نهاية إسرائيل القديمة: كيف حول نتنياهو الدولة – الوف بن / ترجمة: عياد الرمالي

نهاية إسرائيل القديمة: كيف حول نتنياهو الدولة – الوف بن / ترجمة: عياد الرمالي


اسرائيل أو على الأقل في شكلها العلماني أو التقدمي والتي أسرت خيال العالم قد انتهت. على الرغم من أن إسرائيل كانت دائماً ترتكز على الخيال أو الأسطورة في بعض النواحي إلا أن لهذه الأسطورة مايبررها على أرض الواقع. اليوم هذا الواقع قد تغير، فقد حدثت في هذا البلد تغييرات جذرية مختلفة عن تصوراتها الأساسية منذ تأسيسها قبل حوالي 70سنة.  منذ الانتخابات الأخيرة، في مارس 2015، تسارعت عدد من الاتجاهات بشكل كبير والتي كانت تسير بخطوات بطيئة في السابق. وعندما تستمر هذه الخطوات بالتسارع، فإنها يمكن أن تخفي التوجهات الأساسية لهذا البلد.

بالفعل هذا التحول كان دارماتيكي، فالحكومة الاسرائيلية الحالية وبقيادة رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو تحولت بعد الانتخابات من حكومة محافظة تتجنب المخاطر إلى حكومة يمين متطرف ترى ان الديموقراطية مرادفة لحكم مطلق للأغلبية دون قيود، فلا مراجعة قضائية للأحكام ولا حماية للأقليات. من وجهة نظرهم، إسرائيل هي دولة يهودية، وديموقراطيتها داخل هذا الإطار. فقط اليهود هم من يتمتعون بكامل حقوقهم، في حين ينبغى أن يُتعامل مع غير اليهود بشيء من الريبة والشك. كما يبدو هذا الاعتقاد المتطرف منتشر على نطاق واسع: فقد قامت بيو باستطلاع للرأي العام نُشر في شهر مارس آذار وأظهر أن 79 في المئة من الإسرائيليين اليهود يؤيدون ” معاملة تفضيلية ” لليهود عن غيرهم من غير اليهود الإسرائيليين.

في الوقت نفسه، تم اتخاذ قرار حل الدولتين في الصراع مع الفلسطينيين على طاولة المفاوضات، وتقوم إسرائيل بشكل مطّرد باحتلالها للقدس الشرقية والضفة الغربية. وقد سعت الحكومة لتمرير قوانين جديدة تقيد انشطة منظمات حقوق الانسان والمعارضين الذين يجرؤون على انتقاد الاحتلال وفضح انتهاكات المسؤولين الإسرائيليين لحقوق الإنسان. وقد وصلت العلاقات العربية اليهودية داخل إسرائيل إلى نقاط متدنية أدت إلى تفكيك مكونات المجتمع الاسرائيلي.

 يتغذى نتنياهو على هذه العصبية القومية التي تخدم اهدافه باستبدال النخبة التقليدية في اسرائيل ب واحدة أكثر انسجاماً مع فلسفته. أصل هذه التغييرات تسبق رئيس الوزراء الحالي ، ولكن لفهمها بشكل صحيح، يجب أن ننظر أبعد من ذلك بكثير  في تاريخ دولة اسرائيل منذ تأسيسها عام 1948

 

الرجل القديم واليهودي الجديد

 تم انشاء إسرائيل الحديثة على يد مجموعة من العلمانيين الاشتراكيين بقيادة ديفيد بن غوريون والذي اصبح أول رئيس وزراء ل إسرائيل. الرجل القديم، كما كان معروفاً، سعى إلى إنشاء وطن جديد لليهود : المحارب الرائد الذي يحرث الأرض وعلى ظهره بندقية ويقرأ الاشعار حول النار عندما فاز بالمعركة ( هذا ” اليهودي الجديد ” كان أسطوري لاينسى ، بول نيومان في فلم الخروج ).  فقد أشرف بن غوريون الذي كان قائداً للدفاع عن النفس على نصر الدولة الوليدة في حرب استقلالها ضد جيرانها العرب والفلسطينيين ثم نفى معظمهم. وعند انتهاء الحرب، أشرف الرجل القديم على انشاء قوات الدفاع الاسرائيلية والتي صُممت لتكون بمثابة (من بين أمور أخرى) الأداة الرئيسية في الدولة الجديدة لتحويل اليهود المهاجرين من ثقافات ولغات مختلفة إلى مواطنين ناطقين باللغة العبرية.

بن غوريون كان يساري ولكنه ليس ليبرالي. بعد الاستقلال، وضع بن غوريون العرب المتبقين في اسرائيل تحت قانون الأحكام العرفية ( استمرت حتى عام 1966 ) وصودرت الكثير من أراضيهم، وأعطيت لليهود. حزب بن غورين ، حزب مباي “رائد العمل” كان يسيطر على الاقتصاد وتوزيع الوظائف. كان بن غورين وحاشيته جميعهم تقريباً من يهود الاشكناز (اصولهم من اوروبا الشرقية) يمارسون التمييز العنصري ضد اليهود الشرقيين (المعروفين في إسرائيل باسم الشرقيين) والذين قدموا من الدول العربية مثل العراق، المغرب، تونس واليمن. بن غورين فشل أيضاً في تقدير قوة الدين، فقد كان يعتقد انه سيندثر عندما يواجه العلمانية الحديثة. وقد سمح ل المتدينين بالاحتفاظ بنظام تعليمي ذاتي تحت حكم الدولة الجديدة وبالتالي ضمان مستقبل الأجيال القادمة من الناخبين الدينيين.

على عيوب بن غوريون، إلا أن إنجازاته كانت هائلة ولا ينبغي الاستهانة بها : فقد خلق واحدة من اكثر الدول نمواً في العالم مابعد الاستعمار، وجيش من الطراز العالمي، بما في ذلك الردع النووي، وأعلى المؤسسات التكنولوجية والعلمية. كما عمل على الاعتماد على الجيش الاسرائيلي كوعاء ينصهر داخله بشكل فعال اعداد كبيرة من الاسرائيليين الجدد. هذا الاعتماد على الجيش جنباً إلى جنب الانتصارات في معارك 1948,1956و 1967 ساعد في ترسيخ مركزية الجيش في المجتمع الاسرائيلي. حتى يومنا هذا، الخدمة في الجيش تعتبر من أكثر الأعمال هيبة وقدسية وأضمن طريق للمضي قدماً في البلاد. وقد زُود الجيش بكبار القادة الاسرائيليين من إسحاق رابين، عيزر فايتسمان، ايهود باراك، وارييل شارون، وكل رئيس أركان أو رئيس مخابرات يصبح على الفور مرشحاً غير رسمي لهذا المنصب الرفيع.

وكان أول تحدي ل أفكار بن غوريون في يوم الغفران عام 1973 عندما شنت مصر وسوريا هجوماً مفاجئاً وتمكنت من هزيمة الجيش الإسرائيلي. على الرغم من أن إسرائيل انتصرت في نهاية المطاف، إلا انها تكبدت خسائر فادحة، بالاضافة إلى فشل الاستخبارات الكبير الذي هز البلاد. تماماً مثل المملكة المتحدة بعد الحرب العالمية الاولى، خرجت منتصرة من الناحية الفنية ولكنها خسرت معنوياً وسقطت مقولة ” الدولة التي لاتقهر”. “

بعد أقل من أربع سنوات، استفاد مناحيم بيغن مؤسس الحزب اليميني من هذه الهزيمة وحمّل حزب العمل المسؤولية وألحق به أول هزيمة له في الانتخابات. تحالف بيغن مع الأحزاب الدينية في إسرائيل، وتمكنوا من الاستيلاء على السلطة في حزب ائتلاف جديد يسمى حزب الليكود (الوحدة). لتجميل الصفقة، سارعت حكومته في بناء مستوطنات يهودية في الضفة الغربية بناءً على مناشدة من الصهاينة الدينيين، وقدم العديد من التنازلات للأصوليين ، مثل الإعانات التعليمية السخية.

 بيغن كان محافظ وقومي، لكن لعقود أمضاها في المعارضة علمته احترام المعارضة والحوار. كرئيساً للوزراء، دافع بشكل دائم عن استقلال القضاء، وامتنع ايضاً عن إقصاء الموالين لحزب العمل من المناصب العليا في الخدمة المدنية والجيش الإسرائيلي. نتيجة ذلك، اكتسبت ثورته هذه الأهمية على الرغم من كونه وحيداً. تحت قيادة بيغن، فقدت النخبة اليسارية القديمة في إسرائيل مقاعد حكومتها ولكنها حافظت على الكثير من نفوذها ومناصب عليا في مؤسسات قوية مثل وسائل الإعلام والأوساط الأكاديمية. وأبقت المحكمة العليا على مخزون من القضاة الذين لاينتمون لأي حزب رسمياً ويملكون النظرة الليبرالية لحقوق الإنسان والحقوق المدنية.

 

بيبي المعمودية

 على الرغم من أن حزب الليكود يحكم إسرائيل معظم السنوات منذ ذلك الحين، إلا إن إبقاء سيطرة اليسار على العديد من جوانب الحياة أدى  إلى الشعور العميق بالاستياء من اليمين. لا أحد يشعر بالتظلم اكثر من نتنياهو الذي يحلم منذ فترة طويلة بالتخلص من ثورة بيغن غير المكتملة. “بيبي” كما هو  معروف ب نتنياهو، فاز لأول مرة برئاسة الوزراء في عام 1996، ولكنه يحتاج لعقود لتحقيق هدفه وهو القضاء على ثورة بيغن.

جاءت الانتخابات الأولية بعد فترة قصيرة من اغتيال رابين. وقد سيطرت معاهدة أوسلو للسلام بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية في السنوات السابقة لاغتيال رابين، وأكمل خليفته عملية السلام نفسها في الجزء الأول من حكمه.

نتنياهو يعارض معاهدة أوسلو منذ البداية. فهو يرى أن إسرائيل مجتمع يهودي محاصر من قبل العرب والمسلمين الذين يحملون له العدائية ويهدفون لتدميره. نتنياهو يعتبر الصراع العربي الإسرائيلي حتمي وواقع بشكل دائم طوال الحياة ، يمكن إدارة هذا الصراع، ولكن لن يتم حله. والغرب الذي حسب رأيه ، كان معادياً للسامية غير مبال ولا يمكن الاعتماد على مساعداته، لذلك من واجب القيادات الإسرائيلية منع حدوث هيلوكوست ثانية ، من خلال المزج بين الدبلوماسية الذكية والقوة العسكرية. ويجب على هذه القيادات الإسرائيلية عدم القلق والاكتراث بما يعتقده بقية العالم عنهم. في الواقع، واحدة من أهم النقاط الأساسية في سياسة نتنياهو الداخلية، الاستعداد الدائم للوقوف في وجه السلطات القائمة ، حتى المدعومة سواءً من رئيس الولايات المتحدة أو الأمم المتحدة ( حيث خدم نتنياهو كممثل ل إسرائيل 1984-1988). نتنياهو يحب الحديث عن الخرافات في محاضراته وخطاباته ، ويجد كثيراً من الجمهور الإسرائيلي يستمعون لهذه الخرافات، فمثلاً في أكتوبر الماضي أشار إلى ان أمين الحسيني مفتي القدس خلال الحرب العالمية الثانية ، هو من أقنع هتلر بفكرة قتل يهود أوروبا. المؤرخون يسخرون من هذه الادعاءات ، ولكن العديد من الإسرائيليين العاديين يؤمنون بما يقول.

أثناء فترة ولايته الأولى، يُلقي نتنياهو باللوم على اليساريين من النخبة القديمة ، ويحملهم أخطاء السياسة الخارجية للبلاد. لمنع مزيداً من الاخطاء في المستقبل، قال إنه اقتبس صفحة من تاريخ الولايات المتحدة المحافظ، وتعهد في محاربة بعض الأفكار المطروحة في الجامعات الإسرائيلية والتي كما يقول قادت البلاد إلى أوسلو. في مقابلة عام 1996 مع الكاتب هآرتس شافيت اشتكى نتنياهو “من نزع شرعيته من قبل النظام القديم” مضيفاً إن ” المشكلة في عدم توازن البنية الفكرية للمجتمع الإسرائيلي” وتعهد بإنشاء مؤسسات محافظة جديدة لإعادة كتابة الرواية الوطنية.

ولكن قلة الخبرة السياسية عند نتنياهو عملت ضده. فقد صاحب ولايته بعض الجدل واللغط ضده ، من استفزازاته المتهورة للفلسطينيين والأردن، إلى الفضيحة التي سببتها سوء معاملة زوجته للعاملين في المنزل. فقد أدت هذه التهورات والفضيحة إلى توحّد النُخب الإسرائيلية القديمة ضده، وبدعم من إدارة كلينتون أجبروا نتنياهو على صفقة أخرى مع الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات. بعد الاتفاق الفلسطيني الإسرائيلي عام 1998، وإجراء انتخابات مبكرة عام 1999، تخلت الاحزاب اليمينية المتشددة عن نتنياهو احتجاجاً على الاتفاق، فظهر باراك وحزبه منتصراً.

 يُمثل كلاً من باراك -والذي كان قائداً سابق للجيش الاسرائيلي- ، وشارون -الذي حل محل نتنياهو وترأس حزب الليكود ورئيس للوزراء عام 2001- يمثلان العودة إلى نموذج بن غوريون . وهكذا استعاد النظام القديم صعوده على الاقل مؤقتاً.

 

قناع المعتدل

 لكن نتنياهو كان يرى الأمور بشكل مختلف، فقد أمضى هذا العقد بالتآمر للعودة للسلطة. بعد إعادة انتخاب شارون في عام 2003، أصبح نتنياهو وزيراً للمالية على الرغم من استقالته عشية الانسحاب من جانب واحد من قطاع غزة عام 2005. عندما أنشأ شارون حزب معتدل جديد “كاديما” بعد وقت قصير من الانسحاب، تولى نتنياهو قيادة ماتبقى من حزب الليكود ، ولكنه خسر الانتخابات اللاحقة في مارس 2006، لصالح ايهود أولمرت الذي حل محل شارون المريض على رأس حزب كاديما.

وقد تعهد أولمرت بمتابعة رؤية معلمه، بسحب الجيش الإسرائيلي من معظم مناطق الضفة الغربية. ولكن في يوليو، تعطلت خططه عندما سمح لحزب الله بجره إلى حرب في لبنان لا طائل منها، بالإضافة لسوء إدارتها. وجهوده لاحقاً في التفاوض مع الفلسطينيين على السلام الشامل والتي بدأت في انابوليس في ولاية ميريلاند الامريكية في أواخر عام 2007 لم تؤد أهدافها. في الوقت نفسه، تعززت شعبية نتنياهو ومصداقيته بشكل كبير عندما سيطرت حركة حماس على قطاع غزة . لذلك عندما أعلن أولمرت استقالته بسبب اتهامات له بالفساد في صيف 2008 ( في نهاية المطاف ذهب إلى السجن في تهمة أخرى مختلفة ) ، كان نتنياهو على استعداد للعودة.  وقد ساعد هذا الانتعاش بدرجة كبيرة في الظهور المفاجئ لما دعى له نتنياهو سابقاً “انشاء مصادر فكر مستقل”. صحيفة إسرائيل هايوم (إسرائيل اليوم) وهي صحيفة يومية مجانية مملوكة للأمريكي شيلدون اديلسون، ومنذ انطلاقها قدمت الصحيفة الدعم الكامل ل نتنياهو. في 2010 أصبحت إسرائيل هايوم أكثر الصحف اليومية قراءة في البلاد، ويطبع منها 275,000 نسخة يوماً. وتحتوي صفحتها الأولى على رسالة “بيبي” (نتنياهو) باستمرار: تشيد بإنجازاته، وتشجب منافسيه، وتمجد إنجازات إسرائيل وتقلل من الأخبار السيئة.

مع خروج أولمرت عن المشهد السياسي، عاد نتنياهو إلى السلطة في 31 مارس 2009. حرص على إثبات أنه قد تجاوز أزمته السابقة عند سقوطه في الانتخابات قبل عشر سنوات. ومع ذلك ، وخوفاً من ضغوطات الرئيس الأمريكي الجديد باراك أوباما، قال إنه مرة أخرى اضطر للتخلي عن خططه طويلة الأجل في استبدال النخبة. بدلاً من تقويض أعدائه، انتقل إلى الاعتدال، وقام بتجنيد عدداً من الليبراليين المتقاعدين من حزب الليكود لينضموا إلى حزب ” بيبي الجديد” والانضمام لحكومته، وتشكيل ائتلاف مع حزب العمل تحت قيادة باراك، الذي بقي على منصب وزير الدفاع. قضى نتنياهو وباراك الأربع السنوات اللاحقة في العمل على خطة غير محققة في نهاية المطاف وهي قصف المنشآت النووية الإيرانية.

بعد عشرة أيام من خطاب أوباما في القاهرة عام 2009، سعى نتنياهو لانتهاج سياسية معتدلة جديدة له في خطابه السياسي من خلال تأييد إقامة دولة فلسطينية. وهذا التأييد شكلي، فقد فرض نتنياهو شرطاً وهو أن يعترف الفلسطينيون أولاً بالدولة اليهودية. الرئيس الفلسطيني رفض هذه الفكرة على الفور. ولكن هذه الخطوة على أي حال  تعزز من اعتبار نتنياهو معتدلاً.

وساعد ذلك في الحصول على الدعم من أوباما، ولكن لم يحصل هذا الدعم قبل إقناع الرئيس الامريكي ل نتنياهو بقبول تجميد تشييد الوحدات السكنية في مستوطنات الضفة الغربية عشرة أشهر. ولكن هذا التجميد لا معنى له لأنه لم يغير من الحقائق على الأرض ، ولم يسهل لمحادثات سلام جادة. بعد وقت قصير من انتهاء التجميد، سيطر الجمهوريون على مجلس النواب في الانتخابات النصفية الأمريكية، وبالتالي خلق جدار حماية ضد أي ضغوط أخرى من واشنطن. ثم بعد ذلك ، فقد أوباما اهتمامه بعملية السلام. على الرغم من العلاقة غير الثابتة بين أوباما ونتنياهو والتي أدت إلى إثارة اللغط في وسائل الاعلام، كانت قليلة التأثير على السياسة الداخلية الإسرائيلية. مع أنه في الماضي كان معظم الإسرائيليين يثقون بالرئيس الأمريكي، إلا أن استطلاع عالمي صدر في 2015 أظهر أن أوباما الأقل شعبية في إسرائيل من أي مكان آخر. ومع اندلاع الربيع العربي، تبخر ما تبقى من ضغوط على نتنياهو لتحقيق السلام مع الفلسطينيين. انهيار نظام حسني مبارك شكّل تهديد استراتيجي ل أمن إسرائيل. سوريا غرقت في حرب اهلية دامية. ظهور عدو جديد ومرعب على الساحة ” الدولة الإسلامية”. هذه الأحداث عززت بشكل غير متوقع موقف إسرائيل من عدة جوانب: روسيا وأمريكا تعاونت في نهاية المطاف للقضاء على معظم الأسلحة الكيماوية السورية ، وبعد الثورة المضادة 2013، عززت مصر علاقتها مع القدس ( ولو بشكل غير رسمي في معظم الحالات). ولكن هذه المذابح والاضطرابات روعت الناخبين الإسرائيليين، الذين قالوا لأنفسهم: إذا كان العرب يقومون بهذه الاعمال مع بعضهم البعض، تخيل ماذا سيفعلون لو أُعطيت لهم الفرصة.

ومع ذلك، لعب الأمن والسلام دوراً ثانوياً في انتخابات 2013 على نحو غير معهود. بدلاً من ذلك، سيطرت القضايا الاجتماعية على السباق، بما في ذلك الارتفاع السريع في تكاليف السكن والمواد الغذائية في البلد. وقد ساعدت هذه المخاوف من دخول فئة جديدة من السياسيين ليحلوا محل القدامى أمثال باراك. ولكن لم يكن احد منهم قادر على التغلب على القدماء بحكم الخبرة والدهاء الذي يتمتعون به. وبعد أن أعاد نتنياهو الالتزام مع قاعدته اليمينية والاندماج مع حزب محافظ آخر بقيادة وزير الخارجية السابق أفيغدور ليبرمان فاز نتنياهو بالانتخابات.

في صيف 2014، وبدفع من وزير الخارجية الأمريكي جون كيري لتحقيق السلام مع عباس، اندلعت الحرب بين إسرائيل وحماس. اكتشاف عشرات الأنفاق التي حفرتها حماس إلى الأراضي المصرية والإسرائيلية خلقت ذعرا كبيرا عند الرأي العام الإسرائيلي ودفعت للعمليات الأكثر دموية في عهد نتنياهو. خلال 50 يوم من القتال، أكثر من 2000 فلسطيني و 72 إسرائيلي معظهم من الجنود. الأغلبية الساحقة من اليهود في إسرائيل يدعمون الحرب، ولكن تسبب هذا القتال بانفجار التوترات الطائفية في البلاد. الآلاف من العرب الاسرائيليين تعبوا من معاناة وسوء المعاملة من قبل الشرطة ، وازداد التهميش ضدهم في ظل حكومة نتنياهو وتظاهروا ضد الحرب. واعتقل المئات منهم، وهددوا بإطلاق النار على الكثير من العرب العاملين في القطاع العام لانتقادهم الصراع عبر الفيسبوك.

 إسرائيل بالفعل اصبحت اقل تسامحاً وانخفضت مساحة الحرية والسماح بالنقاشات عما كانت عليه من قبل.

 

اليمين الجديد

 في نفس الوقت تقريباً، بدأت العداوات الشخصية داخل ائتلاف نتنياهو بسحبه بعيداً. فنتنياهو لم يتمكن من منع البرلمان الإسرائيلي (الكنيست) من انتخاب رؤوفين ريفلين، وهو منافس لليكود منذ فترة طويلة فأصبحت رئاسته رمزية إلى حد كبير. والعديد من الحلفاء السابقين لرئيس الوزراء، بما فيهم ليبرمان، أقروا مشروع قانون يجبر صحيفة “إسرائيل هايوم “على تحويلها إلى صحيفة ربحية ( هذا المشروع لم يصل إلى جلسة الاستماع الأولية )، في ديسمبر انهارت الحكومة اخيراً ، ودعا الكنيست لإجراء انتخابات مبكرة.

ذهب الليكود في 2015 إلى اجراء استطلاعات للرأي العام. كان الجمهور غاضباً من نتنياهو بسبب الفضيحة المالية، ونتائج حربه مع حماس. بدأ التحالف الصهيوني، وهو تحالف وسطي جديد ، يقوده زعيم حزب العمل إسحاق هرتسوغ بتشكيل الحكومة المقبلة، ولكن زعيم حزب العمل يفتقد للخبرة والجاذبية مقارنة بخصمه. وقد دعا نتنياهو لحملة غير مسبوقة للتصدي للكونجرس الأمريكي ( والتي استخدمها للتنديد بالاتفاق النووي بين إدارة اوباما وايران ) ، وأيضاً سرق اصوات من الأحزاب المحافظة الصغيرة واعداً إياها بعدم السماح بقيام دولة فلسطينية في عهده. وفي يوم الانتخابات، قام بنشر فيديو يدعي فيه أن الناخبين العرب يتجهون بأعداد كبيرة إلى مراكز الاقتراع بمساعدة المنظمات غير الرسمية اليسارية. وهذا الفيديو غير صحيح ،ولكن استغله في زيادة القلق عند الناخبين اليهود والعنصريين، وفاز حزب الليكود في الانتخابات: حصل حزب الليكود على 30 مقعد بينما حصل حزب الاتحاد الصهيوني على 24 مقعد.

في نظام البرلمان الإسرائيلي، التصويت لوحده لا يحدد من يتولى السلطة، ولذلك يحصل بناء تحالفات بعد كل انتخابات. في هذه الحالة، غادرت حملة نتنياهو الانتخابية، الذين كان لديهم 31 مقعد، وبالتالي لديه خيارين: تشكيل وحدة وطنية مع هرتسوغ والمتشددين، أو تشكيل تحالف ضيق ولكنه متماسك إيديولوجياً مع عدة أحزاب أصغر من الوسط واليمين المتطرف.

 اختيار هرستوغ من شأنه أن يخلق تحالفاً اوسع ويسمح لنتنياهو بإظهار وجه اكثر اعتدالاً للعالم. ولكن رئيس الوزراء المعادي للاعتدال، فضل الخيار الثاني بدلاً من ذلك. وهذا الخيار تركه مع تمثيل ضئيل جداً، مقعد واحد في الكنيست. ولكن قدم له اول حكومة يمينية متشددة منذ 2009، وهذه العودة من شأنها أن تسمح له أخيراً بتحقيق حلمه المؤجل منذ فترة طويلة في إعادة تأسيس إسرائيل.

مع أن نتنياهو علماني، ومن يهود الاشكانزي، فإن أغلب حلفائه الجدد من الشرقيين المنبوذين لفترات طويلة من السلطة. مع أنهم يمثلون شريحة كبيرة من السكان اليهود والصهاينة، المعروفين بلبسهم للطاقية اليهودية، ملتزمون بشدة، وغالباً يسكنون في المستوطنات في الضفة الغربية، وقد تكاثروا في السنوات الاخيرة في المناصب البارزة في الجيش، الاجهزة الامنية، والخدمة المدنية.

 هذه المجموعات تتركز قوتها عن طريق ثلاثة أعضاء من الحكومة الحالية: من الليكود ميري ريغيف، وزيرة الثقافة ، ونفتالي بينيت وزير التربية والتعليم ورئيس “البيت اليهودي”، وهو الحزب الصهيوني الذي بُني على انقاض الحزب القومي الديني القديم. وايليت شاكيد وهي صديقة ل بينيت منذ فترة طويلة والآن وزيرة العدل. ريغيف، من يهود السفاديم ، وجاءت عائلتها من المغرب، عميد سابق في الجيش الإسرائيلي، حيث عملت في منصب كبير المتحدثين باسم الجيش أثناء الإنسحاب من غزة. بينيت هو ابن مهاجر امريكي، وقد خدم في القوات الخاصة الإسرائيلية، ثم حقق ثروة كبيرة كأحد الرواد في التكنولوجيا. هو المنشئ لشركة “start-up nation” والقومي المتشدد والزعيم الديني المؤيد للاستيطان ( على الرغم انه يعيش بشكل مريح داخل الخط الاخضر ). شاكيد كانت مهندسة كمبيوتر قبل اشتغالها بالسياسة. على الرغم من عضويتها في ” البيت اليهودي” تقول إنها ليست دينية وليست مستوطنة. على حد سواء، عملت هي وبينيت مباشرة مع نتنياهو في الليكود قبل عقد من الزمن، عندما كان زعيم للمعارضة، ولكن هذه العلاقة توترت معه بسبب خلافات شخصية عام 2008

 تماماً مثل نتنياهو، ريغيف، بينيت وشاكيد اتسموا بالدهاء والمهارة في استخدام التكنولوجيا ووسائل الاعلام. وتماشياً مع التقاليد الإسرائيلية، الثلاثة تجمعهم مع نتنياهو المصالح المشتركة رغم الخلافات. ترقت ريغيف إلى الصفوف العليا في حزب الليكود دون رعاية نتنياهو، ولم يغفر نتنياهو ل بينيت وشاكيد خيانتهما؛ فالاثنين لم يسبق لهما أن دعيا للانضمام له في مقر إقامته او على طائرته الخاصة. ولكن حتى الآن، لم يسمحوا لمشاكلهم الشخصية في عرقلة تحقيق مصالحهم المشتركة. نتنياهو يحتاج بينيت وشاكيد للحفاظ على بقاء ائتلافه واقفاً، ويحتاج ريغيف للحفاظ على دعمه من السفارديم الإسرائيليين، وهي النقطة الأهم في حزب الليكود. لايوجد أي خلافات إيديولجية بين الأربعة. بالإضافة إلى أن نتنياهو سعيد بوجود أشخاص يسعون لتغيير الحرس القديم وتوجيه التهم لهم.

منذ توليه منصبه العام الماضي، والوزراء الثلاثة يحصلون على تسهيلات منه. ريغيف، اتخذت مواقف معادية ضد من تسميهم ” النخبة الاشكنازية اليسارية المتعجرفة” وقالت في مقابلة وبفخر إنها لم تقرأ ل تشيخوف ولا تحب الموسيقى الكلاسيكية، وسعت إلى إعطاء أهمية أكبر لثقافة اليهود الشرقيين، وحرمان الفنانين الأقل من الدعم الحكومي. أما وزارة بينيت فقد قامت بإعادة كتابة مناهج المدارس الحكومية للتأكيد على الطابع اليهودي للبلاد. وأدخلت مؤخراً على التربية المدنية في المدارس الثانوية الجديدة كتاب يصور التاريخ العسكري لإسرائيل من خلال عدسة الصهيونية الدينية والتقليل من دور الأقلية العربية. في ديسمبر، قام بينيت بحظر رواية “Borderlife” من قوائم القراءة في المدارس الثانوية والتي تصف قصة حب بين شابة يهودية إسرائيلية وفلسطيني.

 شاكيد من جانبها، تعهدت في الحد من التدخل القضائي في عمل السلطة التنفيذية والكنيست من خلال تعيين مزيداً من القضاة المحافظين في المحكمة العليا في العام القادم ، عندما تتيح لهم فقط 4 إلى 5 مقاعد من أصل 15 مقعد. كما قامت باستخدام سلطاتها بشكل جيد كرئيس للجنة وزارية تشريعية ، عندما أشرفت على الدعم المقدم للسلطة التنفيذية في الكنيست. وهذه اللجنة قدمت مؤخراً عدة مشاريع في سن قوانين تحد من حرية التعبير السياسي. وتستهدف المشرعين العرب غير الصهاينة، والسماح للكنيست بتعليق أي عضو لاجل غير مسمى : تحت مسمى دعم الارهاب، ومن يحاول تغيير هوية إسرائيل “كدولة يهودية”. وكذلك إلصاق تهمة “العمالة للحكومات الأجنبية” لمنظمات حقوق الإنسان، وأنها تحصل هذه المنظمات على أكثر من نصف تمويلها من حكومات أجنبية.

في الوقت نفسه، فإن نتنياهو مستمر في عمل مايخدمه. فبعد انتخابات العام الماضي، أصر على التمسك في وزارة الاتصالات، مما أتاح له الكلمة الأخيرة في أي تشريع ذو صلة في وسائل الاعلام. وقد أعطى له هذا التحرك، نفوذاً غير مسبوق عبر شبكات التلفزيون والاتصالات اللاسلكية الإسرائيلية، والتي تعززت خشية القيام بأي شيء لعزل رئيس الوزراء.

 العديد من الإجراءات الحكومية الأخيرة ، مثل تعزيز ريغيف لثقافة اليهود الشرقيين، يبدو أنها تهدف إلى معالجة الحرمان التقليدي للشرقيين في إسرائيل والمواطنين الذين يعيشون في أطراف البلاد ( بعيداً عن الممر المركزي تل ابيب-القدس). ، وتهدف التدابير الاخرى لتعزيز الحراك الاجتماعي. وكلاً منهم تقريباً لديه هدف سياسي واضح : للحد من المعارضة المحلية للاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية إن لم يكن للقضاء عليها، فالذي يريده نتنياهو وحلفائه جعله احتلال دائم. وأيضاً تقليص معسكر السلام ومؤيديه من خلال تصويرهم بأنهم عملاء للأجانب، غير وطنيين ومن المعادين للسامية، وتأمُل الحكومة نزع الشرعية عنهم وبناء توافق في الآراء بشأن سياستها اليمينية المتشددة.

يبدو ان هذه الاستراتيجية تعمل بشكل جيد. على سبيل المثال: في استطلاع للرأي أجري في ديسمبر الماضي على اليهود الإسرائيليين، 53% من الذين شملهم الاستطلاع أيدوا حظر مجموعة “كسر الصمت” وحجب اعترافاتهم ، وهم مجموعة من المحاربين القدامى يهدفون إلى كشف حقائق الاحتلال القاسي من خلال نشر شهادات عدد من الجنود الذين خدموا في الضفة الغربية.

 

خلاف عميق

 بعد سنوات من الهدوء النسبي، اندلعت في أواخر الصيف الماضي اعمال عنف في الضفة الغربية وداخل إسرائيل. تميزت الانتفاضة الاولى (1987-1993) بالاحتجاجات الجماهيرية وإلقاء الحجارة. والانتفاضة الثانية (2000-2005) تميزت بالتفجيرات الانتحارية المنظمة والعمليات العسكرية الانتقامية الإسرائيلية واسعة النطاق مما تسبب بسقوط الآف من الضحايا. هذه المرة، اتخذت الانتفاضة شكل جديد ، مايسمون ب”المنفردين” باستخدام السكاكين الخاصة، والبنادق محلية الصنع لمهاجمة نقاط التفتيش العسكرية والشرطة الإسرائيلية والمدنيين في المستوطنات ومدينة القدس القديمة. حتى الآن قُتل 34 إسرائيلياً في هذه “الاعتداءات”، وألقي القبض على جميع الجناة تقريباً أو قتلوا على الفور بإطلاق النار عليهم، وقُتل حوالي 200 فلسطيني.

تمثل انتفاضة “المنفردون”  أصعب اختبار للحكومة الحالية حتى الآن. دائماً يصور نتنياهو نفسه أنه قوي في محاربة الإرهاب وأن خصومه ضعفاء. لكن يبدو أن نتنياهو ومساعديه لديهم جهل كبير في كيفية مواجهة العنف.  بدلاً من ايقاف نزيف الدم، ضاعفوا هجماتهم على تلك الفئات التي يصنفونها ” أعداء الداخل”: من جماعات حقوق الانسان، والسياسيين من عرب إسرائيل. اما الأحزاب اليسارية والمعتدلة فإنها قلقة من تصنيفها ب “غير وطنيين” ، ففي ابريل ، حث هرتسوغ حزب العمل على “التوقف عن إعطاء الانطباع بأننا من محبي العرب”. لابيد رئيس حزب (هناك مستقبل) وهو حزب معارض معتدل، يدعو الجيش والشرطة إلى اطلاق النار على كل شخص يحمل سكين او مفك او أي آلة حادة. ولتسليط الضوء على خطر مثل هذا الخطاب، في مارس الماضي، قامت ” بتسيلم” وهي منظمة تنشط في مجال حقوق الإنسان، بإصدار فيديو يظهر جندي إسرائيلي في الخليل يقوم بإعدام فلسطيني مشتبه به وهو مُلقى بالشارع بعد أن أطلق عليه الرصاص.

وبدلاً من الندم على ما فعله الجندي في الخليل، أطلق عديد من اليهود الإسرائيليين موجة من العنصرية والقومية القبيحة. القيادة العليا للجيش قامت بسرعة باحتجاز الجندي وأعلنت أن عمله غير أخلاقي وغير قانوني، ولكن استطلاع للرأي العام أُجري بعد الحادث بعدة ايام، اظهر أن 68 في المئة من الذين شملهم الاستطلاع يؤيدون مافعله الجندي، وأن 57 في المئة يرون أنه لاينبغي أن يواجه الجندي محاكمة جنائية. سياسيون من اليمين المتطرف بما فيهم بينيت دافعوا عن القاتل، ونتنياهو الذي قد أيد في البداية القادة العسكريين، ولكنه سرعان ماتضامن مع موقف خصومه اليمينيين ودعا والدي مُطلق النار وعبّر لهما عن دعمه له. عندما أصر وزير الدفاع موشيه يعلون على التحقيق الجنائي، هاجمه بشدة على وسائل الإعلام لموقفه. في مايو، أعلن يعلون استقالته نتيجة النقد الموجه له لموقف وتصاعد الخلاف مع نتنياهو. وقد أشار يعلون “حاربت بكل ما أوتيت من قوة جميع مظاهر العنصرية والتطرف والعنف في المجتمع الإسرائيلي، والتي تهدد أيضاً متانة وقوة الجيش الإسرائيلي.

حكومة نتنياهو ستستمر في محاولتها المتكررة لإحداث تغييرات في المجتمع الإسرائيلي والمؤسسة الإسرائيلية. والتعامل مع يعلون يظهر التغير الحاصل لإسرائيل في السنوات الأخيرة. رئيس حزب الليكود ورئيس الأركان السابق يعلون ليس يسارياً ، يؤيد أوسلو ولكنه غير رأيه فيما بعد ، عندما كان رئيساً للاستخبارات العسكرية وقال إنه بسبب مشاهدته لنفاق وازدواجية عرفات. ومازال يعتقد يعلون بأهمية وجود دولة علمانية تحت سيادة القانون. ومايميز يعلون انه من أواخر الحرس القديم ، وانتهاجه لنهج ابن غوريون. وهذه الأوراق تكفي لتحريض الغوغاء على الانترنت. ولا يشفع له سجله العسكري، ومعارضته لعملية السلام أو تأييده للتوسع الاستيطاني.

في إسرائيل نتنياهو، مجرد الإصرار على عمل الإجراءات القانونية لجريمة موثقة ، يكفي لجلب العداوة لك من النخبة ومؤيدو نتنياهو تماماً كما حدث ل يعلون.

 

رئيس الوزراء الدائم

 من أهم طرق نتنياهو في احتفاظه بالسلطة لفترة طويلة، كثاني أطول زعيم خدم إسرائيل بعد بن غوريون، قدرته على تكييف سياسته لتتناسب  مع الرأي العام. في عام 2009، انتهج الاعتدال والوسطية لأنه خشي من أوباما ويريد أن يبعد عن نفسه تهمة التهور. بينما في السنوات الأخيرة عندما تحول الجمهور الإسرائيلي نحو اليمين، سمح له هذا التحول بالتصريح بعواطفه الحقيقية.

طوال هذه الفترة، استفاد نتنياهو من عدم وجود منافس حقيقي، سواءً داخل أو خارج حزب الليكود. فمنذ عودته للسلطة عام 2009، بدأ في مهاجمة المرشحين الآخرين وإقصائهم حتى أصبح المرشح الأكثر قبولاً حسب استطلاعات الرأي. داخل حزب الليكود، تمكن نتنياهو من تهميش عددا من الطامحين، مثل موشيه كاهلون، جدعون ساعر، وسيلفان شالوم، وأدى هذا التهميش لفشل المعارضة في إنتاج بديل موثوق به من تلقاء نفسها. بعد أن ترك باراك منصبه عام 2001، قوض موقفه من خلال البذخ الفاحش الذي غلب على نمط حياته وهذا يعتبر غير لائق لزعيم حزب العمل. في نفس الوقت، تسيبي ليفني وزيرة الخارجية في حكومة أولمرت وخليفته في رئاسة حزب كاديما، ومع أن حزبها حصل على 28 مقعد مقابل 27 مقعد لحزب الليكود في انتخابات 2009 إلا أن حزب الليكود بزعامة نتنياهو فاز فعلياً بالانتخابات ، لأنها لم تتمكن من تشكيل ائتلاف كافي لتشكيل حكومة مقبلة، وهذا أضعفها شعبياً كزعيمة للمعارضة.

 بينيت يحاول الآن بناء قاعدة شعبية له ، فهو يحمل شخصية كاريزمية ولكنه يقود حزب صغير مع قاعدة محدودة ، ولا يمكنه الفوز مالم يتحالف مع الليكود. نير بركات، رئيس بلدية القدس اليميني ورجل أعمال في مجال التكنولوجيا هو الآخر يتطلع للمشاركة في القيادة ولكنه يفتقر إلى الكاريزما ولا يزال غير معروف خارج العاصمة.

أقوى منافس لنتنياهو حالياً هو لابيد، كاتب سابق ومذيع تلفزيوني، والذي أسس حزب ” هناك مستقبل” كحزب معتدل في 2012 ، حقق فوزاً كبيراً في عام 2013 ، فقد حصل على ثاني أكبر عدد من المقاعد في الكنيست. انضم لابيد لمجلس وزراء نتنياهو بعد ان أجبر هو وبينيت نتنياهو لإسقاط الاحزاب الدينية المتشددة. لكن نتنياهو هزمه بعد وقت قريب، مما دفع لابيد للقبول بوزارة الخزانة والتي تعتبر “مقبرة السياسيين” ، نظراً لأنها غالباً تُعنى باتخاذ خطوات لاتحظى بشعبية مثل زيادة الضرائب وخفض الفوائد. إنجازات لابيد في منصبه قليلة، في عام 2015 ، بعد معركة قاسية مع هرتسوغ وحزبه الاتحاد الصهيوني على الفوز بالناخبين، فقد حزبه مايقارب من نصف مقاعده. منذ ذلك الحين تحسنت شعبية لابيد وحزبه، ففي  استطلاعات للرأي  تظهر حزب ” هناك مستقبل ” بالمركز الثاني بعد الليكود، في الالتزام الديني، والتحدث بصرامة ضد الارهاب. يعتبر لابيد معتدل ، فهو يؤيد إقامة دولة فلسطينية ويعارض توسيع المستوطنات في الضفة الغربية بالإضافة لبراعته في التواصل وقراءته الجيدة لمشاعر الرأي العام. لكنه شديد الحساسية، ويميل إلى المبالغة في ردة الفعل عندما يتعرض للانتقاد ، بالإضافة لافتقاره إلى الخبرة الامنية وهذا يعتبر عائقاً كبيراً في إسرائيل.

وكل هذا لايعني أن نتنياهو غير معرض للخطر، ففي مارس نشرت صحيفة هآرتس استطلاع تصوري للرأي يظهر انه لو أُنشئ حزب معتدل جديد بقيادة كلاً من، غابي اشكنازي (قائد سابق في الجيش الإسرائيلي ويملك شعبية بين الموظفين في الجيش)، كاهلون وسار، لتمكن من هزيمة الليكود والفوز في الانتخابات. ولكن الحكومة ليست في حاجة إلى الدعوة لانتخابات جديدة حتى نوفمبر 2019، مالم ينهار الائتلاف، بالإضافة إلى أن هذا الحزب المقترح ضرب من الخيال وغير موجود أصلاً.  في هذه الأثناء، لا يزال نتنياهو مستمراً في المناورة، وقد حاول إغراء الاحزاب اليمينية الصغيرة في تشكيل حزب جديد بشكل أوسع مع حزب الليكود (حتى الآن لايوجد أياً من هذه الأحزاب لديه اهتمام كبير بالتشكيل). في الربيع الماضي، أعلن نتنياهو أنه عقد مفاوضات مع هرتسوغ حول تشكيل حكومة وحدة، إلا انه تراجع في اللحظات الاخيرة وقدم حليفه السابق ليبرمان لمنصب وزير الدفاع. بوجود ليبرمان داخل الحكومة ، يصبح الائتلاف الحاكم أكثر يمينية من أي وقت مضى، ويحصل على قاعدة برلمانية موسعة تعطيه مساحة أكبر للتنفس.

حتى يأتي موعد الانتخابات المقبلة، ستحاول حكومة نتنياهو بقدر ماتستطيع الحفاظ على ترسيخ العديد من التغييرات للمجتمع الإسرائيلي والمؤسسة الإسرائيلية. وسيدفع رئيس الوزراء وحلفائه إلى المزيد من تعيين المحافظين في المحكمة العليا، والمتدينين الصهاينة في مناصب حكومية وأكاديمية رئيسية. وستستمر في مواصلة دعمها ل (ثقافة مزراحي) والمستوطنات في الضفة الغربية، وفرض مزيداً من القيود على المنظمات اليسارية ، وستعمل على زيادة التوتر مع العرب في إسرائيل.

بغض النظر عمن يفوز بالانتخابات القادمة، على الأقل بعض هذه التغييرات يبدو أنها ستصبح دائمة. البلاد فعلياً أصبحت أقل تسامحاً وانخفضت حرية النقاشات مما كانت عليه في السابق. وقد تراجع معسكر السلام، وتراجع أيضاً بشكل كبير عدد المعارضين للاحتلال. العلاقات العربية اليهودية سيئة للغاية، فإصلاح هذه العلاقة يحتاج جهداً هائلاً وإرادة سياسية لدى القيادة للقيام بذلك. بالنسبة للعلاقة مع الولايات المتحدة، تعزز الشعور بين الكثير من الإسرائيليين أنه يمكنها المضي لوحدها دون الرجوع للولايات المتحدة ، ولم يعد هناك حاجة للقلق حول إرضاء واشنطن. من الصعب أن نرى رئيس وزراء إسرائيلي جديد او رئيس جديد للولايات المتحدة قادرين على عكس هذه التحولات.

 

المصدر

error: المحتوى محمي