نيتشه والنزوع النفسي إلى الارتقاء (2/3) – غاستون باشلار

نيتشه والنزوع النفسي إلى الارتقاء (2/3) – غاستون باشلار

ترجمة سعيد بوخليط


بالتأكيد، يكتسب البرد،مع الهواء سمات هجومية،فتتأتى له هذه “الشراسة المبتهجة”،التي توقظ إرادة القوة،إرادة مقاومة البرد،ضمن إطار أقصى درجات حرية البرودة،حسب إرادة  باردة.

يكتسب الإنسان، وقد هاجمه برد قارس،“جسدا في غاية السمو”(زرادشت).طبعا،لايتعلق الأمر،بجسد متعلق بالكواكب، كما الشأن عند السحرة والمتصوفة،لكنه على نحو دقيق جدا، بمثابة جسد حي يدرك كيفية التسامي،عبر استنشاق هواء منشِّطٍ،عارف بكيفية اختيار هواء المرتفعات،هواء خالص وقارس ونافذ.

سنعثر ثانية مع هذا الهواء البارد للمرتفعات،على قيمة نيتشوية :الصمت.سماء فصل الشتاء وصمتها :((تترك أحيانا، الشمس  صامتة)).أليست مختلفة عن شمس شيليShelley ،الموسيقية جدا التي يمكننا القول بصددها،أنها موسيقى أضحت جوهرا ؟ألا يتساءل نيتشه مع سماء الشتاء(هكذا تكلم زرادشت)،حينما يؤكد بقوله :((لقد تعلمت الصمت الطويل الملهم؟)). أيضا نقرأ،في “العودة”(زرادشت،ص267) :((آه !كم يجعلك هذا الصمت تمتص هواء نقيا برئتين ممتلئتين)).كيف بوسعنا رفض التآلف الجوهري،بين الهواء والبرودة والصمت؟نستنشق بالهواء والبرد،الصمت،وقد اندمج في كينونتنا ذاتها. يختلف كثيرا هذا الانصهار في الصمت عن تمثل الأخير في قصيدة ريلكهRilke،الموجعة باستمرار.الصمت لدى نيتشه،مباغت يكسر الهموم الأولى.إذا رفضنا،قبول إيحاءات الخيال المادي،ولم نفهم قط أنه بالنسبة لخيال مادي فعَّال،سيتحقق الهواء الصامت،مع عنصر أولي،فإننا نقلص انطباع الصور،وننقل صوب المجرد،تجارب الخيال الملموس.كيف، يمكننا إذن ،الحصول على التأثير العضوي الصحي،لقراءة نيتشوية؟ لقد أخطر نيتشه قراءه،عبر الإشارة التالية:((سيدرك من يعرف كيفية استنشاق المحيط الهوائي،الزاخر  به عملي،أنه فضاء للمرتفعات،حيث الهواء هناك متوقد .ينبغي،أن تكون مخلوقا من أجل ذاك الفضاء،بمعنى ثان أن نجازف كثيرا،بالتأذي من البرد.الصقيع قريب،والعزلة هائلة،لكن تأملوا بأي سكينة، يتموضع ثانية كل شيء في الضوء !تبيَّنوا كيف نستنشقه بحرية !كم هي الأشياء التي نشعر بها أسفل الذات !)).

صقيع، وصمت، ومرتفع.ثلاثة جذور بالنسبة لجوهر واحد.أن تقطع جذرا،معناه تقويض الحياة النيتشوية.مثلا،يحتاج برد صامت،أن يكون متعاليا،بالتالي إن اختل هذا الجذر الثالث،فسيجعل هذا الصمت منغلقا وفظا وأرضيا.صمت لا يتنفس أبدا،ولا يدخل إلى الرئة،كهواء المرتفعات.أيضا،ريح شمالية تعوي،تعكس لدى نيتشه حيوانا،ينبغي ترويضه وإخراسه.هواء المرتفعات البارد،هو كائن ديناميكي،لا يصيح ولا يهمس : إنه يصمت.أخيرا،يعتبر هواء ساخنا،يتوخى تعليمنا الصمت،يفتقد للهجومية.يحتاج الصمت،إلى شدة البرد.نلاحظ، اختلال التطابق الثلاثي،إن غابت خاصية .غير أن هذه الدلائل السلبية مُصطنعة،وتتوخى العيش في الهواء النيتشوي وستكون لها دلائل إيجابية عديدة عن التطابق الذي أشرنا إليه.تطابق،سيوضح بشكل أفضل،على نحو مفارق،التطابق الثلاثي بين النعومة والموسيقى والنور،الذي يتنفس بواسطته خيال شيليshelley .مثلما قلنا مرارا،مهما كانت أنماط الخيال المادي،حاسمة جدا، لاتمحو السمة الفردية للعبقرية.إن نيتشه وشيلي عبقريان،عشقا داخل نفس المجال الهوائي،آلهة متعارضة.

بما أننا منحنا في هذا العمل موقعا كبيرا لحلم التحليق –النوم في الهواء- فسندرس قليلا عن قرب أكثر،صفحة نيتشوية تبين بكل جلاء حُلُمية مُحَلقة.سيقدم لنا هذا النشيد لسلام ليلي،وخفة النوم الهوائي،تمهيدا نحو دراسة لإشراقات فجر نشط ،وكذا يقظات قوية،للحياة العمودية النيتشوية.

كيف،لا نحدس،بالتالي،حلما للتحليق في الفقرة الأولى من “الشرور الثلاثة”(هكذا تكلم زرادشت):

((وأنا أتخيل،إبان حلمي الأخير الصباحي،وجدتني اليوم على أنف جبل،فيما وراء العالم،ماسكا في يدي بميزان كي أزن العالم)).

إن قارئا،غيرت مساره النزعة العقلية، يطرح الفكر المجرد قبل المجاز،هو قارئ يعتقد بأن تكتب يعني البحث عن صور قصد توضيح أفكار،لن يفوته الاعتراض أن هذا الثقل للعالم – سيختار بالتأكيد أن يقول هذا التقويم الوزني للعالم – ليس إلا مجازا بغية التعبير عن قيمة،وتثمين العالم المعنوي.مع ذلك،كم سيكون مفيدا دراسة هذا الانزلاق من العالم المعنوي نحو الفيزيائي.يلزم كل أخلاقي،على الأقل،أن يطرح على الأقل قضية التعبير اللفظي عن الوقائع المعنوية.إن أطروحة للخيال،باعتباره قيمة نفسية جوهرية،كما الشأن بالنسبة لأطروحتنا،تبرز هذه القضية بكيفية مغايرة :يتساءل كيف تهيئ صور الارتفاع دينامكية حياة معنوية.تحديدا تلعب في نظرنا،شعرية نيتشه هذا الدور الرائد : إنها تمهد للمغزى النيتشوي .لكن،لانزجّ بالسجال إلى العمق،ونظل  في إطار دراستنا للمتخيل،ونطرح على معارضينا،من الزاوية السيكولوجية،سؤالا سجاليا : لماذا إذن خلال حلم صباحي،وأنت ترى نفسك عند أعلى أنف جبل؟ لماذا،نَزِن عالما عوض وصف نظرة بانورامية تسوده؟ألا ينبغي الاندهاش سلفا،كون الحالم ينخرط بسهولة كبيرة بين طيات حلم شخص يتوخى أن يزن؟لكن لنقرأ قليلا أبعد بكثير :((قابل للقياس بالنسبة لوازن جيد، تبلغها أجنحة قوية…هكذا يعثر حلمي على عالمه)).من سيشرح لنا،خارج مبادئ السيكولوجية المتعالية،كيف أن الحلم الذي يزن العالم،من ستظفر على الفور،أجنحته القوية بالوزن؟بغتة وبشكل سريع جدا،يعيش وازن العالم،الخفة المُجَنّحة.

كيف لانرى،أن التدرج الحقيقي للصور يسير وفق النسق المعكوس :فلأنه يمتلك الخفة المُجَنّحة،يزن العالم.يخاطب أثناء تحليقه،مختلف الكائنات الأرضية :لماذا لاتحلق أنت ؟ماهو إذن الثقل الذي يمنعك من التحليق بجانبي؟ما الذي يجبرك على البقاء جامدا فوق الأرض؟اصعد إلى ميزاني،سأقول لك،إذا كان بوسعك عند اللزوم،أن تصبح صديقي وتابعي .سأخبرك ليس عن وزنك،بل صيرورتك الهوائية.الوازن،سيد الخفة.إن وازنا ثقيلا،بلا دلالة حسب التصور النيتشوي.بل يلزمه أن يكون هوائيا،خفيفا،متعاليا،كي يطور قوى الإنسان الأعلى. نحَلِّقْ أولا،ثم نكتشف الأرض بعد ذلك!يمكننا إذن، قبول المجازات الأكثر تواريا،المتواصلة حركتها أكثر.إنها تلك التي تنعش حقا خيال المفكر.فما إن نعطي للخيال الديناميكي،أولويته الصحيحة،حتى يصبح كل شيء واضحا ضمن هذه الأسطر النيتشوية: ((حلمي،بحّار جسور،نصف مَرْكب ونصف زوبعة ،صامت مثل فراشة،ومتلهف مثل صقر : أي صبر ومتعة يمتلكهما اليوم كي يتمكن من وزن العالم !)).بالتأكيد،الانطباع الديناميكي بخصوص مختلف هذه الصور،يكمن في حلم التحليق،إنها الحياة الخفيفة للنوم الهوائي،والوعي السعيد بالخفة المُحَلقة.

يقول أيضا،نيتشه في الفصل المعنون : فكر الثقل(زرادشت،ص 272) :(( الذي سيعلم التحليق لرجال المستقبل،سيكون قد غير كل الحدود،مادمت بالنسبة إليه ستحلق الحدود في الهواء :سيبادر إلى  تعميد الأرض ثانية، مناديا إياها ب”الخفيفة”)).ويضيف جورج ميريديت :((تقوم الحواجز عند من يجهلون التحليق)).

التحليق بالنسبة للخيال المادي،ليس آلية يلزم اختراعها،بل مادة ينبغي تغييرها،القاعدة الأساسية لتحول كل القيم.يجدر بكائننا الأرضي،أن يصير هوائيا.بالتالي،يجعل كل الأرض خفيفة.وستكون أرضنا الخاصة ”خفيفة”.

النص الأخير، أثرته أفكار كبرى،بحيث يعلم الإنسان كيف يحب ذاته،وينتعش حقا في إطار هذا الحب لذاته.أمام هذا الغنى،للأفكار النيتشوية،وبساطة ملاحظاتنا،سيُعترض علينا بنقد سهل : سيقولون،بأننا تخلينا مرة أخرى،عن مهمتنا كفيلسوف وأصبحت مجرد جامع للصور الأدبية.لكننا،سندافع عن هذا الأمر،بتكرار أطروحتنا :للصورة الأدبية حياة خاصة،فهي تجري مثل ظاهرة مستقلة فوق الفكر العميق. استقلالية، وضعنا نصب أعيننا مهمة إثباتها.يعتبر نموذج نيتشه جليا،لأنه يكشف عن حياة مزدوجة :حياة شاعر كبير ومفكر عظيم.تقوم الصور النيتشوية،على تآلف مزدوج يحرك- على حدة – القصيدة والفكر.تثبت هذه الصور النيتشوية،الالتحام المادي والدينامكي،الذي يبلور خيالا ماديا وديناميكيا،حقا نوعيا.

لكن تقتضي العَمُودية تمرينا طويلا :((من يريد أن يتعلم ذات يوم التحليق،يلزمه أولا أن يتعلم كيف يقف، ويمشي، ويركض، وينط،ويتسلق ثم يرقص : مادمنا لا نتعلم التحليق من الوهلة الأولى !)).بالنسبة للبعض،الحلم بالتحليق، ذكرى أفلاطونية مبهمة،عن نوم غابر جدا، ذي رشاقة قديمة جدا.لن نعثر عليها،سوى في الرؤى الصبورة واللانهائية.لنجمع إذن، في العمل النيتشوي،الدلائل المتنوعة جدا عن السيكولوجية المتعالية.

أولا، سنجد في الفلسفة النيتشوية أمثلة عديدة  عن تحليل نفسي للثقل،له نفس منحى تحليل نفسي موجه حسب منهجية روبير دوزوالDesoille لندرس،على سبيل المثال هذه القصيدة :

ألق نحو اللجة بكل ما لديك أكثر ثقلا !

إنس أيها الإنسان ! إنس أيها الإنسان !

الإلهي فن النسيان !

إذا توخيت التسامي،

إذا ابتغيت أن تكون عند مستقرك في الأعالي

اطرح في البحر بكل ما لديك أكثر ثقلا !

هاهو البحر،ارتمي في البحر

الإلهي، فن النسيان.

لايتعلق الأمر هنا،مثلما سيكون الأمر بالنسبة للسيكولوجية البحرية،بالغطس في البحر قصد العثور ثانية فيه،على التجدد بفضل المياه.يتعلق الأمر،بأن نلقي بعيدا عنا كل أثقالنا،وحسراتنا، وندمنا،وأحقادنا،وكل ما ننظر به إلى الماضي،يتعلق الأمر بأن نرمي في البحر كل كائننا الثقيل كي يختفي إلى الأبد.هكذا،ندمرثِقلنا الثنائي،أي الأرضي القابع داخلنا،ثم ذلك الماضي الحميمي المخبأ.إذن،تتألق ثنائيتنا الهوائية، ثم ننبثق أحرارا مثل الهواء،خارج زنزانة تكتماتنا الخاصة.هكذا، سنكون فجأة صادقين مع أنفسنا.

هل يجب علينا إعادة القول مرة أخرى،أن قصيدة كهذه يمكن قراءتها حسب وجهتين : أولا،كنص مجرد،وأخلاقي،بحيث يبدو الكاتب مضطرا،كي يوظف صورا حسية،لعدم توفر الأفضل،ثم حسب منهجيتنا الحالية،باعتبارها قصيدة حسية بشكل مباشر،تقوم أصلا على الخيال المادي والديناميكي مما ينتج قيما معنوية جديدة بفضل  حماسة قصيدة فتية؟كيفما جاء اختيار القارئ،ينبغي له الإقرار بأن إضفاء الجمالي على ماهو معنوي ليس مظهرا سطحيا ،ولا مجازا يمكننا حذفه دون مجازفة.إن أطروحة مثل أطروحاتنا تجعل من ذاك التجميل ضرورة عميقة،وفورية.الخيال هنا،من يمنح الوجود ارتقاء.الخيال الأكثر فعالية :لاينفصل قط الخيال المعنوي عن تجديد صور أساسية.

هكذا يبدو لنا أن نيتشه وقد أشار بنفسه إلى كلمة “أنت”،ابتغى تحقيق مطلق المجاز،ومباغتته لكل المجازات الصغيرة التي راكمها شاعر ثانوي،ويثير عبثية المجاز كي يعيش حقيقته المطلقة : اقذف بنفسك كليا ناحية الأسفل، كي تصعد تماما صوب القمم وأنت تحقق في ذات اللحظة الحرية وكذا اقتحام الإنسان الأعلى. خلف هذا التناقض بين الكلمات –الأعلى والأسفل- يشتغل الخيال إذن وفق تحليل للرموز التي تحافظ على تماسك تام :ارتمي في البحر ليس كي تجد فيه الموت من خلال النسيان،بل حتى تكرس للموت جل ما يصعب عليك نسيانه،كل هذا الكائن المرتبط بالجسد والأرض،ومختلف رماد هذه للمعرفة،كل ركام النتائج،ثم كل هذا الحصاد المُقَتَّر المتمثل في الكائن البشري.هكذا،سيتحقق العكس الحاسم الذي سيطبعك بسمة الإنسان الأعلى.ستكون هوائيا،وستنبثق  عموديا صوب السماء الحرة.

كل ما بدا لي فيما مضى ثقيلا

ابتلعته هاوية النسيان ذات اللون السماوي (ص276)

كذلك،ومن خلال مقطع شعري في زرادشت ،يكتب نيتشه بعد أن هزم شيطان الثقل : (( الآن أراني تحتي)).((jetzt bin iche leicht ;jetzt fliege ich ;jetzt sehe ich mich unter mir ; jetzt tanzt ein Gott durch mich)).

لن نترجم هذه السطور،مادمنا لم نعثر على الكلمات التي تضفي الطاقة والبهجة اللحظية على : ” jetzt”. أي بؤس هذا يكتنف اللغة الفرنسية وقد افتقدت لكلمات جوهرية تهم سيكولوجيا اللحظة؟كيف نعيد القرار لثورة الكائن،ونقطع مع الكسل المتواصل بالكلمات :حاليا، ومن الآن فصاعدا ؟تقتضي ثقافة الإرادة كلمات ذات مقطع واحد.يتعذر غالبا، ترجمة طاقة لغة ما،مثلما الشأن مع  شعريتها.يحصل الخيال الديناميكي من اللغة على اندفاعات أولية.

لانعطي قط اهتماما مفرطا لازدواجية الشخصية العمودية،وخاصة مزاجها المفاجئ والحاسم.بفضل هذه الازدواجية،سنعيش في الهواء،بالهواء ومن أجل الهواء. ثم سنفهم جراء مزاجه المباغت،أن تحول الكائن ليس انبثاقا ليِّنا وناعما،بل يشكل موضوع عمل إرادة خالصة،أي الإرادة اللحظية.هنا،يفرض الخيال الديناميكي نفسه على الخيال المادي :ارتمي نحو الأعلى،حرا كالهواء،وستصير مادة للحرية.

بعد هذا الفعل للخيال البطولي،يحصل مثل وقع مكافأة،الوعي بأن تكون فوق العالم،وكل شيء.من هنا،المقطع الشعري الرائع(زرادشت، الجزء الأول، ص273):((أن تكون فوق كل شيء مثل سمائه الخاصة،وسقفه المستدير،ثم جرس سمائه الزرقاء وكذا طمأنينته الأبدية)).كيف يمكننا التعبير أفضل وفق معنى حب أفلاطوني نفسه عن أفلاطونية هذه الإرادة التي تمنح الكائن ما يريده،وما ستكون عليه صيرورته،بعد أن أزال كل كائنات الماضي،القائمة على تذكر مبهم،وكل الرغبات الحسية المغذية لإرادة شوبنهاورية،إرادة حيوانية.

الهدوء مؤَكّد لأنه سكون مغلوب على أمره.سنعيشه بناء على حالته تلك من خلال هذه المقاطع الشعرية(زرادشت،أوج الظهيرة،الجزء الثاني،ص 399) :

صمت ! صمت !

يرقص مثل هواء ناعم خفية فوق لآلئ البحر اللامعة،خفيف، خفيف، مثل ريشة :هكذا يرقص النوم فوقي.

لا يُغلق عيناي،ويترك روحي مستيقظة.إنها خفيفة حقا، خفيفة مثل ريشة.

الكائن الإنساني،ياللحسرة!يعرف ارتدادات إلى الغموض والثقل.فما إن يجسد عنصر ثان النوم النيتشوي،حتى تبدو الروح أكثر اضطرابا،ووهنا.إذن بقدر ما يعهد حالمون آخرون روحهم،بإذعان هادئ،إلى ماء راقد،وينام حالمون آخرون بهدوء في كَنَف ماء الحلم، إلا وغمرنا ثانية إحساس بحزن ينبعث فيما وراء السعادة البطولية التي أَسَرتنا مع الصفحة النيتشوية الرائعة عن النوم في البحر،بحر ثقيل بالرغبة والملح،والنار والأرض(زرادشت، الجزء الأول، ص 220) :

ينام الجميع حاليا،البحر راقد.ترمقني عيناه،بغرابة وفتور.

لكن نسمته دافئة،أشعر بذلك.أحسه أيضا يحلم. يهتز وهو نائم على أرائك صلبة.

أنصت !أنصت!كم تبعث له الذكريات السيئة من تأوهات!أو هي نذير شؤم؟

للأسف !أنا كئيب معك،أيتها القتامة الموحشة، وبسببك غضبت من نفسي .

مثلما أنّ تحسرنا! يسيء إلى التأوه الفظ لتعبير” l’ach”باللغة الألمانية !هنا أيضا تحتاج لحظة تقزز من الذات، والكون إلى عامل التزامن  كمقطع واحد. يُختزل كل الكائن المتوجع، والكون المتألم،ضمن تحسر حالم.تتبادل هنا الحُلمية والكونية،قيمهما.فبأي وفاء يترجم نيتشه الكابوس الممزوج بالرقة والإحساس !((الحب هو خطر الأكثر انزواء)) ،ويقول زرادشت :((كيف تريد أيضا أن تغني إلى البحر بعزاءاتك ! .

لكن هذه الرغبة كي تحب،أن تحب من يحبون معايشة آلامهم ثم التأسي، يتأسى بألمه وحبه الذاتيين،إنها ليس سوى كابوس ليلة شك،وخداع بحري.يظل هواء السماء،الوطن الذي ينتمي فيه الكائن إلى ذاته،حيث يعود إليه نيتشه .ففي الفصل المعنون ب : الأختام السبعة،نقرأ هذه المقاطع الشعرية المفعمة بالانتشاء النيتشوي،تأليف بين الاندفاعات الديونيزية والأبولينية(نسبة إلى أبولو) ،ثم مجموع الحماسة والبرودة، القوي والمضيء،الفتي والناضج،الثري والهوائي :

إذا حدث وانبسطت سماوات هادئة فوقي،وأنا أحلق بأجنحتي الذاتية في السماوات الخاصة بي:

إذا سبحت وأنا ألعب في أقاصي الضوء البعيدة ،إذا أتت حكمة طائر حريتي :

– لأنه على هذا المنوال تتكلم حكمة الطائر : هنا،لا يوجد أعلى ،ولا أسفل ! اقفز في أي اتجاه،إلى الأمام أو الوراء،أنت أيها الخفيف ! أنشد ! لا تتكلم قط !

-ألم تُصنع كل الأقاويل بالنسبة للمتثاقلين ! ألا تكذب تلك الأقاويل على من يتسم بالخفة ؟أنشد! ولا تتكلم قط !

هكذا انتهى الكتاب الثالث لزرادشت: حول وعي بالخفة الهوائية والمُغَرِّدة. بحيث وجد نيتشه في الشدو الجوهري لكائن هوائي،عبر قصيدة  ذات مغزى هوائي،تلك الوحدة العميقة للخيال المادي والديناميكي.

بعد هذا التخفيف للحمولة وقد ارتمى الكائن كليا خارج ذاته،ثم نتيجة هذه التحليقات التي حررت الكائن من النظر إلى أسفل ذاته،سيتجه غالبا تأمل  نيتشه صوب الهوّات.بالتالي، يعي جيدا حريته.الأسفل، المُتَأمل من الأعلى بحيث لا نسقط نحوه أبدا،يشكل دافعا إضافيا نحو القمم .هكذا، ستحصل صور ستاتيكية على حياة ديناميكية نوعية جدا.عندما نستمر في اتصال مع عمل نيتشه ثم نبقي على العودة إلى بعض الصور حسب اختبار أكثر عمومية،فإننا سندرس الديناميكية العمودية لبعض الصور المألوفة لدى نيتشه.

مثلا،صورة شجرة الصنوبر عند حافة هاوية .لقد تأملها شوبنهاور وجعل منها دليلا على إرادة – الحياة،واصفا الاتحاد الوثيق بين النبات والصخر،ثم استماتة الشجرة كي تدافع عن نفسها ضد قوى الثقل.عند نيتشه،الشجرة أقل انحناء،بل تعتبر كائنا أكثر عمودية،تحتقر السقوط :

-لكن، أنت، زرادشت،

أتحب أيضا الهاوية ،الشبيهة بالصنوبر؟

تتمسك الصنوبر بجذورها،

هناك حيث الصخرة نفسها

تنظر إلى الأعماق وهي ترتجف…

 

 

يتبع


* مصدر النص :

Gaston Bachelard :L air et les songes. Essai sur l imagination du mouvement ;josi corti ;1943.PP/ 160-170.

error: المحتوى محمي