نظرية الإنفجار العظيم كأن لم تسمع بها من قبل – يوسف البناي

نظرية الإنفجار العظيم كأن لم تسمع بها من قبل – يوسف البناي

نظرية الإنفجار العظيم كأن لم تسمع بها من قبل – يوسف البناي

 

 

نظرية الإنفجار العظيم. ربما هي من أكثر النظريات المعروفة بين الناس. فهي مثيرة للفضول وتروي قصة بداية الكون. وتدفع العقل إلى أقصى ما يمكن أن يصل إليه. لكن معظم الناس يسيئون فهم هذه النظرية. لذلك وجب علي شرحها بدقة.

قبل ما يقارب ال ١٤ مليار عام، تمدد الكون من نقطة صغيرة جدا، كثيفة وحارة بشكل يصعب تصورها، تمدد من من هذه الحالة إلي الحالة الراهنة كما نراه اليوم. وهذا التمدد مستمر معنا اليوم. هذه هي الفكرة الأساسية للإنفجار العظيم. لكن السؤال الذي يطرح نفسه؛ لماذا يقبل جميع علماء الفيزياء تلك النظرية؟

بدأت القصة عام ١٩٢٩، حينما كان الفلكي الشهير ادوين هابل يراقب المجرات البعيدة، فلاحظ أن لونها يميل إلى اللون الأحمر. وهذا معناه أن تلك المجرات تبتعد عنا. عندما تقترب منك سيارة إسعاف مدوية بصوتها، فأنها كلما اقتربت منك تزداد حدة الصوت بشكل كبير، وما أن تبتعد عنك حتى تقل حدة الصوت. هذه الظاهرة تسمى “ظاهرة دوبلر”. وسببها هو أن موجات صوت سيارة الإسعاف يزداد ترددها بالاقتراب منك ويقل ترددها بالابتعاد عنك. إذن هي ظاهرة موجية لأن الصوت موجة. نفس الظاهرة تلك تنطبق على الضوء. فعندما يقترب ضوء منا يزداد تردده، أي يتحول الى اللون الأزرق، واذا ابتعد يقل تردده ويتحول إلى اللون الأحمر. وهذا ما رصده هابل. إذن النجوم والمجرات تبتعد عنا، وكلما كانت أبعد كلما كانت سرعة ابتعادها أكبر (قانون هابل). في الحقيقة لم تكن قياسات هابل دقيقة لأن الإمكانيات كانت محدودة في ذاك الوقت. لكن اليوم نملك تلك التلسكوبات العملاقة، والتي أكدت هذه النتيجة تماما.  إذن، هذا هو الدليل الأول، إبتعاد المجرات والنجوم عنا.

Edwin-Hubble

 

الدليل الثاني يأتي من قياس كمية الهيدروجين والهيليوم في الكون. في عام ١٩٤٨ نشر ثلاثة فيزيائيين مرموقين، رالف ألفر، هانز بيته، و جورج غامو ورقة علمية فيها حسابات تتنبأ بكمية الهيدروجين والهيليوم عندما ولد الكون. النتيجة كانت كالتالي؛ لكل ٩٢ ذرة هيدروجين هناك ٨ ذرات هيليوم، أما باقي العناصر فكميتهم مهملة تقريبا. وأترك لك هذا السؤال: إذن من أين أتت بقية العناصر الثقيلة الأخرى التي تشاهدها في الجدول الدوري الحديث؟! تجريبيا، تم التأكد من هذه النسبة. وكانت متطابقة مع التنبؤ النظري.

ABG

أخيرا، في عام ١٩٦٤ أتى آخر وأقوى دليل على النظرية إطلاقا. عندما ينفجر شيئ ما فأنه لابد أن يخلف حرارة ورائه. فهل خلف إنفجار الكون أي حرارة؟ اذا كانت الأجابة نعم، فلابد أن تكون هذه الحرارة قد هبطت كثيرا نتيجة تمدد الكون خلال هذه الفترة. تم قياس تلك الحرارة عام ١٩٦٤ بالصدفة من قبل آرنو بنزياس و روبرت ويلسون اللذان كانا يعملان على اللواقط الرادوية في شركة هواتف ولم يكن لهما اطلاع واسع في علم الكونيات مثل ذوي الجبهات الكبيره في الصورة السابقة! لكن كيف نقيس تلك الحرارة؟ هل هناك ثيرموميتر ضخم نضعه في السماء! لسنا بحاجة إلى ذاك الثيرموميتر الضخم. نحن بحاجة إلى علاقة ماكس بلانك في الجسم الأسود. فهي علاقة بين الحرارة والإشعاع. وبامكاننا قياس ذلك الإشعاع وتحويله إلى حرارة. تم القياس، درجة حرارة الكون اليوم ٢.٧ كلفن تقريبا. أي أن الكون مكان بارد جدا نتيجة التمدد وهبوط الحرارة. هذه الحرارة أينما نظرت في السماء في أي جهة تريد، ستجد نفس القيمة ٢.٧ كلفن! إذن ليس مصدرها نجم ما أو ما شابه، مصدرها يجب أن يكون شيئ أكثر شمولية. إنه بلا شك إشعاع الإنفجار العظيم.

unit3_4-2

هذه الأدلة الثلاثة تؤكد هذه النتيجة: الكون تمدد من حالة كان فيها صغيرا وحارا وكثيفا جدا جدا إلى حالتة الراهنة الباردة. وهو لا يزال يتمدد إلى الآن. وأنت تقرأ هذه الكلمات وهو يتمدد بعنف شديد جدا!

الآن انتبه من فضلك وأعرني عقلك؛ هذا التمدد الذي بدأ منذ ١٣.٧ مليار عام تقريبا هو ما يسمى ب (نظرية الإنفجار العظيم) عندما يتكلم ويتناقش بها العلماء. أما لو سألت أي فيزيائي كوني؛ لكن ما الذي بدأ بالضبط؟ ومتى بدأ؟ وما هو سبب بدايته؟ وهل كان هناك مكان وزمان قبل الإنفجار؟ ستكون إجابة الفيزيائي واحدة من هاتين الإجابتين:  – هذا مو شغلي! أو – إذهب إلى الفلسفة علك تجد ما تريد.

تلك الأسئلة لا علاقة لنظرية الإنفجار العظيم بها. هي نظرية ذات معادلات و أرقام وليست ذات آراء. لكن بطبيعة الحال، الإنسان مخلوق لا يكف عن التسائل وهذه ميزة جعلته يكتشف كل ما اكتشف حتى الآن. هناك فرضيات فيزيائية حول هذه الأسئلة. لكنها مجرد فرضيات فقط. وإليك بعضا منها. طالما أن الكون كان في حالة صغيرة جدا، فبالتالي يجب تطبيق معادلات ميكانيكا الكم عليه. أي أن الكون كان عبارة عن رغوة كمومية (راجع مقالنا الرغوة الكمومية). هذه الرغوة الكمومية عبارة عن جسيمات تنشأ وتفنى باستمرار. تقترح تلك الفرضية أن هناك طفرة عشوائية نادرة حدثت على الرغوة، مما أنتج قوة تغلبت على قوى الربط بين جسيمات تلك الرغوة. وبالتالي كسرت التناظر الموجود فيها وأخذ الكون يتمدد منذ تلك الطفرة. الفرضية الأخرى هي الأكوان المتعددة. فكوننا مجرد فقاعة من فقاعات كثيرة، جميعها يتمدد. بعضها ينجح في التمدد والبعض الآخر يفشل. مثل فقاعات الصابون. الأمر يشبه الجبن السويسري أيضا، فكل فتحة فيه تمثل كون يتمدد. كوننا نشأ في ذاك المجسم الضخم قبل ١٣.٧ مليار عام. فهو مجرد نقطة لاقت الطاقة الكافية للتمدد ونجحت في ذلك!

في الحقيقة لقد ناقشت هنا الفيزياء دون الفلسفة. كنت أنوي إدخال الفلسفة، لكن هذا سيجعل المقالة تطول وتخرج عن الهدف الأساسي. لكن أعدك يوما بأني سأناقش كل ذلك في كتاب. أخيرا آتمنى من كل من قرأ هذه المقالة ألا يسألني: ما الذي بدأ بالضبط؟ ومتى بدأ؟ وما هو سبب بدايته؟ وهل كان هناك مكان وزمان قبل الإنفجار؟

*بإذن من الكاتب

error: المحتوى محمي