نقاش حول مفهوم الأيديولوجيا – حنان الهاشمي

نقاش حول مفهوم الأيديولوجيا – حنان الهاشمي


شغل مصطلح “الأيديولوجيا” اهتمام عدد لا بأس به من العلماء والباحثين المختصين في مجال العلوم السياسية والاجتماعية، وتبعاً لذلك فقد تنوعت أساليب وطرق استخدام هذا المصطلح. يناقش هذا المقال الطرح الذي يتعامل مع الأيديولوجيا باعتبارها أوهام أو تشويش للواقع، باللإضافة إلى الأطروحات التي تُبشر بنهاية الأيديولوجيات.

يمكن لأي متابع للساحة السياسية أن يلاحظ نفور كثير من الساسة من الإقرار بأن برامجهم وقراراتهم السياسية نابعة من منطلقات أيديولوجية. ومن أمثلة ذلك؛ تصريح ديفيد كاميرون عندما أطلق خطته لتخفيض الإنفاق العام في يونيو 2010 حين قال: “نحن لا نفعل ذلك لأن هنالك نظرية أيديولوجية ما تقودنا، بل نفعل ذلك لأن هذا ما يتحتّم علينا القيام به”. أو باراك أوباما الذي أعلن الاستقلال من الأيديولوجيا والتفكير الضيق والتمييز والتعصب، في اليوم الأول لتنصيبه. وحتى في كلمته حول الحرب على العراق قال: “نحن لا نحتاج إلى استراتيجية مدفوعة بالأيديولوجيا، بل مستندة على تقييم واقعي للحقائق على الأرض ومصالحنا في المنطقة”.

من هذا المنطلق، فنحن لا نبالغ حين نقول أن مصطلح أيديولوجيا يُستخدم في أغلب الأحوال باعتباره سلاحاً سياسياً لإدانة أو انتقاد مجموعة الأفكار والقيم العقائدية المنافسة. فعندما يصف الليبرالي مثلاً غريمه السلفي أو الشيوعي بأنه “مؤدلج”، ويرفض في الوقت نفسه الاعتراف بأن الليبرالية أيديولوجيا أيضاً، فإنه يفترض بأن هذه الكلمة تحمل معان سلبية بالضرورة. منها: تشويه الواقع، والتضليل، والتزييف، أو كما يصفه الماركسيون بـ”الوعي الزائف”؛ وهو مصطلح يشير إلى هيمنة الأيديولوجيا على وعي الجماعات والطبقات المُستَغَلّة، وإسهامها في نفس الوقت بتبرير واستمرار هذا الاستغلال.

من جانبٍ آخر، وبعيداً عن التنافس والمفاضلة بين الأيديولوجيات المختلفة، فقد ظهر عدد من علماء السياسة والاجتماع في النصف الثاني من القرن العشرين، للتبشير بما عُرف بـ”نهاية عصر الأيديولوجيات”، وذلك في أعقاب الحرب العالمية الثانية. ومن أبرز هؤلاء: ريمون آرون مؤلف كتاب (أفيون المثقفين)، دانيال بيل مؤلف (نهاية الأيديولوجيا)، سيمور ليبست مؤلف (الإنسان السياسي)، فرانسيس فوكوياما مؤلف (نهاية التاريخ)، وآخرون. يمكن القول بأن الأطروحة العامة لأصحاب هذ النظرية هي أن النهاية الدرامية للحقبة السوفياتية وانهيار منظومة الدول الاشتراكية في أوروبا الشرقية، قد نتج عنها اضمحلال الفروقات الأيدلوجية ذات المغزى بين اليسار واليمين. كنتيجة حتمية لانتصار الليبرالية على الماركسية الثورية، وبالتالي هيمنة اليمين على الحياة السياسية. وعليه فإن العصر الأيديولوجي قد انتهى، وأصبح هناك –كما قال بيل- ما يشبه الإجماع بين المثقفين حول القبول بدولة الرفاه، والسلطة اللامركزية، والنظام الاقتصادي المختلط، والتعددية السياسية. من هذا المنطلق فإن الفروقات الأيديولوجية قد اختفت والمجتمعات الرأسمالية أصبحت مجتمعات بعد رأسمالية. ومن خلال الديمقراطية يمكن للجماعات المختلفة تحقيق غاياتها، لذا لم تعد هناك حاجة للأيديولوجيات أو اليوتوبيا للتحفيز على العمل السياسي، كما يرى سيمور. نشأت هذه النظرية وانتشرت بين أوساط المحافظين الجدد، ويرى بعض الكتّاب أنها ساعدتهم بلا شك على تهميش اليسار الراديكالي، كما منحتهم الفرصة ليبدأوا بداية جديدة حاولوا معها التخلص من الموروثات التي كانت موضع نقد لديهم مثل العنصرية. إلى جانب أخذ المخاوف اليسارية مثل برامج الرعاية الاجتماعية، وإعادة توزيع الثروات أو العدالة الاجتماعية ، وتحسين أجور وظروف العمال على طاولة المساومة السياسية.

لقد أثبت الواقع عدم واقعية هذه النظرية أو ظرفيتها في أحسن الأحوال. وحتى فوكوياما أحد أبرز مهندسي حركة المحافظين الجدد، قد اعترف بأن إرث السياسة الخارجية لبوش ومؤيديه قد خلق حالة استقطاب أيديولوجية شديدة يصعب معها تحقيق التوازن للولايات المتحدة ومصالحها في السنوات القادمة. ورغم ذلك، مازال لهذه النظرية جمهورها خاصة بين النخب الحاكمة. حيث أن الخطابات التي تُلمِّح إلى أن الأيديولوجيا مرادفة للخداع وعدم الواقعية، تحمل في طياتها إيحاء بأن خيارات النخبة الحاكة متسامية عن السياسة، مع استمرارها في الدفاع عن مصالحها. ولمناقشة جذور هذا المفهوم سنحاول استعراض أهم النظريات التي تناقشه.

نبدأ مع إقرار عالم الاجتماع الألماني كارل مانهايم -في كتابه الأيديولوجيا واليوتوبيا-، بأن “لفظة الأيديولوجيا ترتبط في أذهان معظم الناس بالماركسية وتتحدد ردود فعلهم تجاهها بهذا الارتباط. لذلك من الضروري أن نقرر أولاً أنه رغم أن الماركسية ساهمت بالكثير في العرض الأصلي للمشكلة، فإن الكلمة ومعانيها أبعد غوراً في التاريخ من الماركسية، كما أنه ظهرت لها منذ ظهور الماركسية معانٍ جديدة اتخذت طابعاً مستقلاً عن الماركسية.” [1] يستخدم كارل ماركس مصطلح الأيديولوجيا للإشارة إلى منظومة الأفكار التي يفهم الناس من خلالها عالمهم، ويؤكد على أن الأيديولوجيا والفكر يعتمدان على الظروف المعيشية والطبقة الاجتماعية للشخص. ولأن الطبقة الحاكمة تتصرف بوسائل الإنتاج المادي والفكري؛ فإن الأيديولوجيا تُعبّر عن شكل وطبيعة الأفكار التي تعكس مصالح الطبقة الحاكمة، والتي تُناقض بطبيعة الحال طموحات وأهداف الطبقة المحكومة. “إن البعض هم مفكروا الطبقة (أيديولوجيوها الفاعلون، القادرون على التصور، الذين يجعلون من إعداد وهم الطبقة عن ذاتها المصدر الرئيسي لمعيشتهم)، بينما موقف الآخرين حيال هذه الأفكار والأوهام موقف أشد انفعالية وأعظم استقبالا، لأنهم في واقع الأمر أعضاء هذه الطبقة النشيطون، ووقتهم أقل اتساعا من أجل صنع الأوهام والأفكار عن أنفسهم.” [2]

من ناحيته ميّز مانهيام بين التصور الجزئي للأيديولوجيا والتصور الكلي الأكثر شمولاً لها، ففي حين يقوم الأول بتحليل مجموع الأفكار التي يعتنقها الفرد على مستوى سيكولوجي “نفسي” محض. يقوم الأخير بتحليل مجموع معتقدات وأفكار عصر ما أو جماعة تاريخية محددة، بهدف توضيح سمات البناء الكلي لعقلية ذلك العصر أو تلك الجماعة. وكما نظر إلى الأيديولوجيا باعتبارها مجموع النظم الفكرية التي تدافع عن النظام القائم وتُعبر عن مصالحه، فقد أطلق بالمقابل مصطلح “يوتوبيا” على النظرة المثالية للمستقبل، والتي تهدف إلى الوصول إلى تغيير اجتماعي جذري.

أما المفكر الماركسي الإيطالي أنتونيو غرامشي، فقد رفض المعنى السلبي المُفترض من قِبل الماركسيين لمفهوم الأيديولوجيا، إذ ينظر إليها باعتبارها عامل محدد للحس المشترك، وضرورة تاريخية لتنظيم وتوجيه الجماهير. وأكد على قدرة البروليتاريا على تحديد شروط وعيها، منتقداً الطرح الذي يتعامل معها باعتبارها مجرد أداة سلبية وتابعة للأيديولوجيا المهيمنة، أو اعتبار تأثير الأيديولوجيا ذو مسار واحد من الأعلى إلى الأسفل، فالطبقة العاملة –كما يراها- قادرة على خلق أيديولوجيتها المضادة للأيديولوجيا المهيمِنة؛ وذلك من خلال بناء مؤسساتها الثقافية الخاصة وإنتاج مثقفيها العضويين. معتبراً الهيمنة استراتيجية ضرورية لأي مشروع يهدف لتغيير الهيكلية السياسية والاقتصادية والاجتماعية للدولة. ولا يمكن التخلص من هيمنة الطبقة السائدة، إلا عن طريق بناء طليعة ثورية لدى الطبقة الخاضعة أو التابعة قادرة على إنتاج وتشكيل هيمنتها المضادة. [3] ومن أهم منظري هذا الحقل في القرن العشرين؛ الفيلسوف الفرنسي لوي ألتوسير، وتُعتبر مقالته “الأيديولوجيا وأجهزة الدولة الأيديولوجية”[4] من أشهر المقالات التي تناقش هذا المفهوم. وفيها يُفرّق ألتوسير بين جهاز الدولة القمعي وأجهزة الدولة الأيديولوجية (ISAs)؛ فالأول يتكون من: (الحكومة، الجيش، الشرطة، المحاكم، السجون، إلخ) وهو الجهاز الذي يعتمد في عمله على العنف والقمع أو “القوة المكشوفة” بالمقام الأول، ويستعين بالأيديولوجيا بالدرجة الثانية. (لا يوجد جهاز يعمل بالاعتماد على العنف بشكلٍ مطلق). على سبيل المثال، فإن الجيش والشرطة يستعينان بالأيديولوجيا لضمان تماسكهما وإعادة إنتاج نفسيهما، كما تمدهما الأيديولوجيا بالقيم التي يروجا لها خارجياً. أما الأجهزة الأيديولوجية فتتمثل بأجهزة الدولة: (الدينية، والتعليمية بشقيها العام والخاص، الأسرية، القانونية، السياسية، النقابية، الإعلامية، والثقافية). وفي حين ينتمي جهاز الدولة القمعي إلى المجال العام، فإن الكثير من أجهزة الدولة الأيديولوجية تنتمي إلى المجال الخاص. ومن الضروري القول بأنه على الرغم من أن هذه الأجهزة تعمل بقوة الأيديولوجيا، إلا أنها تعتمد بشكل ثانوي على القمع -أحياناً يكون بشكل خفي أو رمزي- (لا يوجد جهاز أيديولوجي صرف). فالمدارس والكنائس مثلاً لها أساليبها بالعقاب والطرد والاختيار، وذلك لضمان انضباط أو تهذيب من هم تحت سلطتها. والأمر ذاته ينسحب على الأسرة وعلى أجهزة الدولة الثقافية (الرقابة، من ضمن أمور أخرى)، إلخ.

كما أعاد ألتوسير النظر في مفهوم الأيديولوجيا، وفي الأثر الذي تحدثه على الأفراد والجماعات. فهي في نظره “تمثيل” للعلاقة الخيالية القائمة بين الأفراد وظروف وجودهم الحقيقية، وهذا يفترض عيش علاقة حقيقية وخيالية على حد سواء. وهي العلاقة التي تعبر عن إرادة (المحافظ، الإصلاحي، أو الثوري) أمله أو حنينه إلى الماضي، بدلاً من وصف الواقع. أي أنها المعبّر عن علاقة الناس مع عالمهم ومع التاريخ، وفعلهم وعدم فعلهم السياسي يمر عبرها. [5]

يقول المفكر العربي عبدالله العروي في تمهيد كتابه “مفهوم الإيديولوجيا”: “إن كلمة أيديولوجيا دخيلة على جميع اللغات الحية. تعني لغوياً في أصلها الفرنسي، علم الأفكار، لكنها لم تحتفظ بالمعنى اللغوي، إذ استعارها الألمان وضمنوها معنى آخر، ثم رجعت إلى الفرنسية، فأصبحت دخيلة حتى في لغتها الأصلية. (…) نقول أن الحزب الفلاني يحمل أدلوجة ونعني بها مجموع القيم والأخلاق والأهداف التي ينوي تحقيقها على المدى القريب والبعيد. يكتسب هذا الحكم في استعمالنا الحالي صيغة إيجابية، لأن الحزب الذي لا يملك أدلوجة هو في نظرنا حزب انتهازي، ظرفي، لا يهمه سوى استغلال النفوذ والسلطة.” [6] وهذا يشبه بحياديته تعريف معجم مصطلحات علم الاجتماع للمصطلح، ومما جاء فيه: “ليست الأيديولوجية بالضرورة قوة غامضة ومجهولة الاسم تشجع الحشود، بل على العكس من ذلك، هي غالباً تنتج عن قرار حكيم وعن تصرف استراتيجي. كما تتدخل بفعالية على مستوى تحديد الغايات والوسائل التي يتعين استخدامها. وبدونها، لا يوجد أي عمل..”. [7]

لذا، فإلى جانب الدلالات السلبية التي قد يحملها المصطلح، فإنه يُشير أيضاً إلى مجموع القيم والمعتقدات والأهداف التي توفر الأساس للعمل السياسي المُنظّم، سواء كان الهدف من ذلك هو الحفاظ على النظام القائم، إصلاحه، أو الثورة عليه وإسقاطه. أي أن الجماعات المهيمنة والمُسيطَر عليها على حدٍ سواء تستندان على أيديولوجيا ما؛ لأن الأفكار يمكن أن تتطور من داخل المجتمع ويمكن أيضاً أن تُفرض عليه قسراً من الأعلى. فالنخب الحاكمة قد تستخدمها لاحتواء المعارضة قبل نشوئها وللحد من انتشارها، وذلك عن طريق الهيمنة على الحياة السياسية وكافة المؤسسات الاجتماعية من تعليم وإعلام وثقافة وفن وهلم جرا، فتفرض رقابتها على الأفكار المعارضة، أو تقمعها. وبالمقابل فإن الأيديولوجيا تُسهم بشكل كبير في إلهام الجماعات المعارضة وتُساعد في التعبئة الشعبية من أجل النضال والتضحية، كونها عامل مهم في إقامة العلاقات بين الأفراد والجماعات. من هنا نستنتج أن كلمة أيديولوجيا لا تحمل معان ذات دلالات تحررية أو قمعية، حسنة أو سيئة، صحيحة أو خاطئة، بالضرورة؛ بل تحتوي جميع هذه الصفات لأنها مفهوم يشمل جميع التوجهات والمذاهب السياسية.

وتجدر الإشارة إلى أن الأيديولوجيات ليست صلبة أو ثابتة في بنيتها الفكرية، ويعود ذلك إلى تناقح الأفكار وتداخلها فيما بينها، مما يؤدي إلى تطورها، وإلى ظهور أيديولوجيات جديدة هجينة مثل “الليبرالية المحافظة” أو “النسوية الاشتراكية”. أضف إلى ذلك أنه غالباً ما يحدث التنوع والاختلاف بين معتنقي المذهب السياسي الواحد في تفسير الكثير من المفاهيم للوصول إلى حقيقة الفكر.

وأخيراً، يسعنا القول بأن ادّعاء نهاية الأيديولوجيا هو عمل أيديولوجي بامتياز، يُسهّل على السلطة تمرير أجندتها الخاصة، باعتبارها حقائق مطلقة، ودون أن تكون مضطرة لتبريرها من منطلقات أيديولوجية. من هنا يمكننا القول بأن غياب الأيديولوجيا يتناسب طردياً مع ازدياد ثقة الجماهير بالنخبة الحاكمة، وبناء على ذلك يغيب عنصر هام من عناصر النضال الجماهيري لتحدي النظام وتغيير الوضع القائم. فبدون أيديولوجيا تُحرَم قوى المعارضة من بناء أجندة مشتركة، وبالتالي يصبح عملها عشوائياً وبعيداً عن التنسيق أو الاستمرارية. لهذا السبب فإن الجماهير بحاجة إلى وجود أيديولوجيا ما تمكنها من مواجهة هذا النوع من الممارسات السياسية.

 

 

 


 الهوامش:

1- كارل مانهايم، الأيدلوجيا واليوتيوبيا، ترجمة دزمحمد رجا الديريني، (الكويت: شركة المكتبات الكويتية، 1980)، ص129.
2- كارل ماركس-فريدريك أنجلز، الإيديولوجية الألمانية، ترجمة د.فؤاد أيوب، (دمشق: دار دمشق للنشر)، ص56.
3- Antonio Gramsci, Selections from the Prison Notebooks, edited and translated by Hoare and Smith, (New York: International Publishers, 1971).
4- Louis Althusser, ” Ideology and Ideological State Apparatuses”, Lenin and Philosophy and Other Essays, Monthly Review Press 1971. https://www.marxists.org/reference/archive/althusser/1970/ideology.htm
5- John Grant, “Rethinking Althusser: Ideology, Dialictics, and Critical Social Theory”, Queen Mary, University Of London, 2005.
6- عبدالله العروي، مفهوم الإيديولوجيا، (بيروت: المركز الثقافي العربي، 1993)، ص 9.
7- جيل فيريول، معجم مصطلحات علم الاجتماع، ترجمة أنسام محمد الأسعد، (بيروت: درا مكتبة الهلال، 2011)، ص106.

error: المحتوى محمي