الفلسفة السياسية عند روبرت نوزيك – موسوعة ستانفورد للفلسفة / ترجمة: علي الحارس

الفلسفة السياسية عند روبرت نوزيك – موسوعة ستانفورد للفلسفة / ترجمة: علي الحارس

حول فلسفة روبرت نوزيك السياسية، في الحقوق الأخلاقية والقيود الجانبية، وحالة الحقوق الطبيعية، ودولة الحد الأدنى؛ نص مترجم للـد. إريك ماك،  والمنشور على (موسوعة ستانفورد للفلسفة). ننوه بأن الترجمة هي للنسخة المؤرشفة في الموسوعة على هذا الرابط، والتي قد تختلف قليلًا عن النسخة الدارجة للمقالة، حيث أنه قد يطرأ على الأخيرة بعض التحديث أو التعديل من فينة لأخرى منذ تتمة هذه الترجمة. وختامًا، نخصّ بالشكر محرري موسوعة ستانفورد، وعلى رأسهم د. إدوارد زالتا، على تعاونهم، واعتمادهم للترجمة والنشر على مجلة حكمة. نسخة PDF


روبرت نوزيك (1938-2002) فيلسوف أمريكي مرموق برز اسمه لأوّل مرّة على نطاق واسع في العام (1974) بنشر كتابه (اللاسلطوية والدولة واليوتوپيا [1974])،[i] والذي حاز الجائزة الوطنية للكتاب عن حقل الفلسفة والدين في العام (1975). ولقد استفاض نوزيك في تحليل الجوانب العواقبية التي طرحها جون رولز في كتابه (نظرية للعدالة)، فحاجج بأنّ احترام الحقوق الفردية هو المعيار الرئيسي لتقييم أفعال الدولة، ولهذا فإنّ الدولة الشرعية الوحيدة هي دولة الحدّ الأدنى التي تحدّ نشاطاتها عند حماية حقوق الحياة، والحرّية، والملكية، والتعاقد. وعلى الرغم من بحوثه القيّمة في الكثير من المجالات الفلسفية الأخرى، فلقد بقي اسم نوزيك يُعرَف بما طرحه من عقيدة ليبرتارية في كتابه (اللاسلطوية والدولة واليوتوپيا).

1. حياة نوزيك وعصره

2. الحقوق الأخلاقية والقيود الجانبية

      2. 1. حالة الحقوق الطبيعية

      2. 2. أساس الحقوق

      2. 3. الحقوق كقيود جانبية

      2. 4. التقليل من شأن الحقوق

3. دولة الحدّ الأدنى قبالة اللاسلطوية الفردانية

      3. 1. تحدّي اللاسلطوية الفردانية

      3. 2. الردّ على التحدّي اللاسلطوي

     3. 3. ملاحظات إضافية حول دولة الحدّ الأدنى

4. العدالة في الحيازات

     4. 1. عقيدة (التخويل التاريخي) حول العدالة في الحيازات

     4. 2. نقد الحالة النهائية والمبادئ المنمَّط

     4. 3. الشرط اللوكي عند نوزيك

     4. 4. تصحيح حالات الظلم التاريخي

5. اليوتوپيا

     5. 1. إطار العمل كعملية اكتشافية

     5. 2. طريق مستقلّ إلى دولة الحدّ الأدنى


1. حياة نوزيك وعصره

ولد نوزيك في بروكلين عام (1938) لعائلة روسية مهاجرة تدين باليهودية. حصل على شهادة جامعية في حقل الفلسفة من جامعة كولومبيا في العام (1959)، وشهادة الدكتوراه في الفلسفة من جامعة پرينستون في العام (1963). وعمل مدرّسًا لعدّة سنوات في جامعات پرينستون وهارڤارد وروكفيلر قبل أن ينتقل للعمل في جامعة هارڤارد بشكل نهائي في العام (1969). ثمّ نال شهرة واسعة بكتابه الذي ظهر في العام (1974) تحت عنوان (اللاسلطوية والدولة واليوتوپيا)، والذي هزّ عالم الفلسفة بما احتواه من دفاع متين وتفصيلي عن دولة الحدّ الأدنى (الدولة التي تحدّ نشاطاتها بحماية الحقوق الفردية المتمثّلة بالحياة والحرّية والملكية والتعاقد، وتتجنّب استخدام سلطة الدولة لإعادة توزيع الدخل، أو جعل الناس أخلاقيين، أو حمايتهم من إيذاء أنفسهم). وواصل نوزيك عمله بتأليف كتب مهمّة تفاوتت بين الميتافيزيقيا والإپستيمولوجيا وفلسفة العلم وعلم القيم: تفسيرات فلسفية (1981)، الحياة الممتحنة (1989)، طبيعة العقلانية (1993)، ألغاز سقراطية (1997)، استقرارات (2001). ومن يقرأ النصوص التي كتبها نوزيك، والتي اتّصفت دومًا بالحيوية والجاذبية والطموح الفلسفي، تنكشف أمامه ثروة معرفية مذهلة من العمل المتقدّم في الكثير من المجالات، بما فيها: نظرية القرار، وعلم الاقتصاد، والرياضيات، والفيزياء، وعلم النفس، والدين. ولقد توفّي نوزيك في العام (2002) بسرطان المعدة الذي عولج منه لأوّل مرة في العام (1994).

كان نوزيك يدعو إلى الاشتراكية أثناء دراسته الجامعية (في جامعة كولومبيا) وفي أولى أيّامه كطالب للدراسات العليا في جامعة پرينستون، حيث أسّس حينها في جامعة كولومبيا ما أصبح لاحقًا النسخة المحلّية من (الجمعية الديمقراطية)؛ لكنّ القوّة الكبرى التي حوّلته إلى الليبرتارية كانت حواراته في جامعة پرينستون مع بروس گولدبيرگ، زميله في الدراسات العليا، والذي عرّفه على الاقتصادي موري روثبارد الذي كان من أكبر دعاة (اللاسلطوية الفردية) في العقود الأخيرة من القرن العشرين (Raico 2002، مصادر أخرى من الإنترنت)، ولقد كان تعرّفه على روثبارد وما وجّهه من نقد للدولة على أساس الحقوق (Rothbard 1973; 1978)، بما في ذلك: دولة الحدّ الأدنى، سببًا في دفعه إلى مشروع صياغة ليبرتارية قائمة على الحقوق تبرّئ دولة الحدّ الأدنى ممّا تتّهم به. لكنّ هذه القصّة تعاني من فجوة تشدّ الانتباه، لأنّ گولدبيرگ نفسه والاقتصاديين الذين كثيرًا ما يقال بأنّهم أثّروا في تحوّل نوزيك إلى الليبرتارية (فريدريك هايك وميلتون فريدمان) لم يكونوا على الإطلاق من مؤيّدي نظرية الحقوق الطبيعية، ولذلك ليس بين أيدينا رواية للأحداث تبرّر تبنّي نوزيك لمنحى ليبرتاري يوافق نظرية الحقوق الطبيعية (وما يرافقها من معتقدات بشأن حقوق الملكية المكتسبة).

إنّ القصّة التي سردناها حول الفلسفة الليبرتارية لروبرت نوزيك هي في جوهرها قصّة العقيدة الليبرتارية القائمة على الحقوق التي طرحها نوزيك في كتابه (اللاسلطوية والدولة واليوتوپيا)، وهذه العقيدة هي (العقيدة النوزيكية)،[ii] إذ لم يحاول نوزيك قطّ أن يدخل تطويرًا إضافيًّا على الرؤى التي طرحها في كتابه الشهير،[iii] ولم يردّ إطلاقًا على الاستجابة النقدية المكثّفة التي طالت هذه الرؤى، لكن يبدو أنّه تبرّأ فعلًا من بعض جوانب عقيدته على الأقل، وذلك بما قدّمه في كتابيه (الحياة الممتحنة) و(طبيعة العقلانية) (Nozick 1989: 286–296)، وكان هذا التبرّؤ، الفعلي أو الظاهري، يطال رؤيته حول المنفعة الرمزية التي لا يمكننا مناقشتها هنا.[iv] ومع ذلك، ففي أحيان متأخّرة من حياته قلّل نوزيك من شأن تبرّؤه الظاهري من الليبرتارية السياسية،[v] ففي مقابلة أجريت معه في العام (2001) قال: «إنّ الإشاعات حول انحرافي (أو ارتدادي!) عن الليبرتارية كانت شديدة المبالغة، وأنا أعتقد بأنّ كتابي (استقرارات) يوضح إلى أيّ مدى لا زلت ضمن الإطار العام لليبرتارية، وخصوصًا في فصل الأخلاق وقسم (المبادئ الجوهرية للأخلاق) منه» (Sanchez 2001، مصادر أخرى على شبكة الإنترنت). وبحسب الفصل المذكور هنالك عدد من الطبقات للأخلاق، وأوّلها هي أخلاقيات الاحترام التي تتكوّن من مجموعة من الحقوق السالبة، وهذه الطبقة، ولا طبقة غيرها، ربّما يمكن جعلها إلزامية في أيّ مجتمع: «إنّ كلّ ما يجب على أيّ مجتمع أن يطالب به (إجباريًا) هو التمسّك بأخلاقيات الاحترام» (Nozick 2001: 282).

وهنالك أربعة مواضيع تستحقّ المناقشة أكثر من غيرها في ما يخصّ كتاب (اللاسلطوية والدولة واليوتوپيا):

1. الحقوق الأخلاقية المبطّنة (إن وجدت)، وطبيعتها ومتانتها، التي تكوّن الإطار المعياري الأساسي لمعظم ما ورد في الكتاب.

2. طبيعة ودرجة نجاح الدفاع الذي قدّمه نوزيك عن دولة الحدّ الأدنى ضدّ التهمة التي يتّهمها بها أنصار اللاسلطوية الفردانية من أنّ «الدولة نفسها لاأخلاقية في جوهرها» (ASU 51).

3. نقاش نوزيك المفصّل ودفاعه عن عقيدة التخويل التاريخي في عدالة الحيازات، وما رافقهما من نقده لعقيدة الحالة النهائية والعقائد المنمَّطة للعدالة التوزيعية، لا سيّما مبدأ الاختلاف عند جون رولز الذي دافع عنه في كتابه (نظرية للعدالة).

4. محاججة نوزيك بأنّ الطموحات اليوتوپية تقدّم مسارًا تكميليًا في تبرير دولة الحدّ الأدنى.

إن مناقشتنا للموضوع الثالث (عقيدة التخويل التاريخي في عدالة الحيازات والمفاهيم المنافسة في العدالة التوزيعية) تركّز على الفصل السابع المعنون (العدالة التوزيعية) من الجزء الثاني المعنون (ماذا بعد دولة الحدّ الأدنى؟). أمّا مناقشتنا للموضوع الرابع (المسار اليوتوپي لدولة الحدّ الأدنى) فتركّز على الفصل العاشر المعنون (إطار عمل لليوتوپيا)، وهذا الفصل يشمل كلّ محتويات الجزء الثالث المعنون (اليوتوپيا). ومن الجدير بالذكر أنّ التركيز على هذه المواضيع الجوهرية الأربعة يهمل الكثير من النقاشات الجانبية الغنية الجذّابة التي يثيرها نوزيك.

2. الحقوق الأخلاقية والقيود الجانبية

يبدأ كتاب (اللاسلطوية والدولة واليوتوپيا) بادّعاء جريء شهير يقول: «إنّ للفرد حقوقًا، وإنّ هنالك أشياء لا يمكن لأيّ شخص أو مجموعة أن يتصرّفوا بها دون انتهاك هذه الحقوق» (ASU: ix).

2. 1. حالة الحقوق الطبيعية

هذه الحقوق الأخلاقية تُفهَم على أنّها حالة الحقوق الطبيعية، أي: إنّها تسبق وتوفّر أساسًا للتقييم والتقييد لا يقتصر على أفعال الأفراد والجماعات فحسب، بل يشمل أداء المؤسّسات السياسية والقانونية. وهذه الحقوق تسبق أيضًا أيّ عقد اجتماعي؛ فهي تقوم بالتقييد الأخلاقي لأداء الأفراد والجماعات والمؤسّسات حتّى عند غياب أيّ عقد اجتماعي. وبتعبير لوك، تشكّل هذه الحقوق قانونًا للطبيعة، أو جزءًا مهمًّا بالخصوص من قانون للطبيعة، يحكم الحالة الماقبل-سياسية والماقبل-تعاقدية للطبيعة (Locke 1690: Second Treatise §6).

وعلاوة على ذلك، فإنّ امتلاك مثل هذا الحقّ ليس مجرّد أن يوجد المرء في ظرف يكون تعزيزه أو صيانته أمرًا نافعًا من الناحية الاجتماعية. وإنّ جزءًا من الرسالة التي يحملها ذلك الإعلان الذي تصدّر الكتاب يقول بأنّ هنالك أمورًا بعينها ربّما لا يمكن القيام بها تجاه الأفراد حتّى وإن كانت، وفقًا لمعيار ما، تحقّق الحدّ الأقصى من المنافع الاجتماعية. فالحقوق التي يمتلكها الأفراد هي حصن أخلاقي ضدّ السلوك الذي يعزّز حتّى أكثر الغايات الاجتماعية بريقًا، أو ما يبدو منها كذلك. ويضاف لذلك أنّ حالة الحقوق الأخلاقية الطبيعية هذه تعدّ سالبة، فهي تحدّد أنماطًا من الأداء لا يمكن القيام بها تجاه الأفراد، ولا تحدّد أنماطًا من الأداء يجب القيام بها تجاه الناس.

وأخيرًا، بما أنّ هذه الحقوق لا تمنحها المؤسّسات، ولا تخلقها أيّة عملية تعاقدية، ولا يجري توفيقها مع الأفراد بهدف تعزيز نتيجة اجتماعية مثلى، فإنها لو كان لها أساس فيجب أن يكون هذا الأساس مشكّلًا من حقائق أخلاقية مدهشة حول طبيعة الأفراد (باعتبارهم) أفرادًا. وإن هذه الحقائق (مثلًا: أنّ لكلّ فرد غايات أو مشاريع تخصّه وحده يكرّس نفسه لها عقلانيًا) لا بدّ أن تقدّم للآخرين سببًا لعدم التعامل معهم على نحو معيّن (مثلًا: التعامل معهم ككائنات ينبغي عليها خدمة غايات الآخرين). وسنرى في ما يلي أن نوزيك يطوّر ادّعاء من هذا النوع ضمن مناقشته لتبرير وجوب إطاعة الكيانات الفاعلة للقيود الجانبية الأخلاقية في أدائها تجاه الآخرين.

إنّ الاستعانة بالتمييز المألوف بين الحقوق الادّعائية وحقوق الحرّية تمكّننا بأن نتوخّى الدقّة شيئًا ما في مناقشة حالة الحقوق الطبيعية التي يعزوها نوزيك لكلّ فرد. فلك حقّ الحرّية بأن تحكّ أنفك ما دمت غير ملزم بذلك، أمّا الحقوق الادّعائية فهي ادّعاءات أخلاقية (وقابلة للفرض) ضدّ الآخرين بشأن ما يقومون به أو يمتنعون عنه من الأفعال بطرق معيّنة، فلك حقّ ادّعائي ضدّ الآخرين بأن لا يتدخلوا حين تحكّ أنفك إذا، وفقط إذا، كان للآخرين (التزام قابل للفرض) بأن لا يتدخّلوا على هذه النحو. ويمكن القول من الناحية المعيارية بأنّنا عندما نتكلّم عن الحقوق فنحن نتكلّم عن مركّبات من النوعين: حقوق الحرّية والحقوق الادّعائية؛ وعلى سبيل المثال: يمكن القول، من الناحية المعيارية، بأنّ حقّك بحكّ أنفك يتكوّن من: عدم وجود إلزام بأن لا تفعل ذلك، ووجود إلزام (قابل للفرض) بأن لا يتدخّلوا عندما تفعل ذلك. فحقّك الأخلاقي بحكّ أنفك يتمتّع بالحماية الأخلاقية من ادّعائك (القابل للفرض) ضد الآخرين بأن لا يتدخلوا عندما تحكّ أنفك.

عندما يشدّد نوزيك على أنّ الأفراد يمتلكون حقوقًا أخلاقية ماقبل-سياسية وماقبل-تعاقدية ضدّ أمور معينة تفعَل لهم (حتى وإن كانت هذه الأمور من أجل غايات مثلى اجتماعيًا أو يدّعى بأنّها كذلك) فليس هنالك أوضح من أنّ نوزيك ينسب حقوقًا ادّعائية للأفراد تترابط معها (التزامات) أخلاقية ماقبل-سياسية وماقبل-تعاقدية لكلّ كيان فاعل (agent) تلزمه بفعل أمور محدّدة للأفراد الآخرين. وبما أنّ كل التزامات الحالة الطبيعية (التي تترابط مع الحقوق، وبالتالي: فهي قابلة للفرض) سالبة، ففي الحالة الطبيعية يكون الأفراد أحرارًا، من الناحية الأخلاقية، للانخراط في (أيّ) أداء لا يتعدّى على الحقوق الادّعائية في الحالة الطبيعية للآخرين. وهكذا فإنّ البيان الافتتاحي لنوزيك حول الحقوق يؤكّد بأنّ لكلّ فرد حقوق حرّية واسعة (حرّية واسعة من الالتزامات، ولا سيّما الالتزامات الموجبة) محمية منهجيًا ضدّ تدخّل الحقوق الادّعائية الأخلاقية. وينبغي أن نشير هنا إلى أنّ هذه الحقوق الأخلاقية تعتبر حقوق الخط الرئيسي، وهي حقوق خاضعة للتعاقد أو التوسيع من خلال أفعال الأفراد وتفاعلهم، ولهذا تجد، مثلًا، أنّه على الرغم من أنّ لكلّ فرد حقّ طبيعي ضدّ الآخرين جميعًا بأن لا يضربوه على أنفه، فإنّ كلّ فرد منهم يمكنه إسقاط هذا الحقّ بأن يوافق على حدوث ضرب الأنف في حلبة مباريات الملاكمة، ويمكن لكلّ فرد منهم أن يكتسب حقّ حرّية ضرب أنف الطرف الآخر وفقًا لعقد الملاكمة.

2. 2. أساس الحقوق

يشيع القول بأنّ نوزيك لا يقدّم في كتابه أيّ أساس لتأكيده على هذه الحقوق الطبيعية اللوكية (Nagel 1975). فهو يشير بنفسه، وفي موضع غير بعيد عن بيانه الافتتاحي، إلى أنّ كتابه لا يقدّم أيّ «نظرية بعينها للأساس الأخلاقي للحقوق الفردية» (ASU: xiv). ومع ذلك فإنّ في جعبته أمورًا مهمّة يقولها بشأن الأساس المدعّم هذه الحقوق وطبيعتها الواجباتية وصرامتها. وفي الحقيقة، إنّ القارئ ليصاب بالصدمة عندما يلاحظ سعي نوزيك لتحفيز تأكيده الافتتاحي على الحقوق من خلال الانطلاق من الفهم نفسه والنقد نفسه الذي يقدّمه رولز حول المنفعية في كتابه (نظرية للعدالة)، والذي ينطلق من تحفيز عقيدته التعاقدية؛ وما يفرّق نوزيك عن رولز في هذا المستوى الأساسي هو الفرق بين تفسيريهما لمضامين هذا النقد الشائع، إذ قد يقدّم نوزيك أساسًا لتبنّي موقفه القائم على الحقوق الطبيعية تمامًا كما أنّ رولز يقدّم أساسًا لتبنّي موقفه القائم على التعاقد.

وكما هو معروف جيّدًا، فإنّ رولز ينطلق بأن ينسب للمنفعية الزعم بأنّ عقلانية مبدأ بعينه في الخيار الاجتماعي يمكن استنتاجها من عقلانية مبدأ بعينه في الخيار الفردي. ويتمثّل مبدأ الخيار الفردي (على الأقل: إن لم يتأثّر بهذا الخيار أيّ طرف آخر) في أنّه من العقلاني للفرد أن يكبّد نفسه تكاليف (أو يتخلّى عن منافع لنفسه) إذا كان هذا الأمر يجنّبه تكبّد تكاليف أكبر (أو يقدّم له منافع أكبر). وبحسب رولز، ترى المنفعية بأنّ الاستدلال بالتماثل يجعل من العقلاني لعضو في المجتمع أن يكبّد نفسه تكاليف (أو يتخلّى عن منافع لنفسه) إذا كان هذا الأمر يجنّب (أيّ) عضو في المجتمع تكبّد تكاليف أكبر (أو يقدّم لأيّ عضو في المجتمع منافع أكبر). وهذا هو المبدأ العقلاني المزعوم للخيار الاجتماعي، ومنه نصل للاستنتاج المنفعي بأنّ كلّ كيان فاعل، يملك، باعتباره عضوًا في المجتمع، سببًا يدفعه للوصول بالمجتمع إلى الحدّ الأقصى للصالح الاجتماعي الإجمالي حتّى وإن كان ذلك على حساب صالحه الفردي (أو على حساب الصالح الفردي للآخرين).

وكما هو معروف جيّدًا أيضًا، فإنّ رولز يرفض هذا الاستدلال على أساس أنّه لا ينظر بجدّية إلى الانفصال والتمايز بين الأشخاص؛ فكلّ شخص ينفصل ويتمايز عن غيره على نحو أشدّ ممّا عليه الحال في الانفصال والتمايز ضمن حياة الشخص نفسه باختلاف أطوار حياته أو مراحلها الزمنية. ولهذا السبب لا يمكن أن ننطلق من (أنّ من النافع لشخص ما أن يكبدّ نفسه التكاليف كي يجنّب نفسه تكاليف أكبر) لنستنتج (أنّ من النافع لشخص ما، كعضو في المجتمع، أن يكبدّ نفسه التكاليف كي يجنّب أيّ عضو في المجتمع تكاليف أكبر). ويرى رولز بأنّه لا يمكن للمبدأ المنفعي في الخيار الاجتماعي أن يوازي مبدأ الخيار الفردي إلّا إذا دمجنا الأفراد، أي: إذا تصوّرناهم، تصوّرًا خاطئًا، كأجزاء من كيان أشبه بالشخص الواحد (Rawls 1971: 26–7). ويلخّص رولز حجّته الرئيسية ضدّ المنفعية بالقول: «إذا افترضنا أنّ المبدأ التنظيمي الصائب لأيّ شيء يعتمد على طبيعة هذا الشيء، وأنّ تعدّد الأشخاص المتمايزين مع لهم من منظومات منفصلة للغايات هو ميزة جوهرية للمجتمعات البشرية، فيجب علينا أن لا نتوقّع حينها أن تكون مبادئ الخيار الاجتماعي منفعية» (Rawls 1971: 29).

هذه النتيجة المختصرة تتخطّى إلى حدّ بعيد رفض المبدأ التنظيمي المنفعي، وذلك لأنّها تقترح بقوّة معيارًا لتحديد المبدأ (أو مجموعة المبادئ) التنظيمي المنفعي الصائب لحوكمة التفاعل الاجتماعي؛ إذ يجب على هذا المبدأ التنظيمي أن يختلف بشدّة عن المبدأ المنفعي بأن يستجيب لتعدّد الأشخاص المتمايزين مع لهم من منظومات منفصلة للغايات، أو يعكس هذا التعدّد. ويجب أن نشير هنا إلى أنّ الأهمّية الحاسمة هنا ليست للحقيقة المحايدة المعيارية المجرّدة التي تقول بأنّ للأفراد منظومات منفصلة للغايات، وإنّما للتي تقول بأنّ الأفراد يسعون بعقلانية لتعزيز غاياتهم الخاصّة بهم. فالتلاؤم العقلاني عند كلّ شخص يسعى خلف صالحه الخاصّ به هو ما يجب أن يستجيب له ذلك المبدأ التنظيمي الرئيسي أو يعكسه. ثمّ يقدّم رولز تفسيره التعاقدي الحاسم لأهلية المبادئ التنظيمية بمنزلة الاستجابة لتعدّد الأشخاص أو عكسها لها، فيرى بأنّ هذه الأهلية تتأتّى من الاتّفاق عليها بين كلّ الأفراد المهتمّين بتعزيز منظومات الغايات الخاصّة بكلّ منهم، وذلك في ظلّ الظروف المناسبة لمثل هذا الاتّفاق.

وإنّ القارئ ليصاب بالصدمة وهو يرى نوزيك يتّبع معالجة حاسمة شديدة الشبه في مناقشته للمنفعية عندما يسأل عن السبب وراء حظر انتهاك حقوق الأشخاص من أجل صالح اجتماعي أسمى، فيقول: «كلّ فرد منّا يختار أحيانًا أن يعاني ألمًا أو تضحية ما لجلب منفعة أكبر أو لدفع ضرر أكبر […]، وفي كلّ من الحالتين هنالك تكلفة يجري تكبّدها من أجل الصالح الإجمالي الأسمى. فلماذا، إذن، لا نعتقد، وعلى نحو مشابه، بأنّ البعض لا يجب عليهم تحمّل تكلفةٍ ما، تنفع الآخرين أكثر، من أجل الصالح الاجتماعي الأسمى؟» (ASU 32). ويجيب نوزيك على هذا السؤال بقوله: «لكن ليس هنالك (كيان اجتماعي) له صالح يمرّ بتضحية ما من أجله منفعته هو. فليس هنالك إلّا أفراد، أفراد مختلفون، لكلٍّ منهم حياته الخاصّة به؛ وإن استخدام أيٍّ من هؤلاء الأفراد لمنفعة الآخرين يعني استخدامه هو بينما يحقّق المنفعة غيره، ولا شيء غير ذلك، فما يحدث هو أنّ هنالك أمرًا قد فُعِل له من أجل الآخرين، وإنّ الحديث عن الصالح الاجتماعي الإجمالي هو للتعمية عمّا حدث» (ASU 32–33).

وهنا يسهّل نوزيك الأمر كثيرًا على نفسه بأن يعزو للمنفعية الاعتقاد بكيان اجتماعي، مثلما يفعل رولز بتسهيل الأمور كثيرًا على نفسه حين يقول بأنّ الحجّة المنفعية تعتمد على دمج الأشخاص؛ وذلك لأنّ المنفعية قد تعتقد، ببساطة، أنّ التفسير الأمثل لعقلانية شخص ما يتكبّد تكلفة ما لتجنيب نفسه تكلفة أكبر هو: العقلانية غير الحصرية لتقليص التكاليف الصافية إلى حدّها الأدنى (أو لزيادة المنافع الصافية إلى حدّها الأقصى). ووفقًا لهذا الطرح المنفعي لا يتوجّب علينا الانتقال من مبدأ الخيار الفردي إلى مبدأ الخيار الاجتماعي، إذ نبدأ من العقلانية غير الحصرية في السعي إلى الحدّ الأدنى من التكاليف (أو الحد الأعلى من المنافع)، مع النظر إلى مبدأ الخيار الفردي، ببساطة، كتطبيق لمبدأ الخيار الاجتماعي على حالة خاصّة لا يوجد فيها سوى كيان فاعل واحد فقط هو، في الوقت نفسه، من يتكبّد التكاليف ويتمتّع بالمنافع.

إذا كان رولز ونوزيك يرغبان بمواجهة النزاع حول أنّ العقلانية العملية تدعو، في منطلقها، إلى السعي للحدّ الأدنى من التكاليف الصافية (أو الحدّ الأعلى من المنافع الصافية) فيجب عليهما أن يعتقدا بأنّ ما يجعل من العقلانية العملية لشخص ما في أن يكبّد (نفسه) تكلفة ما (أو يحرم نفسه من منفعة ما) هو أن يجنّب (نفسه) تكبّد خسارة أكبر (أو يجلب لنفسه منفعة أكبر)؛ وعليهما أن يعتقدا (دون محاججة إضافية على الأقل) بأنّ الموازنة العقلانية بين التكاليف المتكبّدة (أو المنافع المتروكة) وبين التكاليف المتجنَّبة (أو المنافع المجلوبة) تحدث ضمن حيوات الناس لا عبرها؛ ويبدو أنّ هذا الأمر يشكّل جزءًا من الدافع المتعمّد الذي يقف خلف لجوء رولز إلى «تعدّدية أشخاص متمايزين لهم منظومات منفصلة لغاياتهم»،[vi] ويقف أيضًا خلف إصرار نوزيك على أنّه «ليس هنالك سوى أفراد، أفراد مختلفون، مع حيواتهم الفردية الخاصّة بهم» (ASU 33). ونرى هذا الموقف بشكله الأكثر صراحة عندما يشرح مقولة «حقيقة وجوداتنا المنفصلة» بأنّها تعني: «حقيقة مفادها أنّه ما من فعل للموازنة الأخلاقية يمكن أن يحدث في ما بيننا؛ فليس هنالك تفوّق أخلاقي لحياة على غيرها على النحو الذي يجعلها تؤدّي إلى صالح اجتماعي إجمالي عظيم. وليس هنالك تضحية مبرّرة بالبعض منّا لأجل الآخرين» (ASU 33).

لكن يجب لفت النظر هنا إلى أنّ هذا الموقف الأخير يتّصف بالغموض؛ فربّما يعني، ببساطة، أنّه ما من موازنة أخلاقية عبر الأفراد إذا كانت تطلب من الأفراد أن يضحّوا بأنفسهم من أجل الآخرين أو تبرّر للآخرين فرض هذه التضحية على الأفراد. ومع ذلك فربّما يعني أيضًا أنّه «ما من أحد يمكن التضحية به من أجل الآخرين» (ASU 33) بمعنى أنّ من يفرضون هذه التضحية (يخطئون) بحقّ الأفراد المعرّضين للخسارة الواقعة. كذلك قد تعني أيضًا (وفقًا لمصطلحات رولز) وجود «مبدأ تنظيمي صائب» يحظر ويدين فرض هذه التضحيات. ومن الواضح أنّ نوزيك ينتوي التأكيد على هذا الادّعاء الإضافي مع أنّه لا يعترف بصراحة بأنّه افتراض إضافي متمايز، وذلك لأنّ المرء، وفقًا لنوزيك، «لن يحترم ويعترف، على النحو الكافي، بالحقيقة التي تقول بأنّه [أيّ فرد] شخص منفصل، وأنّ حياته هي الحياة الوحيدة التي يمتلكها» (ASU 33) إلّا إذا أدان أخلاقيًا وتحاشى استخدام هذا الشخص بالطرق المختلفة، وخصوصًا ما أدّى منها إلى فرض خسائر على هذا الشخص من أجل (ما يزعم بأنّه) الصالح الاجتماعي.

إنّ «حقيقة وجوداتنا المنفصلة» هي «حقيقة مفادها أنّه ما من فعل للموازنة الأخلاقية يمكن أن يحدث في ما بيننا» (لأن التكاليف والمنافع تتعادل ضمن حيوات الأشخاص، لا عبرها)، وفي مقابل هذه الحقيقة فإنّ الحقيقة الأخرى التي تقول بأنّ (القيود الجانبية الأخلاقية ضدّ فرض التضحيات على البعض لخدمة مصالح الآخرين) هي انعكاس لـ«حقيقة وجوداتنا المنفصلة»، فنحن نتوصّل لتأكيد هذه القيود الجانبية عندما نصل إلى المستوى الكافي من احترام انفصال الأشخاص وأخذه بالحسبان،[vii] وهذا ما لا بدّ أن يكون نوزيك قد عناه بقوله: «إنّ القيود الجانبية الأخلاقية على ما قد نفعله […] تعكس حقيقة وجوداتنا المنفصلة» (ASU 33). وإنّ حقيقة وجوداتنا المنفصلة، وفقًا لتحليل نوزيك، هي الحقيقة المدهشة أخلاقيًا حول طبيعة الأفراد التي تزوّدنا بمبرّر للاحتياط في سلوكنا تجاه الآخرين، فعندما نحترمهم أو نجلّهم باعتبارهم كيانات فاعلة ذات غايات عقلانية خاصّة بها فإنّنا لا نقوم بذلك من خلال تعزيز غاياتهم كما نعزّز غاياتنا، بل بالامتناع عن التضحية بهم في سبيل غاياتنا.

وإذا كانت المبادئ التنظيمية الصائبة للتفاعل الاجتماعي يتوجّب عليها أن تحترم وتأخذ بالحسبان تعدّد الأشخاص المتمايزين بما لهم من منظومات منفصلة للغايات، فإنّ هذه المبادئ التنظيمية يتوجّب عليها أن لا تعامل الأشخاص كوسائل لتحقيق نتيجة اجتماعية يزعم بأنّها جديرة بالاختيار. والمبادئ التنظيمية التي تدعم استخدام الأشخاص من أجل نتائج اجتماعية يُزعَم بأنّها جديرة بالاختيار (مثلًا: النتيجة الاجتماعية لوجود توزيع جدير بالاختيار للسلع بين الأفراد) يشبه بشدّة المبدأ التنظيمي المنفعي؛ فهما يتشاركان فشل المبدأ المنفعي في الوصول إلى الحدّ الكافي من الاحترام والأخذ بالحسبان لتعدّد الأشخاص المتمايزين بما لهم من منظومات منفصلة للغايات. وعلى هذا الأساس فإنّ نوزيك يجادل بأنّ المبدأ التنظيمي الصائب لا بدّ أن يأخذ شكل قيود جانبية أخلاقية تُفرَض على ما قد يُفعَل للأفراد حتّى عندما يكون هذا الفعل من أجل نتائج اجتماعية جديرة بالاختيار وذات قيمة فعلية. ويفهم رولز استعداد المنفعية لفرض الخسائر على الأفراد من أجل الصالح الإجمالي على أنّه علامة لفشل المنفعية في الاعتراف بمكانة الفرد باعتباره غاية في نفسه وليس مجرّد وسيلة لغايات الآخرين. ويتبع نوزيك النهج السائد في استنساخ هذه اللغة الكانتية (راجع Cohen 1995: 238–243)، لكنّه يخالف رولز في إصراره على أنّ دعم فرض التضحيات على الأفراد من أجل (أيّ) مفهوم (غير هامشي) للصالح الاجتماعي (حتّى وإن كان مفهومًا حسّاسًا للتوزيع، مثلًا) يفشل في الاعتراف بمكانة الفرد باعتباره غاية في نفسه.[viii]

إذن يتّبع نوزيك نمطًا مشابهًا لما اتّبعه رولز في كتابه (نظرية للعدالة) عند المحاججة في إثبات وجود مبدأ تنظيمي صائب (ما) للتفاعل الاجتماعي؛ والفرق بينهما أنّ نوزيك لا يعتقد بأن علامة استجابة المبادئ للحقيقة القائلة بوجودات منفصلة، أو عكسها لهذه الحقيقة، هي أن يوافق عليها الجميع في ظروف توافقية مناسبة؛ ويفترض نوزيك عوضًا عن ذلك بأنّنا قادرون على تحديد أنماط لمعاملة الأشخاص بأنّها لا تبلغ الحدّ الكافي في الاحترام والأخذ بالحسبان لعقلانية الفرد في السعي خلف صالحه الخاصّ به دون اللجوء إلى أي توافق فعلي أو افتراضي. ويمكن القول بالخصوص: إنّ فرض التضحيات على الأفراد لا يأخذ بالحسبان، على نحو كافٍ، اعتبارهم كيانات فاعلة تسعى بعقلانية خلف المنظومات الخاصّة بها للغايات؛ فـ«المحتوى الأخلاقي [الرئيسي] الذي يطاله التوافق، والذي يركّز على حقيقة مفادها أنّ هنالك أفرادًا متمايزين لكلّ منهم حياته التي يعيشها»، يتمثّل في الحظر الأخلاقي لـ«التضحية بشخص ما من أجل منفعة شخصة آخر» (ASU 34).

2. 3. الحقوق كقيود جانبية

يرى نوزيك بأنّ الحقّ الأخلاقي الطبيعي النموذجي هو الحقّ بعدم التعرّض للقتل (دون استفزاز مسبَق من الضحيّة)، ويترابط مع هذا الحقّ قيد أخلاقي جانبي بأنّ من الطبيعي أن يكون كلّ فرد في موقف لا يسمح له بالانخراط في قتل الآخرين (دون استفزاز مسبَق من الضحيّة). وبحسب فهم نوزيك لهذا الحقّ: فهو يمنع (أ) من قتل (ب)، دون استفزاز مسبق من (ب)، حتّى إذا كان قتل (ب) هو السبيل الوحيد أمام (أ) لمنع (ج) من قتل (س) و(ع). وعلى الرغم من أنّ تعرّض (ب) للقتل (قد) يبدو (أقلّ سوءًا) من تعرّض (س، ع، ص) للقتل، فإنّ (أ) ملزم بعدم قتل (ب)؛ فعدم قيام (أ) بقتل (ب) قد لا يمنع الضرر الذي يقع بسبب قتل (ج) لـ(س، ع، ص). إذ يرى نوزيك أنّ الحقوق تعبّر عن الحقّ الأخلاقي للأفراد بعدم التعرّض للانتهاكات؛ ولن يكون (ب) متمتّعًا بهذا الحقّ الأخلاقي، وكذلك أيّ فرد آخر، إذا كان (ب) مباحًا استخدامه من قبل (أ) حتّى إذا كان ذلك من أجل الحيلولة دون انتهاك حقوق (س، ع، ص)، بل حتّى إنّ تقليص احتمال انتهاك حقّ عدم التعرّض للقتل إلى حدّه الأدنى لا يمكنه أن يبرّر انتهاك هذا الحقّ.

ويرى نوزيك بأنّ السبب الجوهري الذي يدفعنا إلى الامتناع عن القتل ليس أنّ الامتناع يعزّز هدف تقليص عدد جرائم القتل إلى الحدّ الأدنى، فلو كان هذا هو السبب لما كان على (أ) أن يمتنع عن قتل (ب) إذا كان قتله السبيل الوحيد لمنع (ج) من قتل (س، ع، ص)، بل إنّ الادّعاء الواجباتي الذي يدّعيه نوزيك يرى بأنّ المكانة التي يمتلكها كلّ فرد باعتباره (غاية في حدّ ذاته) تقيّد أخلاقيًا السلوك المتبادل لأيّ كيان فاعل تجاه أولئك الأفراد؛ وهذا يعني أنّ (أ) و(ج) ممنوعان أخلاقيًا كلاهما من قتل (ب، س، ع، ص) ومن قتل أحدهما الآخر دون استفزاز مسبق من الضحيّة. وإن (ج) ينتهك هذا القيد الجانبي ثلاث مرّات بقتله (س، ع، ص)؛ ولكنّ (أ) لا يلتزم بهذا القيد إلّا إذا امتنع عن قتل (ب) حتّى إذا كان ذلك يمنع (ج)، بطريقة ما، من قتل (س، ع، ص).

وكثيرًا ما يُعتقَد بأنّ هنالك شيئًا من التناقض في الافتراضات الواجباتية المسبقة، كالتأكيد على أنّ الجميع ملزمون بالامتناع عن قتل الآخرين (دون استفزاز مسبق من الضحيّة).[ix] وهذا الاعتقاد يستند إلى فكرتين عواقبيتين معياريتين: (الأولى) أنّ تخطئة نوع معيّن من التصرّفات (مثلًا: القتل دون استفزاز مسبق من الضحيّة) يجب أن تتأتّى من سوء العواقب (النمطية) الناتجة عن أفعال من هذا القبيل؛ و(الثانية) أنّ سوء عواقب مجموعة من الأفعال، المنتمية لنوع معيّن، يمكن أن يتراكم على نحو يكون فيه إجمالي سوء النتائج المترتّبة عن مجموعة من الأفعال الخاطئة من هذا القبيل أكبر (بالطبع) من سوء النتائج المترتّبة عن فعل واحد من هذا القبيل. وعلى سبيل المثال: إنّ إجمالي السوء الذي يرافق قتل (ج) لـ(س، ع، ص)، دون استفزاز مسبق من الضحيّة، سيكون (بالطبع) أكبر من السوء الذي يرافق قتل (أ) لـ(ب)، دون استفزاز مسبق من الضحيّة؛ ويستلزم ذلك أن يكون من الخطأ (بالطبع) لـ(أ) أن يمتنع عن قتل (ب) إذا كان ذلك هو السبيل الوحيد لمنع (ج) من قتل (س، ع، ص)، دون استفزاز مسبق من الضحيّة. إنّ التناقض المفترض هنا يتمثّل في أنّ خطأ القتل (دون استفزاز مسبق من الضحيّة) يجب أن يستند إلى التخمين بأنّ الأفعال تؤدّي (بالطبع) إلى تأييد القتل (دون استفزاز مسبق من الضحيّة) في الحالات نفسها تمامًا التي يريد فيها مؤيّدو القيود الواجباتية التأكيد على خطئها. لكنّ بنية هذا التناقض الواجباتي تستند بقوّة إلى أفكار رفضها نوزيك في طريقه نحو التأكيد على القيود الجانبية الواجباتية.

ويقدّم نوزيك أيضًا مناقشة إضافية، تبدو أكثر تقليدية، لأسس القيود الأخلاقية التي يُستشهَد فيها بعدد من الملكات السامية التي يمتلكها الإنسان (في العادة) أو يُعتقَد بأنّه يمتلكها؛ ويذكر نوزيك منها: «الإحساس والإدراك الذاتي؛ العقلانية (القدرة على استخدام المفاهيم المجرّدة، وعدم التقيّد باستجابات لمحرّضات فورية)؛ امتلاك الإرادة الحرّة؛ أن يكون المرء كيانًا فاعلًا قادرًا على توجيه سلوكه بالمبادئ الأخلاقية وقادرًا على الانخراط في عملية متبادلة لوضع حدود لأدائه؛ وأن يكون للمرء روح» (ASU 48). ويضيف نوزيك لهذه القائمة: «القدرة على تنظيم وتوجيه حياته على نحو يتوافق مع مفهوم إجمالي يختار القبول به» (ASU 49). لكن هل يؤدّي وجود هذه الميزات غير الأخلاقية إلى تقديم ضمانات للقيود الأخلاقية ضدّ منع الأفراد من ممارسة هذه الملكات كما يشاؤون؟ إنّ نوزيك يسعى إلى تقوية أهمّية هذه الميزات من خلال الردّ بالمحاججة بأنّ المرء ليس بقادر على أن يعطي لحياته معنى إلّا إذا مارس هذه الملكات على نحو يتوافق مع خطّة إجمالية تخصّه هو وحده (ASU 50). وما يقترحه هنا هو أنّ معنوية الحياة، بشكل عامّ، ليست هي من يؤدّي دورًا حاسمًا في حياة الفرد، وإنّما ينبثق هذا الدور الحاسم من معنوية الحياة التي يعيشها عندما ينفّذ هو خطّة إجمالية لحياته.[x] ومع ذلك، يسأل نوزيك بعدها: لماذا لا نستعيض عن “السعادة” بـ”المعنوية” في النظرية المنفعية، ونسعى إلى الحدّ الأقصى من النتيجة الإجمالية لـ”المعنوية” للأشخاص في العالم؟ (ASU 50)؛ وهو أمر مفاجئ، لأنّ القارئ قد يتوقّع أن يقول نوزيك، بالتوافق مع حجّته بانفصال الأشخاص، بأنّ المقصود من أنّ (غاية كلّ فرد هو امتلاكه لحياة معنوية) ليس المنفعية المتحقّقة من حيوات معنوية، بل المقصود هو القيود الجانبية التي تحول دون التدخّل بمسعى كلّ فرد لحياة معنوية خاصّة به.

2. 4. التقليل من شأن الحقوق

إنّ تحليل نوزيك للحقوق يدخل منعطفًا مفاجئًا في الفصل الرابع الذي يتّصف بالتعقيد الشديد، والذي جاء تحت عنوان (الحظر، والتعويض، والمخاطرة) (Mack 1981)؛ إذ يوظّف نوزيك لغة الحقوق باعتبارها حدودًا أخلاقية، فيسأل عمّا إذا كانت كلّ الأفعال التي تتجاوز هذه الحدود جديرة بالحظر، أي: يُسمَح بالمعاقبة عليها.[xi] وجاء جوابه غير المتوقّع بأنّ الحظر قد لا يشمل كلّ تجاوز للحدود، فبعض حالات التجاوز ينبغي أن يُسمَح بها (حين لا يكون المعرّضين لها موافقين عليها) ما داموا يحصلون على التعويض المستحقّ. إن الافتراض المسبَق لنوزيك (ضمن هذا الفصل) يتمثّل في أنّ امتلاك (ب) لحقّ ما ضدّ (أ) بأن لا يقوم (أ) بالتعامل (م) تجاه (ب) لا يستلزم إمكانية حظر قيام (أ) بالتعامل (م) تجاه (ب) (ASU 59)، بل كل ما يستلزمه هو أن لـ(ب) الحقّ بأن لا يقوم (أ) بالتعامل (م) تجاه (ب) إلّا إذا قدّم له التعويض المستحقّ.[xii] فكلّ ما يستلزمه هو أنّ (ب) يملك حقّ الادّعاء ضدّ (أ) بأنّ لا يؤدّي إيقاع (أ) للتعامل (م) على (ب) بنقص في القيمة الصافية للمنافع والرخاء عند (ب).

ويمكننا أن نصف وضع نوزيك هذا بالاستفادة من التمييز الشائع حاليًا بين الادّعاءات التي تحميها قواعد الملكية وبين الادّعاءات التي تحميها قواعد المسؤولية القانونية (ASU 338n6)؛ فما يدّعيه المرء بما يتعلّق بشيء ما (ش) تحميه قاعدة ملكية إذا كان من اللازم السماح له بالتصرّف بـ(ش) على النحو الذي يراه مناسبًا، وما دام يمتثل للقيود الجانبية القابلة للتطبيق؛ وينبغي أن لا يتمكّن الآخرون من حرمان المرء من خياراته المتعلّقة بـ(ش)، حتّى وإن كانوا يعوّضونه أيضًا عن ما يحدث من خسارة في المنفعة أو الرخاء جرّاء منعه من التصرّف بـ(ش) على النحو الذي يراه مناسبًا. وفي مقابل ذلك، فإنّ ادّعاء المرء في ما يتعلق بـ(ش) لا يحميه سوى قاعدة للمسؤولية القانونية إذا كان للآخرين أن يحدّدوا (دون موافقة المرء) ماذا يُفعَل لـ(ش) ما داموا يقدّمون التعويض المستحقّ مقابل الخسارة المصاحبة التي تلحق بالمنفعة أو الرخاء. وفي الفصل الرابع يبدو أنّ نوزيك يفترض بأنّ كلّ ما (يستلزمه) امتلاك المرء لحقٍّ ما هو أن يكون له ادّعاء تحميه قاعدة للمسؤولية القانونية.

ولا شكّ في أنّه قد يكون من المستحيل، أو فائق الصعوبة، على (أ) أن يقدّم التعويض المستحقّ لـ(ب) لقيامه بالتعامل (م)، في بعض الحالات المشابهة لما يحدث حين يتضمّن (م) قتل (ب). وعلاوة على ذلك، إذا كان من المستحيل، أو فائق الصعوبة، على (أ) أن يقدّم التعويض المستحقّ لـ(ب) مقابل انتهاكٍ ما للحدود، فإنّ (أ) يجب عليه أن لا يتجاوز الحدود دون موافقة (ب). فـ(الارتباط) بين الادّعاء المحمي بقاعدة للمسؤولية القانونية وبين استحالة أو صعوبة تقديم التعويض المستحقّ يتمخّض عن أمر (يتماثل) مع ادّعاء تحميه قاعدة للملكية يتمتّع به (ب) ضدّ فرض (أ) للتعامل (م) عليه. والظروف الأخرى التي تجعل تقديم التعويض المستحقّ أمرًا مستحيلًا أو صعبًا تقوّي ما كان ليكون لولاها مجرّد ادّعاء محمي بقاعدة للمسؤولية القانونية ضدّ التعرّض للتعامل (م) فيصبح أمرًا (يتماثل) مع ادّعاء محمي بقاعدة للملكية ضدّ التعرّض للتعامل (م). ويعتقد نوزيك، كما سنرى في القسم القادم، بأنّ هذه الظروف المقوّية تخترق كلّ المجالات، ولذلك فإنّ من الأمور التي يفعلها نوزيك في الفصل الرابع المعقّد هو المحاججة بأنّه حتّى إذا بدأنا من فهم الحقوق على أساس قاعدة المسؤولية القانونية، وهو فهم متواضع نسبيًا، فيمكننا أن نصل إلى استنتاج مفاده أنّ معظم الحقوق تتمتّع بقوّة الادّعاءات التي تحميها قواعد الملكية.

وربّما ينبغي علينا أن لا نتفاجأ كثيرًا عندما نقرأ في الفصل الرابع افتراض نوزيك بأنّ الحقوق، في نفسها، مجرّد ادّعاءات تحميها قواعد المسؤولية القانونية. وهنا يجب أن نتذكر الدور الحاسم الذي أسنده نوزيك للحقوق الطبيعية في محاججته بانفصال الأشخاص؛ وهذا الدور يتمثّل في تزويد الأفراد بالحماية الأخلاقية ضدّ فرض التضحيات (أي: الخسائر الصافية) عليهم. وإذا أرادت الحقوق أن تؤدّي (هذا) الدور فما عليها سوى أن تشترط ترافق جميع حالات انتهاكات الحدود مع التعويض المستحقّ (وأن لا يُسمَح بهذه الانتهاكات عندما لا تكون هنالك جدوى عملية لتقديم التعويض المصاحب).

لكنّ تركيز نوزيك على أنّ للحقوق دور حماية الأفراد من فرض الخسائر الصافية عليهم قد أثار لديه هواجس حول ما إذا كانت الاستعانة بها تقدّم ما كان يفضّله من الحماية القوية ضدّ الأبوية.[xiii] فإذا لم تكن الحقوق، في نفسها، سوى ادّعاءات ضدّ تعرّض المرء لنقص في القيمة الصافية لمنافعه أو رخائه بسبب تدخّلات معيّنة، فلن يكون للمرء حينها الحقّ ضدّ التدخّلات التي تزيد القيمة الصافية لمنافعه أو رخائه. والحجج التي «من شأنها أن تحظر التضحية بشخص لمنفعة شخص آخر» لن تكون نفسها الحجج التي تقدّم «حظرًا ضدّ الاعتداء الأبوي» (ASU 34). فالحقوق المضادّة للتدخّلات الأبوية، والتي تخدم فعلًا مصالح الفريق الذي يتعرّض لها، يجب أن تحمي خيارات هذا الفريق، ومن ضمنها حتّى الخيارات التي تنقص منافع هذا الفريق أو رخاءه.

ويضاف إلى ما سبق أنّ الرأي القائل بأنّ الحقوق في نفسها ادّعاءات محمية بقواعد للملكية لا ينسجم بشكل جيّد مع الطابع العام لكتاب نوزيك؛ إذ لا يبدأ نوزيك كتابه بالإعلان بأنّ هنالك أمورًا ينبغي أن لا تُفعَل للأفراد (ما لم يحصلوا على التعويض المستحقّ، حتمًا). وكذلك فإنّ قاعدة المسؤولية القانونية المفسّرة للحقوق لا تتلاءم بشكل جيّد مع تأكيد نوزيك على عدم قابلية انتهاك حقوق الأفراد، اي: الادّعاء الكانتي بأنّ الأفراد «ينبغي أن لا يضحّى بهم أو (يستخدموا) لتحقيق غايات الآخرين دون موافقتهم» (ASU 31)، أو السيادة الأخلاقية للأفراد (ASU 34). وفي الواقع، نجد نوزيك نفسه يقول عند نقطة ما بأنّ «المنظومة التي تسمح بانتهاك الحدود، مع دفعها للتعويض، هي منظومة (تجسّد استخدام الأشخاص كوسائل)» (ASU 71). فهي تجسّد استخدام الأشخاص كوسائل لأنّها تسمح بمثل هذا الاستخدام ما دام النقص بعيدًا عن القيمة الصافية لمنافع الفريق المستخدَم أو رخائه؛ وإنّ تقديم التعويض المستحقّ يتضادّ بمفعوله مع الخسارة المفروضة في المنافع أو الخيار، لكنّه لا يتضادّ مع الاستخدام.

وفي القسم التالي سنركّز الاهتمام على استخدام نوزيك لهذا التقليل من شأن قاعدة المسؤولية القانونية في الحقوق عند ردّه على اللاسلطوية؛ لكن يجب علينا أن نشير أنّ نوزيك بعد أن ينتهي من الردّ يعود إلى فهم الحقوق بالاستناد إلى قاعدة الملكية، وهو فهم أكثر متانة. ولهذا نجده يقول في الفصل السابع حول (العدالة التوزيعية): «إنّ النواة المركزية لفكرة وجود حقوق ملكية بشيء ما (ش) […] هي الحقّ بتحديد ما يُفعَل به، أي: الحقّ باختيار أيّ من المجموعات المقيّدة من الخيارات المتعلّقة بـ(ش) يمكن تحقيقه أو محاولة تحقيقه» (ص171). فامتلاك حقّ بـ(ش) هو امتلاك ادّعاء تحميه قاعدة للملكية، ولا يسمح بتدخّل الآخرين في فعل المرء ما يراه مناسبًا بـ(ش)، حتّى إذا حصل المرء على التعويض المستحقّ مقابل ما فُرِض عليه من خسائر في المنفعة أو الرخاء. ويمضي نوزيك في توسيع هذا التفسير لقاعدة الملكية ليشمل حقوق الناس بأنفسهم وبعملهم: «إنّ فكرة الملكية تساعدنا على فهم السبب الذي جعل أوائل المنظّرين يتكلّمون عن امتلاك الناس لأنفسهم ولعملهم؛ إذ اعتبروا أنّ كلّ شخص يمتلك الحقّ بتقرير ما سيكون عليه وما سيفعل» (ASU 171).

وفي الواقع، إنّ نوزيك يحاجج في الفصل السابع بأن الاستيلاء على ثمار عمل أيّ شخص أمر لا يسمح به لأنّه يتضمّن أخذ الوقت الذي كرّسه هذا الشخص لهذا العمل دون موافقته. وليس هنالك أيّ تلميح ضئيل بأنّ أخذ ذلك الوقت دون موافقة الفريق الآخر يمكن أن يكون مباحًا إذا أمكن تقديم التعويض المستحقّ للفريق الآخر، وليست هنالك أيّة إشارة ضئيلة إلى أنّ اشتراط موافقة هذا الفرد على أيّ أخذ تعتمد على ما إذا كان التعويض المستحقّ مقابل هذا الأخذ ممكنًا أو فائق الصعوبة.

ويجب أن نشير أيضًا إلى أنّ المقطع الذي يذكر فيه نوزيك أوائل المنظّرين الذين تكلّموا عن امتلاك الناس لأنفسهم هو أقرب ما وصل إليه نوزيك من صياغة موقفه الخاصّ في ما يتعلّق بعقيدته في (الملكية الذاتية)؛ فخلافًا للعرض الشائع للعقيدة النوزيكية، ليس هنالك أيّ ذكر للملكية الذاتية في القسم الأوّل الذي يناقش فيه نظرية الحالة الطبيعية.[xiv] فعلى امتداد القسم الأوّل يبدو نوزيك راضيًا بجعل القارئ يذكر من عنده محتوى القيود الأخلاقية الجانبية من خلال الاستعانة بحدس القارئ الذي يدرك أنّه إذا كان هنالك أيّة قيود جانبية أخلاقية فلا بدّ أن تتضمّن قيودًا ضدّ القتل والاعتداء والتشويه والاستعباد (دون استفزاز مسبَق)، وقد نجد تلميحًا ضئيلًا بأنّ كلّ هذه القيود يمكن تصنيفها باعتبارها قيدًا عامًّا ضدّ الاعتداء (ASU 34). (يبدو مع ذلك أنّ الاعتداء نفسه يتطلّب تفسيرًا مطوّلًا على أساس تحديد مسبق ومستقل لحقوق الأشخاص).

وبالمجمل، يصرّ نوزيك على أنّ هنالك شيء ما بشأن انفصال الأشخاص (شيء حول ملاءمة الاعتقاد بأنّ لكلّ شخص الحقّ بأن يسعى خلف غايته الخاصّة به على النحو الذي يختاره) لا يجعلها تؤدّي، فقط، إلى تدمير الرؤية القائلة بأنّ الأفراد يجب عليهم التضحية بأنفسهم (وبالآخرين) من أجل الصالح العام. فبعيدًا عن هذا التدمير، نجد أنّ الانفصال بين الأشخاص يقدّم دعمًا مؤكّدًا لامتلاك كلّ فرد لادّعاءات أخلاقية أساسية وعريضة وطبيعية وسالبة لا يمكن للأطراف الفاعلة الأخرى أن تطالب بها. وإنّ ما يريده نوزيك هو انتقال مقنع ومفصّل بوضوح من امتلاك كلّ فرد لغايات خاصّة به يحكم العقل بسلامة السعي خلفها (وبالتالي: عدم وجود موازنة أخلاقية مناسبة بين الأشخاص) إلى امتلاك كلّ فرد لمكانة أخلاقية مقابل الآخرين تقدّم لهم أسبابًا تجعلهم يمتنعون عن التدخّل في مساعيه التي اختارها حتّى وإن كان هذا التدخّل على نحو يزيد من القيمة الصافية لمنافعه. ويورد نوزيك مادّة فكرية توحي بهذا الانتقال، لكنّها لا تدافع عنه بشكل مقنع مطلقًا. ويفشل نوزيك أيضًا فيي التعامل مع السؤال الصعب حول التفوّق الدائم للحقوق على اعتبارات الصالح الشخصي أو الاجتماعي، ربّما باستثناء حالة تجنّب «الرعب الأخلاقي الكارثي» (AUS 29 footnote*).

3. دولة الحدّ الأدنى قبالة اللاسلطوية الفردانية

إنّ الهدف الرسمي للقسم الأوّل من كتاب (اللاسلطوية والدولة واليوتوپيا) هو نقض ادّعاء اللاسلطوية الفردانية بأنّه لا يمكن لأيّ دولة أن تتمتّع بالشرعية، حتّى دولة الحدّ الأدنى المكلّفة بالمهام الأمنية وحسب.[xv] وعلى هذا الأساس فإنّ القسم الأوّل مكرّس لما يعتبره نوزيك المسألة الرئيسية في الفلسفة السياسية، أي: «ما إذا كان ينبغي أن يكون هنالك أيّة دولة على الإطلاق» (ASU 4). ويسعى نوزيك لنقض الادّعاء اللاسلطوي بأن يبيّن كيف أنّ دولة الحدّ الأدنى (في أساسها، هي الدولة المحدودة بحماية حقوق الشخص والملكية والعقود) يمكن أن تنشأ دون انتهاك الحقوق. وفي موضع لاحق من هذا القسم سيتوجّب علينا أن نناقش السبب الذي يجعل نوزيك يركز على ما إذا كان يمكن لدولة الحدّ الأدنى أن (تنشأ) دون انتهاك الحقوق، عوضًا عن التركيز على ما إذا كان يمكن لدولة الحدّ الأدنى أن (تؤدّي عملها) دون انتهاك الحقوق.

3. 1. تحدّي اللاسلطوية الفردانية

يتوقّع نوزيك أن جهدًا جهيدًا يتطلّبه الردّ على الادّعاء اللاسلطوي الفرداني، والسبب في ذلك هو، تحديدًا، أنّ هذا النوع من اللادولانية متجذّر هو نفسه في الحقوق الأخلاقية التي أعلنها نوزيك. وفي الواقع، فإن نسبة نوزيك طرحه إلى الأفراد ذوي الحقوق الأخلاقية السالبة الماقبل-سياسية والماقبل-تعاقدية يرينا أنّ هذه الحقوق قد تؤدّي إلى التوسع الشديد في الحدّ من الاستخدام المباح للقوّة إلى مدى لا يدع مجالًا لأيّة دولة مقبولة أخلاقيًا: «إنّ هذه الحقوق تبلغ من القوّة والامتداد حدًا يبرز معه السؤال عن ما إذا كان هنالك شيء يمكن أن تفعله الدولة ومسؤولوها. فما هو المجال الذي تتركه حقوق الأفراد للدولة؟» (ASU ix).

وإذا أردنا أن نستوضح الردّ الذي أدلى به نوزيك فلا بدّ قبل كلّ شيء من أن نستوضح بشأن البنية البديلة لحماية الحقوق التي ترتئيها اللاسلطوية الفردانية، ثم نحتاج بعدها لتحديد واضح للتحدّي نفسه الذي يقف بوجه نوزيك.

إذن يتّفق نوزيك واللاسلطوية الفردانية، أوّلًا، على التمييز بين امتلاك الأفراد للحقوق وبين امتلاكهم لحقوق بحماية حقوقهم؛ فامتلاك المرء لحقٍّ على الآخرين بأن لا يعتدوا عليه شيء، وامتلاكه لحقٍّ على الآخرين بأن يحموه ضدّ الاعتداء شيء آخر. وبما أنّ حقّ المرء بالحماية ضدّ انتهاكات الآخرين لحقّه هو حقّ موجب، فلا بدّ أن ينشأ هذا الحقّ من خلال تفاعل خاصّ ما بين الكيان الفاعل الذي يكتسب الحقّ وبين الكيان الفاعل الذي يكتسب الالتزام المصاحب؛ والشكل الأكثر شيوعًا لهذا التفاعل الخاصّ الذي ينشأ عنه امتلاك كيان فاعل لحقّ موجب على الآخرين هو: التعاقد؛ لكنّ نوزيك واللاسلطوية الفردانية يتّفقان على أنّ التاريخ لم يشهد قطّ ظهور أيّ عقد اجتماعي عامّ يكتسب بموجبه الأفراد عمومًا، بعضهم من بعض، حقوقًا موجبة بحماية عقودهم الماقبل-تعاقدية، وأنّ «الموافقة الضمنية لا تساوي قيمة الورق الذي لم تكتب عليه» (ASU 287)، وعليه، فإذا كان الناس يرغبون باكتساب حقوق تحمي حقوقًا أخرى فلا بدّ أن يتسوّقوها (في الجزء الأكبر من العملية على الأقلّ).

علاوة على ذلك، تؤكّد اللاسلطوية الفردانية، وتوجّهات نوزيك تشير إلى أنّه شديد الميل لموافقتها في هذا الرأي، بأنّ متسوّقي أيّ نوع من الخدمات يقومون بتسوّقهم على النحو الأمثل عندما يكون هنالك سوق تنافسي يعرض هذا النوع من الخدمات؛ فالمنافسة بين مزوّدي خدمة حماية الحقوق، من ذوي النوايا الحسنة، ستحفّز انخفاض الأسعار و/أو ارتفاع مستوى النوعية في هذه الخدمة، بما في ذلك: خدمة الحماية من الوكالات “الخارجة عن القانون” التي تسعى لمساعدة منتهكي الحقوق أو حمايتهم. وإنّ مصلحة المشترين، من ذوي النوايا الحسنة، لخدمة حماية الحقوق في حلّ الخلافات غير العنفية ستضغط على من ينافسهم في التزويد بهذه الخدمة للانضمام لاتّفاقات تتّصف بصرامة أكبر في رسم الحدود لزبائنها ووضع إجراءات لحلّ الخلافات في ما بينهم. وإنّ أيّة وكالة حمائية ليست جزءًا من شبكة متينة لإجراءات تخفيف وحلّ النزاعات في الاتفاقيات ستكون في موقع تنافسي سيّئٍ جدًّا؛ ويشير نوزيك للشبكة الناتجة بـ(التعاونية الحمائية المهيمنة)، وهو يتعامل مع مسألة ما إذا كانت دولة الحدّ الأدنى يمكن أن تنشأ دون انتهاك الحقوق باعتبارها مسألة متعلّقة بما إذا كانت تلك التعاونية الحمائية المهيمنة قادرةً على التطوّر إلى دولة حدّ أدنى دون انتهاك الحقوق.

وثانيًا، يؤكّد اللاسلطويون من أمثال روثبارد على أنّ إنشاء الدولة وإدامتها، حتّى دولة الحدّ الأدنى، ينتهك الحقوق من طريقين رئيسيين: أوّلهما أنّ حتّى دولة الحدّ الأدنى تنشأ وتديم نفسها من خلال الضرائب المفروضة، وثانيهما أنّ حتّى دولة الحدّ الأدنى تنشأ وتديم نفسها من خلال ممارسة التعطيل أو التحكّم الإجباري ضدّ الوكلات الحمائية المنافسة. لكنّ دولة الحدّ الأدنى التي يسعى نوزيك للدفاع عنها ليست معرّضة، بكلّ بساطة، لأوّل هذين التحدّيين، وذلك لأنّ دولة الحدّ الأدنى عند نوزيك لا تقوم بفرض الضرائب، حتّى لو كان ذلك لتمويل نشاطاتها لحماية الحقوق، وذلك على الرغم من التعابير التي لم يفلح نوزيك باختيارها فأوحت بأنّه يعتقد خلاف ذلك (ASU 26-27).[xvi] فدولة الحدّ الأدنى عند نوزيك لا تحظر على الأفراد الذين يتفاعلون مع الوكالات الزبونة لديها أن يصبحوا زبائن للوكالات المنافسة (والتي لا تخضع لإشراف دولة الحدّ الأدنى وقيودها)، لكنّها لا تشترط على الجميع التسجيل في خدماتها، أمّا اللاسلطويون المبدئيون، وحتّى الأفراد الذين يرغبون بالانتفاع المجّاني من التعطيل الإجمالي الذي تمارسه دولة الحدّ الأدنى ضدّ منتهكي الحقوق،[xvii] لهم الحرية، من الناحية الأخلاقية، بالتصرّف كما يشاؤون.

لكن إذا كان يُراد لأيّ (دولة)، حتّى دولة الحدّ الأدنى، أن تكون مؤسّسة فلا بدّ أن يكون لها نوع ما من احتكار استخدام القوّة الإجبارية في نطاق واسع بما فيه الكفاية من الرقعة الجغرافية أو المجموعة البشرية. فمنزلة (الدولة) ضمن رقعة جغرافية أو مجموعة بشرية لا تبلغها الوكالة إلّا إذا حقّقت نجاحًا كافيًا في طموحها إلى أن تكون الطرف الذي يعطّل كلّ الأطراف الأخرى التي تسعى للانخراط في ممارسة القوّة لانتهاك الحقوق، وأن تكون (على الأقلّ) الطرف الذي يتحكّم بالأطراف الأخرى التي تسعى للانخراط في ممارسة القوّة لحماية الحقوق. ومن هنا فإنّ الوكالة الحمائية إذا أرادت أن تكتسب منزلة الدولة فلا بدّ لها من أحد أمرين: إمّا أن توقف عملها، وإمّا أن تمارس تحكّمًا واسعًا بالوكالات (غير الخارجة عن القانون)؛ وباختصار: يبدو أنّ عليها أن تتصرّف تجاه تلك الوكالات المنافسة بطرائق قد يعلن نوزيك عدم إمكانية السماح بها ضمن الأطراف المتنافسة على التزويد بأيّة خدمة أخرى. ويتوجّب على نوزيك هنا أن يحاول مواجهة التحدّي الثاني الذي تطرحه اللاسلطوية بمحاججته بأنّ ما تقوم به الوكالة الحمائية المهيمنة من تأسيس احتكارية للخدمات الحمائية له سماته التي تجعله يختلف عن النموذج المعياري لتعطيل المنافسين أو التحكّم بهم.

3. 2. الردّ على التحدّي اللاسلطوي

قبل أن ننتقل للنظر في كيفية تعامل نوزيك مع هذا التحدّي، ومدى نجاحه في الردّ عليه، لا بدّ لنا من الانتباه لما قام به من نقلة تمهيدية تثير التساؤل؛ فعندما يذكر نوزيك الاتّفاقات التي قد تدخلها الوكالات المختلفة من أجل ضمان عملية مرنة وغير عنفية لحلّ الخلافات، تجده يتحدّث عن انبثاق «منظومة لمحاكم الاستئناف ولقواعد متّفق عليها لتعيين سلطة القضاء والتعامل مع تنازع القوانين». وهو يعترف بأنّ انبثاق هذه المنظومة يتيح استمرار عمل «الوكالات المختلفة»، لكنّه يقول عندها بأنّ النتيجة هي «منظومة قضائية فيدرالية موحّدة واحدة يندرج الكلّ فيها كمكوّنات [يفترض أنّه يعني بالكلّ هنا: الوكالات المتنوّعة]» (ASU 16). وعلى أساس هذا الوصف لنتيجة العملية الشبكية فإنّ نوزيك يبرّر لنفسه الحديث عن نشوء تعاونية حمائية مهيمنة (ما) تتّصف بأنّها موحّدة وفيدرالية.

ويبدو أنّ هذه اللغة تخفي وراءها الوجود المستمرّ لـ”وكالات مختلفة” يرجَّح تنافسها في ما بينها لا على صعيد السعر فحسب بل على صعيد حزم الخدمات الحمائية التي تعرضها كاستجابة للطلب المتنوّع من قبل المستهلك على هذه الخدمات. ولهذا فإنّ نوزيك يواجه مشكلة حتّى إذا نجح في تبيين أنّ الاتّحاد (الكونفيدرالي) للشركات المنبثق عن هذه العملية الشبكية ربّما يلغي، على نحو مباح، منافسيها غير الخارجين على القانون؛ وذلك لأنّ هذه العملية قد تبقي الكثير جدًّا من المنافسة (بين أعضاء الاتّحاد الكونفيدرالي) الذين يشكّلون التعاونية المهيمنة، وهذا القدر المفرط من المنافسة لا يجعلها مؤهّلة بحمل اسم الدولة (Childs 1977 and Mack 1978).

إذا وضعنا تلك المشكلة الابتدائية جانبًا، فمن السبل الممكنة لنوزيك كي يردّ على التحدّي اللاسلطوي أن يصرّ على أنّ التعاونية الحمائية المهيمنة ستلغي منافسيها (دون) استخدام القوّة الإجبارية. وربّما يمكن الاستناد إلى حجّة ما بشأن الإنتاج والتزويد بحماية الحقوق لجعل المشروع احتكارية (طبيعية)؛ ويبدو أنّ نوزيك يسعى لسلوك هذا السبيل عندما يسأل السؤال التالي ويجيب عليه: «لماذا قد تنشأ احتكارية فعلية في هذا السوق دون تدخّل الحكومة، مع أنّ هذا التدخّل يخلق هذه الاحتكارية ويديمها في المواضع الأخرى؟» (ASU 17) ويجيب على هذا السؤال بأنّ قيمة الخدمات الحمائية التي تعرضها أيّة وكالة ستزيد عدد زبائنها، ويفترض أنّ سبب ذلك يعود إلى أنّ حلّ الخلافات بين زبائن الوكالة نفسها سيكون أرخص أو أسرع بالمقارنة مع حلّ الخلافات بين زبائن الوكالات المتنافسة. ولهذا فإنّ زبائن الوكالات المتنافسة سينتقلون للتعاونية المهيمنة، وهذا الانتقال سيزيد من الحافز الذي يدفع الآخرين لسلوك السبيل نفسه.[xviii]

ومع ذلك، فإنّ هذا الادّعاء حول ميل الاحتكارية “الفعلية” إلى الانبثاق ضمن مجال العمل بحماية الحقوق لا ينتوي نوزيك من ورائه سوى شرح انبثاق تعاونية حمائية مهيمنة، وليس شرح ما يسمح به لهذه التعاونية من تعطيل أو تحكّم تجاه ما يتبقّى من منافسين غير خارجين عن القانون. ونوزيك يقبل الحجّة اللاسلطوية المخالفة التي ترى بأنّه إذا كان يراد للوكالة أن تنشأ أو تديم نفسها ضمن الدولة فلا بدّ لها من ممارسة التعطيل أو التحكّم تجاه منافسيها غير الخارجين عن القانون، سواء كانوا حقيقيين أو محتملين، وهو يردّ على هذه الحجّة بالخوض في شرح كيف أنّ ما تقوم به التعاونية المهيمنة من تعطيل أو تحكّم تجاه منافسيها غير الخارجين عن القانون ليس انتهاكًا لحقوق هؤلاء المنافسين، وإن كانوا غير خارجين على القانون.

إنّ حجّة نوزيك تستند إلى ما أشرنا إليه في قسم سابق حول التقليل المفاجئ من قيمة الحقوق، أي: الفكرة التي تقول بأنّ الحقوق هي في نفسها ادّعاءات تحميها قواعد المسؤولية القانونية؛ فإذا غابت الشروط الإضافية التي تجعل التعويض المستحقّ ضد الانتهاكات أمرًا مستحيلًا أو فائق الصعوبة، فلا تكون الحقوق حينها سوى ادّعاءات بالتعويض المستحقّ في حالة الخسارة الناتجة عن تدخّلات محدّدة. وبحسب هذا التفسير للحقوق، فإنّ البنية الأساسية لردّ نوزيك على اللاسلطوية تتّصف بأنّها بسيطة تمامًا، فحقوق الوكالات الحمائية غير الخارجة عن القانون (والكيانات المستقلّة التي تحمي نفسها دون الخروج عن القانون) بالانخراط في ما تختاره من عمليات ليست إلّا ادّعاءات تحميها قواعد المسؤولية القانونية؛ وعليه فإنّ هذه العمليات يمكن التدخّل بها ما دام هذا التدخّل يرافقه دفع التعويض المستحقّ لمن يتعرّض له. ولم يخطئ اللاسلطويون بقولهم بأنّ هذه الوكالات والأفراد غير الخارجين عن القانون تمتلك حقوقًا بعدم التدخّل في عملها، لكنّهم أخطؤوا في الاعتقاد بأنّ هذه الحقوق تحظر التدخّل.

ولا شكّ في أن هذه الحجّة تحتاج مقدّمة منطقية إضافية، وهي: أنّه لن يكون من المستحيل أو فائق الصعوبة دفع التعويض المستحقّ لهذه الوكالات والأفراد غير الخارجين عن القانون مقابل التدخّل بنشاطاتهم الحمائية الخاصّة بهم، ولذلك فإنّ ادّعاءاتهم ضدّ أمثال هذه التدخّلات لا تكتسب قوّة الادّعاءات المحمية بقواعد الملكية (إذا تمكّنت الادّعاءات من اكتساب هذه القوّة فعلًا فإنّ اللاسلطويين محقّون في إدانتهم لتدخّل التعاونية المهيمنة بعمل هذه الوكالات أو الأفراد). ولدعم هذه المقدّمة المنطقية الإضافية يحتاج نوزيك لاستقصاء الظروف التي تجعل من المستحيل أو فائق الصعوبة دفع التعويض المستحقّ لتخطّي الحدود؛ فالحدّ لا يكتسب قوّة الادّعاء المحمي بقواعد الملكية إلّا عند توافر هذا الشرط؛ ومعظم التعقيد (والإبهام) في الفصل الرابع من الكتاب منشؤه هذا الاستقصاء.

إنّ هنالك بعض حالات تخطّي الحدود (كالقتل، أو التشويه، أو الاستعباد الأبدي) التي يكون التعويض فيها مستحيلًا بكلّ بساطة: «إذا كانت بعض الأضرار غير قابلة للتعويض فلن تندرج ضمن سياسة (المباح ما دام دفع التعويض ممكنًا)؛ وإلّا فهي قد تصبح مباحة عند دفع التعويض، لكن بما أنّ التعويض لا يستطيع دفعه أيّ أحد تصبح هذه الأفعال غير مباحة من الناحية الفعلية» (ASU 65-66).

ومع ذلك فإنّ نوزيك يركّز على عاملين يحدثان تعقيدًا شديدًا في مهمّة تحديد التعويض المستحقّ لحالات تخطّي الحدود، وأوّلهما هو: الخوف (ASU 65-71)، وإليك إحدى الطرائق التي يؤدّي فيها الخوف إلى تعقيد تحديد التعويض المستحقّ: لنفترض أنّنا نتعامل مع (حقّ كلّ فرد بعدم كسر ذراعه) باعتباره حقًّا تحميه قاعدة للمسؤولية القانونية، ولنفترض بالإضافة إلى ذلك أنّنا نعلم مقدار التعويض المستحقّ المتوجّب دفعه عند كسر ذراع أحدهم، فعلى هذا الأساس نقوم بالسماح بكسر ذراع أحدهم دون موافقته ما دام الجاني يقدّم التعويض المستحقّ لضحيّة هذا العمل؛ وسيكون تأثير ذلك أن يخاف الكثير من الناس تعرّض أذرعهم للكسر دون أن يحصلوا أبدًا على تعويض مقابل هذا الخوف لأنّ أذرعهم لن تتعرّض للكسر فعليًا.[xix] أمّا إذا كان ينبغي تعويض الناس مقابل هذا الخوف، بكلّ بساطة، فإنّ الأشخاص الذين تبثّ تصرّفاتهم الخوف ربّما سيتوجّب عليهم دفع مبالغ للتعويض على الرغم من أنّهم لم يكسروا في الواقع ذراع أيّ أحد. ويمكن التخفيف من هذا النوع من المشكلات إذا كان (حقّ كلّ فرد بعدم كسر ذراعه) ادّعاء يحميه حقّ ملكية.

والعامل الثاني الذي يعقّد الاستعانة بدفع التعويض المستحقّ مقابل حالات تخطّي الحدود دون موافقة هو الحقيقة التي تقول بأنّ العملية الأفضل لتحديد التعويض المستحقّ مقابل التخطّي هو اشتراط التفاوض المسبق مع الفريق المعرّض للتخطّي وموافقته (ASU 63-65). فالسبيل الأمثل لتحديد التعويض المستحقّ لـ(أ) مقابل كسر ذراعه من قبل (ب) هو معرفة المبلغ الذي سيقبل به (أ) مقابل السماح لـ(ب) بكسر ذراعه، لكنّ هذا الأمر يتطلّب (حظر) القيام بتخطّي الحدود الذي نناقشه ما لم يوافق عليه من يتعرّض له. وعندما يكون التفاوض المسبق بين من يتعرّض للفعل (ب) ومن يقوم به (أ) مجديًا من الناحية العملية فإنّ السبيل الأمثل لدفع التعويض المستحقّ لـ(أ)، والذي يقتضيه فهم قاعدة المسؤولية القانونية لحقّ (أ)، يتمثّل في التعامل مع حقّ (أ) مقابل الفعل المقترح من (ب) باعتباره ادّعاء تحميه قاعدة للملكية. وخصوصًا بسبب الجدوى العملية المعتادة للتفاوض المسبق بين هذين الفريقين، فحتّى الحقوق التي هي ذاتها لا يحميها غير قواعد المسؤولية القانونية تُعامَل في العادة كحدود لا يمكن تخطّيها دون موافقة.

ويصف نوزيك مهمّة تحديد مقدار التعويض المستحقّ لـ(أ) بسبب تعرّضه للفعل الذي اختاره (ب) بأنّها مهمّة لتحديد التقسيم العادل للمنافع التي ولّدها فعل (ب)؛ إذ يربح (ب) بسبب فعله، لكنّ العدالة تقتضي أن يشارك (أ) أرباحه هذه، خصوصًا بما أنّ التأثير الفوري لفعل (ب) هو تكبّد (أ) لخسارة. والتقسيم العادل للمنافع هو التقسيم الذي يسوّي به (أ) و(ب) خلافهما بالترابط مع موافقة (أ) بأن يتعرّض للفعل المشار إليه. وإنّ العملية الأفضل لتحديد شروط هذه التسوية هي اشتراط وجود التفاوض والموافقة مسبقًا، وذلك عندما يكون الوجود المسبق لهذين العاملين مجديًا من الناحية العملية.

يمكننا الآن العودة إلى الحجّة الجوهرية التي يطرحها نوزيك ضدّ التحدّي اللاسلطوي، إذ يدعو إلى تمييز ثلاثي الطبقات بين الوكالات والأفراد ممّن يعملون خارج إطار التعاونية الحمائية المهيمنة. ففي إحدى نهايتي الطيف نجد الوكالات الخارجة عن القانون أو الأفراد المتمردين، وهؤلاء إمّا يهدفون إلى القيام بأفعال تتخطّى الحدود وإمّا يتصرّفون بشكل طائش أو مهمل ينتج أخطارًا جسيمة تهدّد بتعرّض الحدود للتخطّي؛ وما يقوم به هؤلاء يمكن تعطيله بكلّ بساطة من أجل حماية ما يهدّدونه من حقوق.[xx] وفي النهاية الأخرى للطيف نجد الوكالات أو الأفراد الذين تعلم التعاونية المهيمنة أنّهم يسعون إلى حماية الحقوق بسبل لا تتميّز بأرجحية أكبر في انتهاك حقوق زبائن التعاونية نفسها بالمقارنة مع أرجحية انتهاك الحقوق في عمليات التعاونية نفسها. فبالنظر لعمليات هذه التعاونية نجد أنّها تعلن بصدق بأنّ زبائنها لهم الحقّ بعدم التعرّض لنشاطات تلك الوكالات والأفراد ذات السلوك الحسن (لكنّ التعاونية قد تعلم حسن السلوك هذا تحديدًا من خلال مراقبة هذه الوكالات والأفراد). وفي منتصف الطيف نجد الوكالات والأفراد التي تتّصف عملياتها بأنّها لا تبلغ من المخاطرة حدّ تبرير الحظر الواضح والصريح، لكنّها تبلغ حدًّا يكفي لتمتّع أصحاب الحقوق المهدّدة بشيء من التبرير القائم على الحقوق لتعطيل هذه العمليات.

ويرى نوزيك بأنّه لن يكون هنالك جواب جيّد للسؤال عن الكيفية التي ينبغي أن تعمل وفقها التعاونية المهيمنة في ما يخصّ الوكالات التي تقع في منتصف الطيف إذا توجّب على التعاونية أن تختار بين التعطيل الواضح والصريح وبين تأمين الموافقة الطوعية لهذه الوكالات على إيقاف عملياتها أو تعديلها. لكنّ من حسن الحظّ أنّ هنالك أسلوبًا وسطًا للتصرّف يتاح أمام التعاونية المهيمنة، أي: تخطّي الحدود التي تحمي العمليات المخاطِرة غير المقبولة مع الالتزام في الوقت نفسه بتعويض المتعرّضين لهذا التخطّي. ويقول نوزيك: «ربّما يعترض معترض بالقول بأنّك إمّا أن يكون لك الحقّ بحظر هذه النشاطات المخاطرة وإمّا لا؛ فإذا كان لك هذا الحقّ فلا حاجة بعدها لتعويض الناس مقابل أن تفعل بهم ما لك الحقّ بفعله، وإن لم يكن لك هذا الحقّ فعليك أن تتوقّف بكل بساطة عن ذلك الحظر. […] لكنّ من الاختصار المخلّ لهذه المعضلة أن نوجزها بالقول: (إمّا أن يكون لك حقّ بحظر الفعل كي لا تضطرّ للتعويض، وإمّا لا يكون لك هذا الحقّ بالحظر فيجب أن تتوقّف عن القيام به)؛ فربّما يكون لك الحقّ، فعلًا، بحظر فعل ما لكن مع الالتزام بتعويض من يُحظَر عليهم القيام به» (ASU 83). إذن، فالنقلة الحاسمة لنوزيك ضدّ الطرح اللاسلطوي تعتمد على تفسير محدّد للادّعاءات المطالبة بعدم تدخّل الوكالات التي تقوم بأعمال تنطوي على خطر معتدل يهدّد حقوق الناس، وهذا التفسير يعتبرها ادّعاءات لا تحميها سوى قواعد المسؤولية القانونية؛ وعلى هذا الأساس يمكن التدخّل بعمل هذه الأفعال مع الالتزام بدفع التعويض المستحقّ لمن يتعرّض لهذا التدخّل.

ومع ذلك، يبرز السؤال: لماذا لا تكتسب حقوق الذين يعرّضون الآخرين لمخاطرة معتدلة قوّة الادّعاءات المحمية بقواعد الملكية؟ في ما يتعلّق بعامل الخوف يبدو أنّ نوزيك يفترض، ببساطة، أنّ إجراءات التعاونية المهيمنة للتعطيل أو التحكّم بنشاطات الوكالات والأفراد التي تعرّض الآخرين لمخاطرة معتدلة (ولكنّها غير خارجة عن القانون) لا تولّد أيّ خوف يعقّد الأمور. وفي ما يتعلّق بعامل تقسيم المنافع، يبدو أنّ نوزيك يعتقد بأنّ من يعطّل (أو يخفّف) الأداء المخاطر الذي يقوم به الآخرون يجب أن لا يُظَنّ به (الانتفاع) من هذا الأمر. ويفترَض أنّ من علامات ذلك أنّ من غير القانوني لأيّة وكالة حمائية مستقلة ذات أداء متقن أن تنتقل إلى وضع جديد تتقيّد فيه بإجراءات ذات مخاطرة معتدلة تجاه زبائن التعاونية المهيمنة بهدف إقناع التعاونية بعودتها إلى الأداء المتقن.[xxi] وعلى هذا الأساس، فليس ثمّة حاجة للتفاوض المسبق لتحديد التقسيم العادل للمنافع المتولدّة عن ما تقوم به الوكالة المهيمنة من تعطيل أو تخفيف للعمليات ذات المخاطرة المعتدلة التي تقوم بها جهات مستقلّة من وكالات أو أفراد. وبافتراض بقاء جميع العوامل على ما هي عليه، يبدو أنّ ذلك قد يستلزم أن تتعرّض الإجراءات ذات المخاطرة المعتدلة التي تقوم بها جهات مستقلّة للتعطيل أو التخفيف دون (أيّ) تعويض (بل يبدو أنّ هذه الإجراءات يمكن تعطيلها أو تخفيفها مع دفع التعويض المستحقّ، لكن التعويض المستحقّ هنا هو أن لا يكون هنالك تعويض مطلقًا).

وعلى الرغم ممّا سبق، يرى نوزيك بأنّ افتراض بقاء جميع العوامل على ما هي عليه ليس صحيحًا، فبعض هذه الكيانات المستقلة (أو الوكالات) ربما تكون قد تبنّت إجراءات ذات مخاطرة معتدلة لعجزها (أو لعجز زبائنها) عن تحمّل تكلفة المزيد من الإجراءات المتقنة. ويرى نوزيك بأنّنا (إذا) كانت لدينا «نظرية للمنافسة من موقع ضعيف» (ASU 82) فستخبرنا هذه النظرية بأن هذه الكيانات المستقلّة (أو هؤلاء الزبائن) ستتنافس من موقع ضعيف بسبب تدخّل التعاونية المهيمنة بتلك الإجراءات ذات المخاطرة المعتدلة، بل إنّها ستتنافس من موقع ضعيف حتّى وإن لم تنخرط (أو لم تسجّل) إلّا في العمليات التي قد تنتهك حقوق الآخرين. ولهذا يصل نوزيك إلى استنتاج مفاده أن تعطيل أو تخفيف العمليات التي ينخرط (أو يسجّل) بها هؤلاء الأفراد يجب أن يرافقها تعويض عن ما فُرِض عليها من موقع ضعيف في التنافس. وهكذا نصل إلى مبدأ نوزيك في التعويض: «إن من يتعرّض لموقع ضعيف في التنافس بسبب حظر قيامه بالأفعال التي ليس لها من أضرار إلّا ما قد يلحق بالآخرين لا بدّ من تعويضه عن هذا الموقع الضعيف الذي أُكرِه عليه بهدف تقديم الأمان للآخرين» (ASU 82-83). وإنّ مبدأ التعويض هذا يشرح (أو يعبّر عن) تبرير ما تقوم به التعاونية المهيمنة من تدخّل للتعطيل، أو لممارسة التحكّم الهادف للتخفيف، إزاء العمليات ذات المخاطرة المعتدلة (ولكنّها غير خارجة عن القانون) التي تقوم بها الوكالات والأفراد.

وهنا يبرز السؤال: كيف يمكن لمبدأ التعويض أن يصل بنا إلى دولة الحدّ الأدنى؟ يرى نوزيك بأنّ ما للتعاونية المهيمنة من إشراف إجباري على تقديم الكيانات الأخرى لتلك الخدمات الحمائية يجعلها تمارس ما يكفي من الاحتكار في هذا المجال إلى الحدّ الذي تتخطّى به مفهوم دولة الحدّ الأدنى؛ لكنّ مبدأ التعويض يطال تدخّل التعاونية المهيمنة بعمل الكيانات ذات المخاطرة المعتدلة، والتي تتنافس من موقع ضعيف بسبب هذا التدخّل، فلا يسمح بالتدخّل إلّا إذا قامت التعاونية بتعويض هذه الكيانات المستقلّة مقابل ضعف موقعها في التنافس. ويتصوّر نوزيك أنّ التعويض يأخذ، بشكل طبيعي، شكل قيام دولة الحدّ الأدنى المتخطّية لمفهومها بتقديم خدمات حمائية مجّانية أو مدعومة لمن يتعرّض (من دون هذه الخدمات المجّانية أو المدعومة) لضعف موقعه في التنافس بسبب تدخّل التعاونية. وعندما تؤمّن دولة الحدّ الأدنى المتخطّية لمفهومها إمكانية السماح لإشرافها الاحتكاري بتقديم الحماية المجّانية أو المدعومة لمن يضعف موقعه في التنافس (من دونها) فعندها تستحّق صفة (دولة الحدّ الأدنى) بشكل (شرعي).

إنّ التأكيد على إمكانية السماح بالإشراف الإجباري للتعاونية المهيمنة لا يعني أنّ لها الحقّ بالمطالبة بادّعاء فريد ما لتعطيل أو التحكّم بالوكالات والأفراد التي تمارس أعمالًا ذات مخاطرة معتدلة؛ ومع ذلك، فإنّ كونها تعاونية مهيمنة يجعلها لوحدها في موقع يمكّنها من العمل وفقًا لمبدأ التعويض (ASU 108-110). وتقدّم دولة الحدّ الأدنى، وفقًا لنوزيك، خدمات حمائية مجّانية أو مدعومة لبعض الفرقاء، وتموّل تكلفتها باستيفاء مبالغ من زبائنها تزيد على ما تستوفيه في حال عدم تقديم تلك الخدمات، وقد يبدو هذا الأمر أشبه بإعادة توزيع إجبارية، لكنّه ليس كذلك في الحقيقة، لأنّ هذه الزيادة ليست سوى مبالغ مالية لتمويل التعويض الذي يجب أن يدفع مقابل السماح بالإشراف الذي يُفرَض لمصلحة أمان زبائن التعاونية المهيمنة.

ويقدّم نوزيك حجّة مهمّة ثانية في الدفاع عن الإشراف الاحتكاري للتعاونية المهيمنة وتقييدها للوكالات الحمائية الأخرى. وهذه الحجّة تركّز على الحقوق (الإجرائية)؛ أي: هل يمتلك زبائن التعاونية المهيمنة حقوقًا إجرائية (طبيعية) ضدّ إخضاعهم لأعمال حمائية ذات مخاطرة معتدلة؟ يلاحظ نوزيك أنّه يبدو من غير المعقول التأكيد على الحقوق الإجرائية في حالة الطبيعة، لكنّه يسعى للاستناد إلى أمثال هذه الحقوق بانطلاقه من الافتراض بأنّه حتّى في حالة الطبيعة يعتبر بأنّ (ج) يتصرّف على نحو خاطئ و(غير مباح) تجاه (د) إذا كان (ج) ينتزع من (د) مبالغ تعويضية أو يعاقبه دون أن يعلم، أو دون أن يمتلك اعتقادًا مبرّرًا بشكل جيّد، بأنّ (د) قد انتهك حقوقه؛ بل يعتبر بأنّ (ج) يتصرّف على نحو خاطئ و(غير مباح) حتّى إذا كان (د) قد أقدم فعلًا على انتهاك هذه الحقوق وكان هنالك تعويض أو عقاب مناسب قد فُرِض من قبل (ج) بسبب هذا الانتهاك (ASU 106)؛ فنوزيك يبرّر حظر تصرّف (ج) ضدّ المذنب (د) بالاستناد إلى النحو الخاطئ وغير المباح لاستجابة (ج) التي تعاني من ضعف الأساس الإپستيمولوجي. ولذلك فإنّ (د) يمتلك على الأقلّ ما يكافئ حقًّا إجرائيًا ضدّ أيّ أداء من (ج) يتّصف بضعف الأساس الإپستيمولوجي (ASU 107). ويمكن للتعاونية المهيمنة أن تصعد إلى مرتبة الدولة، على نحو مباح، بفرضها لـ(ما يكافئ) حقوقًا إجرائية لزبائنها ضدّ المنافسين ذوي المخاطرة المعتدلة.[xxii] ويبدو أنّ المشكلة هنا تتمثّل في أنّه إذا كان القول بأنّ استجابة (ج) المتّصفة بضعف الأساس الإپستيمولوجي «لا يمكن السماح بها» هو مجرّد طريقة أخرى للقول بأنّها مختلّة أخلاقيًا، فلا يمكن الاستنتاج من عدم السماح بها إمكانية حظرها؛ ويبدو أنّ كلّ ما يمكن استنتاجه هو أنّ استجابة (ج) يمكن حظرها إذا كانت مباحة ضمن المعنى الأكثر متانة بكثير عند اعتبارها (مكافئة) لانتهاك الحقوق. لكن لا يمكن التأكيد على أنّ الاستجابة مباحة بهذا المعنى الأمتن إلّا إذا افترضنا مسبقًا ما يزعم نوزيك أنّه يبيّنه، أي: أنّ هنالك حقًّا إجرائيًا (أو ما يكافئه) يتعرّض للانتهاك من الاستجابة التي تتّصف بضعف الأساس الإپستيمولوجي.

3. 3. ملاحظات إضافية حول دولة الحدّ الأدنى

لاحظنا في ما سبق أنّ تصوّر نوزيك عن دولة الحدّ الأدنى يختلف عن التصوّرات الشائعة، وذلك لأنّ تصوّره لا يفرض الضرائب لتمويل خدمات الدولة؛ ويضاف إلى ذلك أنّ تصوّر نوزيك يجعل دولة الحدّ الأدنى أشبه بمشروع استثماري، في كثير من الأوجه، منها بالدول؛ إذ ليس فيها حاكمون، ولا جسم تشريعي، ولا انتخابات سياسية، ولا أحزاب متنافسة أو مواطنين متنافسين؛ وليس فيها سيادة ولا نطاق جغرافي للدولة؛ وكلّ ما فيها: تنفيذيون، ومجلس للمدراء، ومالكو أسهم، وزبائن، وأصول تابعة للمشروع الاستثماري. لكنّ العامل الذي يفسد هذه الوصفة هو: غياب قيود السوق التنافسية على سعر ونوعية الخدمات التي يقدّمها الكيان الاحتكاري الذي تتضمنّه دولة الحدّ الأدنى (إذا كان هنالك ما يكفي من التنافس السوقي للمحافظة على انخفاض أسعار الخدمات الحمائية وعلى ارتفاع جودتها، فسيكون هنالك قدر مفرط من التنافس على هذا المشروع الاستثماري يصل إلى حدّ عدم انطباق اسم الدولة عليه). ويبدو أنّ السبيل الآخر الوحيد للمحافظة على ضبط هذه الاحتكارية هو من خلال بعض القيود السياسية-الدستورية، لكنّ نوزيك لا يذكر شيئًا عن هذا الأمر، ولا شكّ في أنّ أيّ تعاونية حمائية تسعى للحصول على زبائن (ربّما) تلتزم بقيود شبه-دستورية في ما يخصّ قراراتها وأدائها، وذلك لطمأنة الزبائن المحتملين (Mack 2018 110-124).

ومن الصادم أن نجد طريقًا آخر متاحًا لنوزيك يتّصف بأنّه أكثر مباشرة لتحقيق دولة حدّ أدنى أكثر تقليدية، أي: الطريق الذي من شأنه أن يموّل إنتاج حماية الحقوق من خلال الضرائب (Mack 2011). وهذا الطريق ينفتح عند انتقال نوزيك إلى تفسير الحقوق وفقًا لقاعدة المسؤولية القانونية؛ إذ يرى هذا التفسير بأنّ حقّ كلّ فرد بممتلكاته المالية ليس في الأساس سوى حقّ استلام التعويض المستحقّ عند الاستيلاء على هذه الممتلكات. ولذلك فإذا تقاضت التعاونية المهيمنة الضرائب من الأفراد (أي: استولت على بعض ممتلكاتهم المالية دون موافقتهم)، على أن يصاحبها تزويد كلّ فرد منهم بالمنافع التعويضية على شكل خدمات حمائية، فإنّ أداء التعاونية سيكون مباحًا تمامًا. ويرى نوزيك بأنّ مثل هذا التعويض المصاحب غير التفاوضي سيكون أقلّ شأنًا من الشروط التفاوضية المسبقة للتبادل (إذا كان هذا التفاوض المسبق مجديًا من الناحية العملية). ولو لم يكن الأمر كذلك لكان نوزيك قد طرح الحجّة الشائعة التي ترى بأنّ التفاوض المسبق حول الدفع مقابل الخدمات الحمائية ليس مجديًا من الناحية العملية.

إن تلك الحجّة تعتمد على ميزة خاصّة في منظومة حماية الحقوق هي ما توفّره من سلعة عمومية، أي: عند إنتاج السلعة سيكون من الصعب أن نستثني الأفراد الذين لا يدفعون طوعًا لتلك المنظومة من التمتّع (بالكثير) من المنافع التي تولّدها هذه المنظومة. إذ قد لا يجيب جهاز الشرطة على اتصالاتي (أنا) طلبًا للمساعدة إذا لم أدفع مقابل خدماتهم طوعًا، لكنّهم سيجيبون على اتّصالات جاري الذي يدفع لهم، ولذلك سأستمتع بمستوى أدنى للجريمة في مكان إقامتي. ووفقًا لذلك، فإنّ المفاوضات المسبقة حول الدفع مقابل الحماية لن يكون أمرًا مجديًا من الناحية العملية لأنّ عددًا كبيرًا من الأفراد سيمتنع عن الدفع أملًا بأن يحصلوا على (معظم) منافع إنتاج هذه الخدمات حتّى وإن لم يتعاقدوا عليها.[xxiii] ولهذا، افتراضًا بأنّ ما يخشى منه ليس فرض الضرائب لتمويل حماية الحقوق كسلعة عمومية، في نفسه، فإنّ الحقوق بالممتلكات المالية المستولى عليها وفقًا لهذه الضرائب تبقى ادّعاءات لا تحميها سوى قواعد المسؤولية القانونية. وبموجب محاججته، فبما أنّ توفير تلك الحماية يقدّم تعويضًا مناسبًا مقابل الاستيلاءات، يصبح من المباح فرض تلك الضرائب.[xxiv]

ومن الأفكار التي تبثّ تفرّعاتها في كلّ أرجاء الكتاب: اهتمام نوزيك بتفسيرات (اليد الخفية)، أي: تفسيرات المنظومات المعقّدة (كتعديل العرض والطلب في الاقتصادات السوقية) التي لا تجتذب اهتمام أيّ أحد فلا تُوظَّف في تفسير المنظومة (ASU 18-22). إذ يرى نوزيك بأنّ جزءًا من جاذبية قصّته حول انبثاق دولة الحدّ الأدنى يتمثّل في أنّها قصّة حول اليد الخفية؛ فالتعاونية المهيمنة تستند إلى كونها دولة دون أن تحاول أن تكون دولة (ASU 118-119)؛ وهو أمر يناقضه ما يوجد في ظلّ اليد الجلية من نوعية تفسيرات أو تبريرات (العقد الاجتماعي) للدولة. ولا شكّ في أنّه ليس هنالك أيّ دولة حدّ أدنى (فعلية) يمكن شرحها أو تبريرها وفقًا لتفسير (اليد الخفية) عند نوزيك؛ وهذه ليست مشكلة فلسفية لأنّه ليست هنالك أيّة دولة حدّ أدنى فعلية يسعى نوزيك لتبريرها.

ومع ذلك، يبدو أنّ نوزيك يحاول فعلًا الالتزام برؤية تقول بأن شرعية أيّة دولة حدّ أدنى قد تنشأ إنّما تعتمد على نشوئها من نشاطات مباحة تحترم الحقوق؛ ويبدو أنّ ثمة مشكلة في ذلك. فلنتخيّل دولة حدّ أدنى تخرج للوجود عندما يضع بعض المعتدين يدهم على جهاز إجباري قوي بُنِي على سنين طوال من القتل والنهب، ثمّ يتحوّلون فورًا إلى ليبرتاريين من ذوي الضمائر النقية، ويبذلون الجهد للإسراع ما أمكن في إعادة توجيه القوّة الإجبارية التي في أيديهم، فيبعدونها عن التعدّي على الحياة والحرّية والملكية، ويوظفونها لتعطيل النشاطات المنتهكة للحقوق منتهجين أساليب غير انتهاكية. إنّ دولة الحدّ الأدنى هذه يبدو أنّنا نحكم عقليًا على شرعيتها من خلال الاعتماد، في الأساس على الأقلّ، على كيفية إدارتها لنفسها، وليس على إمكانية السماح بالأفعال التي تؤدّي لنشوئها (Paul 1979).

وثمّة زاوية جديدة في هذا الموضوع يقدّمها رالف بادير في شرحه العبقري للكيفية التي يؤدّي بها تفسير نوزيك للطريقة التي (قد) تنشأ بها دول الحدّ الأدنى دون انتهاك الحقوق إلى المطالبة العادلة بتحويل الدولة التي تزيد عن الحدّ الأدنى إلى دولة الحدّ الأدنى (Bader 2017). ويتمحور شرح بادير حول فكرة مفادها أن تصحيح الظلم الاقتصادي وتصحيح (ما قد يدعى) العدالة السياسية متشابهان شكلًا؛ فالتصحيح الاقتصادي يتطلّب الانتقال من مجموعة من الحيازات هي في جزء منها على الأقلّ نتاج لانتهاكات الحقوق إلى مجموعة من الحيازات التي (كانت لتنشأ) في ظلّ العدالة. وبالموازاة مع ذلك، يتطلّب التصحيح السياسي الانتقال من مؤسّسات سياسية هي في جزء منها على الأقلّ نتاج لانتهاكات الحقوق إلى المؤسّسات السياسية التي (كانت لتنشأ) في ظلّ العدالة. ويكشف التفسير النوزيكي المناقض للحقائق بشأن دولة الحدّ الأدنى أنّ هذه هي المؤسّسات السياسية التي يجدر أن تتحوّل إليها الدولة الفعلية التي تزيد عن الحدّ الأدنى، تطبيقًا لمقتضيات العدالة.

4. العدالة في الحيازات

تتمثّل الغاية الجوهرية المعلَنة للقسم الأوّل من الكتاب في الدفاع عن دولة الحدّ الأدنى ضدّ النقد اللاسلطوي، لكنّ الغاية الجوهرية المعلنة للقسم الثاني تتمثّل في المحاججة بأنّه «لا يمكن تبرير وجود دولة أوسع نطاقًا» (ASU xi). وفي الفصل الثامن من القسم الثاني، والمعنون (المساواة والحسد والاستغلال وغيرها)، يسعى نوزيك إلى معاكسة قوّة عدد من الاعتبارات المستخدمة في التبرير لدولة أوسع نطاقًا، وهي: المساواة، وتكافؤ الفرص، والعمل الهادف، والسيطرة على العمّال، والاستغلال. وفي الفصل التاسع من القسم الثاني، والمعنون (الملكية الشعبية Demoktesis) [الملكية الشعبية، وفقًا لنوزيك، هي ملكية الشعب للشعب من أجل الشعب.(المترجم)]، يستعين نوزيك بمفهوم اليد الخفية لبناء تفسيره لعملية نشوء دولة ديمقراطية غير مقيّدة، ويبدو أنّه ينوي من وراء ذلك إضعاف جاذبية مثل هذه الدولة من خلال عرضه لماهية الأفعال غير الجذّابة، لكنّها مباحة، التي قد يقوم بها الأفراد للوصول إلى نشوء مثل هذه الدولة. إذن، يحتاج نوزيك إلى شرح السبب الذي يجعل التفسير النظري المستند إلى مفهوم اليد الخفية يضفي شرعية أكبر بكثير على دولة الحدّ الأدنى بالمقارنة مع ما يفعله التفسير النظري المستند إلى مفهوم اليد الخفية في شرعنة دولة ديمقراطية غير مقيّدة (ASU 292-294).

ومع ذلك نجد أنّ الفصل الأهمّ فلسفيًا في القسم الثاني، والذي يبزّ الفصول الأخرى في الأهمّية بأشواط، هو الفصل السابع المعنون (العدالة التوزيعية)، والذي يسعى فيه نوزيك إلى معاكسة الرؤية القائلة بتبرير وجود دولة أوسع نطاقًا باعتبارها أداة للعدالة التوزيعية. ولقد حظي هذا الفصل بالقسم الأكبر من التعليقات الفلسفية التي تناولت الكتاب، فلقد رسم فيه نوزيك مخطّط مفهومه المسمّى (التخويل التاريخي) لتبرير عدالة الحيازات، وقدّم عددًا من الحجج العامّة ضدّ كل مفهوم بديل لعدالة الحيازات، وأيّد شرطًا لوكيًّا يضفي شيئًا من التعقيد على عقيدة التخويل، وقدّم نقدًا قويًّا للدفاع الذي أدلى به رولز في كتابه (نظرية للعدالة) عن (مبدأ الاختلاف) الخاصّ به والذي يتّصف بميل توزيعي قوي.

4. 1. عقيدة (التخويل التاريخي) حول العدالة في الحيازات

إنّ مقاربة نوزيك لعدالة الحيازات يجب أن ينظر إليها باعتبارها تنشأ من تفسيره العريض لمضامين النقد الرولزي-النوزيكي حول المنفعية؛ فبينما يستنتج رولز بأنّ الاحترام المستحقّ للانفصال بين الأشخاص لا يتضمّن فرض الخسائر على الأفراد من أجل الرخاء العام، نجد نوزيك يستنتج بأنّ هذا الاحترام لا يتضمّن فرض الخسائر على الأفراد من أجل (أيّ) مفهوم عن الصالح الاجتماعي الإجمالي، بما فيه: المفاهيم ذات الحساسية العميقة للتوزيع. إنّ عدالة امتلاك أحد الأفراد لسلع اقتصادية بعينها، وتحكّمه الاستنسابي بها، لا يمكن أن يكون وظيفة لهذا الامتلاك والتحكّم تساهم في الرخاء العام (أو) في أيّ نمط أو حالة اجتماعية إجمالية أخرى. إنّ كلّ أمثال هذه التقييمات العواقبية للحيازات لا مكان لها في النقاش؛ وعليه فإذا كان هنالك أيّ عرض مقبول لعدالة الحيازات الفردية فلا بدّ أن يكون عرضًا يبدي مظهر العودة إلى الوراء. ولا بدّ أن يستند التبرير على كيفية نشوء الحيازات في الأصل.

فإذا كانت الحيازة قد نشأت بنمط من النشاطات المباحة الناقلة لحقوق الملكية، فسيكون المالك حينها مخوّلًا بما امتلك؛ وإذا كانت الحيازة قد نشأت بنمط من النشاطات غير المباحة (أو هي مباحة لكنّها لا تنقل حقوق الملكية) فلن يكون المالك حينها مخوّلًا بما امتلك. ولهذا فالتخويلات ذات طبيعة تاريخية؛ إذ يكون للفرد (أ) تخويل بالحيازة (ح) إذا، وفقط إذا، كان امتلاك (أ) لـ(ح) يتّصف بالنوع الصائب من التاريخ. وهذا الموقف يتوافق مع البديهية الفطرية التي تقول بأنّ اكتساب كيان فاعل ما لأشياء ذات قيمة اقتصادية بطرق معيّنة (مثلًا: صنع هذه الأشياء من موارد طبيعية غير مملوكة لأحد) يولّد تخويلًا لهذا الكيان الفاعل بتلك الأشياء، بينما نجد أنّ اكتساب الكيان الفاعل للأشياء بسبل أخرى (مثلًا: الاستيلاء على الأشياء من آخر صنعها من موارد طبيعية غير مملوكة لأحد) لا يولّد تخويلًا لهذا الكيان الفاعل بتلك الأشياء. وإنّ توزيع الحيازات بين الأفراد يتّصف بالعدالة ما دامت العدالة صفة للحيازات التي يتكوّن منها هذا التوزيع؛ لا أن تعتمد عدالة حيازة فرد ما على العدالة الإجمالية للتوزيع الذي تشكّل جزءًا منه.

إن الاكتساب العادل يتّخذ شكل اكتساب ابتدائي عادل، أو نقل عادل، أو تصحيح لاستيلاء ظالم. والحيازة القائمة تكون عادلة إذا نشأت من فعل اكتساب ابتدائي عادل، أو من فعل اكتساب ابتدائي عادل متبوع بفعل أو أكثر للنقل العادل، أو من فعل تصحيحي عادل يضادّ استيلاءً ظالمًا على حيازة عادلة. ولا بدّ لأيّة نظرية وافية لعدالة الحيازات أن تحدّد العمليات التي يتشكّل منها الاكتساب الابتدائي العادل، أو النقل العادل، أو الفعل التصحيحي العادل. ويخبرنا نوزيك بأنّ كلًّا من هذه المبادئ «حقيقة معقّدة» (ASU 150) لن يحاول وضع معادلة لها. ولذلك لن نحصل أبدًا من نوزيك على أي عبارة تعيّن ما تقوم به عمليات الاكتساب الابتدائي أو النقل أو التصحيح، التي تنشأ من امتلاك (ج) للحيازة (ح)، ما تقوم به من توليد، أو نقل، تخويل لـ(ج) بـ(ح). ولا يسعى نوزيك بشكل مباشر مطلقًا لشرح السبب الذي يجعل عمليات محدّدة بعينها (وسائل محدّدة بعينها للاكتساب) تمتلك قوّة توليد التخويلات أو نقلها. وهو لا يتناول مطلقًا الطرق التي قد يستخدمها الإمكان والتواطؤ التاريخي (من بين العمليات الصالحة أخلاقيًا) في اختيار العمليات المحدّدة التي تعتبر نقلًا للتخويل ضمن مجتمع بعينه (Mack 2010 and Bryan 2017).

إن افتقار نوزيك للتفاصيل والشرح أدّى إلى تضليل المعلّقين من أمثال كوهين، وقادهم إلى الظنّ بأنّ نوزيك يعتبر أيّ عملية (غير ظالمة) تنتج من امتلاك (ج) للحيازة (ح) تولّد أو تنقل تخويلًا لـ(ج) بـ(ح)، إذ يقول كوهين: «الخطوات العادلة، في نظر نوزيك، هي أفعال بشرية تخلو من الظلم» (Cohen 1995: 39). ولنتناول مثال كوهين عن قيام (د) بإسقاط شوبك (مرقاق العجين) يخصّه عن طريق الخطأ من نافذة مطبخه، ليتدحرج إلى أسفل التلّ ويتوقّف تحت نافذة مطبخ (ج)، فيراه (ج) ويظنّ، ببراءة، أنّه الشوبك الذي أضاعه منذ وقت بعيد. هنا يظنّ نوزيك بأنّه ما دامت عملية نقل الملكية هذه لا تنطوي على أيّ ظلم فإنّ نوزيك ملزم بالتوصّل إلى استنتاج غير معقول مفاده أنّ (ج) يكتسب ادّعاءً عادلًا بالشوبك. وعلى الرغم أن هذا النوع من النقد يستند إلى فكرة خاطئة تظنّ أنّ نوزيك يرى بأنّ العمليات العادلة هي، بكلّ بساطة، عمليات غير ظالمة، فإنّه يسلّط الضوء على ضآلة ما يقدّمه نوزيك في وصفه الإيجابي لطبيعة وقوّة العمليات التي تولدّ التخويل أو تنقله.

ويعتقد نوزيك بأنّنا نُدفَع لتبنّي مجموعة (ما) من مبادئ التخويل التاريخية بسبب إزاحة العقائد العواقبية حول عدالة الحيازات؛ ثمّ ينتقل للاعتماد، ضمنيًا، على حدس القارئ بشأن ما سيكون عليه محتوى هذه المبادئ. وهذا الحدس سيقلّل، مثلًا، من شأن الاعتقاد بأنّه يمكن للمرء أن ينخرط في الاكتساب الابتدائي العادل للحيازة (ح) بأن يريد (ح) أو بأن يركّز اهتمامه بشدّة على (ح)، وهذا الاعتقاد يتلقّى الدعم من ضرورة وجود نوع ما من الانخراط المادي مع الموادّ غير المملوكة في حالة الرغبة باكتساب تخويل بها. وعلى نحو مشابه، إنّ أمثال هذه الحدس سيقلّل من شأن الاعتقاد بأنّ الانتقال العرضي للشوبك من مطبخ (د) إلى مطبخ (ج) سينقل الحقّ بالشوبك من (د) إلى (ج) وسيدعم الاعتقاد بأنّ هذا النقل يتطلّب شكلًا ما من أشكال التفاعل المطّلع والطوعي بين (د) و(ج).

4. 2. نقد الحالة النهائية والمبادئ المنمَّطة

يميّز نوزيك نوعين آخرين للمبادئ المتعلّقة بالحيازة غير نوع التخويل التاريخي؛ وهما: مبادئ الحالة النهائية والمبادئ المنمَّطة. وعندما يطرح نوزيك الحجج في الدفاع عن مقاربته المستندة إلى التخويل التاريخي فإنّ هذه الحجج تتكوّن، إلى مدى واسع، من نقده للحالة النهائية والعقائد المنمَّطة. وترى مبادئ الحالة النهائية بأنّ العدالة في توزيع الدخل (أو السلع القيّمة اقتصاديًا) هي مسألة ميزة رياضية ما لإحدى التوزيعات المتاحة. وفي المثال التالي ثلاثة توزيعات متاحة للدخل بين ثلاثة أفراد (أو بين ثلاثة مناصب يحتلّها أولئك الأفراد):

                        |       أ        |       ب      |       ج

التوزيع (ت1) |       12     |       10     |       9

التوزيع (ت2) |       4       |       22     |       13

التوزيع (ت3) |       20     |       8       |       8

فأيّ نظرية من نظريات المنفعية (أو من نظريات تحقيق الحدّ الأعلى للدخل) ستختار التوزيع (ت2) باعتباره التوزيع العادل على أساس تحقيقه لأعلى حدّ من الدخل الإجمالي. وأيّ نظرية من نظريات المساواتية ستختار التوزيع (ت1) باعتباره التوزيع العادل على أساس تحقيقه لأعلى حدّ من تساوي التوزيع. ومبدأ الاختلاف عند رولز سيختار التوزيع (ت1) على أساس مختلف يرى بأنّ أدنى المبالغ فيه أعلى من أدنى المبالغ في التوزيعين الآخرين. إنّ ما يجعل أيّ واحد من هذه العقائد الثلاث يحمل اسم الحالة النهائية هو الاعتقاد المشترك بينها بأنّ المعلومات التي يقدّمها هذا الشكل من أشكال المصفوفات يكفي لتعيين التوزيع العادل من بين التوزيعات المتاحة.

يرى نوزيك بأنّ من المشكلات الكبرى التي تقف في وجه كلّ عقائد الحالة النهائية هي بالتحديد: خطأ هذا الاعتقاد المشترك؛ فلا شكّ في أنّ المعلومات التي لا يمكن أن تظهر في أمثال هذه المصفوفة هي معلومات لا غنى عنها في أيّ حكم عقلاني متين لتعيين التوزيع العادل من بين التوزيعات المتاحة. ولنتفكّر في المعلومات التالية على سبيل المثال: (ت2) هو توزيع الدخل الذي يحصل عندما يكون (أ) مستعبَدًا لـ(ب) الذي يوظّف (ج) كمشرف فعلي؛ و(ت1) هو التوزيع الذي يحصل عندما يتحرّر (أ) جزئيًا ولا يتعرّض سوى لاستغلال شبه استعبادي من (ب) و(ج) لأسبوع واحد فقط كلّ شهر؛ و(ت3) هو التوزيع الذي يحصل عند تحرّر (أ) بشكل كامل. فإذا أخذنا بالحسبان التعلّق الواضح لهذا النوع من المعلومات بأيّ اختيار مسؤول لأيّ من هذه التوزيعات باعتباره التوزيع العادل، فإنّ أيّ عقيدة تؤكّد أو تفترض كفاية المعلومات المتوفّرة في المصفوفة لا بدّ أنّها عقيدة تنطوي على خلل عميق.

إنّ النظريات المنمَّطة للعدالة التوزيعية تنجو من هذه المشكلة لأنّها تعتقد بأنّ التوزيع العادل هو التوزيع المتاح الذي يتوجّب فيه أن يكون الدخل المعطى للأفراد متتبّعًا لميزة ما لدى هؤلاء الأفراد (مثلًا: الاستحقاق الأخلاقي أو الجهد الاقتصادي) دون أن يذكر توافر هذه الميزة في مصفوفة الدخل. ولهذا لا يمكن تحديد التوزيع الذي يجب اختياره من الجدول السابق إلّا إذا علمنا أيضًا توزيع الميزة التي نريد تتبّعها بين (أ) و(ب) و(ج). ويضاف إلى ذلك أنّ العقائد المنمَّطة المعقولة لا بدّ أن تركّز على ميزات للأفراد تتّصف بالتاريخية، كأن تبحث، مثلًا، عن مقدار الاستحقاق الأخلاقي المتجمّع، أو مقدار الجهد الاقتصادي المبذول؛ ولهذا فإنّ العقائد المنمَّطة المعقولة ستكون تاريخية. لكن، وخلافًا لعقائد التخويل التاريخي، لن تقوم النظريات التاريخية المنمَّطة بتحديد عدالة حيازات بعينها للأفراد على أساس ما إذا كان هؤلاء الأفراد قد اكتسبوا هذه الحيازات من خلال عمليات لتوليد التخويل أو عمليات لنقل التخويل.

ويقدّم نوزيك سلسلة من الحجج يفترَض بكلٍّ منها أن تشكّك في كلّ مبادئ الحالة النهائية (غير الهامشية) وكلّ المبادئ المنمَّطة (يوظّف نوزيك في هذه النقطة مصطلح “المنمَّطة” ليشير إلى كلّ من: مبادئ الحالة النهائية، ومبادئ تتبّع الميزة). ويجب أن نركّز هنا على اثنين من هذه الحجج: أولاهما، وأشهرهما، وأكثرهما تعرّضًا لسوء الفهم، ترد في القسم المعنون (كيف تؤدّي الحرّية إلى إرباك الأنماط) من الكتاب (ASU 160-164)؛ والحجّة الثانية ترد في القسم المعنون (إعادة التوزيع وحقوق الملكية) (ASU 167-174).

ففي القسم المعنون (كيف تؤدّي الحرّية إلى إرباك الأنماط) يطلب نوزيك من كلّ قارئ أن يتصوّر توزيعًا للدخل يتوافق مع مبدئه التنميطي المفضّل، ثمّ يشير إلى أنّه سرعان ما سيتلو تأسيس ذلك النمط (ن1) انخراط الأفراد في ترتيبات على قدر عالٍ من انعدام الضرر لتأدية مهامّهم التي أوكلت لهم باسم العدالة، ممّا يؤدّي إلى ظهور نمط مختلف (ن2). وعلى سبيل المثال: قد يدفع مليون شخص من المعجبين بأحد مشاهير لاعبي كرة السلّة (25 سنتًا) لحضور مبارياته، لكنّ هذا النمط الجديد (ن2) يكاد لا يلبث حتّى يتحوّل من خلال الهندسة الاجتماعية المشذّبة إلى نمط آخر (ن3) يحقّق المبدأ التنميطي المفضّل بصورة أحسن. ولنتخيل، على سبيل المثال، أنّ المبلغ الذي تجمّع بيد ذلك اللاعب (ربع مليون دولار) وفقًا للنمط (ن2) يمكن إعادة توزيعه نزولًا بشكل فعلي بينما لم يمكن فعل ذلك عندما كان لا يزال موزّعًا بين المعجبين ذوي الوضع المالي المعتدل. وعلى هذا الأساس، إذا استمررنا بتقييم التوزيعات على أساس المبدأ التنميطي المختار فسيتعين علينا أن نعلن بأنّ (ن2) غير عادل وأن نصرّ على أنّ العدالة تقتضي تحوّله إلى (ن3). وعند تطبيق (ن3) لن يطول الأمر بالأفراد حتّى ينخرطوا في ترتيبات على قدر عالٍ من انعدام الضرر لتأدية مهامّهم التي أوكلت لهم باسم العدالة المحدّثة، ممّا يؤدّي إلى ظهور نمط مختلف (ن4)… وهكذا دواليك. وهنا يحدّد نوزيك مشكلتين تعتريان هذا التطبيق المستمرّ للقاعدة المنمَّطة المفضّلة.

وأولى المشكلتين هي: إذا كانت حيازات الأفراد (كما أسلفنا) وفقًا للنمط (ن1) عادلة وإذا كانت التفاعلات (كما أسلفنا) التي حوّلت (ن1) إلى (ن2) جميعها عادلة، فمن الصعب أن نتبيّن كيف يمكن أن يكتسب (ن2) صفة الظلم. ولا شكّ في أنّ (ن2) يجب (بشكل شبه مؤكّد) أن (يُحكَم عليه عقليًا) بأنّه ظالم إذا استمرّ المرء بتخمين عدالة التوزيعات على أساس المبدأ المنمَّط الذي يتبنّاه. لكن يبدو من المعقول المطالبة بشرح كيفية اكتساب (ن2) لصفة الظلم المؤكّدة إذا أخذنا بالحسبان صفة العدالة لدى (ن1) والعمليات التي بموجبها يتولّد (ن2) من (ن1): «بأيّة عملية يمكن لمثل هذا النقل بين شخصين أن يؤدّي إلى ظهور ادّعاء شرعي بالعدالة التوزيعية على جزء ممّا جرى نقله من قبل فريق ثالث ليس له أيّ ادّعاء عادل على أيّ حيازة للآخرين (قبل) النقل؟» (ASU 161-162). ولا يبدو أنّه يكفي للإجابة على السؤال أن نقول أنّ صفة الظلم قد لحقت بـ(ن2)، لأنّنا، في نهاية المطاف، عندما نطبّق المبدأ التوزيعي الفاعل على (ن2) نصل إلى الاستنتاج بأنّه نمط ظالم.

وثاني المشكلتين هي: إنّ تأييد التدخّل التوزيعي في محصّلات ما يقوم به الأفراد من تهيئة غير ضارّة لما خوّلوا به من حيازات يبدو أنّه لا يتوافق مع العدالة في تخويل الحيازات؛ إذ لا شكّ في أنّ المرء يستطيع أن يتخلّص كما يشاء ممّا له من حيازات عادلة ما دام لا يتعدّى ظلمًا على الآخرين وحيازاتهم العادلة: «إذا كان الناس مخوّلين بالتخلّص من الموارد التي خوّلوا بها وفقًا للتوزيع (ت1)، أفلا يتضمّن هذا عندها كونهم مخوّلين بإعطائها للاعب المشهور أو تبادلها معه؟» (ASU 161). وإن دعم التدخّل لإعادة التوزيع في محصّلات حالات التخلّص غير الاعتدائية من الحيازات الموكلة للأشخاص يبدو أنّه يلغي عدالة ذلك التخويل بالحيازات: «المبادئ التوزيعية المنمَّطة لا تمنح الناس ما تمنحهم مبادئ التخويل، وكلّ ما فيها هو أنّها أفضل توزيعًا. إنّها لا تمنح المرء الحقّ باختيار ما يفعله بما يملكه» (ASU 167). ولقد لخّص هيليل ستاينر هذا الجانب من نقد نوزيك تلخيصًا حسنًا بملاحظته الذكية بأنّ النظريات المنمَّطة للعدالة «تخلق حقوقًا بالتدخّل بما خلقته من حقوق» (Steiner 1977: 43).[xxv]

ومن المهم أن نشير هنا إلى أنّ المشكلات التي يحدّدها نوزيك هي مشكلات (داخلية) بالنسبة للتطبيق الجاري لأيّ مبدأ منمَّط؛ ويجب أن لا يُقرأ ما كتبه على أنّه صياغة للحجّة الخارجية المثيرة للتساؤل التي ترى وجوب رفض النظريات المنمَّطة انطلاقًا من أنّ التوافق مع الحرّية هو المعيار الذي ينبغي أن تقيّم على أساسه نظريات العدالة في الحيازات، وأنّ النظريات المنمَّطة تدعو في معظم الأحيان إلى التدخّل بالحرية. ومع ذلك، فإنّ نوزيك يتحمّل جزءًا كبيرًا من المسؤولية عن تلك القراءة عندما يقول: «المغزى العامّ […] هو أنّه ما من مبدأ للحالة النهائية أو مبدأ توزيعي منمَّط للعدالة يمكن تحقيقه باستمرار دون التدخّل المستمرّ بحياة الناس» (ASU 163). وكذلك يجب أن لا يُصوَّر نوزيك بأنّه يعتقد بأنّ مشكلة النظريات المنمَّطة تكمن في أنّ من شأنها حظر أيّ انتقال عن أيّ نمط (ن1) تمّ تأسيسه، لأنّ هذا النمط يكون عند تأسيسه هو التوزيع المتاح الأفضل في تحقيق نمط مفضّل ما. إنّ نوزيك لا يتّهم المنظّرين التنميطيين بتهمة حظر التبادل بين اللاعب المشهور ومعجبيه.

ومن الردود المهمة على حجج نوزيك المتعلّقة بـ(كيف تؤدّي الحرّية إلى إرباك الأنماط) أنّها تعتمد على تصوّر خاطئ لبرنامج المنظّر المنمَّط. إذ يرى هذا الردّ بأنّ نوزيك يمثّل المنظّر المنمَّط على أنّه يهدف للتحقيق اليومي (أو الأسبوعي أو الشهري) الأكمل المتاح لنمطه المفضّل؛ وعلى أساس هذا التمثيل ففي نهاية كلّ يوم (أو أسبوع أو شهر) سيقوم من يؤيّد مبدأ الاختلاف الرولزي، مثلًا، بتحديد ما إذا كان التوزيع القائم قابلًا للتحويل إلى توزيع آخر يقدّم دخلًا أعلى لمن يتبوّأ المواضع الدنيا في مستوى الدخل في اليوم (أو الأسبوع أو الشهر) التالي، فإذا كان هذا التحويل متاحًا فعندها سيقوم مناصر مبدأ الاختلاف (وفقًا للتمثيل المذكور) باشتراط التحويل باعتباره مسألة تتعلّق بالعدالة. ومن هنا يأتي التدخّل المستمرّ باسم العدالة وما ينتج عنه من تصرّف بعض الأشخاص كما يشاؤون بما يزعمون أنّه حيازات عادلة تخصّهم. ومع ذلك، فإنّ من يناصر مبدأ الاختلاف سيصرّ على أنّ هذا المبدأ يرشد عملية تصميم البنية المؤسّساتية الرئيسية للمجتمع، فهو يقدّم البنية الرئيسية أملًا في تحقيق الزيادة القصوى للدخل الذي يحصل عليه مدى العمر الفرد التمثيلي لشريحة الدخل الأدنى. وما يُحدَّد للأفراد وفقًا للعدالة التوزيعية هو تيّار مستمرّ من الدخل ينشأ من تركيبة ما من: الأنماط المباحة والمحمية لاكتساب الدخل، والضرائب والبنى التنظيمية، والمعونة المموّلة ضريبيًا. وفي مثالنا لا يكون للاعب الشهير ادّعاء عادل بما يحوزه في اليوم السابق لتحويل المعجبين ربع مليون دولار إلى حسابه، ولا في اليوم الذي يليه، بل له ادّعاء عادل بدخل يتراكم مدى العمر بعد تطبيق بنية رئيسية تقوم (من خلال إتاحة الاستحواذ على الدخل، واستيفاء الضرائب، والتنظيم، ودعم الدخل) بتزويد اللاعب بـ(ما يشبه) أعلى دخل ممكن لمدى العمر نسبةً لأقلّ الشرائح دخلًا؛ وعلى هذا الأساس فإنّ الادّعاء المذكور لن يُنتهَك عندما تستقطع إدارة الضرائب (70%)، مثلًا، من ربع المليون دولار التي هبطت عليه.

ولهذا يعلن رولز في ردّه الأكثر مباشرة على تحدّي نوزيك: «ليس هنالك تدخّلات (غير معلنة) و(غير قابلة للتنبّؤ) في توقّعات المواطنين ومكتسباتهم. فحقوق التخويل يتمّ اكتسابها، وهي تحترم وفقًا لـ(ما تعلنه المنظومة العمومية). إنّ الضرائب والمحظورات جميعها (قابلة للتنبّؤ مبدئيًا)، والحيازات يجري اكتسابها وفقًا للشرط (المعلوم) الذي يوجب القيام بمقدار معيّن من النقل وإعادة التوزيع» (Rawls 1993: 283).

ومع ذلك يبدو أنّ نوزيك يمكنه أن يصرّ على أنّ أيّ محاولة جارية لتحقيق الحدّ الأقصى من الدخل لمدى العمر للشريحة الأسوأ حالًا (أو لاستدامة أيّ نمط آخر غير هامشي)، ستتطلّب (حتمًا) تدخّلات غير معلنة وغير قابلة للتنبّؤ بتوقّعات المواطنين وما يكتسبونه. فبما أنّ التفضيلات الاقتصادية والاحتياجات والفرص والمعتقدات والرؤى والإمكانيات تتغيّر بأشكال غير معلنة وغير قابلة للتنبّؤ، كذلك فإنّ المنظومة العمومية سيتوجّب عليها أن تتغيّر إذا كانت تريد الاستمرار بالسعي لتحقيق الحدّ الأقصى من الدخل لمدى العمر للشريحة الأسوأ حالًا. ومع حدوث تغيّرات إضافية غير معلنة وغير قابلة للتنبّؤ، فإن البنية الأساسية سيتوجّب عليها مجدّدًا أن تتغيّر بأشكال غير معلنة وغير قابلة للتنبّؤ. وكما يقول رولز نفسه: «إنّ التعديلات في البنية الأساسية ضرورية في جميع الأحوال، حتّى في المنظومات ذات التنظيم الجيّد» (Rawls 1993: 284, Mack 2018: 124-129). وإنّ تطبيق هذه التعديلات يكاد يستلزم في جميع الأحوال رفع الشرعية عن بعض التخويلات المعلنة بموجب المنظومة العمومية السابقة ومعاملة بعض الأشخاص الذين كسبوا في الماضي حيازات بموجب عمليات نقل وإعادة توزيع سابقة غير معلنة وغير قابلة للتنبّؤ (Mack 2002a, 85–91).

وفي القسم المعنون (إعادة التوزيع وحقوق الملكية) يقدّم نوزيك حجّة أكثر خرجانية ضدّ كلّ النظريات المنمَّطة للعدالة؛ وهذه الحجّة تقول: إنّ العمل التأسيسي لأيّة عقيدة منمَّطة (غير هامشية) يصل إلى حدّ تأسيس ملكية جزئية لبعض الناس على يد غيرهم: «وسواء إذا كان هذا الأمر يتمّ إنجازه من خلال ضرائب على الأجور (دائمة أو مؤقّتة)، أو يتمّ من خلال وجود وعاء اجتماعي كبير فليس من الواضح (ماذا يأتي من أين) و(ماذا يحدث أين)، فإنّ المبادئ المنمَّطة للعدالة التوزيعية تتضمّن مصادرة أفعال الآخرين. والاستيلاء على نتائج عمل الآخرين يتساوى مع الاستيلاء على ساعات عمل منه وتوجيهها لأداء نشاطات متنوّعة. […] وهذه العملية تجعل من يؤدّيها مالكًا جزئيًا لك، وتمنحه حقًّا بملكيتك، تمامًا كما أنّ امتلاك مثل هذه السيطرة والسلطة الجزئية، بموجب الحقّ، على حيوان أو جماد يعني امتلاك حقّ ملكية به» (ASU 172). وينأى نوزيك عن التحليل اللوكي للحيازات الابتدائية العادلة، والذي يعتمد حجّة (مزج العمل)، فيسأل مازحًا عمّا إذا كان يمكن للمرء أن يمتلك محيطًا كاملًا بإفراغ كأس من العصير في مياهه (ASU 175)؛ ويلاحَظ أيضًا أنّه كان حذرًا في النص السابق في تجنّب القول بأنّ عمل أيّة عقيدة منمَّطة تنتهك الملكية الذاتية للمرء عبر مصادرة (عمله).

ومهما يكن من أمر، فإنّ الحجّة الواردة في النصّ السابق تبدو لوكية في بنيتها الأساسية؛ فبدلًا من التركيز على مصادرات بعينها لهذا الشيء الممتزج بالعمل أو ذاك، تعتني هذه الحجّة بعملية إعداد السيطرة على أفعال الأفراد وأوقاتهم وقراراتهم وفقًا لما يتطلّبه تطبيق أيّ نمط توزيعي (غير هامشي). ويرى نوزيك بأنّ هذا الإعداد للسيطرة يتعامل، مخطئًا، مع الأفراد الذين يخضعون له دون موافقتهم وكأنّهم جزء من ملكية من يؤسّس السيطرة ويمارسها. وتجدر الملاحظة أنّ نوزيك لا يبدو بأنّه يفترض، حتّى في هذا المجال، محتوىً محدّدًا لمبادئ الاكتساب الابتدائي العادل والنقل العادل، بل تجده يسعى لتقديم دفاع عامّ عن مقاربة التخويل التاريخي عبر توهين مقاربة الحالة النهائية والمقاربات المنمَّطة.

4. 3. الشرط اللوكي عند نوزيك

إنّ نوزيك يتبع لوك في تبنّيه لنسخة من الادّعاء بأنّ للمرء حقّ الشكوى بموجب العدالة ضدّ أيّ تصرّف للاكتساب لا ينقص من عدالته سوى أنّه لا يترك له من الملكية ما يحقّق شرطين: المقدار الكافي المتاح له، وعلى أن يكون هذا المقدار على المستوى نفسه من الجودة (ASU 174-182). وعلى الرغم من أنّ مناقشة نوزيك للشرط اللوكي عنده مبهمة نوعًا ما، يمكننا أن نحدّد ثلاث ميزات لما يعتقده بهذا الشأن.

والميزة الأولى هي أنّ تحديد ما إذا كان للفرد يحقّ له الشكوى بموجب الشرط اللوكي النوزيكي لا يتعلّق بما إذا كان هنالك مقدار ضئيل جدًّا من الموارد الطبيعية قد تركه الآخرون لعموم الناس أو ما إذا هنالك مقدار ضئيل جدًّا من الموادّ قد تُرِك للفرد كي يتاح له الاكتساب الابتدائي. وعوضًا عن ذلك فإنّ للفرد حقًّا عادلًا بالشكوى ضدّ اكتساب الآخرين إذا، وفقط إذا، كانت هذه الاكتسابات تجعله أسوأ حالًا بالقيمة الصافية على صعيد المنفعة أو الرخاء؛ فإذا حصل الفرد على التعويض المستحقّ على صعيد المنفعة أو الرخاء مقابل (التأثيرات الأخرى) للأفعال الاكتسابية التي يقوم بها الآخرون، فلن يكون له بعدها أيّ شكوى عادلة حتّى وإن نقصت منفعته أو رخاؤه بسبب انخفاض مقدار ما يتبقّى للعموم أو انخفاض مقدار ما يتبقّى متاحًا أمامه للاكتساب الابتدائي. وإنّ الادّعاء الذي ينطوي عليه جوهر الاشتراط النوزيكي (الكفاية، والتساوي في الجودة) هذا لا يحميه سوى قاعدة للمسؤولية القانونية.

والميزة الثانية، ضمن مناقشته الرئيسية لها، مفادها إصرار نوزيك على أنّ هذا الشرط متحقّق فعلًا في اقتصادات السوق الحرّ.[xxvi] ويعود جزء من السبب إلى الميل القويّ للمدّ المتصاعد لهذه الاقتصادات إلى الارتفاع لمستوىً يعلو على كلّ من يبدي استعداده للسباحة مع أمواجه (ASU 177)؛ ويعود جزء آخر من السبب إلى انخفاض الخطّ الأحمر في الشرط اللوكي النوزيكي، وهو خطّ لم يتقن نوزيك التعبير عنه، لكنّ المرجّح أنّه أراد به مستوى التحسّن المعيشي الذي كان ليتوفّر للفرد المعنيّ لو كانت كلّ الموارد الطبيعية قد أبقيت لعموم الناس، أو ربّما أراد به مستوى التحسّن المعيشي الذي كان ليتوفّر للفرد المعنيّ (على امتداد عمره) لو كانت كلّ الموارد الطبيعية (أو حتّى كلّ الأشياء التي تملّكها الآخرون) قد عادت ملكيتها للعموم.

والميزة الثالثة أنّ الشرط يضيف «قليلًا من التعقيد الإضافي في بنية نظرية التخويل» (ASU 174)؛ فهو يحدّد طريقًا تسلك فيه الأمور مسلكًا سيّئًا بشكل خاصّ لدى الأفراد حتّى إذا كانت اكتسابات الآخرين تتوافق تمامًا مع مبادئ عدالة الحيازات وتؤكّد على حقّ الأفراد بالشكوى العادلة إذا ساءت حالهم بسبب حالات الاكتساب تلك. ويرى نوزيك بأنّ الدفاع الأساسي عن عدالة أيّة حيازة لا يتوقّف عن الاعتماد على نشوئها بعمليات تتوافق مع مبادئ الاكتساب الابتدائي العادل، والنقل العادل، والتصحيح العادل (عندما يكون متعلّقًا بالحالة)؛ ومن هنا تتوضّح فداحة المشكلة في عدم إفصاح نوزيك مطلقًا عن هذه المبادئ وعدم شرحه مطلقًا للسبب الذي يجعل الاكتساب المتوافق معها متمتّعًا بالقدرة على توليد التخويلات أو نقلها. ويرى نوزيك بأنّ من اكتسبوا بشكل عادل لا يتوجّب عليهم التخلّي عن حيازاتهم، حتّى إذا انتُهِك هذا الشرط، لكن يجب عليهم تقديم التعويض لمن أدّت المنظومة القائمة للحيازات إلى أن تسوء أحوالهم بالقيمة الصافية.[xxvii]

4. 4. تصحيح حالات الظلم التاريخي

يلاحظ نوزيك بأنّه حتّى في المجتمعات الحرّة نسبيًا فإنّ العمليات التاريخية التي أدّت إلى الحيازات القائمة مشبعة بحالات الظلم. إذ تكاد كلّ الحيازات القائمة تحمل تاريخًا مليئًا بالمصادرة عن طريق القتل والنهب والاستعباد والغشّ وغيرها من الأساليب غير المشروعة لنقل الملكية (وتكون، في العادة، لصالح الأغنياء والأقوياء). ولا نحتاج لنظرية تصحيحية مصاغة بدقّة كي نستطيع القول بأنّه إذا انتزع (أ) بالأمس خروفًا يملكه (ب) فإنّ (أ) مطالَب اليوم بأنّ يرد الخروف إلى صاحبه اليوم؛ لكنّنا نحتاج حتمًا لنظرية شديدة التفصيل لتزوّدنا بالمعلومات اللازمة حول ماهية المبالغ التصحيحية (إن كان هنالك أيّ منها) الواجب دفعها، ومن سيدفعها، ومن سيستلمها، بسبب حالات ظلم وقعت قبل عشرين أو خمسين أو مئتي سنة. ومن المفترض أنّ أيّة عقيدة مقبولة ستتطلّب الاقتصار على الضحايا الحاليين للظلامات السابقة كأصحاب ادّعاءات عادلة بمبالغ التصحيح، وبأنّهم وحدهم أصحاب ادّعاءات عادلة ضد المنتفعين الحاليين من تلك الظلامات الماضية. ربّما، إذن، ينبغي اتّباع أسلوب (عفا الله عمّا سلف) عندما نفتقر للمعلومات التي تتطلّبها عقيدة للتصحيح على مستوى جيّد من التطوّر توجب علينا تصحيح حالات ظلم وقعت في الماضي البعيد.[xxviii]

وينهي نوزيك الفصل السابع بفكرتين حول التصحيح: تفيدنا الأولى بأنّ التصحيح المناسب ربّما يجب أن يأخذ شكل مبالغ صارمة وجاهزة لشرائح من الناس يرجّح أن يكون أعضاؤها أسوأ حالًا ممّا كانوا ليكونوا عليه بسبب الظلامات التاريخية، وهذه المبالغ تدفعها شرائح من الناس يرجّح أن أعضاءها أفضل حالًا ممّا كانوا ليكونوا عليه بفضل هذه الظلامات التاريخية؛ وتفيدنا الفكرة الثانية بأنّ بعض مبادئ الحالة النهائية ربّما تدخل في هذا الشأن كدليل لهذه الدفعات المطلوبة، على الرغم من أنّه «قد يكون من غير المعقول إلى حدّ بعيد» (ASU 231) أن نختار مبدأ الاختلاف في مكان هذا الدليل.

5. اليوتوپيا

إنّ الغاية المعلنة للقسم الثالث من الكتاب، والذي يحمل عنوان (اليوتوپيا)، هي التبيين بأنّ دولة الحدّ الأدنى لا تقتصر على الاتّصاف بالشرعية والعدالة، بل تضمّ إليهما الاتّصاف بالإلهام. ويقدّم نوزيك لهذه الغاية عبر رسم مخطّط لإطار عمل ليوتوپيا ملهمة، مشيرًا إلى أنّ إطار العمل هذا يقترب، بل يستخدم نوزيك عبارة «يتساوى» (ASU 333)، من دولة الحدّ الأدنى. ومع ذلك نجد نوزيك يقول أيضًا بأنّ إطار العمل هذا ربما لا يمتلك أيّ «سلطة مركزية» (ASU 329). لكنّ هذا لا يمنع أن يكون إطار العمل المعني قريبًا من دولة الحدّ الأدنى لأنّه بنية مؤسّساتية تفرض التعايش السلمي في مجتمعات تشكّلت طوعًا، وهو يحمي استقلالية هذه المجتمعات وحرّيتها في حشد الأعضاء، ويحمي أيضًا حرّية الأفراد بالدخول للمجتمعات والخروج منها كما يشاؤون. وعلينا أن نفترض، على الرغم من أنّ نوزيك لا يصرّح بذلك، بأنّ إطار العمل يفرض أعراف الحرّية الشخصية والملكية والامتثال التعاقدي نفسها التي تفرضها دولة الحدّ الأدنى باستثناء ما يتخلّى عنه الأفراد طوعًا ضمن المجتمعات التي يدخلونها.

ويتّصف إطار العمل المذكور بأنّه ملهم بسبب ما يساهم به في تعريف الأشخاص ومشاركتهم في المجتمعات (وغيرها من شبكات العلاقات)، وهو أمر يتيح لهم العثور على المعنى وتحقيق الرخاء. وهو ملهم لكلّ من يثمّن ضآلة ما يعلمه كلّ فرد منّا حول نوع المجتمع الأفضل تلاؤمًا مع البشر بكلّ ما فيهم من عمق وتنوّع، ولكلّ من يثمّن مقدار العون الذي يقدّمه إطار العمل للأفراد في عملهم على اكتشاف المجتمعات التي تحسّن رخاءهم والانخراط فيها؛ بل إنّ الكثيرين قد يثمّنون هذا الإطار لا لمجرّد الطريقة التي يحسّن بها صالحهم، وإنما للطرق التي يتيح لهم من خلالها أن يشاركوا، بشكل غير مباشر، في ما أنجزه الآخرون من أنماط مختلفة للازدهار (Lomasky 2002).

5. 1. إطار العمل كعملية اكتشافية

إنّ إطار العمل هو عملية اكتشافية، أو بعبارة أدقّ: إنّ إطار العمل يستديم عملية اكتشافية. ففي ظلّ المظلّة الحمائية لإطار العمل يحصل الأفراد على، ويمكنهم تجربة، مجتمعات متنوّعة بينما تنشأ هذه المجتمعات وتعدل نفسها في بحثها التنافسي عن الاستدامة أو التحسين أو زيادة أعضائها. فسينشأ بشكل مستمرّ نطاق واسع من المجتمعات انطلاقًا من الإدراك المتطوّر، واستجابةً له، بأنّ الأفراد المتنوّعين سيتحقّق لهم تقريبًا أيّ نمط من أنماط الاجتماع يلائمهم على النحو الأفضل ويتفوّق على غيره باجتذاب الشركاء والترحيب بهم. وهكذا ستتمكّن المجتمعات من البقاء، وربّما تتوسّع أو تجري محاكاتها ما دامت تتضمّن فعليًا أنماطًا للعلاقات تخدم بشكل جيّد عضويتها الفعلية أو المتوقّعة، أو ما دامت تنجح في تنقية ما تقدّمه لأسواق المجتمعات. وإطار العمل يضمن أيضًا بأنّ من يثقون فعلًا بأنّهم يعلمون أيّ نوع من المجتمعات يناسبهم أكثر من غيرهم سيكونون أحرارًا بذلك لتشكيل هذه المجتمعات من خلال الاشتراك الطوعي، وإظهار قيمتهم الحقيقية (أو انعدام هذه القيمة) أمام أنفسهم وأمام الآخرين الذين يبحثون عن الرخاء.

وهنا يوجّه نوزيك، في جزء من الأفكار الضمنية للنصّ، رسالة لليوتوپيين الاشتراكيين مفادها أنّه ليس هنالك في إطار العمل (أو دولة الحدّ الأدنى) ما يمنع سعيهم غير الإجباري لمجتمعاتهم المثالية. إذن، كيف يمكن للاشتراكيين أن يعترضوا على إطار العمل (أو دولة الحدّ الأدنى)؟ إنّ هذا الأمر يعتبر تعميمًا لما ادّعاه نوزيك في مواضع سابقة ضمن كتابه بأنّ أنصار التحكّم المؤثّر بالعمل والعمّال في المشاريع المنتجة يجب عليهم أن لا يعادوا دولة الحدّ الأدنى لأنّها تتعامل بتسامح كامل مع المساعي غير الإجبارية الرامية إلى تأسيس ما يرومونه من ظروف (ASU 246-253).

وفي مقالة قصيرة نشرها نوزيك في مجلّة (ريزن) بعد أربع سنوات من كتابه، يقول: «من قد يختار الاشتراكية؟» (Nozick 1978)؛ وبعبارة أدقّ كان سؤاله: ما هي نسبة الأشخاص البالغين الذين قد يختارون «المشاركة في علاقات المساواة والمجتمع التي تنشئها الاشتراكية بين الأشخاص» لو خيِّروا بين «خيار اشتراكي جذّاب على نحو معقول (وبين) خيار غير اشتراكي جذّاب على نحو معقول؟» (Nozick 1978: 277). ولقد تناول نوزيك الاختيار المطروح في إسرائيل إبّان السبعينيات الماضية بين العضوية وعدمها في المزارع الجماعية (الكيبوتزات) باعتباره مثالًا جيدًا على الاختيار بين الخيارين، ولاحظ بأنّ حوالي (6%) من الإسرائيليين البالغين حينها قد اختاروا الخيار الاشتراكي؛ وخمّن بأنّ الاشتراكيين، «يغريهم»، على الأقلّ، أن يكون إمپرياليين لسبب محدّد هو إحساسهم بأنّه سيكون هنالك القليل جدًّا من المتطوّعين في ما يرمون إليه (Nozick 1978: 279).

إنّ عملية الاكتشاف التي يستديمها إطار العمل هي نسخة من تجارب العيش لدى جون ستيوارت ميل، لكنّها نسخة تضع تأكيدًا أشدّ بكثير على دور أسواق المجتمعات في تزويد الأفراد بالخيارات التجريبية. ولا شكّ في أنّ هذه العملية التجريبية (كما هي تجارب ميل في العيش) عملية تجري وفقًا لمفهوم اليد الخفيّة عند فريدريك هايك. فإذا أخذنا بالحسبان التنوّع الهائل بين الأفراد، فإنّنا لا نعلم ما سيكون عليه الشكل الأفضل للمجتمع: «إنّ الفكرة التي ترى بأنّ هنالك إجابة مركّبة فضلى واحدة لكلّ هذه الأسئلة [حول خصائص اليوتوپيا]، ومجتمعًا أفضل وحيدًا ليعيش فيه الجميع، تبدو لي فكرة عصيّة على التصديق. بل إنّ الأكثر استعصاءّ على التصديق هو الفكرة التي ترى بأنّنا نعلم حاليًا ما يكفي لوصف تلك الإجابة، لو كانت موجودة في الأصل» (ASU 311).

وإنّنا لا نعلم أيضًا الأنماط المحدّدة للمجتمع التي تتّصف بأنّها الأفضل لأنماط محدّدة من الأشخاص، ولهذا لا يمكننا أن نصمّم يوتوپيا تشمل الجميع، ولا يمكننا أن نصمّم صفًّا من اليوتوپيات المصغّرة التي تتيح للجميع، أو حتّى للأكثرية، مجتمعات تحقّق للأشخاص جزءًا كبيرًا ممّا يريدون: «ممّا يعين على فهم المغزى أن نتخيّل عددًا من سكّان الكهوف يجلسون سويّةً للتفكير بما سيكون عليه أفضل مجتمع ممكن لكلّ العصور، ثمّ ينطلق هؤلاء لإنشائه. أفلا تجد أيًّا من الأسباب التي تدعوك للضحك عليهم قابلًا للانطباق على ما نشهده اليوم؟» (ASU 313-314). وإذا أخذنا بالحسبان جهلنا فإنّ السبيل الأمثل لتحقيق اليوتوپيا، ويكاد هذا الأمر ينطبق على الكثير من الصيغ المحدّدة لليوتوپيا، هو من خلال العملية الاكتشافية التي يستديمها إطار العمل. (لكن يجب أن نشير هنا إلى أنّ مناقشة نوزيك تنطوي على افتراض محيّر شيئًا ما وغير ضروري البتة، وهو أنّ الأفراد أولي الطموحات اليوتوپية سيسعون بشكل عامّ لتشكيل مجتمعات مكوّنة من أفراد يماثلونهم؛ وهذا يوحي بأنّ المجتمعات المختارة ستكون ذات بنية داخلية متجانسة، وأنّ التغاير لن يوجد إلّا خارج هذه المجتمعات).

5. 2. طريق مستقلّ إلى دولة الحدّ الأدنى

إنّ دور إطار العمل في استدامة عملية اكتشافية ينقلنا للغاية الرئيسية الثانية لـ(اليوتوپيا)، وهي تقديم دفاع مستقلّ عن دولة الحدّ الأدنى، على أن لا يعتمد هذا الدفاع، تحديدًا، على «الحجج الأخلاقية للحرّية الفردية» (ASU 309 footnote*) التي قدّمها نوزيك في القسمين الأوّلين من كتابه. وعلى الرغم من أنّ نشاطات إطار العمل جرى وصفها من ناحية حماية الحقوق التي أكّد عليها نوزيك في مواضع مبكّرة من الكتاب، فإنّ الدفاع اليوتوپي عن إطار العمل لا يعتمد على صلاحية هذه الحقوق؛ بل إنّ هذا الدفاع يعتمد على تأييد عام للطموح اليوتوپي متّحدًا مع ادّعاء إپستيمولوجي يرى بأنّ الطريق الوحيد إلى اليوتوپيا، عند أخذ جهلنا بالحسبان، هو عملية الاكتشاف التي يستديمها إطار العمل.

وعلى الرغم من ذلك، فإنّ هنالك مشكلة واضحة تعتري ادّعاء الاستقلالية لدى نوزيك؛ إذ يميّز نوزيك بين ثلاثة أنواع من أنصار اليوتوپيا: فهنالك «اليوتوپيون الوجوديون» الذين يؤيّدون ما في أذهانهم من يوتوپيا محدّدة لهم وللآخرين، وهؤلاء ينجذبون لهذه اليوتوپيا لكنّهم لا يجدون مشكلة في انجذاب الآخرين ليوتوپيات أخرى؛ وهنالك «اليوتوپيون التبشيريون» الذين يأملون «بإقناع الجميع بالعيش في نوع واحد بعينه من المجتمعات، لكنّهم لن يجبروهم على ذلك»؛ وهنالك «اليوتوپيون الإمپرياليون» الذين يؤيّدون «إجبار الجميع على نمط وحيد للمجتمع» (ASU 319-320). وبينما سيعتنق اليوتوپيون الوجوديون إطار العمل، وسيدعمه اليوتوپيون التبشيريون (بحماس أقلّ)، فإنّ اليوتوپيين الإمپرياليين «سيعارضون إطار العمل ما دام يوجد البعض ممّن لا يتّفقون معهم» (ASU 320). ويردّ نوزيك على اليوتوپيين الإمپرياليين بقوله: «حسنًا، لا يمكنكم أن ترضوا الجميع، خصوصًا إذا كان يوجد من لن يرضى إلّا إذا كانت حالة الرضى لا تشمل الجميع» (ASU 320). وهذا القول يوحي ضمنيًا، دون أن يصرّح نوزيك بهذا المعنى مطلقًا، بأنّ السعي الإمپريالي إلى اليوتوپيا يجب أن يعطّله إطار العمل لا لشيء إلّا لما يتّصف به هذا السعي من إجبار (لا يمكن السماح به)؛ لكن إذا كان الأمر كذلك، فإنّ تبرير هذه العملية المصيرية التي يقوم بها إطار العمل يجب أن يعتمد على بعض «الحجج الأخلاقية للحرّية الفردية» التي يريد نوزيك لحجّته اليوتوپية أن تستقلّ عنها.

ومهما يكن من أمر، فإنّ نوزيك قد يتمكّن من تلافي هذه المشكلة عبر التأكيد على أن الإمپرياليين مستثنون لأسباب إپستيمولوجية، لا لأسباب أخلاقية. وهنا يبرز السؤال: على أيّ من العمليات يمكن أن يلتقي عندها يوتوپيون متفهّمون من الناحية الإپستيمولوجية (أي: يمتلكون تقديرًا مناسبًا للصعوبات التي ينطوي عليها تعريف اليوتوپيا وتطبيقها)؟ والجواب: عند عمليات الاجتماع والافتراق الطوعي والتكيّف التي يهدف إطار العمل إلى استدامتها. لهذا فإنّ الإجبار لدى اليوتوپيين الإمپرياليين هو، بكلّ بساطة، ليس جزءًا من العملية التي يمتلك كلّ اليوتوپيين أسبابًا لتفضيلها بسبب خصبها الإپستيمولوجي. وعلاوة على ذلك، فإنّ عمل إطار العمل لا يستثني تأسيس أيّ نمط للمجتمع يفضّله (أيّ) يوتوپي، سواء كان لبعض الناس أو للجميع: «بما أنّ أيّ مجتمع بعينه يمكن تأسيسه ضمن إطار العمل، فهو يتوافق مع جميع الرؤى اليوتوپية الخاصّة، لكنّه لا يضمن أيًّا منها» (ASU 320)؛ وأيّ يوتوپي يرغب بضمانة رؤيته (الحالية) من خلال فرضها على الآخرين سيجد أمامه أسبابًا إپستيمولوجية جيدة للتخلّي عن هذه الرغبة.

ومع ذلك، قد يصرّ البعض على أنّ العملية الاكتشافية الأكثر إطلاعًا هي التي تجسّد التنافس المفتوح غير المقيّد بين المجتمعات؛ فنحن نرغب، حتمًا، بمعرفة أيّ المجتمعات، أو تكتّلات المجتمعات، إن كان هنالك أيّ منها، سيتمكّن من الدفاع عن نفسه ضدّ الإمپرياليين. وبما أنّه يبدو أنّ العملية الاكتشافية الأكثر إطلاعًا لن تستثني الإمپرياليين، يبدو أنّ الأساس الحقيقي لاستثنائهم لا بدّ أن يكون أخلاقيًا. ولهذا يبدو أنّ استثناءهم يضعف هدف نوزيك بالتزويد بدفاع مستقلّ عن دولة الحدّ الأدنى.

لكنّ هذه المشكلة ربّما ليست سوى مسألة مظاهر وحسب؛ ففي نهاية المطاف، إنّ إطار العمل الذي اقترحه نوزيك لا يستثني الإمپرياليين بمعنى اشتراط عدم وجودهم؛ بل إنّ أحد الأدوار الجوهرية لإطار العمل هو، تحديدًا، حماية اللاإمپرياليين وأنماطهم الطوعية للاجتماع والافتراق ضدّ الإمپرياليين الذين يعانون قصر البصر إپستيمولوجيًا لكنّهم موجودون على الأرض. ولذلك فإنّ عمل إطار العمل يجب أن ينظر إليه باعتباره عملية اكتشافية ذات مستويين: إذ يعمل في مستوىً منهما على النحو الذي وصفه نوزيك وصفًا صريحًا (أي: كسوق تنافسي للمجتمعات يخدم الأفراد الذين يصبحون أكثر اطّلاعًا حول المجتمع الذي يشتهون)، لكنّه يعمل في المستوى الآخر عملية تقوم من خلالها المجتمعات غير الإمپريالية، والأفراد غير الإمپرياليين الذين لا ينخرطون في أيّ مجتمع يوتوپي، باكتشاف الكيفية، إن توفّرت، التي يتمّ بها التعاون لصيانة وتشغيل إطار العمل كي يحموا أنفسهم ومسعاهم الإپستيمولوجي من الإمپرياليين.


بيبليوگرافيا

أ. النصوص الرئيسية

  • Nozick, R., 1974 [ASU], Anarchy, State, and Utopia, New York: Basic Books.
  • –––, 1976, “Free Enterprise in America”, Encyclopedia Britannica, Annual Supplement.
  • –––, 1978, “Who Would Choose Socialism?”, Reason,May 1978, 22–3; reprinted in Nozick 1997, 277–9.
  • –––, 1981, Philosophical Explanations, Cambridge, MA: Harvard University Press.
  • –––, 1989, The Examined Life, New York: Simon & Schuster.
  • –––, 1993, The Nature of Rationality, Princeton, NJ: Princeton University Press.
  • –––, 1997, Socratic Puzzles, Cambridge, MA: Harvard University Press.
  • –––, 2001, Invariances: The Structure of the Objective World,Cambridge, MA: Harvard University Press.

ب. النصوص الثانوية

  • Bader, R., 2013, Robert Nozick, London: Bloomsbury Academic.
  • Bader, R. and Meadowcroft, J., 2011, Cambridge Companion to Anarchy, State, and Utopia, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Chapman, J. and J. Pennock (eds.), 1978, Anarchism, New York: NYU Press.
  • Childs, R., 1977 “The Invisible Hand Strikes Back”, reprinted in Stringham 2007: 218–231.
  • Cohen, G.A., 1995, Self-Ownership, Freedom, and Equality, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Feser, E., 2004, On Nozick, Toronto: Wadsworth.
  • Friedman, M., 2011, Nozick’ Libertarian Project, London: Continuum.
  • Gaus, G., 2002, “Goals, Symbols, Principles: Nozick on Practical Rationality” in Schmidtz 2002: 105–130.
  • Hailwood, S.A., 1996, Exploring Nozick: Beyond Anarchy, State and Utopia, Aldershot: Avebury.
  • Locke, J., 1689, Two Treatises of Government, in P. Laslett (ed.), Locke’s Two Treatises of Government, Cambridge: Cambridge University Press, 1960.
  • Lomasky, L., 2002, “Nozick’s Libertarian Utopia” in Schmidtz 2002: 59–82.
  • Mack, E., 1978, “Nozick’s Anarchism” in Chapman and Pennock 1978: 43–62.
  • –––, 1981, “Nozick on Unproductivity: The Unintended Consequences”, in Paul 1981: 169–190.
  • –––, 2002a, “Self-Ownership, Marxism, and Egalitarianism: Part I”, Politics, Philosophy, and Economics, 1(1): 75–108.
  • –––, 2002b, “Self-Ownership, Marxism, and Egalitarianism: Part II”, Politics, Philosophy, and Economics, 1(2): 237–276.
  • Nagel, T., 1975, “Libertarianism without Foundations” reprinted in Paul 1981: 191–205.
  • Otsuka, M., 2011, “Are deontological constraints irrational?” in Bader and Meadowcroft 2011: 38–58.
  • Paul, E. F., 1979, “The Time-Frame Theory of Governmental Legitimacy”, reprinted in Paul 1981.
  • Paul, J., 1981, Reading Nozick, Totowa, NJ: Rowman and Littlefield.
  • Rawls, J., 1971, A Theory of Justice, Cambridge, MA: Harvard University Press.
  • –––, 1993, Political Liberalism, New York: Columbia University Press.
  • Rothbard, M., 1973, For a New Liberty, New York: MacMillan.
  • –––, 1977, “Robert Nozick and the Immaculate Conception of the State”, reprinted in Stringham 2007: 232–249.
  • –––, 1978, “Society without the State” in Chapman and Pennock 1978: 191–207.
  • Scheffler, S., 1982, The Rejection of Consequentialism, Oxford: Clarendon Press.
  • Schmidtz, D. (ed.), 2002, Robert Nozick, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Singer, P., 1975, “The Right to be Rich or Poor”, reprinted in Paul 1981: 37–53.
  • Steiner, H., 1977, “The Natural Right to the Means of Production”, Philosophical Quarterly,27(106): 41–49.
  • –––, 1981, “On Obler, ‘Fear, Prohibition and Liberty’”, Political Theory, 9(4): 571–572).
  • Stringham, E. (ed.), 2007, Anarchy and the Law, New Brunswick: Transaction Publishers.
  • Wolff, J., 1991, Robert Nozick: Property, Justice, and the Minimal State, Stanford: Stanford University Press.

ج. مصادر أخرى على شبكة الإنترنت

[1] Mack, Eric, “Robert Nozick’s Political Philosophy”, The Stanford Encyclopedia of Philosophy (Summer 2018 Edition), Edward N. Zalta (ed.), URL = <https://plato.stanford.edu/archives/sum2018/entries/nozick-political/>.

[i]              كلّ الإشارات المرجعية لهذا الكتاب سيشار إليها بالرمز (ASU) متبوعًا برقم الصفحة.

[ii]             يمكن الاطّلاع على مناقشات شديدة الانتقاد للعقيدة النوزيكية في كتب ثلاثة (Wolff 1991, Cohen 1995, Hailwood 1996)، وثمّة ثلاثة كتب أخرى تتساوى مع سابقتها في التعقيد لكنّها تقدّم معالجة أكثر تسامحًا هي (Feser 2004, Friedman 2011, Bader 2013). ويمكن الاطّلاع على ثلاثة كتب مهمّة هي مجموعة لمقالات في هذا الشأن هي ( Paul 1981, Schmidtz 2002, Bader and Meadowcroft 2011). ويقدّم الكتابان (Mack 2002a, 2002b) نقدًا منهجيًا لما جاء به كوهين. ويمكن أيضًا الرجوع إلى (Mack 2018: 41-55, 76-92).

[iii]             في مقالته (حرّية الاستثمار في أمريكا) (Nozick 1976) قدّم نوزيك تعبيرًا متكاملًا متقنًا حول الخلافات التاريخية والاقتصادية الجوهرية التي تكمل الادّعاءات الفلسفية الواردة في كتابه (اللاسلطوية والدولة واليوتوپيا). وقد أتبع نوزيك مناقشته للعقاب في كتاب (اللاسلطوية والدولة واليوتوپيا) بتفسير يقترح فيه مبرّرات للعقاب في كتاب بعنوان (تفسيرات فلسفية) (Nozick 1981).

[iv]             للاطّلاع على نقد مهم لرؤية نوزيك حول المنفعة الرمزية، راجع: (Gaus 2002).

[v]             في مقدّمة كتابه (ألغاز سقراطية) (Nozick 1997)، يقول نوزيك بأنّه عبّر في كتابه (الحياة الممتحنة) عن «تحفّظات بشأن بعض الرؤى في (اللاسلطوية والدولة واليوتوپيا)» (Nozick 1997: 2).

[vi]             إنّ عقلانية الأطراف في الوضع الأصلي تتكوّن من حقيقة مفادها «أن كلًّا منهم يفعل أقصى ما بوسعه لتعزيز مصالحه» (Rawls 1971: 142).

[vii]            لمعظم الحيوانات وجودات منفصلة أيضًا، لكن هل لها حقوق كذلك؟ راجع في كتاب نوزيك القسمين (القيود والحيوانات) (ASU 35–42) و(سوء تحديد النظرية الأخلاقية) (ASU 45–49).

[viii]           إنّ الفكرة القائلة بأنّ كتاب (اللاسلطوية والدولة واليوتوپيا) هو الذروة المنطقية لنقد رولز للمنفعية كانت محور ما طرحه سينگر في كتابه (الحقّ بأن تكون غنيًا أو فقيرًا)، إذ يرى سينگر بأنّ كتاب نوزيك هو برهان غير مباشر على اللامنفعية عند رولز.

[ix]             راجع مثلًا: مناقشة «تناقض الواجباتية» في (Scheffler 1982 :87–91) وكذلك في (Otsuka 2011).

[x]             ربّما من الأسباب الداعية لعدم الدخول إلى آلة الخبرة (راجع: ASU 42–45) أنّ وجود المرء داخلها لن يكون ذا معنى، على الرغم من أنّه قد لا يعلم ذلك.

[xi]             كان على نوزيك أن يقول بأنّه إذا كان فعل ما محظورًا بشكل مناسب فهو معرّض لعقوبة يسمح بإيقاعها (و) معرّض لتعطيل دفاعي يُسمَح بإيقاعه.

[xii]            يعتقد نوزيك بأنّ امتلاك (ب) لحقّ ما ضدّ (أ) بأن لا يقوم (أ) بالتعامل (م) تجاه (ب) يستلزم إمكانية حظر (ب) لقيام (أ) بأمرين في وقت واحد: إيقاعه التعامل (م) بـ(ب)، وعدم تعويض (ب) لما وقع له (ASU 59).

[xiii]           يستند هذا الرأي إلى اتّصالات شخصية ربّما تعود إلى أوائل الثمانينيات الماضية.

[xiv]           المصدر الأهمّ لهذا العرض الشائع (بأنّ نوزيك يصرّح بتمحور عقيدته حول نوع من حقّ الملكية الذاتية) نجده عند (Cohen 1995). راجع أيضًا (Brennan and van der Vossen 2018).

[xv]            في هذه المادّة الموسوعية اتّبعتُ نوزيك باستخدام مصطلح (اللاسلطوية الفردانية) وإن كان هذا المصطلح من الأفضل الاحتفاظ به لأنصار (اللادولانية) من أمثال بنجامين تاكر وليساندر سپونر (راجع: ASU 335 n4) دون أن ينطبق على روثبارد المناصر لـ(الرأسمالية اللاسلطوية). ويمكننا أن نلخّص، على نحو غير دقيق، الفرق بين (اللاسلطوية الفردانية) وبين (الرأسمالية اللاسلطوية) بأنّ الأولى تنظر بعين الريبة إلى الدخل الذي لا يأتي من العمل و(تميل) إلى أن تعزو وجود مثل هذا الدخل إلى تدخّل خفيّ تقوم به الدولة (وهذا ما لا تراه الأخرى).

[xvi]           أخطأ كوهين، مثلًا، حين اعتقد بأنّ دولة الحدّ الأدنى عند نوزيك تفرض الضرائب. راجع: (Cohen 89, 235).

[xvii]           راجع النقد الحادّ الذي قدّمه نوزيك لمبدأ النزاهة، والذي يشترط على الذين ينتفعون من التعاون المكلف للآخرين أن يشاركوا بتكاليف هذا التعاون.

[xviii]          يحاجج روثبارد (Rothbard 1977) بأنّه إذا كان هنالك احتكارية (طبيعية) فعلية في مجال العمل بحقل حماية الحقوق، فيجب أن يكون هنالك على الأقلّ (بعض) الأمثلة التاريخية عن دول تنشأ من خلال التسجيل غير الإجباري لزبائنها، لكن لا وجود لما يشبه هذه الأمثلة.

[xix]           لكن هل هنالك حقّ ضدّ الخوف؟ راجع (Steiner 1981: 571–572).

[xx]            إذا أخذنا بالاعتبار مفهوم قاعدة المسؤولية القانونية في تحليل هذه الحقوق، فإنّ إمكانية السماح بحالات التعطيل هذه تتطلّب أن يكون دفع التعويض المستحقّ لأفعال الأطراف الخارجة عن القانون أمرًا مستحيلًا أو فائق الصعوبة.

[xxi]           راجع مناقشة نوزيك لـ(التبادل الإنتاجي) في الكتاب (ASU 84-87).

[xxii]           لا يبدو أنّ نوزيك يلاحظ أنّه إذا كان (ج) يمتلك (ما يكافئ) حقًّا إجرائيًا ضدّ انخراط (د) بأداء معيّن، فإنّ (ج) أو وكيله قد يحظر هذا الأداء (دون إثارة أيّ سؤال عن التعويض).

[xxiii]          لن تجد في كتاب أي نوزيك أيّ تأكيد أو نفي للزعم الشائع بأنّ الاستيلاء الإجباري لا بدّ منه لتمويل إنتاج السلع العمومية.

[xxiv]          سألت نوزيك سؤالًا، ربّما كان ذلك في حوالي العام (1980)، عمّا إذا كان قد رسم تصوّرًا لأيّ شيء يشبه حجّة السلع العمومية لفرض الضرائب في ما يتعلّق بالتقليل من قيمة الحقوق بسبب قاعدة المسؤولية القانونية؛ فأجابني بالنفي.

[xxv]           يلاحظ ستاينر أيضًا أنّ حجج نوزيك لا قوّة لها إلّا ضدّ التطبيقات (الجارية) للعقائد المنمَّطة؛ فهي في ذاتها لا تتحدّى تخويلًا ابتدائيًا للحيازة لا يحصل للأفراد إلّا مرّة واحدة (حيازة أجزاء من الطبيعة مثلًا).

[xxvi]          على الرغم من ذلك يجدر الرجوع إلى (AUS 55 footnote*).

[xxvii]         راجع (Mack 1995) للاطّلاع على أساس بديل للشرط شبه النوزيكي، وراجع (Wendt 2018) للاطّلاع على شرط أكثر تطلّبًا.

[xxviii]         ربّما كان هنالك فكرة مشابهة تعتمل في ذهن نوزيك عندما قال (في عملية تحوّل أعتقد بأنّها حدثت في منتصف السبعينيات الماضية) بأنّه يرغب بالتوصّل إلى تفسير لـ”العمر النصفي” للظلامات التاريخية.

error: