هرقليطس – موسوعة ستانفورد للفلسفة / ترجمة: محمد خالد مختار

هرقليطس – موسوعة ستانفورد للفلسفة / ترجمة: محمد خالد مختار

حول حلية هرقليطس وأعماله ومنهجة ومبادئه الفلسفية، نص مترجم للـد. دانيال غراهام والمنشور على (موسوعة ستانفورد للفلسفة). ننوه بأن الترجمة هي للنسخة المؤرشفة في الموسوعة على هذا الرابط، والتي قد تختلف قليلًا عن النسخة الدارجة للمقالة، حيث أنه قد يطرأ على الأخيرة بعض التحديث أو التعديل من فينة لأخرى منذ تتمة هذه الترجمة. وختامًا، نخصّ بالشكر محرري موسوعة ستانفورد، وعلى رأسهم د. إدوارد زالتا، على تعاونهم، واعتمادهم للترجمة والنشر على مجلة حكمة. نسخة PDF


فيلسوف يونانيّ من إفسوس (بالقرب من مدينة كوساداسي، في تركيا حاليًّا)، ازدهر في الفترة حوالي 500 ق.م. قدّم هرقليطس نظريّاتٍ فريدة، صاغها بِلغة أشبه بلغة الكهنة. أكثر ما اشتهر به هي آرائه حول التغيّر المستمر للأشياء (السيلان العام)، وأنّ الأضداد متطابقة (وحدة الأضداد)، وأنّ النّار هي الأساسُ الماديّ للعالم. أمّا التفسير الأمثل لهذه الآراء، فإنّه محل خلافٍ ومثار جدل، ولطالما استُنتِج من هذه النظريّات أنّ العالم بالشكل الذي تصوّره هرقليطس، يتحتّم فيه أن تصدُق القضايا المتناقضة.

  1. حياته وأعماله

  2. منهجه

  3. مبادئ فلسفيّة

3.1 السيلان العام <التغيّر المستمرّ>

3.2 وحدة الأضداد

3.3 الأنطولوجيا <الوجود>

  1. الكوزمولوجيا <الكونيّات>

  2. المعرفة

  3. القيم

  4. التأثير

  5. ملحق

أ. الهوامش

ب. بيبلوغرافيا

ب-1. المصادر

ب-2. الدراسات


1. حياته وأعماله

لا نعرف عن حياة هرقليطس سوى شيءٍ قليل، وغالب ما بلغنا عنه عبارةٌ عن قصصٍ، يظهر جليًّا أنّها موضوعةٌ، اختُرعَت لتستَشِفّ شخصيتَه ممّا يظهر في كتاباتِه (Diogenes Laertius 9.1–17). موطنه، إفسوس، كانت مدينة هامّة في أيونيّة -وهي المنطقة التي يسكنها اليونانيّون على سواحل آسيا الصغرى- لكنّها كانت خاضعةً للحكم الفارسيّ في حياة هرقليطس. وفقاً لأحد الروايات، فقد ورِث هرقليطس منصباً سامياً، ولقباً رفيعاً، “ملكُ” الأيونيّين. لكنّه تنازل عنه، وأوعز بمقاليد الحكم إلى شقيقه. يُنظر إليه عادةً على أنّه يفضّل الحكومات الأرستقراطيّة على الديمقراطيّة؛ بناءً على مشاهداته السياسيّة الشخصيّة.

تقع مدينتُه على مقربةٍ من ملطيّة، التي عاش فيها أوّل أولئك المفكّرين، الذين وُسِموا في التقاليد المتأخّرة بالفلاسفة؛ وليس هنالك ما يفيد معرفتَه بأيّ مفكّرٍ ملطيّ (طاليس، أنكسيماندر، أنكسيمانس) أو تلقّيه العلم عنهم، ولم يؤثر عنه أنّه قد سافر أبدًا.

يُقال أنّه قد صنّف كتابًا واحدًا (لُفافةً من ورق البرديّ)، وأودعَه معبد أرطيمس العظيم في إفسوس. والقصة معقولةٌ وقابلةٌ للتّصديق، فلطالما قام المعبدُ بدور المستودع، وأُودِعت فيه الأموال والمقتنيات الثمينة، ولم تُعرف المكتبات في عصر هرقليطس. بنية كتابِ هرقليطس مثيرةُ للجدل. لعلّ كتابه قد تألّف من حجج متّسقة نسبيًّا ومتتابعة. لكنّا نجد في المقابل، أنّ الشذرات Fragments الكثيرة التي بلغتنا عنه (أكثر من مئة) بالكاد تترابط فيما بينها، مع أنّها تشكّل جزءًا ضخماً من مجمل كتابِه. وبالتالي، فمن الممكن، بل هو الأرجح، أنّ الكتابَ أقرب لأن يكون مؤلَّفاً من مجموعةِ عباراتٍ مكثّفة ومُلغِزة Epigrams، أكثر من كونِه سردًا وعرضًا متّصلاً. ولذا فقد يبدو كتابَه في صياغته، أقرب لمَجمَع حِكمٍ وأمثال، كتلك المنسوبة للحكماء السبعة، أكثر من كونه أطروحةً كوزمولوجيّة، كتلك التي ألّفها الملطيّون. يقول ثيوفراسطوس، الذي عرف كتابَ هرقليطس ووقف عليه، الذي يظهر أنّ الكتاب لم يكتمل سوى نِصفه، وأنّه أشبه بخليط فوضويّ، وعزا ذلك إلى سوداويّة مؤلِّفه. ينبئُنا ديوجين اللائِرتي أنّ الكتابَ كان مُقَسّماً (ولم يذكر مَن الذي قسّمَه) إلى ثلاثة أقسام: قسمٌ في الكوزمولوجيا، وقسمٌ في السياسة (والأخلاقيّات)، وآخر في اللاهوت (9.5–6). كلّ هذه المباحث تمّ التطرق لها في شذرات هرقليطس التي بين أيدينا، وبالرغم من ذلك، يعسر تمييز الحدود التي أرساها الكتاب للفصل بين هذه المباحث، إذ يبدو أنّ هرقليطس يرى ترابطاً وتداخلاً عميقاً بين العلوم الطبيعيّة، والشؤون الإنسانيّة، واللاهوت.

وبخلاف غالب الفلاسفة الأوائل، يُنظر إلى هرقليطس عادةً على أنّه مستقلٌّ عن مختلف المدارس الفلسفيّة، وعمّا تلاها لاحقًا من حركات طلّابيّة نَسَبَها الطلاب (في مفارقة تاريخيّة بعض الشيء) إلى القدماء، وقد ألمح هو نفسُه إلى أنّه قد درس دراسةً ذاتيّةً (B101). تباينت حوله أحكام الشُّرّاح وتصنيفاتهم، القدماء منهم والمحدَثين، ماديّ أحاديّ، من فلاسفة الصيرورة والتغيّر، عالم كونيّات طبيعيّة، ميتافيزيقيّ، أم أنه في الأصل مفكّر دينيّ، تجريبيّ، عقلانيّ، أو صوفيّ، مفكرٌّ تقليديّ أم ثوريّ، مطوّر للمنطقِ أم رافضٌ لمبدأ عدم التناقض؛ أوّل فيلسوف حقيقيّ أم مجرّد ظلاميّ معادٍ للفكر. لا شكّ في أنّ حكيم إفسوس سيبقى مثار جدلٍ، يصعب تفسيره، لكنّ العلماء قد حقّقوا تقدّمًا ملحوظًا في فهم عمله وتقديره.

  1. منهجه

استفرغ هرقليطس وسعه، وبذل كلّ جهدٍ ممكنٍ للخروج من أُطُر الفكر المعاصر آنذاك. وبالرغم من تأثّره بعدّة طرق بفكر أسلافه ولغتِهم، بمن فيهم الشاعرين الملحميّين هوميروس وهزيود، وزينوفانيس الشاعرِ الفيلسوف، وهكَتيوس المؤرّخ الآثاريّ، وبالزعيم الدينيّ فيثاغورس، وبالحكيم بِياس البيريِني، وأرخيلوخوس الشاعر، وبالفلاسفة الملطيّين، إلّا أنّه انتقد معظمهم إمّا تصريحاً أو تلميحاً، وشقّ طريقه الخاص. فرفض الموسوعية وسعة الاطّلاع polumathiê  أو حشْدَ المعلومات، باعتبارها “لا تُعلّم الحكمة” (B40). وتعاطى مع شعراء الملاحم كحمقى، ونعت فيثاغورس بالمحتال.

في شذراته، لا ينتقد هرقليطس الملطيّين صراحةً، والأرجح أنّه قد اعتبرَهم الأكثر تقدّميّةً بين المفكّرين السابقين. لكنّه يلوح بنقد أنكسيماندر لعدم تقديره دور الظلم والتنازع في العالم (B80)، في حين أنّه قد أبدى نوع إعجاب بطاليس (B38). يُمكن أن تُرى آراء هرقليطس كتجسيدٍ للنّقود البنيويّة على المبادئ الملطيّة، لكنّه، حتى في تصحيحه للملطيّين قد بنى على أصولهم.

يكمن موضع الاختلاف الأهمّ بين هرقليطس والفلسفة السابقة عليه في تشديده على الشؤون الإنسانيّة. مع استمرار هرقليطس في القول بعددٍ من نظريّات أسلافه الفيزيائيّة والكونيّة، نجده ينقل تركيزه من الكونيّ إلى الحيّز الإنسانيّ. قد ننظر إليه كأوّل إنسانويّ، لولا حقيقة كونه غيرَ محبٍّ للإنسانيّة بشكل كافٍ كما يبدو. إذ يقرّر بوضوحٍ منذ البداية بأنّ أكثر النّاس أغبى من أن يفهموا نظريّته. وقد تكون النظريّات الفلسفيّة المتعلّقة بالإنسان على رأس اهتماماته، لكنّه نخبويّ كأفلاطون، الذي يعتقد أن صفوة القرّاء وحدهم هم القادرون على الاستفادة من تعاليمه. وربّما لهذا السبب، كأفلاطون، لم يدرّس مبادئه الفلسفيّة مباشرةً، إنّما صاغها في شكلٍ أدبيّ ينأى بالمؤلِّف عن القارئ. وعلى أيّة حال، يبدو أنّه لا يعتبر نفسه مؤلِّفاً لفلسفة بقدر ما يعتبر نفسه المتحدث باسم حقيقةٍ مستقلّةٍ:

“من الحكمة ألّا تصغوا إليّ، بل إلى الكلمة (اللوغوس Logos) وأن تُقرّوا بأنّ جميع الأشياء واحدة.” [1] (B50)

يشدّد هرقليطس في التأكيد على أنّ الرسالة ليست من اختراعه، بل هي حقيقة سرمديّة متاحةٌ لكلّ من تنبّه لكيفيّة العالَمِ في ذاته.  “ومع أنّ الكلمة عامّة” يُكمل هرقليطس منبِّهاً ” إلا أنّ معظم النّاس يعيشون وكأنّ لكل واحدٍ فهمه الخاص” (B2). الكلمة (رسالة، سرديّة) موجودة بمعزلٍ عن تعاليم هرقليطس، لكنّه يحاول إبلاغها إلى أتباعه.

غفلة البشر من المواضيع المحوريّة عند هرقليطس، يعلن ذلك في بداية كتابه:

“الكلمة Logos منذ الأزل ويُثبت النّاس عجزهم عن فهمها قبل سماعها، وعند سماعها، كأنّهم يسمعونها لأوّل مرة. ذلك أن الأشياءَ رغم جريانها مطابقة للكلمة، إلّا أنّ الناس يبدون وكأنّهم لا تجربة لهم بالأشياء عندما يصنّفون الأسماء والأفعال، كما أفعل أنا ذلك في تفسير الأشياء وتمييزها حسب طبيعتها وأبيّن كيفيّتها. ومن النّاس من لا يشعرون بما يفعلونه حال اليقظة، تماماً كعدم شعورهم بما يفعلونه وهم نيام.” (B1)

يستهلّ بتنبيه قرّائه إلى أنّ معظمهم لن يفهم رسالته. ويعِدُهم بأن “يميّز الأشياء حسب طبيعتها ويبيّن كيفيّتها”، في زعمٍ أشبه بدعاوى الملطيّين. ومع ذلك فإنّ قرّائه لن يفهموا العالَم من حولهم كما لو كانوا نياماً. وكما تضمر هذه العبارة، فإنّ لدى هرقليطس ما يقوله بشأن العالَم الطبيعيّ في كتابه، لكنّ ما سيقوله عن حالة الإنسان أكثر وأكثر.

وما لا تقلّ أهميةً عن رسالة هرقليطس، هي الصياغة الذي سيبلّغ الرسالة وفقَها لأتباعه. لاحظَ أرسطو أنّه حتّى في الجملة الأولى من الشذرة B1، المقتبسة أعلاه، فإنّ موضع “منذ الأزل” غير واضحٍ: هل هي راجعةٌ لما قبلها أم ما بعدها. راجعة إلى ’الكلمة’ أم إلى ’يُثبت’ (Rhetoric 1407b11–18)؟ وقد اعتَبر ذلك الغموضَ ضعفٌ في تواصل هرقليطس و عِيٌّ وحَصَرٌ. لكنّنا إذا تأمّلنا لغةَ هرقليطس نجد أن ذلك الغموض النحويّ والتركيبيّ ليس مجرّد مصادفة: بل هو أسلوب شائع ومقصود يستعملُه لإثراء مفرداته، ولغمرِها بتعقيد شفهيّ فريدٍ؛ أشبه بذلك المستعملِ في الشعر. يحدّد تشارلز كان (1979: 89) سِمَتين عامّتين لأسلوب هرقليطس، الكثافة اللغويّة والرنين. تتمثّل السمة الأولى في قدرته على حشد معانٍ متعدّدة في لفظة أو عبارة واحدة، وتتمثّل الثانية في قدرته على استخدام تعبير لإثارة تعبيرٍ آخر. ولنأخذ مثالاً بسيطاً:

moroi mezones mezonas moiras lanchanousi.

كلّما كان الموتُ أعظمُ أعظمَ كان الجزاء.ُ [2] (B25)

يستعمل هرقليطس جناساً استهلاليًّا (أربعة كلمات متتاليّة تبدأ بحرف m) وتقابلاً عكسيًّا chiasmus (على نمط أ ب ب أ) ليصل الموت بالجزاء، فالجزء الأخير من الجملة يظهر كصورةِ مِرآويّة للجزء الأول، وفي النطق والإحساس يندمج الجزءان معاً. شذرة أخرى تتألّف من ثلاث كلماتٍ في اليونانيّة:

êthos anthrôpôi daimôn.

أخلاقُ الإنسانِ قرينُه [3] (B119)

الكلمة الثانية <anthrôpôi>، في حالة المفعول غير المباشر In Dative Case لـ “الإنسان”، وتقع بين اسمين لحقيقتين في غاية التباين والاختلاف، (خُلُق <êthos>) و (ألوهيّة <daimôn>). نحويًّا يجوز أن ترتبط <anthrôpôi> بما قبلها أو بما بعدها على التساوي، والظاهر أنّها مقصودة لأن تُفهم مع الطرفين، بحيث يتمّ احتسابها مرّتين. ونظراً لدورها المزدوج، تشكّل هذه الكلمة نوعاً من الغِراء أو الصّمغ النحويّ بين طرفي الجملة المتنافرين، فتوحّد بينهما. في تقاليدهم كان يُنظر إلى القرين <الروح الحارسة> الحسن أو السيّء على أنّهما يشكّلان “حظّ” الشخص. شقيّ dusdaimôn هو أم سعيد eudaimôn، محظوظٌ أم بائس، فهو تحت رحمة إلهِه المطّلِع. لكنّ هرقليطس يحوّل حظّ الشخص إلى نتاج سجاياه، وإلى موقفه الأخلاقيّ، بجعله “الإنسان” هو الرابطة.

ختاماً، يقوم هرقليطس بشحن كلماته بطبقاتٍ من المعنى، ومن التعقيدات التي تَتكشّف بالتبصّر والتأمّل، وتُحلّ كالأحاجي الملغِزة. وكما تشير الجملة الثانية من مقدّمتِه، (B1)، فإنّ كلماته Logoi قد أُعدّت لتُعاش وتُجرّب، لا لتُفهم فحسب، وأنّ أولئك الذين عاشوها بتفاصيلها، هم فقط، من سيدركون رسالته.

  1. مبادئ فلسفيّة

على الرّغم من أنّ كلماته تهدِف إلى توفير التقاءات محسوسة بديلة مع العالم، فإنّا نجد هرقليطس يلتزم ببعض المبادئ المجرّدة التي تحكم العالم. منذ الأزمنة القديمة كان هرقليطس معروفًا بقوله في وحدة الأضداد، وعقيدة السيلان، ورأيه حول كون النّار طبيعةَ كلّ الأشياء ومصدرها. قدّم أفلاطون، في تعليقه على آراء هرقليطس، قراءةً مبكّرةً، وتابعه عليها أرسطو بتردّد، وظلّت مشهورةً إلى يومنا هذا (صقَلَها وأيّدها بشدّة: بارنز Barnes، 1982، الفصل 4). وفقًا لقراءة بارنز، فإنّ هرقليطس ماديّ أحاديّ، أي أنّه يعتقد أنّ كلّ الأشياء هي تغيّرات للنّار. كلّ شيءٍ في تغيّر مستمرّ (أي أنّ “كلّ شيء يتدفق باعتبارٍ ما” 69)، وهذا يستلزم اتّحاد الأضداد (يُفهم هذا كرأيٍ مفاده “كل زوج من النّقائض متّحدان في مكانٍ ما، وكل شيءٍ يجمع على الأقلّ زوجًا من النقائض” 70). وحدة الأضداد، على هذا التفسير، تستلزم تناقضاتٍ، لا يقدر هرقليطس على الفكاكِ منها. تأثّر هرقليطس بالنظريّة الماديّة الأحاديّة السابقة، وبالملاحظات التجريبيّة، التي تنزع إلى تعضيد فكرة السّيلان والتغيّر، ووحدة الأضداد. وفي وقتٍ يسبق تطوّر المنطِق نجد هرقليطس، كما استنتج بارنز، ينتهك مبادئ المنطق، ويجعل المعرفة مستحيلة.

من الواضحٌ أنّ هذه القراءة غير متسامحة مع هرقليطس. كما أنّ هناك أسبابٌ تدعونا لمساءلتها. أوّلًا، بعض آراء هرقليطس لا تتّفق والماديّةَ الواحديّة (سنناقشها لاحقًا)، وعليه فيجب أن يُعاد النظر في خلفيّات نظريّاته وجذورها. ثانيًا، تشير أدلّةٌ إلى أنّ نظريّة هرقليطس في التغيّر أضعف من تلك المنسوبة إليه في هذه القراءة. ثالثًا، هناك أدلّةٌ على أنّ رأيه في وحدة الأضداد أضعف من هذا المنسوب إليه هنا.

3.1 السيلان العام

يبني بارنز قراءته الأفلاطونيّة على نصّ لأفلاطون نفسه:

“هرقليطس، فيما أعلم، يقول بأنّ كل شيء في حركةٍ ولا شيء ساكن، ويقارن الموجودات بمجرى النّهر، ويقول بأنّك لا يمكن أن تنزل مرّتين في نفس النّهر.” (Plato Cratylus 402a = A6)

تقتضي المنهجيّةُ العلميّة المعتَبرة أن نحاول التحقّق من تفسير أفلاطون بالنّظر في أقوال هرقليطس نفسه، إن تأتّى ذلك. لدينا ثلاث “شذراتٍ نهريّة” مزعومة:

B12. potamoisi toisin autoisin embainousin hetera kai hetera hudata epirrei.

الجموع التي تنزل إلى الأنهار الباقية على حالها، تنساب عليها مياه متجّددة (يوسابيوس، عن آريوس دِيدَيموس، عن كليانثس)

B49a. potamois tois autois …

إنّا ننزل ولا ننزل إلى نفس الأنهار، إنّا نكون ولا نكون (هرقليطس الهومري)

B91[a]. potamôi … tôi autôi …

لا يمكن أن تنزل نفسَ النهر مرتين وفقًا لهرقليطس، أو أن تتّصل بشيءٍ فانٍ مرتين ويكون باقٍ على نفسه حالته (فلوطرخس)

من بين ما سبق، وحدها الشذرة الأول اتّسمت بالكثافة اللغويّة التي تميّز كلمات هرقليطس. ابتدأت الشذر الثانية بنفس الكلمات الثلاث، لكنّها كُتبت باللهجة الأتيكيّة، لا بلهجة هرقليطس الأيونيّة، وليس لشِقّها الثاني أيّ ارتباطٌ نحويّ بالشقّ الأوّل. والثالثة كما هو جليٌّ، نصٌّ أُعيدت صياغته، أورده مؤلّفٌ اشتهر بأنّه يكتب من حفظه بدلًا من أن يقتبس من الكتب مباشرة. ومع أنّها ابتدأت في اليونانية بكلمة “نهر” لكنّها وردت بصيغة المفرد وليس الجمع. ليس هناك ما يثبت أنّ تكرار العباراتِ المختلفة يشكّل جزءًا من أسلوب هرقليطس (كما هي الحال عند أمباذوقليس). البدء بكلمة “نهر/أنهار” يخالف الأسلوب المعتاد للكتابة اليونانيّة النثريّة، وبناءً على الفرضية المعقولة، في أنّ كلّ المصادر تسعى لمحاكاة هرقليطس، الذي لا يكرّر أقواله، فهذا سيقودنا لاختيار B12 باعتبارها الشذرة النهريّة الوحيدة، والاقتباس الحقيقيّ الوحيد من كتاب هرقليطس. وهذا ما انتهى إليه كيرك (1954)، وماركوفيتش (1967)، بناء على تأويلٍ أقدم يعود إلى راينهارت (1916). وثبوت صحّة B12 تشير إليه تلك السّمات المشتركة بينها وبين الشذرات الهرقليطيّة: الغموض النّحوي (toisin autoisin “الباقية على حالها” [في حالة مفعولية غير مباشرة] يمكن أن تعود إمّا على “الأنهار” [الأنهار باقيةٌ على حالها] أو على “الجموع التي تنزل” [“الجموع باقيةٌ على حالها”]، أي يجوز أن تتّصل بما قبلها أو بما بعدها) والتقابل chiasmus، والتّصوير الصوتي (تصدر العبارة الأولى صوت خرير الماء؛ لما فيها من إدغام للمدود وصفير) والقافية، والجناس0[4]

إذا قبلنا B12 على أنّها الصحيحة، فإنّها ستُقصي الشذرتين الأُخريين المزعومتين. الرابطة النظريّة الأهم في الجملة هي تلك التي بين “الأنهار الباقية على حالها” و”مياه متجدّدة”. الشذرة (B12) من بين أشياءٍ أخرى، هي تصريحٌ بائتلاف الأضداد ووحدتها. لكنّها مع ذلك تعتبر الأنهار باقيةً كما هي. هذه العبارة في ظاهرها منطوية على مفارقة، لكن ليس هناك سبب يوجب اعتبارها خاطئةً أو متناقضة. بل إنّها مفهومة تمامًا: نحن نسمّي ذلك المسطّح المائي نهرًا بالتحديد لأنّه يتكوّن من مياه متغيّرة، فإن انقطع جريان الماء فيه فلن يكون نهرًا، إنما بحيرةً أو مجرى جافًّا. يُشعرنا ذلك بأنّ النّهر نوعٌ استثنائيّ من الموجودات وأنّه جدير بالملاحظة، إذ أنّه يبقى على حاله بتغيير محتوياته (قارِن Hume Treatise 1.4.6, p. 258 Selby-Bigge). يستمدّ هرقليطس فكرةً عميقة من مشاهدةٍ يوميّة. علاوةً على ذلك، فإنّ عبارته تحتمل قراءةً أخرى، نظرًا لغموض الشقّ الأوّل: على نفس الناس الذين ينزلون إلى النهر، تنساب مياه متجدّدة. وعلى هذه القراءة، الناس هم الباقون على حالهم، بعكس المياه المتغيّرة، فكأنّ البقاء في محيطٍ متدفّق؛ يُسهِم في إبقاء الذّات المدرِكة على حالها. (انظر Kahn 1979). وعلى النقيض من ذلك، نجد B49a تدحض الزعم القائل بأنّ بإمكان الشخص أن ينزل إلى نفس الأنهار (وتؤكّد ذلك الزعم أيضًا)، و B91[a]، تنكر إمكان أن ينزل شخصٌ إلى النهر مرتين، كما ذكر أفلاطون في محاورة كراتيلوس Cratylus. ومع ذلك، فإن بقيت الأنهار على حالها، فيمكن للمرء بكل تأكيد أن ينزل إليها مرّتين، ليس في نفس المياه، بالتأكيد، إنّما في نفس الأنهار. وعليه فإن هاتين الشذرتين تعارضان الشذرة الثابتة الصحيحة.

ولقد تمكّن ماركوفيتش (1967) من إظهار أنّ سوء فهم B12 قد يفضي بنا إلى تفسيرٍ كذلكَ المتمثّلِ في A6 وB91[a]. ومن الممكن أنّ نعتبر كراتيلوس، وهو أحد أتباع هرقليطس المتأخّرين، يؤيّد هذه القراءة المغرِضة، ثمّ يضيف عبارته الشهيرة في تعذّر أن ينزل شخص إلى النهر ولو مرّة واحد (مع أنّ هذه القراءة قد ترجع قبله إلى هيبياس: Mansfeld 1990: 43–55). وبما أنّ المظنون بأفلاطون أنّه قد استمع لبعض محاضرات كراتيلوس، فلعلّه إذًا قد استمدّ فهمَه من نقد كراتيلوس.

إن صحّ هذا التأويل، فإن فحوى شذرة النهر الوحيدة، B12، ليس أنّ: كلّ الأشياء في حالة تغيّر، بحيث أنّا لا نقدر على ملاقاتها مرّتين، لكنّها ترمي لأمرٍ أدقّ من ذلك وأعمق. وهو أنّ بعض الأشياء لا تبقى على حالها إلّا بالتغيّر. أي أنّ واقعًا مادّياً طويل الأجلِ، سيوجد بمقتضى التغيّر الثابت في مادّته التي ترَكّب منها. وليس التغيّر والثبات في هذا الموضع متناقضين، بل إنّ الصلة بينهما وثيقة للغاية. ويمكن أن يُفهم جسم الإنسان بنفس هذه الطريقة تمامًا، فالعيْش والاستمرار في الحياة يتمّ بسبب أنّ الأيض ثابت، كما فهم ذلك أرسطو -مثلًا- فيما بعد. في هذه القراءة، هرقليطس مؤمن بالتغيّر، لكن ليس بطريقة تهدم الثبات، وإنما -في صورة تبدو عليها المفارقة- كشرطٍ ضروريّ للثبات، على الأقلّ في بعض الحالات (وربّما في كلّ الحالات). وبشكلٍ عام، أو في بعض الحالات النّموذجية على الأقلّ، نجد أنّ بنية المستويات العليا تتبع التغيّر المادّي للمستويات الدنيا. لا يزال للقراءة الأفلاطونيّة مؤيّدين (Tarán 1999 مثلًا)، لكنّها لم تعُد القراءة الوحيدة لهرقليطس التّي يؤيّدها العلماء.

3.2 وحدة الأضداد

عقيدة التغيّر عند هرقليطس، وهي حالة خاصّة من وحدة الأضداد، تشير إلى الطرق التي تكون بها الأشياء هي عينُها وغيرُها بمرور الوقت. نجده يصوّر ضدّين أساسيّين مترابطين، لكنّهما غير متطابقين. يوضّح هرقليطس كيف أنّ لبعض الأشياء صفاتٌ متضادّة:

“أنقى المياه وأنجسها ماءُ البحر، يشربه السّمك فيحيا به، ولا يمكن أن يشربه الإنسان؛ بل لو شربه هلك”. (B61)

يعتقد بارنز أنّ هرقليطس استمدّ اعتقاده حول الوحدة العامّة للنقائض من خلال اسقاطه لِكَيْفِ القضيّة بصورة مضلِّلة ومغالطيّة (مثل: “بالنسبة للسمك” و”بالنسبة للإنسان”). لكن (B61) تُظهر أنّه مدرِكٌ لها تمامًا، بل ربّما يحسُن القول أنّه يضمِر فهمها وإن لم ينطق بذلك، عندما يقول:

“المجموعات: كلٌّ وليست كلٌّ، مُجمَّعة، مفرَّقة، تُغنّى معًا، تُغنّى فُرادى، واحدٌ من كلّ شيءٍ ومن واحدٍ كلّ شيءٍ.” (B10)

هرقليطس لا يناقض نفسَه. هناك سياقاتٌ ملائمة تمامًا، يصدُقُ فيها كلّ ما يقوله هرقليطس. بإمكان أحدنا أن يفرّق مجموعةً إلى أجزائها، أو أن يجمعَ أجزائَها إلى كلٍّ موحَّد.

وبنحوٍ أوضح، يبيّن هرقليطس، كيفيّة ترابط النقائض:

“يوجد فينا، كشيءٍ واحدٍ: موت وحياة، يقظة ونوم، شباب وشَيبة، فما تحوّل من الأولى أصبح الأخيرة، ومن الأخيرةِ أصبح الأولى”. (B88)

الصفات المتناقضة توجد فينا “كشيءٍ واحدٍ”. لكنّها الشيء عينه، من حيث أنّ أحدها يتحوّل إلى الآخر. نكون نيامًا فنستيقظ، ونكون مستيقظين فنخلُد إلى النّوم. وهكذا نجد فينا كلًّا من النوم واليقظة، لكن ليس في نفس الوقت، ولا من نفس الجهة والحيثيّة. بل لو كان النوم واليقظة متطابقين، فلن يحدث تغيّرٌ كما تقرّر الجملة الثانية. النقائض متطابقة من حيث كونها تشكّل نسقًا من الترابطات: حيّ-ميّت، مستيقظ-نائم، شاب-شائب. فالصّفات المتنافرة لا تقوم بالذّات في الوقت نفسِه، بل في أوقاتٍ مختلفة.

في العموم، ما نراه عند هرقليطس ليس تداخلًا بين الأضداد إلى حدّ التماهي والتطابق، إنّما هي سلسلة من التحليلات الدّقيقة تكشف الترابطيّة بين الأحوال المتناقضة في الحياة والعالم. فليست هناك حاجةٌ لأن ننسب إليه مغالطةً منطقيّة إذًا. الأضداد حقيقة واقعة، وترابطها واقع، لكنّ الأضداد المتلازمة ليست متماهية.

3.3 الأنطولوجيا

النظرة الشائعة لأنطولوجيا هرقليطس منذ أرسطو هي أنّه ماديّ أحاديّ يعتقد أنّ النار هي الحقيقة المطلقة، وكلّ شيءٍ هو مجرّد تمظهر للنّار. ووفقًا لأرسطو فإنّ الملطيّين في الجملة كانوا ماديّين أحاديّين، أيّدوا القول بمادّة أساسيّة: طاليس الماء، أنكسيماندر اللامحدود، أنكسيمانس الهواء (Metaphysics 983b6–984a8). وبالتالي فإن نظريّة هرقليطس ليست سوى صياغة أخرى لفكرةٍ سابقة شائعة. هناك إشكالات في فهم أرسطو للملطيّين: يفتقر أرسطو إلى أيّ إثباتٍ نصيّ حول رأي طاليس، فتعيّن أنّه أعاد تشكيله من لا شيء تقريبًا، نجده أحيانًا يتعاطى مع أنكسيماندر باعتباره تعدّديًّا كأنكساغوراس الذي اعتبر اللامحدود خليطًا من الصفات؛ أمّا أنكسيمانس، فيُمثّل في الغالب الماديّةَ الأحاديّةَ، لكنّ أفلاطون يقرأه على أنّه تعدّدي (Timaeus 39 with Graham 2003b; Graham 2003a). في حالة هرقليطس، نجد عباراتِه تجعل من الواحديّة الماديّة كتفسير أمرًا مشكِلًا. وفقًا للماديّة الأحاديّة، فإن نوعًا من المادة هو الحقيقة الأساسيّة، وأيّ اختلافٍ في العالم يتألّف من محض تغيّر نوعيّ، أو ربّما كمّيّ، في تلك المادّة؛ لأنه لا وجود سوى لحقيقة واحدة، النّار مثلًا، ولا يمكن لهذه الحقيقة أن تصير إلى وجود أو عدم، وإنّما تتغيّر في مظاهرها فقط. بَيْد أنّ هرقليطس يقول بنوع جذريّ من التغيّر:

“موت الأنفسِ أن تصبح ماءً، وموت الماءِ أن يصبح أرضًا، لكنّ الماء يولد من الأرض، والنفس من الماء”. (B36)

(يبدو أنّ النّفس قد حلّت محلَّ النار في هذا الموضع.) الموت والولادة، هذه اللغة المستخدمة في عالم الكائنات الحيّة، هي تحديدًا اللغة المستخدمة في الميتافيزيقيّات اليونانيّة للوجود والانعدام. وتوحي هذه اللغة بتحوّل جذريّ يحيل استمراريّة الماهيّة (قارِن B76, B62). في الواقع، لا يتأتّى لقارئي هرقليطس أن يُثبتوا كِلا الأمرين: لا يمكن أن يكون هرقليطس مؤمنًا بالتغيّر الجذريّ المستمرّ (تغيّر كلّ شيءٍ إلى كلّ شيءٍ آخر: النّار إلى الماء، الماء إلى الأرض، وهكذا) وأن يكون مؤيّدًا للواحديّة. لأنّه بالضّرورة إمّا أن يعتقد بتغيّراتٍ هي محض وهم، أو في أحسن الأحوال بنوعٍ محدودٍ من التغيّرات، وإما أنّه بالضرورة تعدّديّ.

تظلّ هناك صعوبةٌ أخرى فيما يتعلّق بالقراءة الواحديّة. في أحاديّته المزعومة، النّار هي الحقيقة الأساسيّة. لكنّ النار (كما تصوّرها القدماء) هي الأقلّ كثافةً والأكثر تخلخلًا بين العناصر. ما يجعلها رمزًا أفضل للتغيّر لا للدائميّة. وبعض الاتّجاهات المنسوبة للأحاديّة الماديّة تقدّم نوعًا أساسيًّا من المادّة يمكن أن يكون ثابتًا ومستقرًّا لفترات زمنيّة طويلة، لكنّ النّار في المقابل تُظهر “الحاجة والإشباع” (B65)، حالةً من الاستهلاك المستمرّ، التي لا تتمّ إلا بتبديد الوقود. أليس اختيارُ هرقليطس نفسُه لحقيقةٍ أساسيّة يعد مفارقةً؟ في أفضل الأحوال، يبدو أنّ انجذابه إلى النار قد اعتمد على الأحاديّة الماديّة بطريقة تهدف إلى ما وراء النظرية، إلى موقفٍ يقرّر أنّ عمليّة التغيّر أكثر واقعيّة من المادّة الخاضعة للتغيّر.

  1. الكوزمولوجيا

مع أنّ هرقليطس أكثر من عالم كونيّات، إلّا أنّه قد قدّم أطروحةً كوزمولوجيّة. نجد عبارته الأهمّ والأكثر جوهريّة حول الكونيّات في الشذرة B30:

“نظام العالم هذا [kosmos]، واحدٌ للجميع، لم يخلقه إله ولا بشر، لكنّه لم يزل منذ الأزل، ولا يزال، وسيظلّ إلى الأبد: نارٌ خالدة، تضطرم بحسبان، وتخبو بحسبان.”

في هذا المقطع، نجده يستخدم، لأول مرّةٍ في النصوص اليونانيّة التي بين أيدينا، كلمة kosmos “النّظام”، لتعني شيئًا كـ “العالم”. يربط بين النار والعالم، لكنّه يسترسل فيحدّد مقادير النيران التي تضطرم وتخمد. ومع أنّ المصادر القديمة، بما فيها أرسطو (On the Heavens 279b12–17)، وكذا الرواقيّين، تَنسبُ إلى هرقليطس القول بعالمٍ تُدمّره النيران فيولد من جديد، بشكلٍ دوري، إلّا أنّ العبارة السابقة تبدو مناقضة لهذه النّظرة، كما لاحظ هيجل بالفعل. إذا كان العالم موجودًا أبدًا، وهو الآن كائن، وسيظلّ كذلك، فهذا يعني أنّه لا ينعدم ويعود فيوجد، وإن كانت أجزاءً منه (كميّاتٍ من النار) تتغيّر باستمرار.

يصف هرقليطس تحولات العناصر والأجسام الأولية قائلًا:

وهذه هي الصّور التي تتحوّل إليها النّار: أولًّا البحر، ثمّ نصف البحر أرضٌ، ونصفه الآخر أعاصير. (B31[a])

وتصبح الأرض بحرًا، وذلك طبقًا لنفس المقادير التي كان عليها قبل أن يتحوّل إلى أرض. (B31[b])

تتحوّل النار إلى ماء (“بحر”)، ثم تتحوّل نصف تلك الكميّة إلى أرض ونصفها الآخر إلى إعصار مشتعل (prêstêr نوع من الأعاصير الناريّة). تعود الكميّة التي استحالت أرضًا، لتصبح ماءً، بنفس الكميّة التي كانت عليها من قبل. هنا يتصوّر هرقليطس شبهَ قانونٍ يحكم تحوّل الأشياء من نار إلى ماءٍ إلى أرض؛ وهو أنّ التحول قابل للانعكاس، مع احتفاظه بنفس الكميّات النسبيّة للأشياء. لدينا إذن، نوع من حفظ المادّة، أو على الأقل كميّة إجمالية للمادّة. ما سيبقي العالم مستمرًّا إذًا، هو أنّه إذا تحوّل مقدارٌ من النار إلى ماءٍ، فإنّ كميّة مكافئة من الماء تستحيلُ نارًا. التوازن الكليّ باقٍ محفوظ، وإن كانت مياه البحر الآن، ليست عين مياهه فيما سبق. هذه الصورة شبيهة بمثال النّهر، والذي يبقى على حاله رغم تغيّر محتوياته الماديّة.

في هذه النظرة للعالم، ليست هذه التحوّلات التبادليّة للمادّة مجرّد سمة عرضيّة، بل هي في صميم جوهر الطبيعة. بدون التغيّر، ما كان للعالم أن يوجد. يبدو أنّ هرقليطس يُقرّ بذلك في امتداحه للحرب والتنازع:

“يجب أن نعرف أنّ الحرب عامّة لكلّ شيء، وأنّ التنازعَ عدلٌ، وأن جميع الأشياء تكون وتفسد بالتنازع والضرورة.” (B80)

“الحرب، ملك كلّ الأشياء وأبوها، هي التي جعلت بعض الأشياء آلهة، وبعضها الآخر بشرًا، بعضها أحرارًا، وبعضها عبيدًا.” (B53)

قوى الأضداد المتنازعة بما فيها تلك التي في العناصر الماديّة، تجعل من العالم وتنوّعاته أمرًا ممكنًا؛ وبغير ذلك الصراع لما كان لدينا سوى وِحدةٌ هامدة، لم تدب فيها الحياة. في الفقرة السابقة، ربّما كان هرقليطس ينتقد أنكسيماندر لاعتقاده أنّ العدالة الكونيّة تقتضي معاقبة تلك السلطات التي تتعدّى حدودها (Anaximander B1). ليست العدالة إذًا تقويمًا للتفريط وإصلاحًا للتجاوزات، بل هي نمط كامل من هيمنةِ ضدٍّ، تتبعها هيمنةُ الضدّ الآخر.

ومع ذلك، فهناك قوّة توجّه العالم:

البرق يوجّه كلّ شيءٍ. (B64)

الشعاع الملتهِب للبرق يمثّل رمزًا لاتّجاه العالم. ولعلّ أنكسيماندر قد استخدم مثال قبطان الكون من قبل (Kahn 1960: 238). يربطها هرقليطس بالبرق، والبرق في ذاته صفة لزيوس، إله العاصفة. والتغيّرات التي تُحدثها النارُ وترمز إليها، تحكم العالم. ويمكن أن نعيّن تلك القوة التي تحكم بأنّها زيوس، ولكن بطريقة غير مباشرة: “الحكيم واحدٌ فقط، يرغب أن يُسمّى زيوس، ولا يرغب” (B32). والكلمة المستخدمة لـ “زيوس” في هذا الموضع يمكن أن تعني “الحياة”. وكالملطيّين، يربط هرقليطس القوّةَ الحاكمة للكون بالأُلوهيّة، لكنّ تصوّره للألوهيّة (كالملطيّين أيضًا) ليس تقليديًّا.

قدّم هرقليطس نوعًا من المناقشة حول الظاهرة المناخيّة والفلكيّة. درس اختفاء القمر ومعاودته للظهور في نهاية الشهر ومطلعه (Oxyrhynchus Papyri LIII 3710 ii. 43–47 and iii. 7–11 – الدليل الأوضح على أنّ هرقليطس كان له اهتمامٌ علميّ بالفلك). فقد اعتبر الشمس والقمر أوعيةً تملؤها النيران. فإن استدار وعاء القمر، تسبّب ذلك بحصول أطوار القمر. ويحدث الكسوف والخسوف نتيجةً لاستدارة الجانب المحدّب من تلك الأوعية ليواجه الأرض. ليس في حوزتنا أقوالٌ تفيد رأيه حول الأرض نفسها، لكن لنا أن نفترض أنّه، كأسلافه، اعتقد أنّها مسطّحة. ويظهر أنّ الأبخرة المتصاعدة من البحر والأرض كانت بمثابة وقود للأجسام السماويّة، التي اشتعلت كمصابيح زيتيّة.

تتجّلى القوّة الإلهيّة في كلّ الظواهر: “الإله هو النّهار والليل، الشّتاء والصيف، الحرب والسّلم، الشبع والجوع، ولكنّه يتغيّر كما النّار إذا ما امتزجت بالبخور، سمّيت وفقا لرائحة النوع الذي امتزجت به” (B67). يبدو أنّ هرقليطس يؤكّد مجدّدًا على وحدة القدرة الإلهيّة، وإن نَسَب إليها الناس أسماءً وصفاتٍ مختلفة. وكلّ ما يحدث فهو خير، لكنّ الناس لا يرونه كذلك: “كلّ شيءٍ بالنسبة للإله خيرٌ وإنصافٌ وعدلٌ، لكنّ الناس يعدّون بعض الأشياء ظلمًا، وبعضها عدلًا” (B112). لا يحاول هرقليطس تقديم ثيوديسيا <نظريّة في العدل الإلهيّ> تفصيليّة، لكنّه يسعى لرؤية كلّ شيءٍ sub specie aeternitatis <وتعني تقريبًا: من منظور كليّ أو إلهيّ> يكون فيه الصّراع (بما فيه الصراع الإنسانيّ ربّما) محرّكًا للعالم (B80، المذكورة أعلاه).

  1. المعرفة

يعتقد أفلاطون أنّ المعرفة بالنسبة لهرقليطس قد صارت مستحيلةً بسبب التغيّر المستمر للأشياء المحسوسة. مع ذلك، فإنّ هرقليطس لا ينكر المعرفة ولا الحكمة النابعة من فهم قويمٍ للعالم. ومن المؤكّد أنّه يعتقد أنّ غالبيّة الناس ليسوا مخوّلين لبلوغ الحكمة. الفهم سلعةٌ نادرة وثمينة، لم ينلها معظم الحكماء المشهورين حتّى (B28[a]). لكنّ الحكمة تظلّ ممكنةً، مجسّدةٌ في رسالة هرقليطس، لأولئك الذين تفطّنوا لها.

ويبدو أن هرقليطس يقبل دليل الحواس باعتباره ذو قيمة ما: “إنّي لأمتدح كثيراً ما يُرى، ويُسمع، ويُجرّب” (B55). والبصر أفضل الحواس: “العينُ أصدق شهادةً من الأذنِ” (B101a). لكنّه، على النّقيض من أولئك الذين يرون المعرفة كحشدٍ للمعلومات، أو يرون أنّ الحكمة مجموعةُ حكمٍ وأمثال، فإنّ ما يطلبه هرقليطس أكثر بكثير من مجرّد الحسّ والذاكرة:

“كثرة الحفظ لا تعلّم الحكمة، وإلا لتعلّم هزيود وفيثاغورس، وكذلك زينوفانيس وهيكاتيوس”. (B40)

في هذه العبارة، يقيّم هرقليطس أكابر المفكّرين في أيّامه، الأحياء منهم (الثلاثة الأوائل) والأموات، فيما يتعلّق بالمعارف الدينيّة والدنيويّة، وخَلَص إلى افتقارِ جميعِهم إليها. إنّهم يبذلون جهدًا بالغًا في جمع المعلومات ولا يبذلون جهدًا كافيًا لإدراك معانيها. “ماذا لديهم [أي الناس] من عقلٍ وحكمة؟” يتساءل هرقليطس. “إنّهم يتّبعون الشعراء ويقتدون بالطّغام، وما علموا أنّ الأكثريّة خسيسةٌ، وأنّ الأقليّة نفيسةٌ” (B104). ويخصّ هزيود بالنقد قائلًا: “هزيود معلّم العامّة؛ -الذين اعتقدوا أنّه حاز معارف كثيرة- لم يفهم الليل والنهار: إذ أنّهما شيءٌ واحد” (B57). يتعاطى هزيود في أساطيره مع الليل والنهار كما لو كانا شخصين، يتناوبان على السفر خارج البلاد، فيما يبقى أحدُهما في الوطن. لكنّ هذه النّظرة تقصُر عن إدراك الترابط والتداخل بين الليل والنهار، وتزيّف الواقع. وينتقد هرقليطس كلًّا من هوميروس، وفيثاغورس، وأرخيلوخوس على نقائِصهم ومثالبهم.

وبشكلٍ عام، نجده يقرّر أنّ الناس لا يتعلّمون ما ينبغي تعلّمه: “لا يفهم الكثير من الناس هذه الأمور التي تقع أعينهم عليها، ولا يلحظونها حين يتعلمونها، وإن هم ظنّوا غير ذلك” (B17). بل إنّهم لا يُقلِّبون النّظر في المعلومات التي يتلقّونها: “سمعوا ولم يعوا، إنّهم كالصمّ، وينطبق عليهم المَثَل: في حضورهم غائبون” (B34). يشرح هرقليطس ذلك بقوله: “عيونُ وآذان ذوو النفوسِ البربريّة؛ شهودٌ سيّئة للإنسان” (B107). والبربريّ كانت تطلق على غير اليونانيّ، فكما أنّ الأجنبيّ ينصت للكلمات اليونانيّة دون أن يعي معانيها، فكذا أغلب الناس يلاحظون العالم من حولهم دون فهمه. الإدراك الحسّي ضروري للمعرفة، لكنّه غير كافٍ؛ إذ بدون القدرة على استخلاص المعلومات من الأحاسيس، يتعذّر على الإنسان فهم العالم.

بناءً على ذلك، فما مدى إمكانيّة تعلّم أسرار العالم؟ ليس هرقليطس متشائمًا تمامًا بشأن قدرات البشر الإدراكيّة: “لكلّ امرئٍ حظّه من معرفة الذّات، ومن التفكير القويم” (B116). ما نحتاجه إذًا، ليس مزيدًا من الخبرات الحسيّة، ولا مزيدًا من المعلومات، بل طريقة محسّنة لفهم الرسالة (اللوغوس) التي يقدّمها العالم. في هذا السياق، بدأت طريقته الغريبة في التعبير تبدو معقولةً. هو يقدّم أفكاره في شكل أُحجياتٍ، وألغازٍ، وتلميحات aperçus. كثيرٌ منها يحتمل تأويلين أو أكثر، ويتضمّن أفكارًا مخفيّة. ولفهمِها، يجب على القارئ أن يستوعب تعقيداتها، ومن ثمّ يكتشفَ وحدتها. تُعتبر قراءةُ هرقليطس بشكلٍ ملائم تجربةً إدراكيّة ثريّة وخصبة، كما ألمح هو في مقدّمته (B1).

كثيرًا ما يقدّم هرقليطس أمثلةً وتشبيهاتٍ بسيطة ومحسوسة لها أثَرها على فهمنا للعالم: نهر، قوس، طريق. ولا ينطق هرقليطس في العادة بتعميماتٍ ولا يستنبط نتائجاً. وإنما يمكن أن يُعتبر منهجه استقرائيًّا: فيضرب مثالًا يوحي بمبادئ عامّة. وبخلاف أكثر الفلاسفة، فإنّه يتحدّى شقّ الدماغ الأيمن بدلًا من الأيسر. ولا نجده يعلّم بطريقة تقليديّة، بل يُمِدّ قُرّاءَه بأدوات الفهم، ثم يتركهم ليعلّموا أنفسهم. نراه يستشهد، موافقًا، بنموذجٍ للتوجيهات الدينيّة:

“إنّ الإلهَ، الذي كهنتُه في دِلفي، لا يُبدي، ولا يُخفي، إنّما يعطي رمزًا”. (B93)

عبارات الكهنة الدِلفيّين الغامضة لا تعطي أجوبةً مباشرة، إنّما تضطر الناسَ إلى تأويلها. وكذا حقائق هرقليطس تتجلّى للقارئ اليقِظ كاكتشافاتٍ ناتجة عن حلّ أُحجية.

  1. القيمة

غرض هرقليطس من مقاربته غير المعتادة هذه، هو إخراج قرّاءٍ لهم فهمٌ مناسب للعالم ولموقعهم فيه. ” التفكير القويم أعظمُ الفضائل، والحكمة: قولُ الحقّ، والعمل وفقَ فهم طبيعة الأشياء ” (B112). ولن ينتُج هذا الفهم إلّا عن قدرةٍ على تفسير لغة الطبيعة. والتفكير السليم يتيح للمرءِ أن يتصرّف بطريقة متناغمة.

يحثّ هرقليطس على الاعتدال وضبط النفس بأسلوبٍ تقليديّ إلى حدٍّ ما (B85، B43). كما أنّه يستحسن الغاية اليونانيّة التقليديّة من طلب الشهرة: “وحتّى أفضل هؤلاء يُؤثرون شيئًا واحدًا على كلّ ما عداه: المجد الخالد بين البشر الفانين، وينساق الباقون كالأغنام” (B29).

الموت في المعركة موتٌ أسمى (B24). أولئك الذين يعاقرون الخمر بشراهة يجعلون أرواحهم رطبة، وبالتالي يضرّونها (B117)، لأن الروح الصحيّة جافة (B118). أولئك الذين ماتوا ميتةً أفضل، سينالون جزاءً أفضل (B25). وأولئك الذين يكذبون سيعاقبون (B28 [b]). و”عندما يموت الإنسان يجد أشياءً لم يكن يتوقّعها ولو في الأحلام” (B27). بعض هذه العبارات تميل إلى الإيحاء بوجود حياة آخرة فيها ثوابٌ وعقاب، رغم أنّ اعتقاده بوجودٍ مستمرٍّ؛ محلّ خِلاف (انظر Nussbaum 1972). وبأيّ حال، يعتبر هرقليطس الروح بمثابة المركز الأخلاقيّ والمعرفيّ للتجربة الإنسانيّة.

وعلى صعيد النظريّة السياسيّة، يقرّر أنّ رجلاً صالحاً واحداً، خيرٌ من عشرة آلافِ رجلٍ من عامّة الناس (B49). ونجده ينتقد أقرانه المواطنين لنفيِهم   قائداً متميّزاً:

“يحسُن بأهل إفسوس أن يشنقوا أنفسهم، كلّ رجلٍ بالغٍ منهم، وأن يتنازلوا عن مدينتهم للأطفال؛ لأنهم نفوا هرمودورس، أفضل رجالِ المدينة، قائلين: لن نستبقي أحدًا من الفضلاء، فإن وُجِد، فليذهب إلى مكانٍ آخر بين أُناسٍ آخرين”. (B121)

واضحٌ أنه يثق في القلّة، ويرتاب بشأن الأكثريّة. ويرى القوانين القويمة كانعكاساتٍ للمبادئ الكونيّة:

“إذا تكلّم النّاس بالعقل، فيجب أن يتمسّكوا بما هو مشترك بين الجميع، كما تتمسّك المدينة بالقانون، بل يجب أن يكون تمسّكهم أشدّ. لأنّ جميع قوانين البشر مستمدّةٌ من قانون واحدٍ، إلهيٍّ، يحكم كما يشاء، ويشمل كلّ شيءٍ، بل أكثر”. (B114)

وعلى الأرجح فإنّ القانون الإلهيّ، في نظر هرقليطس، متّصل ببقيّة القوانين التي تحكم الكون، والتي تحافظ على العدل وتقِيمه عن طريق الأضداد والنقائض (B80).

  1. التأثير

على الرغم من أنّ هرقليطس لم يؤثر عنه جلوسَه للتدريس واتّخاذه طلّاباً، فإنّ كتاباته لم تزل مؤثرة منذ مرحلةٍ مبكّرةٍ كما يظهر. ولعلّه استفزّ بارمنيدس ليطوّر فلسفة مناقِضة (Patin 1899; Graham 2002)، مع أنّ مواطن الاتّفاق بينهما في آرائهما أكثر بكثير ممّا هو شائع عنهما. ويبدو أن أمباذوقليس قد استحضر موضوعاتٍ هرقليطيّة. وبعض الأطاريح الأبقراطيّة قد قلّدت اللغة الهرقليطيّة، وقدّمت تطبيقات لبعض المواضيع الهرقليطيّة. وكرّر ديمُقريطس ضمن نظريّتِه الأخلاقيّة جملةً من آراء هرقليطس. منذ وقتٍ مبكّر، كان يُنظر إلى هرقليطس كممثّلٍ للتغيّر الكوني، على النقيض من بارمنيدس، ممثّل الثبات الكوني. جلب كراتيلوس فلسفةَ هرقليطس إلى أثينا، وهناك سمع بها أفلاطون. ويبدو أنّ أفلاطون قد استخدم نظريّة هرقليطس (كما فهمها كراتيلوس) كمثالٍ للعالم المحسوس، في حين استخدم نظريّة بارمنيدس للعالم المعقول. وكما ذُكر سلفاً، فإنّ كلاًّ من أفلاطون وأرسطو نظرا إلى هرقليطس على أنّه ينتهك قانون عدم التناقض، ويقدّم نظريّة معرفةٍ غير متّسقة قائمة على تغيّرٍات جذريّة مستمرّة. ومع ذلك، تعاطى معه أرسطو كمادّي أحاديّ متّسقٍ افترض النارِ كمبدأ أوّلي. اِستلهم الرواقيّون فيزياء هرقليطس في نظريّتهم الفيزيائيّة، ووظّفوا فهم آراءه في تعضيد فكرة الخراب الدوريّ للعالم الذي تُحدِثه النار، متبوعاً بتخلّقِ العالم من جديد، وكليانثس تحديدًا يُعدّ أحد شُرّاح هرقليطس. واعتبره أنيسيديموس على أنّه ربما كان أوّلُ الشكّاكٌين.

منذ أفلاطون، كان يُنظر إلى هرقليطس على أنّه فيلسوف التغيّر. وكان التحدي في قراءة فيلسوف إفسوس يكمن دائماً في إيجاد نظريّة متّسقةٍ تحوي مفارقاته وأقوالَه المتناقضة. ومنذ هيجل، صار يُنظر إليه على أنّه فيلسوفُ صيرورةٍ نسقيٌّ – بشيءٍ من التبرير ربّما.

  1. ملحق

برديّة دِرفيني Derveni، المنشورة بِأَخَرة، والتي اكتُشفت في مقبرة شمال اليونان، احتوت على شرح لأحد القصائد الأورفيّة. ناقش الشّارح بعض عبارات هرقليطس ذات العلاقة بالقصيدة، تحديدًا B3 وB94 (ولعلّها ضُمّت إلى كتاب هرقليطس لذلك). (العمود 4). انظر Betegh 2004. كذلك بيّنت برديّات أوكسيرينخوس Oxyrhynchus (مجلّد 53، رقم 3710) أنّ هرقليطس كان مهتمًّا بتعيين أيّام الشهر القمري، وبالتالي مهتمًّا بالمسائل العلميّة. انظر Burkert 1993.

في الأعمال الأخيرة، كرّس العلماء اهتمامًا متزايدًا بنظريّة هرقليطس السياسيّة والأخلاقيّة (Fattal 2011, Sider 2013)، وبقضايا اللوغوس والعقلانيّة (Hülsz 2013, Long 2013)، حيث أنّ هذين الحقلين يتداخلان بشكلٍ مهمّ. ويقرّ هرقليطس بوثاقة العلاقة بين الفهم العقلانيّ للكون وبين المسلك الحكيم للحياة (B112).


الهوامش

[1] الشذرات Fragments تلك العبارات القصيرة، والمجتزئة أحيانًا، التي بلغتنا عن الكتب المفقودة، التي صنّفها الفلاسفة ما قبل السقراطيّين Pre-Socratics. وأوّل من عُني بجمعها هو البحّاثة الألمانيّ هيرمان ألكساندر ديلز Diels (ت: 1922م)، صنّف سِفرًا جليلًا، رتّبه على أقسام، وخصّ كل قسم بفيلسوف معيّن، ذكر فيه ما بلغنا عنه من مختلف المصادر وعمّا سطّره المؤرّخون والديكسوغرافيّون حول حياته وآرائه، ثمّ يورد ما وصلنا من شذرات من كتبه ويرقّمها- تبدأ شذرات هرقليطس بـ B مثال: (B1). (المترجم)

[2] Material Monism المادّية الأحادية، أو الواحديّة. وهي اتجاه فلسفيّ شاع بين الفلاسفة الأوائل، يختزل الموجودات على تنوّعها إلى أصلٍ واحدٍ مادّي. (المترجم)

[3] وقفت على ترجمتين عربيّتين لشذرات هرقليطس، الأولى ضمن كتاب (أ. ف. الأهواني، فجر الفلسفة اليونانيّة، 1954م)، والثانية، نقل م. ع. أبو ريّان قدرًا صالحًا منها ضمن كتابه تاريخ الفكر الفلسفيّ وهي ترجمة (ع. س. النشار، م. ع. أبو ريان، ع. الراجحي، هرقليطس فيلسوف التغيّر وأثره في الفكر الفلسفي، 1969م). وقد اعتمدت ترجمة الأهواني، وأفدت منها في مواضع كثيرة، لكنّ نقلي عنها لم يخلُ من تصرّف وإعادة صياغةٍ في الغالب، وفي عدّة مواضع اضطررت لإعادة الترجمة ابتداءً، إمّا لعدم تطرقه للشذرة، أو لإبراز خصائص لغويّة معيّنة لم تُبرِزها ترجمته.

[4] نجد الترجمة العربيّة قد جعلت الأزليّة “منذ الأزل” صفة للكلمة Logos، خلافًا للأصل الهرقليطيّ الغامض الذي أبهم موصوفها كما سيأتي. (المترجم)

[5] أرسطوطاليس، الخطابة، تحقيق: ع. بدوي، ص: 200: “لا تتبيّن في [هرقليطس] موضع عمل “،” لأنّ اللفظة الواحدة في كلامه تميل إلى الطرفين جميعا، فلا ندري إلى أيّهما أقرب”. (المترجم)

[6] كلّ ما كان بين شارَتَين <> فهو من إضافتي، لزيادة توضيح أو بيان مضمر. (المترجم)

[7] قمت بإعادة ترجمة هذه الشذر لأبرز التقابل chiasmus الذي تضمّنته على نمط (أ ب ب أ): […][أعظم][أعظم][…]. (المترجم)

[8] Guardian spirit وهي أرواح اعتُقد أنّها ترافق الإنسان وتقوم على حمايته وحفظه. وآثرت ترجمتها بـ: قرين، بدلاً من روح حارسة/حامية، أو معقّبات “وفقًا للمفردة القرآنيّة (له معقّبات)”، وذلك لأطابق عدّ الكلمات في اليونانيّة، ولأتجنّب غريب الألفاظ. (المترجم)

[9] محاورة كراتيليوس، ترجمة: عزمي طه السيّد، منشورات وزارة الثقافة-الأردن، ص 127. (المترجم)

[10] “الباقية عل حالها” أبهمتُ ما ترجع إليه هذه العبارة كما في الأصل الهرقليطي. ولم يتطرّق الأهواني لهذه الشذرة في ترجمته. (المترجم)

[11] هرقليطس الهومري -وهو غير المترجَم له في هذا المدخل-، والهومري نسبة لهوميروس الشاعر (صاحب الإلياذة والأوديسة)، لأنّه شرح ملاحمَه. ولذا يسمّى أيضًا هرقليطس الشّارح. (المترجم)

[12] مؤخّرًا، قام مورافييف Mouraviev، متابِعا في ذلك بعض المحقِّقين، بإضافة جملة أُخرى إلى جملة B12 تليها في سياقها عند يوسابيوس وهي: ” وكذا النفوس تتغذى بالزفير الرطب [anathumiôntai]”. هذه الإضافة من شأنها أن تقيّد تطبيقات فكرة النهر في مجال علم النفس. لكنّ هناك مشاكل أخرى تكتنف هذا العزو، أوضحها أنّ مصطلح anathumiaô بتصريفاته المختلفة، لم يوثّق قبل أرسطو، وليس هو من قبيل الكلمات التي يستخدمها هرقليطس. كذلك في مصادر أخرى مثل فلوطرخس (Natural Questions 912a) يظهر أنّها تعتبر الجملة الأولى منتمية لسياق كوزمولوجي. وعليه فإن وجِدت الجملة في سياق يتعلّق بعلم النفس صراحة، ستكون هذه التعقيدات اللغويّة حينها عديمة الفائدة.


بيبلوغرافيا

المصادر:

    • Bollack, J. and H. Wismann, 1972, Héraclite ou la séparation, Paris: Les Édition de Minuit.
    • Conche, M., 1998, Héraclite: Fragments, 4th ed., Paris: Presses Universitaires de France.
    • Kahn, C. H., 1979, The Art and Thought of Heraclitus, Cambridge: Cambridge University Press.
    • Marcovich, Miroslav, 1967, Heraclitus, Mérida, Venezuela: University of the Andes Press; 2nd ed., Sankt Augustin: Academia Verlag, 2001.
    • Mouraviev, Serge, 1999–2008, Heraclitea, 10 vols., Sankt Augustin: Academia Verlag.
  • Robinson, T. M., 1987, Heraclitus, Toronto: University of Toronto Press.

 

الدراسات:

  • Barnes, J., 1982, The Presocratic Philosophers, revised ed., London: Routledge & Kegan Paul.
  • Betegh, G., 2004, The Derveni Papyrus: Cosmology, Theology and Interpretation, Cambridge: Cambridge University Press.
  • –––, 2007, “On the Physical Aspect of Heraclitus’ Psychology,” Phronesis, 52: 3–32.
  • Burkert, W., 1993, “Heraclitus and the Moon: The New Fragment Oxy, 3710,” Illinois Classical Studies, 18: 49–55.
  • Dilcher, R., 1995, Studies in Heraclitus, Hildesheim: Georg Olms.
  • Fattal, M., 2011, Parole et actes chez Héraclite, Paris: L’Harmattan.
  • Graham, D. W., 2002, “Heraclitus and Parmenides,” in Presocratic Philosophy: Essays in Honour of Alexander Mourelatos, V. Caston and D. W. Graham (eds.), 27–44, Aldershot: Ashgate.
  • –––, 2003a, “A New Look at Anaximenes,” History of Philosophy Quarterly, 20: 1–20.
  • –––, 2003b, “A Testimony of Anaximenes in Plato,” Classical Quarterly, 53: 327–37.
  • –––, 2006, Explaining the Cosmos: The Ionian Tradition of Scientific Philosophy, Princeton: Princeton University Press.
  • –––, 2008, “Heraclitus: Flux, Order, and Knowledge,” in The Oxford Handbook of Presocratic Philosophy, P. Curd and D. W. Graham (eds.), 169–188, New York: Oxford University Press.
  • Hülsz Piccone, Enrique, 2009, Nuevos ensayos sobre Heráclito: Actas del segundo Symposium Heracliteum, Mexico City: UNAM, 2009.
  • –––, 2013, “Heraclitus on Logos: Language, Rationality and the Real,” in Sider and Obbink 2013, 281-301.
  • Hussey, E., 1982, “Epistemology and Meaning in Heraclitus,” in Language and Logos, M. Schofield and M. Nussbaum (eds.), 33–59, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Kahn, C. H., 1960, Anaximander and the Origins of Greek Cosmology, New York: Columbia University Press; reprint Indianapolis: Hackett, 1994.
  • –––, 1964, “A New Look at Heraclitus,” American Philosophical Quarterly1: 189–203.
  • Kirk, G. S., 1954, Heraclitus: The Cosmic Fragments, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Long, A. A., 2013, “Heraclitus on Measure and the Explicit Emergence of Rationality,” in Sider and Obbink 2013, 201-223.
  • Mansfeld, Jaap, 1990, Studies in the Historiography of Greek Philosophy, Assen: Van Gorcum.
  • Nehamas, A., 2002, “Parmenidean Being/ Heraclitean Fire,” in Presocratic Philosophy: Essays in Honour of Alexander Mourelatos, V. Caston and D. W. Graham (eds.), 45–64, Aldershot: Ashgate.
  • Nussbaum, M. C. 1972, “Psychein Heraclitus,” Phronesis, 17: 1–16; 153–70.
  • Patin, A., 1899, Parmenides im Kampfe gegen Heraklit, Leipzig: B. G. Teubner.
  • Polito, R., 2004, The Sceptical Road: Aenesidemus’ Appropriation of Heraclitus, Leiden: Brill.
  • Reinhardt, K., 1916, Parmenides und die Geschichte der griechischen Philosophie, Bonn: Friedrich Cohen.
  • Sider, D., 2013, “Heraclitus’ Ethics,” in Sider and Obbink 2013, 321-344.
  • Sider, D. and D. Obbink (eds.), 2013, Doctrine and Doxography: Studies on Heraclitus and Pythagoras, Berlin: De Gruyter.
  • Tarán, L., 1999, “Heraclitus: The River Fragments and Their Implications,” Elenchos, 20: 9–52.
  • Vlastos, G., 1955. “On Heraclitus,” American Journal of Philology, 76: 337–378.

مصادر أخرى على الإنترنت

    • Philoctetes, a site with several linked resources on Heraclitus

[1] Graham, Daniel W., “Heraclitus”, The Stanford Encyclopedia of Philosophy (Fall 2015 Edition), Edward N. Zalta (ed.), URL = <https://plato.stanford.edu/archives/fall2015/entries/heraclitus/>.

error: