هل يسير العالم نحو نهاية حقبة النيوليبرالية؟ – أندري روبير / ترجمة: عبد الخالق مفكير

هل يسير العالم نحو نهاية حقبة النيوليبرالية؟ – أندري روبير / ترجمة: عبد الخالق مفكير


يتعلق الأمر بتحول غاية في التدرج، لكنه مهم جداً في خضم العولمة؛ فقد بدأت السياسة تبسط يدها تدريجيا على الاقتصاد. وبتعبير آخر، ما فتئت الهيمنة النيوليبرالية تسير نحو الزوال، فقد بدأت الشكوك تحوم حول أمور فرضت قبل أربعين سنة، من قبيل التنظيم الذاتي للأسواق والتبادل الحر المطلق واختفاء الدولة. ولا تقتصر هذه الشكوك على الأقوال فقط، بل تتعداها إلى الأفعال. ويمكن قياس ذلك على عدة أصعدة.

يتجلى ذلك بوضوح في إعادة تقييم فوائد اتفاقيات التجارة الحرة في المكان الذي كانت فيه أكثر احتفاء وترحيبا: في الولايات المتحدة الأمريكية. ولم تقتصر الدعوة إلى إعادة تقييم فوائد التجارة الحرة خلال الحملة الانتخابية الأمريكية على الانتقادات القومية اللاذعة التي أطلقها دونالد ترامب أو الانتقادات التي أطلقها اليساري بيرني ساندرز، بل حضرت أيضا تلك الانتقادات خلال تصريحات مسؤولين أمريكيين سابقين كانوا يؤيدون التحرير الشامل للمبادلات التجارية. واعترف لاري سامرز، الذي شغل منصب وزير الدولة في شؤون الخزانة في حكومة بيل كلينتون، في جريدة “نيويرك تايمز” يوم 4 أبريل، أننا “سمحنا للرابحين في العولمة بجني كل الأرباح وترك الفُتات فقط للخاسرين”.

ثمة مؤشر دال آخر، يتمثل في الصعوبات التي تلقاها المفاوضات حول اتفاقية التبادل الحر الشمال أطلسي بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية، والتي يعتقد الجميع أنها لن تتم. وفي أوروبا، لا يعارض اليساريون الراديكاليون أو اليمينيون المتطرفون السياديون وحدهم توقيع الاتفاقية، بل أيضا غالبية الرأي العام، الذي يرى مخاطر إغراق السوق بالبضائع الأمريكية. وفي الولايات المتحدة الأمريكية، رغم تطوع الرئيس الحالي باراك أوباما وسعيه إلى توقيعها قبل نهاية ولايته، ينتقد جميع المرشحين لخلافته الاتفاقية، لهذا ما تنفك حظوظ توقيعها تضعف.

ولكن لا يوجد هذا المنحى المعارض لما كان يشكل أحد المبادئ الأساسية اللبرالية المهيمنة، فثمة أمور أخرى تنحو نحو تقويض تلك المبادئ المقبولة.

وكانت “تسريبات وثائق بنما” الأخيرة حول التهرب الضريبي والطرق التي تلجأ إليها الشركات العالمية لتجنب دفع الضرائب بمثابة صدمة كهربائية. وفي الوقت الذي تعاني كل الدول الكبرى من ارتفاع الديون وتجد نفسها في مواجهة تحديات مالية جديدة مرتبطة بالوضع العالمي بسبب ندرة الموارد، من غير المقبول أن يتهرب أكبر المستفيدين من العولمة من دفع الضرائب القانونية مستعينين بتعتيم الأجهزة المُستخدَمة تحت يافطة حرية الأعمال.

وعلاوة على ذلك، نكتشف أن الاستعمال السيء لهذه الأجهزة نفسها يقود إلى ترسيخ منافسة غير متكافئة ويسمح للشركات متعددة الجنسيات بتكوين قوة مالية لا يمكن مجاراتها، وهو ما يكون أقليات تمتلك الوسائل التي تجعلها تتخلص من جميع أشكال رقابة الدولة عليها، كيفما كان نوع تلك الرقابة. لذلك، نرى بعض من يساندون الليبرالية بدون شرط ويشتكون في الوقت نفسه من ممارساتها ويمدحون من يحارب تلك الممارسات، إذ نجد مقالا نشر في “نيويورك تايمز” يشيد بموقف المفوضة الأوروبية المكلفة بالمنافسة الدنماركية “مارغاريت فيستاغر”، التي هددت “غوغل”، أو “غاسبروم” الروسية بغرامات تصل إلى مئات مليارات الأورو بسبب الشطط في استعمال المركز المهيمن الذي تحظى به .

وبطبيعة الحال، ينبغي أن ننتظر لنرى إن كان هذا المنحى الجديد سيتأكد أم لا. لكن هذه المؤشرات العديدة تدل بما يكفي على أن هناك تغيرا في المواقف، لذلك نجد أنفسنا نتساءل هل نحن بصدد نهاية الحقبة الليبرالية، التي تميزت بالإفراط، وانتصار المصالح الخاصة والانفلات من السيطرة السياسية التي لم تكن إلا التعبير عن الإرادة الديمقراطية في خدمة المصلحة العامة؟..

قبل ثلاثين سنة، أكد الرئيس الأمريكي رونالد ريغان أن “الدولة ليست هي الحل لمشاكلنا، بل الدولة هي المشكل”.. واليوم أجابه جون تيرول، الذي حاز على جائزة نوبل للاقتصاد، قائلا “إن القوانين هي اليد المرئية التي تجعل السوق في خدمة الصالح العام”. وتابع “يجب على الدولة الحديثة تحديد قواعد اللعب والتدخل لمعالجة إخفاقات السوق لا أن تعوضها”.

إن العودة إلى هذا المبدأ الأصلي لليبرالية يقطع الطريق على سراب الراديكالية، التي لا تقود في النهاية -شأنها شأن جميع النزعات المتطرفة- إلا إلى الفشل والفوضى.

 

 

عن جريدة ليكسبريس الفرنسية

error: المحتوى محمي