة). إن الفن هو الذي يجعلنا نشعر بالجميل، وهو الذي يعلمنا معنى جمال الأشياء التي تحيط بنا.

 

ج. الاهتمام بالأشياء في تفردها

هل هذا يكفي؟ بالطبع لا، فما ينبغي أن نأخذه هاهنا أيضا في الاعتبار هو مسألة استبعاد الاستخدام. فلنا من جهة ملاحظة هايدجر بأن الوعي بشيء ما هو منذ البدء اعتباره “أعدّ من أجل”، ومن جهة أخرى إقرار كانط بأن العمل الفني ستبعد ميلنا البرجماتي. يمكنني المرور مئة مرة أمام تلك الأحذية التي أمام الباب دون أن أنتبها لها، ولن أنتبه لوجودها إلا متى احتجت لها فقط وإذن أنا لا استهدفها بها بما هي كذلك، أي أحذية في ذاتها، بل بقدر حاجتي لها، أي استخدمها في غرض يخصني. وأما أحذية الفلاح كما تظهر في لوحة جوخ فإنها تأبى أن تمحي بقطع النظر عن استخدامها من عدمه، ولا أستطيع فعل أي شيء حيالها عدا النظر إليها في وجودها المحض والجلي بما هي أشياء وبما هي كذلك وليست موضوعات يمكنني استخدامها. غالباً ما لا نهتم بما يحيط بنا إلا ما كان لنا به حاجة، من ذلك مثلا أني لا أنتبه إلى المطرقة إلا متى كنت في حاجة إليها فأنا لا أنتبه إلى المطرقة وإلى ما تكون المطرقة ولا أي شيء آخر لأن ما يعنيني فقط هو استخدامي لها، أي الوظيفة التي تؤديها المطرقة بوجه عام.

وكما لاحظ برغسون، إننا نتصور الأشياء بدون ملاحظة تفردها لأننا نعيش في عالم مجرد حيث لا تحضر الأشياء كما هي كذلك. باختصار نحن نعيش في عالم تكون أهمية الأشياء فيه مقتصرة على استخدامنا لها. إن الفن يقدم إلينا التفرد قبل الجمال، يستعيد التأمل الجمالي للأشياء، ما فقدناه عند استخدامنا للأشياء في الواقع اليومي، أي الشيء الذي يُعطى لنا بمعزل عن أي مشروع أو حاجة. تندرج الحقيقة العادية، الذي تنشأ عن الادراك العادي للأشياء في نطاق العمومية، فنحن لا ننظر إلى الأشياء بل إلى المعاني أي ما تقدمه الأشياء لتلبية حاجاتنا. تُفقد العمومية عادة بسبب الفقر: إن عالم التجارة اليومي فقير لأنه عالم مسكون بهاجس العمل والفعل وهذا يجعلنا غافلين عن الثروة التي تحيط بنا. أين هو العالم الذي سيجعلنا نتأمل باندهاش الاختلاف بين الأشياء؟ قطعا سيصبح عالما لا يستطاب فيه العيش. يتعيّن علينا تبسيط الواقع حتى نكون قادرين على الفعل، يجب أن ننسى ما يميز هذه المطرقة عن الأخرى لنستطيع بكل بساطة استخدامها وهذه ضرورة حيوية. إن الحاجة الملحة للعمل تضعف وعينا بالعالم ولا مجال للشكوى من الفقر لأنه طبيعي في عالم كعالمنا. وبالتالي يجب علينا أن ننشرح لإدراكنا أن الفن يساعدنا من حين لأخر على ملاحظة الاختلاف بين الأشياء.

 

خاتمة

إن الدرس المستخلص هاهنا هو في نهاية المطاف أفلاطوني بامتياز إذ يميز أفلاطون، في الجمهورية، في وعينا بالسرير بين ثلاثة مستويات: فكرة السرير في ذاته وهي ذات طابع كلي وأبدي والسرير الذي يصنعه النجار والقابل للتلف، والسرير الذي يرسمه الفنان دون أن يصنف ببساطة كخيال أو خداع بصري. إن فكرة السرير الحسي تدعو للنوم فقط أما السرير المرسوم في لوحة فيدعو للتأمل فيه أكثر لأنه من المستحيل أن ننام فيه. إذاً التأمل في فكرة السرير يعطيني العموم أما السرير المرسوم سيعطيني التفرد. لذلك من المؤكد أن الفن يغير فعلياً وعينا تجاه العالم وهذا يقيني. يمكن للإنسان أن يصبح فنانا فضلاً عن متفرج لأن استخدامنا لأشياء العالم لا يستنفد علاقتنا به.

 

المصدر

error: المحتوى محمي