يا قرّاء العالم اتحدوا: الأدب العالمي والاستعمار – مارتن بوخنر / ترجمة عبدالله الحميدي

يا قرّاء العالم اتحدوا: الأدب العالمي والاستعمار – مارتن بوخنر / ترجمة عبدالله الحميدي

كيف كان كل من ماركس والنخب المحلية المثقفة سببا في إيجاد الأدب العالمي لمحاربة كل من القومية والهيمنة الامبراطورية؟


بعد ظهر آخر يوم من يناير كانون الثاني من العام 1827، ولدت نظرية جديدة في الأدب. في ذلك اليوم، كان يوهان بيتر ايكرمان، السكرتير المخلص ليوهان فولفغانغ فون غوته، ذاهبا لمنزل هذا الأخير كما اعتاد ان يفعل مئات المرات في السنوات الثلاث والنصف الماضية، انتابته الدهشة حينما أخبره غوته أنه يقرأ (مغازلة صينيه) وهي رواية صينيه صدرت في العام 1824. ” حقا؟ لا بد أن يكون ذلك غريبا” هتف أيكرمان. فأجاب غوته ” ليس مثما يظن البعض”

كان مصدر الدهشة التي انتابت ايكرمان، هو أن هذه الرواية الصينية لا بد وأن تكون استثنائية. كان رد غوته صارما ” ليس صحيحا إطلاقا. لدى الصينيين الآلاف منها، وكانت لديهم في الوقت الذي كان أجدادنا يعيشون في الغابات”. عندها وصل غوته عند النقطة التي أثارت دهشة سكرتيره، ” أن عصر الأدب العالمي على الأبواب، وأنه يجب على كل شخص المساهمة في تعجيل ذلك”

في تلك اللحظة ولد مفهوم الأدب العالمي من خلال تلك المحادثة التي جرت في فيمار، تلك المقاطعة الألمانية التي لا يتجاوز عدد سكانها السبعة آلاف شخص

كباقي المدن الأوروبية، كانت فيمار واقعة تحت تأثير الثقافة الباريسية، هذه المدينة التي عملت على تصدير ثقافتها المدنية، جعلت الأوروبيين يقرأون الروايات الفرنسية، ويرددون أشعارها ويشاهدون مسرحياتها. كان رد المثقفين والفنانين الألمان إزاء هذه الهيمنة الثقافية من خلال الإبداع الوطني. حيث تم تجميع الحكايات الشعبية ومجموعات من الأدب الشعبي والريفي، لتشكل ما يسمى بالثقافة الألمانية. إضافة إلى أنهم قد دفعوا باتجاه جعل الفكرة الألمانية – كنقيض للثقافة الإنجليزية أو الفرنسية – أساسا لبناء دولة قومية مستقبلية.

كان تعليم غوته نفسه على النمط الفرنسي، وعلى الرغم من اتفاقه مع الوطنيين الألمان على ضرورة وضع حد للتبعية الفرنسية، إلا أنه لم يتفق مع سعيهم لخلق ثقافة ألمانية محلية وتقاليد شعبية. فقد كان مسعى غوته يتمثل في إيجاد بديل لكل من ثقافة المدن الكبرى والقومية الألمانية على حد سواء.

في البداية انفتح غوته على الثقافة الإنجليزية، وعلى الأخص وليم شكسبير، غير أنه أدرك عدم كفايتها. إذ لم يكن يتطلع لشيء مختلف وحسب، بل لشيء أفضل وأكبر.  كان في الأدب العالمي هو البديل المناسب.

نشأ الأدب العالمي كحل للمشكلة التي واجهها غوته كمثقف إقليمي عالق بين هيمنة العاصمة والقومية المتعصبة. فبالإضافة إلى الروايات الصينية، كان قد قرأ المسرحية الكلاسيكية السنسكريتية ( شاكونتالا )  ل كالدياسا Kalidasa ، وإلى جانب إلى دراسته للعربية، كان شغوفا بالشاعر الفارسي حافظ (الشيرازي). جميع من حوله، بما فيم المقربين منه لم يبدوا ميلا تجاه هذه الاهتمامات. وعلى سبيل المزاح أهدوه عمامة في عيد ميلاده. إلا أن ذلك كان يزيد من أصرار غوته. فقد ظل مواظبا على عاداته القرائية الواسعة والمتنوعة. مؤملا بأن الآخرين سوف يحذون حذوه. فقد كان الأدب العالمي بالنسبة له عالما مثاليا لا مكان فيه لهيمنة لغة أو أمة بعينها. فقد كان تعبيرا ثقافيا عن نظام سياسي يتجاوز فيه العالم مرحلة القومية والاستعمار التي كانت تهيمن على مجمل القرن التاسع عشر.

كان غوته يدرك أن مواجبه لفت أنظار معاصريه إلى المثل الأعلى الأدب العالمي. وكان يدرك أيضا أنه يتملك مؤشرا قويا على ذلك، ألا وهو نشوء ظاهرة السوق العالمية والتي ستشمل الأدب. فقد كانت إمكانية توافر المصنفات من أماكن نائية والتي كانت تعد ظاهرة حديثة نسبيا حينها، قد ساهمت في جعل فكرة الأدب العالمي ممكنة. إن السوق العالمية، كما رآها غوته، جعلت من ألمانيا تعلب دورا مهما “فمن يعرف ويدرس الألمانية، ويقيم في الأماكن التجارية حيث تعرض كل الدول منتجاتها، فإنه لا يجني الأرباح فحسب، بل يلعب دور المترجم أيضا”

فمن خلال هذه الترجمة استطاع الناشرون والكتاب الألمان أن يحققوا أرباحا من هذا الاختلاف الثقافي. وأن يجلبوا الكتب الأدبية من أماكن بعيدة إلى مكتبة الدوقة آنا آماليا في فيمار، حيث كان غوته يستمتع بالعمل هناك.

كنت فكرة غوته من أن السوق العالمية أسست لظهور أدب عالمي، قد استحوذت على فكر كل من ماركس وانجلز. كان انجلز، ابن أحد أصحاب المصانع الأثرياء، قد ذهب إلى مانشستر لدراسة الأساليب المتقدمة في الصناعة، في حين ذهب ماركس إلى برلين لدراسة الفلسفة. بدأ الأثنان بالتعاون، دراسات انجلز الاقتصادية وأفكار ماركس الفلسفية. وعندما طلب منهما وضع تصور لبرنامج جديد لصالح مجموعة من الراديكالين المغمورين في لندن، كتبا البيان الشيوعي 1848.

في أحد الفقرات المذهلة من هذا البيان، يثمن كل من ماركس وأنجلز الدور الذي قامت به البرجوازية في اجتياحها للهياكل الإقطاعية القديمة:

“استطاعت البرجوازية من خلال استغلال السوق العالمية من أن تطبع البلدان بطابع كوسومبليتي، وانتزعت من تحت أقدام الصناعة أرضيتها القومية، وسط تذمر أعدائها … لم تعد تعتمد هذه الصناعات على مواد أولية محلية، بل يتم جلب هذه المواد الأولية من أماكن بعيدة، ولم تعد منتجات هذه الصناعة تستهلك محليا، بل في جميع أنحاء العالم … وحل محل الاكتفاء الذاتي الإقليمي والانعزال القومي القديم، علاقاتٌ تجارية في كل النواحي، وتبعيةٌ متبادلة شاملة بين الأمم. وما ينطبق على الإنتاج المادي، ينطبق أيضا على الإنتاج الفكري. فالإنتاج الفكري لكل أمه أصبح ملكية مشتركة. ويصبح كل من التعصب والانغلاق شيئا فشيئا مستحيلين. ومن الآداب القومية والإقليمية ينشأ أدب عالمي”

بالنسبة لكثير من المعاصرين، ربما بدا تناول “الأدب العالمي” في سياق المناجم والمحركات البخارية وسكك الحديد، أمرا مستغربا. بيد أنه لم يكن كذلك بالنسبة لغوته، الذي أدرك على الرغم من ميوله الأرستقراطية، أن هذا الشكل الحديث من السوق العالمية سيتيح إمكانية وجود أدب عالمي.

بحسب ماركس وانجلز فإن السوق العالمية ما هي إلا نتيجة لكل من الإمبراطوريات التجارية الأوربية والاستعمار، حيث قام الموظفون الاستعماريون الأوربيون (البرتغاليون، الفرنسيون، الإنجليز) بترجمة الآداب الصينية والعربية والفارسية والتي كان غوته يقرأها في فيمار. فمن خلال الاحتكاك والتعامل مع المثقفين والنخب المحلية في تلك “الأماكن النائية” حسب وصف ماركس وانجلز، استطاع هؤلاء الموظفون الاستعماريون إنتاج إصدارات وترجمات أدبية تقرأ الآن “في جميع أنحاء العالم”. فبفضل آلات الطباعة المتقدمة أصبحت حركة الإنتاج الأدبي مشابهة لحركة الصناعة في مانشستر.

وإذ كان صحيحا من أن السوق العالمية قد أفضت إلى فكرة الأدب العالمي، وأن الاستعمار الأوربي هو أساس هذه السوق، ألا يكون الأدب العالمي حينها بمثابة امتداد للاستعمار. أليس في ذلك إدانة لغوته نفسه؟

بالنسبة لكل من ماركس وانجلز ليس الأدب العالمي سوى منتجٍ برجوازي، أي رأسمالي، وبالتالي فهو وثيق الصلة بالاستعمار. إلا أن رفض الأدب العالمي بناء على هذه الاعتبارات ينطوي على خسارة للمكتسبات التي يتضمنها. ليست المشكلة في العولمة ولا في عالم الأدب المتداخل. فكل شيء يعتمد على الكيفية التي تشكل بها. فكما لم يكن ممكنا تجنب العولمة، كذلك بالنسبة للأدب العالمي، فقد كان تطوره حتميا، بيد أن السؤال هو، ما الشكل الذي كان سيتخذه هذا التطور. بالنسبة لماركس وانجلز كان من الضروري وضع أسس جديده للأدب العالمي، تكون كونية وتحررية وعالمية.

بالتعويل على فكرة الأدب العالمي، حاول كل من ماركس وانجلز أن يعطيا تأثيرا أكبر لنصهما، فقد أعلنا في المقدمة بأن البيان “سيصدر باللغة الإنجليزية والفرنسية والألمانية والإيطالية والفلمنكية والدانماركية” ومما له دلاله هو أننا نجد أن الألمانية -اللغة الأصلية للنص- لا تذكر في مقدمة هذه اللغات، بل في  المنتصف. الأمر الذي يكشف عن تطلع البيان لأن يكون نموذجا للأدب العالمي.

مع ذلك نجح كل من ماركس وانجلز، على الرغم من أن البيان الشيوعي قد استغرق عقودا من الزمن لكي يترجم إلى لغات أخرى. وهما بهذه الطريقة قد ساهما بنوع جديد للأدب العالمي. فهذا السرد التاريخي الضخم والدعوة الملحة للمبادرة هو ما يميز البيان الشيوعي، والذي سيصبح من الآن فصاعدا سمة تميز العديد من البيانات القادمة.

منذ غوته وماركس وأنجلز، كان الأدب العالمي مناهضا لكل من القومية والاستعمار، لصالح مجتمع عالمي أكثر عدالة. ففي النصف الثاني من القرن التاسع عشر كان الناقد الأيرلندي هاتشيسون ماكلاي بوسينت Hutcheson Macaulay Posnett مناصرا للأدب العالمي. حيث طور بوسنت أفكاره عن الأدب العالمي في نيوزلندا. وفي أوربا كان المجري هوغو ميلتزل Hugó Meltzl قد أسس مجلة كرسها من أجل ما أسماه “المثال الأعلى” للأدب العالمي.

في الهند أيضا كان رابندرانت طاغور Tagore مدافعا عن نفس نموذج الأدب العالمي. وعلى الرغم من احتفاءه برامايانا والمهابارتا، أحد أعظم الملاحم الهندية، إلا أنه في الوقت ذاته حث قراءه على التفكير في الأدب ككائن حي واحد، ككلية مترابطة لامركزية. ورغم كونه قد عاش تحت الحكم الاستعماري الأوربي، إلا أنه رأي في الأدب العالمي شكلا من أشكال رفض الاستعمار. رافضا في الوقت ذاته مواقف أولئك الذي يحصرون اهتمامهم في التقاليد الثقافية لجنوب آسيا. تماما مثل غوته، رفض طاغور كلا من الاستعمار والقومية. مستمسكا بنزعة كونيه، وبعالم مترابط مبني على شروط أكثر إنصافا.

وبالنسبة له، فإن الدور الذي يلعبه الأدب العالمي هو دور بالغ الأهمية، ففي العام 1913، كان أول شخص غير أوربي يتسلم جائزة نوبل للآداب.  حيث عزز نجاحه هذا التأكيد على مدى سهولة استيعاب الأدب العالمي من قبل القومية، الخصم العتيد للأدب العالمي. وعلى الرغم من تطلعاته السياسية العليا، فقد اعتمدت كل من الهند في 1950 وبنغلاديش في 1971 قصائد طاغور في أناشيدها الوطنية.

 إلا أن المفارقة هي أن محاولة النزعة “القومية” احتكار طاغور، تمت من خلال الاعتماد على أحد الآليات الأساسية في الأدب العالمي وهي الترجمة، فقد اختارت الهند “جانا غانا مانا” النشيد الوطني الهندي -وهي قصيدة ألفها طاغور بالبنغالية- في العام 1905 وتمت ترجمتها للهندية، رغم احتوائها بشكل مقصود على كلمات مشتركة في العديد من اللغات الهندية. وبعد الانفصال عن باكستان استخدمت بنغلاديش أيضا الفقرات العشرة الأولى من (Amar Sonar Bangla) – بنغلاديش الذهبية” وهي أغنية بنغالية كتبها طاغور في بداية انفصال بنغلاديش في 1905. ولم يقف تأثير طاغور عند هذا الحد بل امتد أثر إلى النشيد الوطني لسيريلانكا.

 في نفس الفترة تقريبا اختارت الدولة الألمانية المشكلة حديثا غوته شاعرا وطنيا. في وقتٍ، كانت المعركة فيه قائمة بالفعل بين النزعة القومية والأدب العالمي. وإذا كان القوميون قد نجحوا استيعاب الأدب العالمي، فإن نجاحهم لم يسفر سوى عن تعزيز مواقف دعاة الأدب العالمي.

في تلك الأثناء، أزدهر الأدب العالمي في هوامش الدول والامبراطوريات. ففي العام 1939 أعلن الشاعر اليديشي، مليش رافيتش Melech Ravitch وجود أدب يديشي عالمي، ينتشر بين وارسو ونيويورك وموسكو. معتبرا إياه مثالا ينبغي التطلع إليه، بالإضافة إلى كونه حقيقة قائمة على السوق. إلا أنه لم يكن راضيا عن سوق الأدب اليديشي التي لا تزال هشة ومتخلفة في ذلك الوقت (بقي الوضع حتى عام 1978، وهي السنة التي فاز فيها إسحاق سنجر Isaac Bashevis Singer بجائزة نوبل للآداب)

كانت النزعات القومية والفاشية التي ازدهرت في عشرينيات وثلاثينات القرن العشرين تتعارض من حيث مع المبدأ مع فكرة وأهداف الأدب العالمي. في الوقت ذاته كان التدفق الكبير للمهاجرين الذي سببته كل من الفاشية الأوربية والحروب، بمثابة نعمة على الأدب العالمي. ربما كان أفضل من يمثل هذه المفارقة هما اثنان من المثقفين الألمان، ليو سبيتزر Leo Spitzer وأوريخ أورباخ Erich Auerbach ، اللذان اضطرا إلى الفرار من ألمانيا بسبب أصولهما اليهودية، لينتهي بهما المقام في إسطنبول، حيث طورا من هناك أفكارهما عن الأدب العالمي. وعلى الرغم من عمق ثقافتهما في الأدب الغربي، إلا أن سبيتزر انفتح على الثقافة التركية، في حين ظل اورباخ على حاله.

كان عمل أورباخ الأساسي، المحاكاة: تمثيل الواقعية في الأدب الغربي 1946 بمثابة نص بالغ التنوع، يمتد من هوميروس إلى فيرجينيا وولف. ومفتتحا بعبارة لأندرو مارفل ” لوكان لدينا ما يكفي من العالم ومن الوقت..”. بحسب أورباخ، فإن ما كان ينقصه هو مكتبة جيدة، من هنا كان تجاهله للنقاشات العلمية وللمصادر الأدبية الثانوية. (بيد أن الأمر كان سيصبح مختلفا عند الشروع في الشأن التركي، حيث تؤهله وضعيته لاختيارات أفضل بكثير). كتب أورباخ “المحاكاة” لأولئك الناجين من الحرب العالمية الثانية. مؤملا ” أن يجمع شتات أولئك الذين لا يزالون متعلقين بتاريخ الأدب الغربي” فبالنسبة له فإن من شان الأدب الغربي أن يساعد في رتق النسيج الممزق للحضارة لغربية.

كانت الهجرة إلى الولايات المتحدة في أعقاب الحرب العالمية الثانية، تلك التي تضمنت شخصيات مثل أورباخ وسبيتزر، قد جعلت من الولايات المتحدة مكانا حاضنا للأدب العالمي، إلا أنها جلبت معها أيضا تحدياتها الخاصة أيضا. فمع اكتساب الولايات المتحدة مكانة ثقافية في عالم ما بعد الحرب، فقد أصبحت مصّدرا أساسيا لثقافتها الخاصة. ولا زال هذا التوجه مستمرا حتى يومنا هذا، إذ أن 3 بالمئة فقط من الكتب المنشورة داخل الولايات المتحدة هي عبارة عن كتب مترجمة من لغات أجنبية. مثل باريس القرن التاسع عشر، لا تزال الولايات المتحدة تعاني من نوع خاص من التعصب، عصبية المدن الكبرى.

في 2008، أبدى هوارس انجدال Horace Engdahl ، الأمين العام الدائم للأكاديمة السويدية، المعنية بمنح جائزة نوبل امتعاضه قائلا “إن الولايات المتحدة معزولة جدا وضيقة الأفق، فهي لا تترجم بما فيه الكفاية، ولا تشارك في الحوار الأدبي الكبير. ذلك الامتناع هو الجهل بعينه”. غير أن انجدال لم يصب سوى نصف الحقيقة، فعلى الرغم من تدني نسبة الكتب المترجمة في الولايات المتحدة، إلا أن الحجم الكلي للسوق يجعل منها مكانا مهما للأدب الأجنبي، خصوصا مع وجود مطابع صغيره تساهم في ملء الفراغ الذي سببه تردد كبار الناشرين. في السابق كانت مجلة الأدب العالمي World Literature Today  اليوم مناصرة لهذه القضية. أما اليوم فإن مشاريع إلكترونية كعالم بلا حدود Words Without Borders تساهم في هذا تعزيز قضية الأدب العالمي.

تعد إلينا فيرانتي Elena Ferrante المثال الأحدث لكاتبة حققت نجاحا على مستوى بلدها الأم إيطاليا، وفي الوقت ذاته أصبحت ظاهرة عالمية عندما حازت أعمالها على رضا النقاد وحققت مبيعات عالية في الولايات المتحدة. كان الاستقبال التي حظيت به فيرانتي في أمريكا أكبر بكثير منه في بلدها الأم. ما يزال الأدباء المهاجرون يساهمون في جعل الولايات المتحدة مصدرا متجددا للأدب العالمي. فالبعض منهم يكتب بالإنجليزية كالكاتبة النيجيرية شيماماندا نغوزي أديشي Chimamanda Ngozi Adichie. والبعض الآخر على الرغم من كونهم لا يكتبون إلا بلغتهم الأم، إلا أنهم يستغلون مواقعهم في الولايات المتحدة لتعزيز مكانتهم ككتاب عالميين، كالروائي التركي الحائز على جائزة نوبل للآداب أورهان باموق Orhan Pamuk. أما الكاتب الصيني المولد ها جين Ha Jin فإنه يمثل فئة ثالثة من الكتاب الذين يقيمون في الولايات المتحدة ويتحولون إلى الكتابة بالإنجليزية. هكذا لم يتغير الأدب العالمي منذ غوته، من حيث كونه مثالا أعلى وحقيقة قائمة على السوق.

في الولايات المتحدة، ترسخت مكانة الأدب العالمي مع ازدهار الكليات والجامعات بعد الحرب. إذ ساعد توسع التعليم العالي في أعقاب مشروع قانون GI Bill  على ترسيخ مكانة الأدب العالمي في التعليم العام. واستجابة لنمو السوق الأدبية هذا، ظهر ما يسمى بـ”مختارات الأدب العالمي”. حيث تصدرتها تلك الأعمال التي كان يفضلها غوته، كالمسرحية السنسكريتية شاكوانتيلا، وقصائد الشاعر الفارسي حافظ الشيرازي، والروايات الصينية. كما شهدت الفترة الممتدة من خمسينيات إلى تسعينيات القرن العشرين انتشارا ملحوظا للمقررات الدراسية المتعلقة بالأدب العالمي. حيث كان يتم تدريس الأعمال الأساسية من خلالها بشكل منتظم. في البداية لم تتجاوز مختارات الأدب العالمي مجلدا واحدا، أما في الوقت الحالي فقد تجاوزت الستة آلاف صفحة. حيث تعد مختارات نورتن للأدب العالمي ذات الستة مجلدات – والتي أشرف على تحريرها –  أحد الأمثلة الأبرز على هذا التوسع.

استجابة لنمو الأدب العالمي على مدى السنوات العشرين الماضية، ظهرت مجالات بحث جديدة في الأدب العالمي اشتملت على الكتب والمواد المرافقة التي ساهمت بدورها في إرساء مناهج علمية جديده. بدءا من غوته وماركس وانجلز، ومرورا بطاغور وأورباغ وغيرهم.

تخصص مؤسسة الأدب العالمي في جامعة هارفارد والتي يرأسها دايفد دامروش David Damrosch فصلين دراسين من أصل ثلاثة في أماكن متعددة من العالم. حيث يقدر عدد منتسبيها بأكثر من 150 شخص حول العالم. فطلابي الخريجون مثلا يعملون على موضوعات مثل كيفية انخراط الكتاب الصينيين المعاصرين في الأدب العالمي من إعداد Yanping Zhang، المنافسات الفنية والأدبية التي كانت جزءا من الألعاب الأولمبية حتى خمسينيات القرن العشرين من إعدادMiles Osgood ولماذا تأسست معهد أسبن مستلهما فكرة غوته حول الأدب العالمي من إعداد Janet Zong.

يدرس الباحثون في مجال الأدب العالمي كيفية انتشار واستقبال بعض النصوص، بالإضافة إلى طريقة إخراجها، واتجاهاتها وأنماطها. بدأ بصعود وهبوط بعض الأنواع الأدبية وصولا تأثير تقنيات الكتابة. فضلا عن الممارسات التفسيرية التي تشكل لب الدراسات الأدبية.

يعد فرانكو موريتي Franco Moretti أحد الرواد في استخدام المناهج الكمية الحديثة في دراسة عدد ضخم من النصوص المتاحة، وذلك من خلال استخدام قواعد بيانات الإنترنت لأول مرة. ومع أن هذا النوع من التحليل الكمي للأدب ما يزال في مراحله الأولى، إلا أنه يظل ذا أهمية كبيرة: فمن شأن هذه المقاربة الكمية أن تحدث تغير جذريا في دراسة الأدب تماما كالتغير الذي أحدثته في علم الاجتماع قبل 100 عام.

يمكن اعتبار دراسة الأدب العالمي بمثابة فرع من تاريخ العالم. والذي يعتبر بدوره أكثر رسوخا من الأدب العالمي، وأكثر خبره في تجميع عدد كبير من الدراسات على المستوى المحلي والدولي فضلا عن كونه يتمتع بنجاح شعبي منقطع النظير في تاريخ السلع، كثلاثية الأكل البحري لمارك كورلانسكي Mark Kurlansky: سمك القد: تاريخ السمكة التي غيرت العالم 1998 والمحار الكبير: تاريخ نصف الصدفة 2006 وأطعمة متبله مع الملح: تاريخ العالم 2002. لم تحقق دراسة الأدب العالمي مثل هذا النجاح الشعبي حتى الوقت الحالي.

للأدب العالمي خصومة أيضا، إذ لا يخفي بعضُ عمداء الجامعات رغبتهم في إغلاق برامج الأدب العالمي، واستبدالها بمتطلبات أقل تنوعا واتساعا. فمن جهتي، أعرف العديد من الطلبة الذين ينفرون من قراءة الروايات الصينية لأنها تبدو غريبه بالنسبة لهم، تماما مثل إيكرمان قبل 200 عام. بعض هذه الاعتراضات تأتي من صفوف الأدباء أنفسهم. لا يخلو بعضها من الصحة، كالاعتراض المتعلق بمدى جودة الترجمة. فالترجمة الإنجليزية لبعض الروايات الصينية التي كان يقرئها غوتة على سبيل المثال مليئة بالأخطاء، حتى العنوان نفسه لم يسلم من خطأ الترجمة. لهذا السبب كان أورباخ وغيره قد عبروا عن شكوكهم في نجاعة تدريس الآداب من دون الإلمام باللغة الأصلية التي كتبت بها.

في الوقت الذي شهد فيه الأدب العالمي أوج ازدهاره في السنوات العشرين الماضية، أصبحت الحجج الناقدة للأدب العالمي أكثر اتساعا وتنوعا. بعض هذه الانتقادات مستمد من نظريات ما بعد حداثية، ترفض الأدب العالمي باعتباره تكرارا لمحاولة فاشلة في عرض “سردية كبرى”. فالانتقادات المتعلقة بمدى جودة الترجمة تحولت إلى موقف رافض للترجمة من أصلها. وتمشيا مع المثل الإيطالي “المترجمون خونة” بدا الاتجاه الذي تسير فيه هذه الحجج بتشبثها بالمثل العليا القديمة حول خصوصية كل لغة وفرادة الأعمال الأدبية، يتضمن افتراضا مفاده، أنه إن لم تكن لغة النص هي لغتك الام، أو لم تكن تتقنها بما فيه الكفاية، فمن الأفضل العدول عن ذلك والبقاء في المجال اللغوي الخاص بك.

ثمة مجموعة أخرى من الانتقادات تقوم على رفض فكرة أن السوق العالميه كانت سببا في ظهور الأدب العالمي. تتهم غاياتري سبيفاك Gayatri Spivak أستاذة الأدب المقارن في جامعة كولمبيا، الولايات المتحدة بمحاولة الهيمنة على العالم من خلال تصدير مختارات الأدب العالمي، وعلى عكس ما كان يذهب إليه كل من غوته وطاغور من اعتبار الأدب العالمي بمثابة مقاومة للاستعمار، يتم اتهام الأدب العالمي هنا بكونه شكلا من أشكال الإمبريالية الثقافية. بيد أن هذه الحجة خاطئة تماما. فالمختارات الأدبية المنشورة في الولايات المتحدة ليست معدة أساسا للتصدير، ومن ثم فإن الناشرين لم يسعوا للحصول على أية حقوق أجنبية بسبب عدم وجود سوق للأدب العالمي خارج الولايات المتحدة.

في العام 1922 اعترف الصيني تشينغ زيندو  Zheng Zhendu -أحد المدافعين عن الأدب العالمي- بأسباب بعض هذه الاعتراضات العلمية، حيث بين أن المناهج الدراسية للآداب التي يتم تدريسها داخل الأقسام الأدبية في الجامعات يتم تهيئتها بما يتلاءم مع أجندات الدولة، ومن ثم فإنها تتعارض كليا فكرة الأدب العالمي. وعلى ما يبدو من أن هذه الأمر سيستمر إلى المائة عام القادمة على الأغلب، ما يعني قصر تدريس الأدب العالمي على الهوامش في أقسام الأدب الوطني في الجامعات. إلا أن ثمة بوادر للتغيير وإن كانت تتم ببطء: فجامعة بوسطن على سبيل المثال غيرت مسمى قسم الأدب المقارن إلى قسم اللغات والآداب العالمية.

واليوم ،ومع تنامي النزعات القومية وكراهية الأجانب في الولايات المتحدة وأماكن أخرى من العالم، فإن الأدب العالمي يغدو أمرا ملحا ومسعىً سياسيا في الوقت ذاته. وعلاوة على ذلك يمثل رفضا للتعصب الوطني والاستعمار لصالح نظام أكثر إنسانية وعالمية، بالشكل الذي تصوره كل من غوته وطاغور. فالأدب العالمي ينفتح على العولمة لكن دونما ذوبان للهوية وانصهارها، محتفيا بالوقت ذاته -تماما مثل رافيتش- بآداب الشتات كالأدب اليديشي باعتبارها مصادر ثقافية لا تقدر بثمن، استطاعت البقاء على الرغم من الاضطهاد والتهجير القسري.

لا جدال في كون الأدب العالمي هو سوق في نهاية الأمر، تلتقي وتتلاقح من خلاله كل من الآداب المحلية والوطنية. إن اعتماد الأدب العالمي على الانتشار يعني تعارضه مع أي محاوله لجميده أو تقنينه في مجموعات ثابته في المراكز الحضرية أو في الدول أو اعتباره نصوصا غير قابلة للترجمة. لا شك في أن سوق الأدب العالمي ليست واحدة، بل متفاوتة وغير عادله على الأغلب. غير أن حل هذه المشكلة لا يكمن في التقليل من تداول الأدب العالمي أو والامتناع عن ترجمته وتدريسه. بل في خلق ثقافة ترجمة نشطة، وترجمته إلى لغات عدة والتوسع في تدريسه.

يعتبر التداول الحر للأدب من أفضل الأسلحة لمقاومه القومية والاستعمار، سواء كان هذا الأدب قديما أو حديثا، وحتى مع كونه مترجما فإنه يتيح لنا فرصة التواصل مع ثقافات وأفكار مختلفة. فلا شيئ مما يفعله الإنسان سواء في الفنون أو العلوم يمكن أن يعمق ويثري مخيلتنا وفهمنا وتعاطفنا مع الآخرين أكثر مما يفعله الأدب. هذا يعني أن الأدب العالمي ليس دائما بالأمر الهين. فجميعنا نفس إيكرمان، نشأنا وفق تقاليد محدودة، يربكنا التفكير في آلاف الروايات الصينية. مع ذلك تبقى المحاولة هي كل شيء.

بدأ الأدب العالمي كفكرة مثاليه أو كطموح. “إن عصر الأدب العالمي على الأبواب، يجب على كل شخص المساهمة في تعجيل ذلك” هكذا حض غوته إيكرمان المتردد. لازالت هذه المقولة تحتفظ بزخمها حتى بعد مضي ما يقرب من قرنين عليها. لم يكن ظهور الأدب العالمي أمرا حتميا لا مفر منه. إن المستعمرين، القوميين، مناهضي السوق، مناصري الرقابة على الكتب، جميعهم عارضوا ولا زالوا يعارضون انتشار الأدب. ما يعنيه ذلك هو أن الأدب العالمي كان إنجازا حقيقيا، ربما كان سيضيع لولا هذا الدعم النشط.

ليس علينا قبول جميع نماذج وأشكال النمو وحرية السوق بوصفها أشياء جيده، غير أن الأدب العالمي هو سوق يجب أن تستمر، ويقع على عاتق كل شخص المساهمة في تسريع ازدهارها.

 

 

المصدر 

 

error: المحتوى محمي