هيمنغواي؛ الكاتب العملاق في مذكرات ابنته ماري / ترجمة: أحمد العناني

هيمنغواي؛ الكاتب العملاق في مذكرات ابنته ماري / ترجمة: أحمد العناني

 

 


 

 

الكاتب الأمريكي الذائع الصيت إيرنست هيمنغواي، ذلك القاص والروائي العظيم الدي اجتمعت له من كتاباته ثروة بالملايين وشهرة لم يحصل على مثلها إلا النوادر من أمثال شو وتوين، وكانت تتبعه حينما توجه حاشية واتباع ويلتف حوله الصحفيون، وتطارده العيون من كل نوع حتى عيون الاستخبارات الإتحادية الأمريكية وموظفو الضرائب. ومع ذلك كله اختار أن ينتحر فأثار لموته ضجة كما كان اثار بحياته.

كيف حصل ذلك؟

 

تجددت سيرة هيمنغواي بكل مافيها من طرائف وغرائب على أثر نشر ابنته (ماري هيمنغواي وايدنفيلد) كتابًا ضخمًا حوى الكثير من الطرائف والغرائب عن حياة أبيها. وقد تناولته الصحف الغربية بالتعليق بين مادحة ومنتقده. وقد سمّت ماري كتابها: “كيف حصل ذلك؟”

تروي ماري همنغواي في الصفحات الخمسين الأولى من كتابها قصة طفولة وحبها العميق لوالدها وأول لقاء لها باللورد بيفربروك (وكان أحيانًا يُدعى ملك الصحافة) وأول عمل لها بصحيفة الدليلي إكسبرس وأول زواج لها مقدمة تفاصيل اعتبرها بعض النقّاد من نوع الإلحاح السنوي في الثرثرة.

فرخ البط

كانت ماري هيمنغواي تحمل سمات من والدها لاسيما في اقتدارها على التدفق في الكتابة بمعدل ألف كلمة في الساعة؛ ومن هنا تنافست عليها دور النشر وهي لا تتردد في الاستطراد عن موضوعها الرئيسي مدخلة في السياق شتيتا منوعًا من الإقتباسات والقصص الجانبية والموضوعات الإستطرادية ولكن القارئ ما يلبث أن يستريح لما تكتب حين يتعلق الأمر بوالدها، أن كانت تعرف تفاصيل عن ذلك الرجل الكبير وتناقضات حياته الحافلة لم يصل إلى علم الناس. وهنا يشرق أسلوبها ويمتلئ بحيوية عاطفة صادقة، وتجارب حية مؤثرة ولاسيما وهي تصف ظروف الحرب العالمية الثانية وما نال الناس خلالها وبعدها من ضيق حازب.

أشياء جديدة

وعلى الصفحة الرابعة والتسعين من كتابها الذي يزيد عن أربعمائة صفحة تبدأ ماري حديثًا متصلا مباشرا عن والدها، فتبدأ بقصة وقعت في مطعم بحي سوهو الصاخب في لندن، حين وقف أبوها ليعلن لامرأة أعجبته قوله بلهجة خطابية ونبرات عالية:

“أرجوك فقط أن تتذكري بأنني أريد الزواج منك الآن وغدًا والشهر القادم والسنة المقبلة”

والغريب أنه كان يخاطب من لم يعرف إلا منذ بضع ساعات. لقد كان هيمنغواي يتصرف كثيرا على نفس الصورة التي يعيرها لأبطال قصصه، بل ربما يمكن القول بأن شعبية أولئك الأبطال كانت نابعة من كونهم رسموا في قصصه يتصرفون كما يفعل هو بطريقته المثيرة. لقد كان هيمنغواي يؤكد ذاته الواضحة وطابعه البارز في كل شيء يكتبه.

الحرب والقسوة

يمتلئ كتاب ماري هيمنغواي بأخبار الحرب والمغامرات والصيد والمبارزات والضربات العنيفة وتموج فيه طيوف آلاف من الأشخاص من بينهم زوجها الثاني الذي كان أشبه شيء بمصارعي الثيران. ويصل المرء من كلام المؤلفة إلى بضع مسلمات بارزة منها أن هيمنغواي كان ينظر إلى الناس كممثلين ناجحين أو فاشلين في آداء مسرحي. كما يعتبر الحياة مجرد حلبة صراع للثيران أو مائدة للقِمار. وتعترف ماري بأنها اندمجت كلية في مدرسة أبيها فصارت تسلك كمجرد ممثلة في مسرحياته العنيفة حيث الصراع والقسوة والليالي الحمراء هي طابع الحياة حتى أزال ذلك عنها المميزات الخاصة لشخصيتها.

القياصرة والأباطرة

 

وحيث أن الكاتبة تدرك اهتمام الناس بحياة هيمنغواي وكل التفاصيل الممكنة عنه فقد جاء كتابها أشبه بمذكرات دوقة غنية في قصر لإمبراطور النمسا أيام الامبراطورية هناك أو في بلاط القياصرة بموسكو، وهذا وصف ليس مبالغًا فيه أبدا، فإن كاتبًا أمريكيا يملك الملايين ويتمتع بشهرة رنّانة ويمارس مغامرات تجارية ومن خلفه حينما توجه طابور من المعجبين والمساعدين ويسلك بانفتاح وصراحة نادرتين، كان عملا أشبه بملوك الروايات الشكسبيرية، وكذلك عاش هيمنغواي بالفعل.

شخصية هيمنغواي

بل هو في حقيقة شخصيته وسلوكه كان تجسيدا تصوره الملك المعزول في قصيدة لبودلير مشهورة، لقد كان يحب المغامرة من كل نوع، وكأنما يمعن في القرار من مواجهة لا يريدها، ويطلق لقبا ساخرًا على كل من يعرف كما كان في الصيد وغيره يتلذذ بذبح الحيوانات بالجملة ويفاخر ببسالته في القتال وفي القِمار والجنس، وذيوع اسمه على كل لسان، وأيام عمره التي يقضيها بين الفنادق الفخمة حينًا أو في بيوت خلوية عزباء أحيانا أخرى. وكان دائمًا يرهب عملاءه الناشرين بطلبه دفع مبالغ مالية خيالية مقدمًا وكانوا يطيعونه كأتباع النبيل الإقطاعي لأنهم كانوا يفيدون من كتبه وانتشارها ورغم أسلوبه الفظ الذي كان يستعمله حتى مع زوجته فقد كان يتراجع عن ذلك كله أحيانا إلى عكسه فيبدو كبحيرة صافية في عز الصيف وينادي زوجته “يا ملكتي العزيزة”

الخطيئة التي أغرقته

ولعل الصورة الحادة لمتناقضات ذلك الرجل القوي الفنان قد تجلت أكثر شيء في خطيئة حياته التي أغرقته، ألا وهي إحساسه المجنون بأن الجميع يطاردونه، وأن الناس أصبحوا إما رجل يتجسس عليه لصالح الإستخبارات الإتحادية أو دوائر الضريبة (ضريبة الدخل طبعا).

ومع ذلك تظل علامات العبقرية وطابع البطولة المأساوي من الخطوط الواضحة في حياته. لا شك أن كتاب ماري هيمنغواي عن أبيها رغم ما يثير من عواطف متناقضة يعتبر عملا أصيلا في صراحته وقوة أسلوبه ويستحق أن يوصى القراء بالعناية به.