هل تؤمن باليوتوبيا؟ – هيلويز ليغيتي / ترجمة: أماني سلطان

هل تؤمن باليوتوبيا؟ – هيلويز ليغيتي / ترجمة: أماني سلطان

tKMvgGjG

هيلويز ليغيتي


يقول المخرج السينمائي وودي آلن: «يثيرني المستقبل كثيرًا لأن به قررت أن أقضي باقي أيامي»

لا نستطيع إلا أن نتفق مع هذه الحكمة، فينبغي على الجميع، في أي عمر كانوا، أن يهتموا بمستقبلهم وأن يأخذوا وقتهم الكامل ليسألوا أنفسهم سواء كانوا افرادا أو كمجموعات: ما الذي آمله من المستقبل؟ وكيف أعد نفسي للأفضل؟

الطريقة الأولى من أجل التفكير في المستقبل هي أن نضع السيناريوهات المُحتملة بناء على البيانات الحالية: قطاعات الدولة، التخصصات البارزة، الظواهر الطارئة ومناطق الخطر … هذه هي ماهية تنبؤ المستقبل، والتي تعرف اليوم بإحياء الاهتمام، لا سيما في المجالات السياسية والاجتماعية والديموغرافية.

يستمد المتنبئون شرعيتهم من منهجيتهم، وذلك باستخدام أدوات غاية في الدقة فهم ينشئون مصفوفة من جميع العوامل المتغيرة، ويرسمون السيناريوهات المُحتملة لتشريع كافة الستراتيجيات، غير أن هذه التنبؤات تعتريها بعض القيود كما نوه المحلل السياسي ارييل كولونومس من بين هذه القيود أن الضرائب من الصعب أن تلغى في المستقبل والتاريخ لا يمكن ان يستمر بخط مستقيم، انه يتطور بالمفاجآت والتشعبات والحوادث، دراما كهذه يمكن أن تزيل كافة السيناريوهات والستراتيجيات الموضوعة بمهارة. وغالبا ما تدعوا هذه التنبؤات إلى الحذر، ونادرا ما تدعوا للأمل.

 

تطهير المستقبل:

الطريقة الثانية لاستشراف المستقبل هي بالتماس الخيال. التفكير الطوباوي ليس مصمم على أنه مجموعة من البيانات التي تحتاج الى تفسير وإنما هو مجموعة من الاحتياطات الممكن تصورها. ولما كان من الصعب التأكد من المستقبل وجب علينا ان نضع لتوقعاتنا أفق. هذه الطريقة في التفكير تثير اهتماما متجددا في الفلسفة لأنها تحتوي على الكثير من المزايا.

في المقام الأول يجب علينا إعادة الإتصال مع ما أطلق عليه ارنست بلوخ مبدأ الأمل، هذه الطاقة القوية التي من دونها تفقد الإنسانية وجودها وتهوي إلى الاكتئاب، الاعتقاد بمستقبل أفضل هو الدافع الأول للارتقاء الفردي والجماعي، لذلك فاليوتوبيا دائمًا ذات خصائص جيدة، يطلق عليها تعريف البعد الآخر: هي تفكر في صنع سبل وأنماط حياة بديلة دون تكلف عناء قيود الواقع. لكن التجربة الشمولية علمتنا أن وهم المجتمع المثالي خطر جدا، الكثير من مفكري القرن العشرين أكدوا على خطورة هذا الوهم من ضمنهم بيار أندريه تاغييف.

الإدارة والحكم هما الكلمتان الرئيسيتان منذ التسعينات إلى عام 2000, تشيران إلى عالم يتم به تقليص الفكر الاستباقي الى الحد الأدنى فقط لتجنب اخطار ومفاجآت الغد. هذا لا يحد من انتشار الإصلاح لكن يجب أن يكون ضمن حدود المعقول، الأفكار المتحررة غالبًا ما تكون مهمشة، كما أشار جورج فريدمان إلى أن ايدلوجية النظام العالمي الجديد تشير إلى أن جميع الناس في جميع الأماكن ينتهجون أسلوب حياة متشابه.

 

هل انتهى عصر اليوتوبيا اذن؟ كلا، هذا من شأنه أن يدفن بسرعة كبيرة قوة القدرة البشرية على الحلم بـ”الشيء الآخر” وقدرته على تخيل البدائل استنادًا إلى إمكانيات واقعية  وهو ما يجعل الإنسان هو الكائن الوحيد المميز عن باقي الكائنات الحية. وهذا يذكرنا بالفيلسوف الإسباني دانييل اينيرارتي، والذي ساهم مع آخرين في إعادة إحياء اليوتوبيا، ووفقًا لدانييل، فإن اليوتوبيا تسمح لنا بتسليط الضوء على عيوب الحاضر للتعرف على مثلنا العليا ونشرها دون قيود الإجراءات الكثيرة المعقدة.

اليوتوبيا لا تسعى لتحسين العالم وإنما تسعى إلى تطوير حقيقي للواقع. في منتصف عام 1990صاغ عالم الاجتماع البريطاني أنطوني غيدنز مصطلح “الواقع الطوباوي” وهو تحديد مجموعة من المثل العليا وإحيائها وإعادة صلتها بالفكر المتقدم. اليوتوبيا يجب أن تغذي الأمل الواقعي، وهذا يعني أن تناقش من الناحية التقنية جدوى دمج التناقضات، ووضع خارطة الطريق.

الفيلم الوثائقي (demain) لسيريل ديون وميلاني لورينت الذي نشر في عام 2015 قدم أمثلة على أن باستطاعة الفرد وحده أن يحدث فرقًا، وأن تغيير الفرد لنفسه من شأنه أن يغير العالم، والتغيير لا يتطلب بالضرورة سلطة سياسية. ‎الأفكار الأصلية والفلسفات الاستباقية والمبادرات الملموسة والناشئة في جميع القارات .. جريئة كانت أو متواضعة تطمح لإيجاد طريقة لتغيير العالم باغتنام الفرص لمناقشة التأثير واقتراح بدائل جديدة ومقارنتها للعثور على ذوق للمستقبل.

 

 

error: المحتوى محمي