يطلع الرب على الحقيقة، وبعد أجل يبديها – ترجمة: رولا عادل

يطلع الرب على الحقيقة، وبعد أجل يبديها – ترجمة: رولا عادل


في مدينة تسمى “فلاديمير” بشرق روسيا، عاش تاجر شاب يسمى “أكسينوف”، وكان له من الأملاك بيت كبير ومحلّين يمارس فيهما تجارته. كان “أكسينوف” شابًا وسيما،  ذو شعر أجعد ولكنه ناعم أكسبه طلعة بهية، ناهيك عن روحه المرحة وحبه للغناء. ولكم كان للخمر من أثر بغيض عليه؛ فالشاب اللطيف يتحوّل إلى شخص غضوب عربيد إن أسرف قليلا في الشراب. علمًا بهذه الخصلة، توقف “أكسينوف” عن احتساء الخمر تماما بعد زواجه، إلا من كؤوس معدودة ما بين حين وآخر وعلى فترات متباعدة.

وبحلول أحد فصول الصيف، قرر “أسكينوف” زيارة معرض بلدة نيجني نوغفورود، وقبل سفره جلس يودّع عائلته الصغيرة وزوجته التي شيعته بتوسلات حارة بألا يسافر، وقالت مفسّرة: “عزيزي إيفان ديمتريفيتش، أرجوك رجاءا خاصًا ألا تذهب، لقد راودني عنك حلم سيء.”

ضحك منها زوجها وقال: “هكذا أنتِ تقلقين حيال كل أمور الحياة، هل تخشين أن أقع أسيرًا لإحدى نزواتي بينما أنا في المعرض؟”

ردّت الزوجة: “لا أعرف ما الأمر الذي أخشاه تحديدًا، لقد راودني عنك حلمٌ مزعج؛ لقد رأيتك عائدًا إلى المنزل وما إن رفعت قبعتك حتى تبدى شعرك من تحتها رماديّا بالكامل.”

عاودت “أسكينوف” نوبة الضحك وقال لها مطمئنًا: “هذا فأل حسن بالتأكيد، سترين كيف سأبيع كل البضائع التي أحملها وأعود لكم بهدايا رائعة.”

وعليه، ودّع “أسكينوف” عائلته مجددًا وسار في طريقه.

حال وصوله إلى منتصف الطريق، قابل “أسكينوف” تاجرا يعرفه، فنزلا معًا في نزل قريب ليرتاحا من طول المشوار على أن يستأنفا طريقهما باكرًا، تناول التاجران الشاي معًا ثم خلدا للنوم في غرفتين متجاورتين.

وحيث أن “أسكينوف” لم يألف النوم لوقت متأخر، استيقظ قبيل الفجر وجهّز حصانه وانطلق به في طريقه، ولم ينسى أن يمر بمنزل صاحب النزل ـ والذي كان يعيش في كوخ خلف المبنى ـ ليدفع حسابه.

قطع “أسكينوف” مسافة خمس وعشرين ميلا ثم فكّر أن يتوقف بقافلته حتى تستريح الخيول وتتناول قليلا من طعامها. توقّف “أسكينوف” بجوار نزل قريب وجلس في الشرفة المطلّة على باحته، طلب سَّماوَرًا (1) وجلس يحتسي الشاي ويعزف على جيتاره.

اقترب من مجلس “أسكينوف” قافلة من ثلاثة رجال، ترجّل قائدها يتبعه اثنان من الجنود واقتربوا منه. سأل القائد “أسكينوف” عن كُنيته والوقت الذي وصل فيه إلى هذا المكان، وأجابه “أسكينوف” بحس صادق ودعاه إلى تناول بعض الشاي، ولكن القائد استمر في استجوابه؛ “أين قضيت ليلتك الفائتة؟ وهل كنت وحدك أم صحبك تاجر صديق؟ وهل رأيت صديقك التاجر هذا الصباح؟ ولم رحلت باكرًا جدا هكذا قبل طلوع الفجر؟”

وعلى الرغم من الحيرة التي اعترته حول كل هذه الأسئلة المتتابعة بلا توقّف، أجاب “أسكينوف” عنها جميعا وأفاض في شرح التفاصيل وما إن فرغ من حديثه حتى سأل القائد: “لماذا يتم استجوابي بهذه الطريقة كما لو كنت لصًا أو سارقًا؟ أنا تاجر أسافر لأجل شؤون عملي ولا داعي لاستقصائك المفصل عنّي.”

أشار القائد للجنديين من خلفه وقال مفسرًا: “أنا من الشرطة، وجئت للتحقيق في أمر التاجر الذي صحبته في الطريق بالأمس، وذلك حيث أنه قد وجد مذبوحًا في غرفته، ولهذا السبب نحتاج إلى تفتيش أغراضك.”

صحب “أسكينوف” القائد وجنوده حتى غرفته، وإذ بحثا في أغراضه وجميع متعلقاته، أخرج القائد من حقيبة “أسكينوف” سكينًا وصرخ فيه: “لمن هذا السكين إذن؟”

ناظرًا إلى السكين الملطخ بالدماء، وشاعرا بالهلع كونها خرجت من حقيبته، شعر “أسكينوف” بالخوف يتملكه.

“كيف لهذا السكين أن يكون ملطخًا بالدماء هكذا؟” سأل القائد

لم يحر أسكينوف جوابًا، وما استطاع أن ينطق إلا بحروف مبعثرة كونت جملة مرتبكة هشّة: “أنا .. أنا لا أعرف، ليست لي.”

قال القائد: “لقد وُجد التاجر مذبوحا في غرفته هذا الصباح،  كنت أنت آخر من شاهده، وكانت الغرفة موصودة والقفل سليم. السكين وجدناها في حقيبتك ملطخة بدماؤه وقد فضحك ارتباكك ولعثمتك، أخبرني الآن كيف قتلته وكم سرقت من ماله؟”

ردّ “أسكينوف” بأنه لم يرتكب الجريمة، ولم يشاهد التاجر منذ أن فارقه بعد أن شربا الشاي، كما أنه لا يحمل سوى ثمانية آلاف روبل (2) وهي من حُر ماله، وأعاد التأكيد بأن السكين ليست له، ورغم كل ما أنكره إلا أن صوته بدا منزعجًا ووجهه شاحب واعترته رعشة وخوف وارتباك منحوه هيئة المذنب.

أمر القائد جنوده باقتياد “أسكينوف”، فربطوا يديه وجرّوه إلى عربة الشرطة، وحينها فقط دفن “أسكينوف” رأسه بين ركبتيه وطفق ينتحب. صادرت الشرطة أمواله ومتعلقاته واقتادوه إلى أقرب مدينة وسجنوه. أُرسل المحققون إلى بلدته ؛”فلاديمير،” للسؤال عنه، وأجابهم التجار والجيران بحقيقة كونه قد اعتاد شرب الخمر الذي كان يؤثر في سلوكه في الماضي إلا أنهم أجمعوا على أنه قد أصبح رجلًا فاضلًا منذ عهد بعيد. وعلى الرغم، أقيمت محاكمته واتُهم بقتل التاجر من قرية ريازان وسرقة عشرون ألف روبل من حوزته.

أصاب زوجة “أسكينوف” غم عظيم ولم تدري أي الروايات تصدق، كان أولادهما صغارًا ما يزالون، حتى أن أصغرهم كان رضيعا. حملت الزوجة أولادها وسافرت إلى المدينة حيث سجنوا زوجها، وإذ لم يسمحوا لها في البداية بزيارته، توسّلت وتضرّعت حتى منحها المسؤولون إذنا خاصًا بالزيارة. مع أول نظرة ألقتها على زوجها بملابس السجن ومقيدًا بحديده ومجاورًا كل هذا العدد من اللصوص والمجرمين، غابت عن الدنيا، وفور أن استجمعت شتاتها، جلست بجواره وطمأنته عن حالهم في المنزل وسألته عن أحواله وما جرى له. أخبرها “أسكينوف” بكل ما لاقاه وقال لها: “علينا أن نتقدم بعريضة بحالي إلى القيصر؛ لن يرضيه أن يقضي رجل برئ عمره وراء القضبان.”

أخبرته زوجته في أسى بأنها قد قدمت بالفعل عريضة إلى القيصر بهذا المضمون ولكنها رُفضت.

لم يردّ “أسكينوف” واكتفى بحني رأسه واجمًا.

قالت زوجته: “لم تأتي رؤياي إذن من فراغ؛ حيث رأيتك بشعرك الرمادي من تحت القبعة. هل تتذكر؟ لم يكن عليك السفر في هذا اليوم من الأساس.” مسّدت الزوجة شعراته بأصابعها وقالت في حنان: “فانيا يا عزيزي الغالي، هلّا صارحت زوجتك بالحقيقة؟ لم تكن أنت من ارتكبت هذا الجرم الشنيع، اليس كذلك؟”

“إذن أنتِ أيضا تشكين في براءتي؟” قال “أسكينوف” ثم وضع رأسه بين يديه وبكى. جاء الحراس بعد قليل واصطحبوا زوجته واولاده خارجًا بعد أن ودعهم للمرة الأخيرة.

حال انصراف الزوجة، فكّر “أسكينوف” مجددًا في السؤال الذي طرحته عليه زوجته وخلُص إلى نتيجة: “إن ربي وحده يعلم الحقيقة، وإليه وحده عليّ أن أرفع عريضتي وأقدم شكوتي، ووحده تُرتجى منه الرحمة بحالي.”

يأس “أسكينوف” من كل أمل في القانون، وتوجه بكامل دعواه وأمله إلى ربه.

حُكم على “أسكينوف” بالجلد والعمل في المناجم، وبعد استيفاء حكم الجلد بالسوط، وإذ شُفيت جراحه، تم نقله إلى سيبيريا ليلحق بأقرانه من المحكوم عليهم.

قضى “أسكينوف” ستة وعشرين عامًا في السجن، وأصبح شعره أبيضا بلون الثلج ونمت لحيته رمادية رفيعة. فارقته السعادة وأصبحت عاداته لا تتعدى التمشية قليلا ثم التوقف لبرهة والانحناء في أسى ثم معاودة المسير، لم يكن يضحك بتاتًا وكان يقضي غالبية أوقاته في الصلاة والدعاء.

تعلّم “أسكينوف” في السجن صناعة الأحذية وتكّسب منها مالًا قليلا أعانه على شراء نسخة من كتاب “حياة القديسين”(3). اعتاد “أسكينوف” قراءته حتى قبل إطفاء أنوار السجن ليلًا، كما اعتاد قراءة الدروس في كنيسة السجن والغناء في الجوقة إذ لم يحرمه الزمن أو الأسر من صوته الجميل.

ألف مسؤولو السجن وجود “أسكينوف” وارتاحوا إلى طبيعته الطيعة غير المشاغبة، كما أنه قد حاز التقدير من جميع رفقاءه في السجن ووقروه ومنحوه لقبي “العرّاب” و”القديس”، ولجأوا إليه ليتحدث بلسانهم إلى مسؤولي السجن عن رغباتهم أو شكواهم، كما أنهم كانوا عادة ما يسألونه النصيحة أو يحكّمونه في جميع أمورهم وخلافاتهم.

لم تصل إلى “أسكينوف” طوال هذه المدّة أي أخبار عن زوجته أو أولاده، ولم تكن لديه حتى أي معلومة أكيدة عن كونهم مازالوا على قيد الحياة.

في صباح يوم عادي، وصلت مجموعة جديدة من المجرمين إلى باحة السجن، وجلس النزلاء القدامى والجدد سويًا يتحادثون في أسباب التحاقهم بالسجن. بين النزلاء القدامى جلس “أسكينوف” يستمع دون اهتمام حقيقي.

كان أحد المتحدثين رجل في الستين من عمره، له لحية رمادية قصيرة ومهذّبة، قال الرجل مُخبرًا عن أسباب القبض عليه: “حسنا يا اصدقائي! سأخبركم! لقد جئت إلى هنا بسبب تافه، لقد فككت حصان كان قد رُبط في عربة، ولكنني لم أسرقه، لقد استعرته فقط لأصل سريعًا إلى البيت ومن ثم أطلقت سراحه، كما أن سائق العربة كان في الاصل صديقٌ لي، لكنهم ما صدقوني واقتادوني إلى هنا، لم يستطيعوا أن يعرفوا كيف ومتي سرقت العربة ومع ذلك قبضوا علي، أوتعلمون؟ لقد فعلت أمرا شنيعا كان جدير به أن يرسلني إلى هنا سجينا منذ زمن طويل ولكني فلت منه بحظي، والآن ها أنا هنا بسبب أمر تافه جدا كهذا، هذه ليست مرتي الأولي في سيبيريا بالطبع، ولكن المرة الفائتة لم ألبث طويلًا في السجن.”

سأله أحدهم: “ومن أي مدينة أنت؟”

ردّ السجين الجديد:  “من بلدة فلاديمير، يناديني الجميع “ماكار” وأُلقّب أحيانا ب “سيمينوفيتش.”

رفع “أسكينوف” راسه منتبها إذ سمع اسم بلدته وسأل السجين الجديد: “أخبرني يا “سيمينوفيتش”، هل تسمع بـ عائلة “أسكينوف” التاجر من بلدة “فلاديمير”؟

“أسمع عنهم؟ بل أعرفهم جيدا، إنهم أغنياء البلدة، إلا أن رب العائلة هو سجين في سيبيريا مثلنا ومثلك أنت أيضا يا سيدي العجوز علي ما يبدو، أخبرني، ماذا فعلت حتى حللت هنا أسيرا؟”

زدّ “أسكينوف”: “جئت هنا جزاء خطيئتي التي اقترفت.”

سال السجين: “وما هي خطيئتك؟”

وإذ لم يكن “أسكينوف” مستعدا للحديث عن حادثته، اكتفى بقول: ” حسنا، لا داعي للحديث عن هذا الأمر، مؤكدا هي خطيئة عظيمة استحقت سنوات سجني الطوال.”  أخبر رفقاء السجن “سيمينوفيتش” عن الحادثة التي أدت بـ “أسكينوف” إلى السجن، وكيف أنه لم يقتل التاجر فعلًا وإنما زورت الادلة ضده بشكل ما.

اندهش “سيمينوفيتش” لمّا سمع بالأمر وضرب بقبضته علي ركبتيه قائلا: “هذا والله أمر عجيب، عجيب، لكم تقدمت في العمر يا سيدي العجوز.”

تعجّب السجناء من رد فعل “سيمينوفيتش” وسألوه إن كان هذا يعني انه قد قابل “أسكينوف” من قبل، فلم يردّ “سيمينوفيتش” وقال: “إنه حقا لأمر عجيب أن نلتقي هنا مجددًا!”

حينها فقط رفع “أسكينوف” رأسه وتساءل إن كان لهذا الرجل معرفة بمن قتل التاجر فسأله: “ربما لديك علم بهذه القضية؟”

أجاب “سيمينوفيتش” مراوغًا: “لقد سمعت بعض القيل والقال من هنا وهناك، مجرد شائعات في الغالب، وعلي كل، لقد مر وقت طويل على هذه الحادثة ولم أعد أتذكر كل ما قيل عنها.”

سأل “أسكينوف” مجددا: “ألا تعلم إذن من قتل التاجر؟”

ردّ “سيمينوفيتش”: “بالطبع من قتله هو من وجدوا السكين في حقيبته، إن كان هناك من خبئها دون علمك في الحقيبة فلا يمكن الجزم بوجوده حتي يعترف أحد بذلك الفعل، ثم كيف لهذا الشخص ـ إن وجد ـ أن يخبئها في حقيبتك بينما كنت تنام واضعها تحت رأسك، وإن حركها لاستيقظت من فورك.”

فور سماعه بالجملة الأخيرة، تيقن “أسكينوف” من كونه قد قابل القاتل أخيرا وجها لوجه، هو “سيمينوفيتش” دون شك. رقد “أسكينوف” طوال الليل على سريره مستيقظا يحذوه أرق.

شعر “أسكينوف” بالحزن واجتاحه عظيم الهمّ إذ استيقظت في رأسه صور ولقطات من مشاهد مرّت عليه في سنين عمره الطويلة؛ تداعت أمامه صورة زوجته وهي تودعه قبل ذهابه إلى المعرض، ثم تجسدت حيّة أمامه بعينيها الصافيتين وحُلو حديثها وضحكتها الرائقة، ثم تخيّل شكل أطفاله ـ صغارا كما كانوا حين ودعهم للمرة الأخيرة ـ كبيرهم في معطفه وصغيرهم رضيعا على ذراع أمه، ثم تراءت له صورته في آخر لحظات حريته؛ شابا وسيما يجلس في شرفة النزل عازفا على جيتاره، ثم لاح له المكان حيث عوقب بالجلد، والرجل الذي يقف بيده السوط مستعدًا لجلده والقوم من حوله، والأصفاد والقيود والسنين الست والعشرين التي قضاها أسيرًا لحكم ظالم. ثارت ثائرته واعتراه غضب وألم كان كفيلا بأن يجعله ينهي حياته بيديّه لو استطاع.

“إذن كان هذا كله من فعل هذا الآثم الأشر!!” فكّر “أسكينوف”، وتملّكه الغضب من “ماكار سيمينوفيتش” إلى حد دعاه للانتقام منه حتى لو ذاق عقابًا من أجل فعلته أضعاف ما لاقى من قبل. وعلي الرغم من تكراره لأدعيته وصلاته طوال الليل، لم يحل عليه سلامه المعتاد ولا فارقته حرقة صدره، وخلال اليوم التالي لم يستطع اقترابا من ” ماكار سيمينوفيتش” ولا حتي مجرد النظر إليه.

مرّت على تلك الليلة خمسة عشر ليلة أخرى، لم يهتدي فيها “أسكينوف” إلى راحة ولم يفارقه أرقه إلا ساعات معدودة، وما زاد من حدّة ثورته كونه لم يكن يدري ماذا عليه أن يفعل حيال تطورات أزمته الأخيرة.

في ذات يوم، وبينما يمرّ “أسكينوف” بأحد الزنازين، لاحظ بعض التراب ينزل إلي الأرض من تحت أحد الاسرة الخشبية التي ينام عليها السجناء. تطلّع “أسكينوف” نحو السرير الخشبي مدققا نظره فتلاقت عيناه بوجه “سيمينوفيتش” الخائف، وعليه حاول المرور بجوار الزنزانة كأن لم يري شيئا، ولكن “سيمينوفيتش” استوقفه وشد على يده وجذبه إليه قائلا أنه بدأ بحفر حفرة وراء السرير الخشبي، وأنه يفرغ ما يخلّفه الحفر عبر حذاؤه أثناء سير السجناء إلى مقر اعمالهم.

“لتحفظ السر أيها العجوز، ويمكنك حينها أن تهرب وننعم معا بالحرية، ولكن إن أبلغت عني فسيجلدونني حتى الموت، ولكنني قبل أن أموت سأنهي حياتك بيدي هاتين.”

ارتعش “أسكينوف” من شدة غضبه، وأزاح يدّ “سيمينوفيتش” وقال له: “أما عن الهرب، فليس لي رغبة فيه، وأما عنك فقد أنهيت حياتي بالفعل منذ سنوات طوال، وإنني لا أعلم هل سأفشي سرك أم لا، ذلك أمر أتركه لقدر ربي وتقديره.”

في اليوم التالي، لاحظ أحد الحرّاس خطا طويلًا من التراب يمتد عبر الفناء وآثار حذاء تعلوه، فتّش الحرّاس الزنازين واكتشفوا النفق. اقتيد السجناء للتحقيق ولم يرغب أي منهم في إفشاء سرّ “سيمينوفيتش”، فلجأ مدير السجن إلى “أسكينوف” وسأله عما إذا كان يدري عن هذا الأمر شيئا. فكّر “أسكينوف” أن ساعة الانتقام ربّما قد حلّت، ولكن خانته شفتاه وارتعشت ولم يستطع النظر حتى إلى سيمينوفيتش” ، وقال في نفسه :”لماذا لا أنطق؟ هل أحاول حماية هذا الذي دمّر حياتي؟ لماذا لا أدعه يذوق ما تجرعته في سنوات عديدة مرّت؟ ولكن إن أبلغت عنه الآن سيجلدونه حتي الموت، وما أدراني حقا وصدقا أن ظنوني به في محلها؟ وما الذي سيعود علي بالنفع إن سُجن أو حتى مات؟

“حسنا أيها العجوز الطيب، هلّا أخبرتنا من تظنه قد حفر هذا النفق؟” سأل حاكم السجن مجددًا

نظر “أسكينوف” إلى “ماكار سيمينوفيتش” بطرف عينه ثم توجه بحديثه إلى حاكم السجن : ” لا استطيع إخباركم عن هذا يا سيدي، أعلم الآن جيدا أن مشيئة ربي لا تسمح لي بالوشاية عن هذا المسكين. إنني أضع أمري بين يديك، فافعل ما ترى.”

حاول الحاكم مرارًا وتكرارًا ولكن “أسكينوف” لم يحد عن قراره بالصمت أبدًا.

وفي المساء، وبينما بدأت عيون “أسكينوف” أخيرًا الاستسلام للنوم، اقترب منه شبح ضخم وجلس بجواره على طرف سريره. أطل “أسكينوف” برأسه مقتربًا من الظل الضخم فإذا هو “ماكار”.

“ماذا تريد مني بعد؟ ما الذي جاء بك إلى زنزانتي في هذه الساعة؟” سأل “أسكينوف”

اقترب “ماكار سيمينوفيتش” من “أسكينوف” وحني رأسه وهمس: “إيفان ديمتريفيتش! سامحني!”

“وما الذي فعلته لأسامحك عليه؟” سأل “أسكينوف”

“أنا الذي قتل التاجر، وأنا من خبئت السكين في حقيبتك، لقد كدت أقتلك أنت أيضا قبل أن أسمع ضوضاء خارج الغرفة ففررت هاربًا عبر النافذة.”

انخرس “أسكينوف” تقريبا ولم يدر ماذا عليه أن يقول. نزل “ماكار” عن السرير إلى الأرض راكعا: “اعفو عني بحق كمال ربك، سأعترف بكل شيء وسيطلقون سراحك ويمكنك عندها العودة إلى منزلك.”

“ما أسهل الأماني! لا يمكنك تحريري، لقد تعذبت هنا وحدي طيلة ست وعشرين عام، ماتت زوجتي وقد نسيني أطفالي على الأرجح، أي منزل هذا الذي سأعود إليه؟ وأي حرية؟” ردّ أسكينوف بحسرة

لم تستطع قدما “سيمينوفيتش” حمله، فجلس يضرب رأسه بالأرض ويتوسل من جديد:  “إيفان ديمتريفيتش، اعفو عني” ثم طفق يبكي بدمع حار… “لقد هانت علي ضربات السوط إذ لم تكن آلامها بأشد إيلامًا من نيران الشفقة التي غمرتني بها حين كتمت سري عن الحاكم. سامحني واغفر لي خطيئتي بحق ربك العادل.”

رقّ قلب “أسكينوف” لدموع “سيمينوفيتش” المذنب وقال: “عل القدير أن يغفر لنا جميعًا، وربما أحمل ذنوبًا على عاتقي بالفعل تفوق ذنوبك.”

أنار الرضا قلب “أسكينوف” بعد أن لفظ الجملة الأخيرة، ولم يعد يشعر بالغضب أو بمرارة الظلم التي احتملها طويلًا بل أنه حتى ما عاد يشعر بالحنين إلي بيته وإنما تمنى أن تحين ساعته ليتحرر أخيرا من سجن الأرض.

علي الرغم من رغبة “أسكينوف” الواضحة التي أبلغ بها “ماكار”، اعترف “سيمينوفيتش” للسلطات بجريمته …

وبينما صدر القرار بالإفراج عن “أسكينوف”، إلا أن “أسكينوف” كان قد تحرر بالفعل كما تمنى وصعدت روحه إلى السماء.

ليو تولستوي ـ 1872

  • السَّماوَر: وعاء معدني ـ برّاد ـ يستخدم لغلي الماء وتحضيرالشاي، يستخدم في روسيا وأوروبا الشرقية وبلدان الشرق الأوسط

  • الروبل: العملة الرسمية لروسيا.

  • “حياة القديسين”: أحد المؤلفات الروحية الروسية والذي انتهج سرد سير حياة القديسين الأرثوذكس.

 

 

المصدر

 

error: المحتوى محمي