موسوعة الفلاسفة العرب المعاصرين: من أيديولوجيا القاموس الوضعي الى الدراسات الثقافية الجديدة – حيدر علي سلامة

موسوعة الفلاسفة العرب المعاصرين: من أيديولوجيا القاموس الوضعي الى الدراسات الثقافية الجديدة – حيدر علي سلامة


مسارات الكتابة الفلسفية ما بعد الهيمنة النخبوية

تمثل عملية انتاج القواميس والمعاجم الفلسفية احدّ اهم المرتكزات الأساسية في تاريخ الثقافة العربية خاصة والفلسفية عامة والتي يمكن ان تشكل مدخلا مهما من المداخل الرئيسية في قراءة وتحليل طبيعة القول الفلسفي ووظائفه المتعددة ضمن مساره الإشكالي والمفاهيمي والاصطلاحي في الخطاب العام. وهذا بطبيعة الحال ما يساعدنا كثيرا في تسليط الضوء على الأبعاد الأيديولوجية المرافقة لترجمة وتأليف القواميس الفلسفية، وذلك لأنه لا يمكننا أن نفصل أبدا بين كل من: بنية المنطق المسيطر على تلك العملية؛ وآثارها على الكيفية التي يتم بواسطتها تكوين النظرية الفلسفية؛ وعلى ظاهرة تنامي خطاب الطبقات الأكاديمية – العقلانية – ذات التوجهات البرجوازية الصاعدة والتي حولت الدرس الفلسفي إلى محض صيّغ شكلانية وعلموية ونظرية ضيقة تختزل الوجود كله ضمن نسق من المقولات الوضعانية المطلقة تعمل على إنتاج/وإعادة إنتاج قيّم وتطلعات النخب المتبرجزة في الدوائر الأكاديمية السائدة اليوم.

وفضلا عن ذلك فإن محرر هذه الموسوعة قد أراد أن يحرر نفسه أيضا من تصنيف الكتابات الفلسفية في أبواب أو تحت عناوين رئيسة وفقا لتوجهاتها؛ لان مثل هذا التصنيف سوف يعني تقييم أهمية الكتاب الوارد أسماؤهم في الموضوعة وفقا لقناعات المحرر فيما يتعلق بالقضايا الأكثر أولوية لدى الكاتب او المفكر، ومدى انتمائه لتيار ما من التيارات الفكرية التي كانت فاعلة خلال القرن الماضي … (كالتيار الديني، والماركسي، والليبرالي، والتيار النقدي للتراث في صوره المتباينة)). (سعيد توفيق: موسوعة الفلاسفة العرب المعاصرين، ص-ص. 5-6)

يمكننا القول إن الرؤية الفلسفية لهذا العمل الموسوعي حملت أبعادا راديكالية واضحة في بنية ومنطق “موسوعة الفلاسفة العرب المعاصرين” من خلال التركيز على إعادة النظر وإعادة التفكير أيضا في مفهوم “النُخب” بوصفه مفهوما أكاديميا وفلسفيا وثقافيا؛ يمكن له ان يمثل قوة بيد الطبقة السياسية المسيطرة/أو النخبة السياسية ruling class التي تسيطر وتمأسس الطبقات الاجتماعية المغتربة عن حقيقة وماهية ذاتها المتشظية والمبعثرة تحت سلطة وإيديولوجيا هذه النخب governing elite. (للمزيد ينظر: T.B. Bottomore: Elites and Society, Penguin Books,1974)

بعبارة أخرى، إن عملية تكوين هذا المنطق الجديد في تأليف (موسوعة الفلاسفة العرب المعاصرين)، لم تهدف بالدرجة الأولى إلى تقديم واستعراض لتيارات ومدارس أو لمفاهيم ومشاريع الخطاب الفلسفي، بقدر ما كانت ترمي إلى إعادة نقد ومساءلة السلطة الأكاديمية/والأكاديمية السلطوية المترسخة في جغرافية وتضاريس الدرس الفلسفي ومناهجه التعليمية التي غَلُب عليها على الدوام منطق العقلانية البرجوازية الصاعدة المسيطر على الواقع والتاريخ والوجود من خلال المعرفة الوضعانية المطلقة وقوانين الأخلاق والقانون الكلية. بمعنى آخر، إن المسكوت عنه في هذه الموسوعة إنما يكمن في قدرتها على الكشف عن ملامح “مملكة القانون” المسيطر في الخطاب الأكاديمي والعقلاني البيروقراطي سواء في طرائق الكتابة أو في إنتاج مفاهيم النص الفلسفي المتحولة بدورها هي الأخرى الى حقائق كلية وأبدية Universal and Eternal truths.

-موسوعة الفلاسفة العرب: من الاكاديمية الافلاطونية الى بلاغة الممارسة الفلسفية

من هنا، يمكننا القول إن فينومينولوجيا تشكيل الخطاب الفلسفي في العمل الموسوعي حول الفلاسفة العرب المعاصرين، مثلت مقدمة أولية على طريق الاستقلال الفلسفي من جهة؛ وعلى طريق الكتابة والعرض والتأويل لأهم رواد مشاريع التجديد الفلسفي/النهضوي/الثقافي في العالم العربي من جهة أخرى. وهذا مؤشر ثقافي صحي يمكننا من الانعراج بواقع الكتابة الفلسفية خاصة وراهن التفكير الفلسفي عامة، بهدف تحريرهما من سلطة “منطق الأكاديمية الافلاطونية” هذا المنطق الذي يبقى “قار وثابت” بعد كل عملية تغيير وتحويل في بنية الأشكال الثقافية والتاريخية والفلسفية. الأمر الذي يترتب عليه استمرار عملية التوليد النحوي generative grammar والتكرار التوتولوجي للأسس القبلية والميتافيزيقية للمثال الأفلاطوني والمسؤولة بالضرورة عن إيجاد علاقات الإنتاج الثابتة والمؤطرة لانبعاث وظهور النخب المؤدلجة والمتبرجزة المتمأسسة بأيديولوجيا القوانين المجردة abstract rules.

  لهذا، أصبح “المثال الافلاطوني” في حد ذاته يمثل إشكالية كبرى في الفلسفة ومناهجها ومشاريعها الفكرية والثقافية كافة، بعدما أمست النزعة الأفلاطونية هي الأصل السلطوي/والشمولي الكامن في كل الخطابات التنويرية والعقلانية والإصلاحية وما شابه. وعليه لا يمكن لأي نهضة فلسفية أو منطقية وأبستمولوجية ان تتحقق ما لم تأخذ بعين الاعتبار أثر تغلغل الحتمية الأفلاطونية في بنية النص والمنطق والشعور والتفكير الإنساني. وللأسف الشديد، إن أغلب المشاريع العربية المطروحة في هذا العمل الموسوعي لم تنجح في إعادة “اكتشاف الوجوه السلطوية للأفلاطونية المتحولة” في البنى العميقة للغة والوجود والتفكير الإنساني من جهة؛ ونظريات السياسة وفلسفات العدل والأخلاق والقانون من جهة أخرى. وقد يعود ذلك إلى سيادة الرؤية الارثوذكسية الضيقة والمحددة بالضرورة لمفهوم المنطق وعلاقته بالفلسفة والوجود والثقافة والسياسة، والتي ترى أن: ((…المنطق ليس بفلسفة، أعني أنه ليس موضوعا للتفلسف؛ فهو مجرد أداة من الأدوات التي تعين على التفكير السليم، وهو أمر ليس مقصورا على الفلسفة؛ لان التفكير السليم أمر مطلوب في كل أشكال التفكير. وحتى في مجال التفلسف أو التفكير الفلسفي، فأن القول بأن المنطق لازم للتفلسف بما هو تفلسف، هو قول مشكوك فيه؛ لأن التفلسف نفسه يجعل هذه المقولة موضع فحص ونظر، باعتبار أن التفلسف له طبيعة مختلفة عن طرائق التفكير في الدراسات العلمية والإنسانية. فالتفكير المستمد من المنطق يقوم على العد والاحصاء والالتزام بعدم التناقض؛ ولكننا عندما نتأمل طبيعة المواقف الحياتية الدالة المعقدة نجد أنها لا تخضع لهذا المنطق ويكون التناقض أساسا يقوم عليه فهمها، ونجد أنها لا تخضع للفكر العقلاني المنطقي، وإنما للفكر المتعاطف بلغة هيدجر، أعنى الفكر الذي يعيش التجربة بكل تناقضاتها: فالمنطق لا يقول لنا شيئا عن التجربة الفلسفية، وانما يمكن ان يوصِّل فحسب للآخرين بطريقة مفهومة ما سبق أن تعلمناه عن التجربة الفلسفية)). (سعيد وفيق: موسوعة الفلاسفة العرب المعاصرين، ص-ص. 8-9)

يكشف لنا النص أعلاه، أن الكيفية التي تم من خلالها التعاطي مع طبيعة العلاقة بين كل من: الفلسفة والمنطق والممارسة الفلسفية في العالم، كان قد غَلُب عليها الطابع المدرسي التقليدي. فمن المعروف أن مثل هكذا علاقة بدأت إشكالية ومازالت إشكالية، لكنها بدت في النص أعلاه، وكأنها مجرد علاقة عرضية وآنية وتعاطفية، فما إن تتحرر الفلسفة من سلطة المنطق وتنتقل الى رحاب الاستطيقا الوجودية، حتى تكتشف الفلسفة وجودها وحقيقتها من خلال إعادة اللحمة بينها وبين الوجود الإنساني وتحولاته اللامعقولة في العالم والتي يعجز المنطق عن تحليلها وسبر اغوارها الباطنية وفهم عدمية الكائن الإنساني وصيرورة ذلك العدم بين نسيج وتلافيف جغرافية الجسد الإنساني.

هكذا، تبدو العلاقة بين الفلسفة والمنطق، علاقة وجودية ليست إشكالية أو منهجية أو حتى ابستمولوجية يمكن لها ان تساعدنا في إعادة طرح سؤال الفلسفة/وفلسفة السؤال. هذا السؤال الذي لطالما تم تغييبه ونسيانه في متون المنطق التقليدي الذي جاء على ذكره الكاتب في مقدمته أعلاه، وهو المنطق المعتمد تدريسه في الجامعات: الصوري الأرسطي؛ والمنطق الرياضي؛ او الرمزي الحديث، إلا أن هذا المنطق بالطبع ليس فلسفة ولا يمكن ان يكون موضوعا للفلسفة والتفلسف –حسب رأي الدكتور سعيد توفيق– الذي يرى ان المنطق مجرد أداة تعيننا على التفكير السليم، دون أن يوضح لنا ما المقصود بمصطلح “التفكير السليم”؟ وإذا كان المنطق الذي يدرس في اقسام الفلسفة، يعين الإنسان فقط على التفكير السليم، فهل هذا يعني أنه لابد وأن يؤسس لفلسفات سليمة بالضرورة؟ وكيف تتعاطى الفلسفة اذن مع التفكير غير السليم؟ وكيف تتعاطى مع الكائنات غير سليمة؟ الا تضعنا هذه الأسئلة إزاء إشكالات مؤسساتية في التشريع والقانون والأخلاق والتي تعمل جميعها استنادا إلى أحكام المنطق السليم الخاضعة لآليات منطق التشريع القانوني الشكلاني والوضعي، الذي يجعل للصيغ القانونية الكلية/والمطلقة الأسبقية على حقيقة وماهية الوجود الإنساني؟ وهذا ما سيقودنا الى طرح السؤال التالي:

 هل التفكير السليم في الفلسفة هو الأنموذج المتطابق بالضرورة مع أيديولوجيا الدولة السائدة؟ وهل تعمل نظرية الدولة والسياسة بواسطة المنطق السليم أم غير السليم؟ وهل يمكننا القول أن المنطق المعتمد تدريسه في أقسام الفلسفة عندنا قد وصل إلى مستوى كبير في التطابق والانسجام مع منطق الطبقات النخبوية السليم رغم كل التبدلات والتحولات التي شهدها ويشهدها وسوف يشهدها واقعنا التاريخي والسياق الثقافي؟ حتى أصبح هذا المنطق نفسه هو الأداة التي تمأسس القيم والأفكار والأخلاق والتوجهات الذهنية لأنطولوجيا الحياة الاجتماعية واليومية، بعدما تحول بذاته إلى نسق من المعايير والمبادئ الشمولية او السلطوية norm-setting authority التي تتحكم بجسد الكائن الإنساني وتعيد ضبطه وتوجيهه بصورة مستمرة؟

وهذه هي إحدى الإشكالات الأساسية في مقدمة (موسوعة الفلاسفة العرب المعاصرين)، والتي تكمن في التعاطي “المجرد والمتعالي” لقضية التداخل بين الفلسفي/والمنطقي/والانطولوجي/والاستطيقي. فلا يمكننا الحديث عن المنطق دون الإشارة إلى الحتمية المنطقية والعلموية والوضعانية Objectivity التي شكلت وأنتجت مناهج البحث وفلسفات العلوم والابستمولوجيا بطريقة دوغمائية وأرثوذكسية مطلقة، إلى الدرجة التي أصبحت تشكل فيها هذه المناهج الأساس المنطقي الشكلاني لفلسفات القانون والتشريع القضائي؛ وكذلك أساس الوجود المطلق لانظمة القيّم الشمولية/الاستبدادية Totalitarian value systems وأحكام القيّم الشمولية/الاستبدادية Totalitarian value Judgments. نتيجة لذلك انتفت فكرة المقاربات الثقافية بين المنهج Method والنسبية العلمية Scientific Relativism.

واللافت أن منطق المقاربات في مقدمة الموسوعة بين كل من: الفلسفة والفينومينولوجيا والانطولوجيا، ظلت حبيسة أشكال سلفية وتقليدية قديمة من فلسفة الفينومينولوجيا لمؤسسها ادموند هوسرل. رغم أن هذه الفلسفة شهدت منعرجات عديدة، تمثلت أهمها في الفينومينولوجيا التأويلية التي أعادت قراءة تاريخ الانطولوجيا والأبستمولوجيا من خلال اللغة والبلاغة وأنظمتها الثقافية المتعددة. ومن خلال هذه الفينومينولوجيا تطور أيضا ما يعرف بمنهج الاثنوميتودولوجيا Ethnomethodology الذي سعى إلى قراءة وتحليل ممارسات الحس اليومي المشترك Common-Sense Practices في بنية النظام الروتيني للحياة اليومية وتفاعلاتها الرمزية. وقد أخذ يشكل هذا المنهج الفلسفي العقلانية الجديدة للخطاب الفلسفي وهي البديل الابستمولوجي والانطولوجي والاستطيقي لعقلانية المنطق التقليدي والفينومينولوجيا القديمة، وقد اصطلح عليها بـ “العقلانية المحلية” local Rationality. وهي تقع بالضد من العقلانية الاكسيوماتية – البدهية والنظرية والهندسية– للخطاب القانوني ونظامه الميتافيزيقي المطلق، بمعنى آخر، إنها عقلانية ما بعد سيطرة الفضاء القانوني او العدلي Meta-Juridical Sphere وما بعد النزعة الاخلاقوية Moralism الوهمية والمؤدلجة.

لقد أصبح من الواضح، أن هناك إشكالية فلسفية كبيرة في بيان وفهم أهم مناهج ونظريات وتيارات تاريخ الفلسفة الغربية، وتكمن هذه الإشكالية في سيطرة رؤية واحدية على مستوى التفكير واللغة والأسلوب التقليدي الواحدي، الذي بات يمثل اليوم أعدل الأشياء قسمة في كتابة وتحرير ونشر موسوعات الفلسفة العربية. الأمر الذي انعكس سلبا على طرائق فهرسة تاريخ الفلاسفة في الفكر الغربي والعربي على حد سواء، فالباحث يكاد لا يفهم من معنى الفلسفة ونظرياتها وروادها الا الطرق التقليدية في سرد بيليوغرافية محددة الأفق وذو اتجاه أرثوذكسي واحدي لا يخرج عن أيديولوجيا تصنيف الفلسفة والفلاسفة ضمن خانة المذاهب والتيارات الفلسفية. نتيجة لذلك، نلاحظ أن باب التأويل والاجتهاد وإنتاج المقاربات المنهجية والثقافية واللسانية المغايرة مازال موصدا في خطابنا الفلسفي، طالما بقي هناك ثمة فصل بين كل من: الفلسفي والمنطقي والثقافي. وهو ما عبرت عنه مقدمة (موسوعة الفلاسفة العرب المعاصرين) حينما اقتصرت على شكل بعينه من أشكال المنطق الذي لا يمكن أن يفهم الوجود وتحولات الكائن. وخلال وصفها لهذا المنطق الشكلاني والرسمي؛ السائد والمتحكم في صيرورة وتكوين النظرية الفلسفية وخطاباتها المنهجية في دوائرنا الأكاديمية /النخبوية، لم تأتِ على ذكر المنطق الحجاجي الاقناعي الذي يعمل على تحليل تمثلات الوجود الإنساني ضمن سياقاته التاريخية والثقافية والقانونية والتشريعية التي لطالما تمأسست بالمنطق الوضعي الشكلاني التقليدي وسعى في الوقت نفسه الكثير من الفلاسفة –مابعد التنوير والعقلانية الاكسيوماتية– إلى التحرر من سلطة هذا المنطق والتخلص من قبضته المحكمة على كينونة الخبرة الإنسانية.

في حين أننا نجد أن خطابنا الفلسفي مازال يتعامل مع المنطق القديم بوصفه جمهورية مستقلة في حدودها ولا يمكن لها الامتداد: ((… إلى حدود التجربة الإنسانية على المستوى الانطولوجي، والأفضل أن نستخدم هنا كلمة الخبرة بدلا من التجربة التي توحي بالمشاهدة الواقعية (وهو ما عفا عليه الزمن حتى في مجال العلم كعيار أساسي). ذلك أن كلمة الخبرة تعني المعايشة من خلال الذات، وتحتمل مفاهيم من قبيل: المعاناة والفهم من خلال المعايشة، أي الفهم المتعاطف مع موضوع الخبرة. ومن هنا تفهم الصلة الوثيقة بين الفلسفة والفن التي كشف عنها فلاسفة كبار من أمثال هوسرل وهيدجر وسارتر وميرولوبونتي وجادامير وريكير وباشلار وغيرهم، ومن قبلهم شوبنهاور ونيتشه.

ولكن ما أخشاه حقا أن يكون الدرس الفلسفي في جامعاتنا ما يزال يردد مقولات الوضعيين المناطقة، وغيرهم ممن يزعمون أن المنطق والعقل هما أصل او أداة التفلسف، دون أن ينبهوا الطلبة الى أن المنطق – ومعه العقل نفسه -ليسا سوى طريقة واحدة في التفكير لا يمكن أن تخوض أو تقترب من التفكير في مشكلات الوجود الإنساني، وكل ما في وسعها أن تنقل تجربة هذا الوجود إلى الآخرين بطريقة متسقة مفهومة)). (سعيد توفيق، المصدر نفسه، ص، 11)

إن المتأمل في طبيعة الجدل الحاصل – في النص أعلاه – ربما سيلحظ سيطرة للأفكار الفلسفية التقليدية للوجودية والوضعية والمنطقية على كل من الفلسفة والعقل والعقلانية وعلاقتهم المباشرة بالمنطق وسؤال الكائن الإنساني. فلا عجب من استبعاد المنطق عن دوائر التجربة الإنسانية، والاستعاضة عنه بالخبرة التي تضع الانسان وجها لوجه إزاء حالات تناهي وجوده وتبعثره بين لحظات الألم والعدم والمعاناة وتجربة الموت وغيرها. والسؤال الذي نود طرحه هنا، هل يمكننا ان نعتبر جميع تلك التجارب السابقة الذكر منفصلة عن السياق الثقافي واللساني والقيمي للإنسان؟ ولماذا نجد سيطرة لغة وصفية كلية عامة للوجود الإنساني، دون ان نجد لغة تحليلية ونقدية للخطاب الثقافي الذي ينتج/ويعيد إنتاج ذلك الكائن المغترب عن العالم؟ وهل حصل وأن فصل الفلاسفة الذين جاء على ذكرهم النص أعلاه بين مفهوم الإنسان والفلسفة والثقافة التاريخية؟

بعد كل هذا، أصبح من السهل جدا والطبيعي أيضا، أن يردد الأساتذة في الجامعات المقولات ذاتها لفلاسفة الوضعية وبطريقة أرثوذكسية لاسيما حول العقل والعقلانية والمنطق والفلسفة؟ وذلك في ظل سيطرة الرؤية الأحادية في عرض تاريخ الفلسفة وتياراتها الفكرية، مما أدى إلى تغييب واستبعاد مجمل التحولات الراديكالية والتأويلية والثقافية التي مرّ بها كل اتجاه فلسفي؟ وهذا ما حصل بالضبط مع تاريخ الوضعية المنطقية في خطابنا الفلسفي الذي ظل هو الآخر محددا ضمن خرافة الميتافيزيقا واعتبار أن مجمل الخطابات الأخلاقية والجمالية والدينية زائفة وخالية من المعنى، لكونها لا تخضع لمعايير التحليل اللغوي والمنطقي والتجريبي؟ وبهذا تم مأسسة مفاهيم التحليل المنطقي للغة وحصرها ضمن مقولات وضعية مطلقة، على الرغم من أن فيلسوف التحليل الراديكالي للغة والمنطق “ستروسن” كان قد أشار إلى أن الفلسفة التحليلية لا تتحدد في السؤال حول الميتافيزيقيا فحسب، بل تتعدى ذلك لتتجه نحو السؤال عن أي شكل محدد من أشكال التفكير الميتافيزيقي المتسلط على أفعالنا وسلوكنا اليومي؟

بعبارة أخرى، إن الميتافيزيقا أصبحت أنظمة ثقافية تعمل على إدارة وتوجيه عمليات التفكير الإنساني، بعدما تحولت إلى بنية ذهنية ولغوية. وأصبح لزاما على الفلسفة أن تقوض تلك البنية في العالم. وهذه هي الإشكالية الأساسية لخطابنا الفلسفي في الوقت الراهن، إذ يجب أن لا يقف عند حدود التأملات الوجودية للكائن الإنساني، ويتجاوز الوقائع الثقافية والخطابات اللغوية والمؤسساتية والقانونية والأخلاقية المسيسة التي تحدد وجود ذلك الكائن وترسم مصيره وتاريخه منذ لحظة ميلاده حتى لحظة فنائه وموته.

تلك الإشكالية ذاتها هي نفسها التي رأينا كيف أنها تكررت في مجمل الأوراق والبحوث المقدمة في (موسوعة فلاسفة العرب المعاصرين) حيث سيطرت النزعة الوصفية والميكانيكية على مجمل كتابات وقراءات الموسوعة. إلى الحد الذي لم نجد هناك أي تمييز دقيق بين الفلسفة بوصفها إشكالية منهجية؛ والفلسفة باعتبارها تمثل مجموعة من المشاريع الفلسفية عند كبار المفكرين العرب! هذه المشاريع التي يفترض أن تمثل أيضا صيرورة لإشكالات المناهج الابستمولوجية والانطولوجية والتاريخية والمادية… الخ، من اجل أن تؤسس مقدمة راديكالية تعمل على تجديد آليات ومناهج الدرس الفلسفي.

بسبب ذلك، افتقرت الأبحاث المقدمة في (موسوعة الفلاسفة العرب المعاصرين) إلى المقاربات والتأويلات الثقافية والتحليثقافية، لأنها كانت منفصلة تماما عن السياقات التاريخية والفلسفية. وبالتالي، تجردت من “الفاعلية النقدية” التي من شأنها أن تعيد تفكيك وتحليل المثال Ideal Analysis، هذا المثال الذي أصبح مجسدا في أبسط سلوكيات وأخلاقيات الإنسان اليومية والعادية، حتى انعطف معه مفهوم الثقافة ليخرج عن محددات المفاهيم الكلاسيكية المعبرة عن تطلعات وسيطرة الطبقات الأيديولوجية والسلطوية، وانعرج نحو إعادة مساءلة “المثال المطلق” الذي يتكون من القيم المطلقة Absolute Values والمعاني الثابتة والمؤكدة Certain meanings وأفعال ضرورية وميكانيكية يقينية ومؤكدة.

فكيف يمكن للفلسفة أن تنجح في هذه المهام دون أن تنجح في تحليل المناهج وإعادة تأويلها؟ وكيف لها أن تنجز وظيفتها النقدية وهي ماتزال تعتنق المفاهيم الافلاطونية المطلقة، وتنبذ مناهج السفسطائية النسبية والثقافية؟

-إشكالية موسوعة الفلاسفة العرب والخطاب العربي الموسوعي

ذكرنا سابقا، أن الخطاب الموسوعي الفلسفي العربي اليوم، هو خطاب إشكالي، ولا يمكن التعامل معه إلا من خلال هذا المدخل وتمفصلاته المنهجية والنظرية. ذلك لأن فكرة تأليف القاموس الفلسفي، لم تتضح معالمها بعد في أفق خطابنا الفلسفي، فليس بالضرورة أن يكون هناك ثمة تلازم بين عملية الانتقال بالخطاب الموسوعي من التمركز حول المفاهيم والمصطلحات الفلسفية إلى حرية البحث والكتابة حول الفلسفة وتياراتها وشخصياتها من جانب، وبين تشكيل أفق من الانعراج بالفلسفي إلى الثقافي والتاريخي والحجاجي البلاغي، من جانب آخر. بل على العكس تماما، إن ما يحصل في حركة التأليف الموسوعي يشير إلى حالة من “التخبط المنهجي والاصطلاحي والنظري والتحليلي” في آن واحد، هذا على الرغم من ظاهرة التضخم في وضع مسارد ومداخل ومقالات متعددة تحاول أن تعرض لجوانب مختلفة من حياة وأفكار ورؤى وتصورات كل فيلسوف، غير أنها لم تُبشر بأي قطيعة ابستمولوجية مع حركة التأليف الموسوعي التقليدي من جهة، ومن جهة أخرى لم تدعونا في نهاية المطاف إلى القول بإمكانية تقديم ممارسة فلسفية موسوعية/بحثية جديدة ومبتكرة تختلف عن سابقاتها التقليدية؟

من هنا، فإن الانطلاقة مع أي عمل موسوعي تمثل في حد ذاتها مغامرة إن لم تكن مجازفة كبيرة. وذلك لسعة العمل وضخامة المنجز الفلسفي سواء فيما يتعلق بتيارات الفلسفة ومناهجها ومدارسها المختلفة أو بمفاهيمها ومصطلحاتها ونظرياتها أيضا. غير أنه لا بأس من المحاولة والدخول في دهاليز عملية التأليف الموسوعي ورصد ظاهرة الحراك الفلسفي لبحوث ومقالات الأساتذة والباحثين المرموقين في الوطن العربي.

كان من أهم ما استوقفنا في موسوعة (الفلسفة الغربية المعاصرة… صناعة العقل الغربي من مركزية الحداثة إلى التشفير المزدوج)، هي مقدمة المفكر علي حرب التي جاءت تحت عنوان: (الفلسفة عالميا: الفلسفة لم تعد كما كانت عليه). وانطلاقا من إيمان المفكر علي حرب بظاهرة تحولات الفكر والخطاب الفلسفي وبقدرته على كسر أيديولوجيا الأنساق والأطر المذهبية المنغلقة على ذاتها ومركزيتها الخاوية، جاء سعيه إلى إيجاد حالة من التعادلية بين النزعة المدرسية والمذهبية المسيطرة على الموسوعة وبين رؤيته النقدية للفلسفة لغرض تقديم “تبرير ابستمولوجي تقليدي” لحالة سيطرة هذه النزعة المذهبية والمدرسية على مستوى الترجمة والكتابة والتأليف. فهو يعتقد أن الفلسفة اليوم: ((لا تُفهم أو تمارس بوصفها مجرد مذهب أو نسق أو مدرسة أو نظرية حتى وإن كانت هذه الموسوعة ستلقي بعض الأضواء على المدارس أو المذاهب الفلسفية لأغراض أكاديمية تفهم مقاصدها… فالمذهب يضيق لأنه وحيد الاتجاه أحادي الجانب. والمدرسة تجمد أو تتحجر، لأن العقل المدرسي يهتم بالتلقين والتعليم أو التقليد. والنسق يعمل دوما على نفي الواقع، بقدر ما يبحث عن الاتساق والاحكام والوثوق… وأما النظرية فمآلها العجز والقصور، لأنها لا تأخذ بعين الاعتبار الظواهر المستجدة والوقائع المتغيرة)). (علي حرب، موسوعة الفلسفة الغربية المعاصرة، 2013، ص18)

     يبدو من خلال المقدمة أعلاه، أن علي حرب، كان يدرك جيدا أن “فكرة العمل الموسوعي” تختلف تماما عن صورة الفلسفة الجديدة التي بشّر بها. حتى وإن حاول أن يتدارك ذلك من خلال حديثه عن نظرية “الأغراض الأكاديمية”، الا أن الهوة تبقى واضحة ومتسعة بين الفلسفة بوصفها ممارسة ضد النسق والانغلاق والتمذهب النظري والمدرسي والأيديولوجي؛ والفلسفة بوصفها صورة طبق الأصل لهذه الخصائص. وهذا ما جعل المقدمة تبدو هجينة وغريبة عن جسد الموسوعة وتفاصيلها وتفرعاتها الفلسفية، ومن غير المعقول ان لا يكون علي حرب واعيا ومدركا ان هناك ثمة تباين واختلاف بين الصورة الطوباوية التي وضعها لفلسفة المستقبل، وبين الصورة النسقية المنغلقة للفلسفة الراهنة التي مثلها الخطاب الفلسفي الموسوعي. واللافت في مقدمة علي حرب، أنه أطلق العنان فيها لخياله الفلسفي المابعد حداثي، متجاوزا لأمر الموسوعة التي تقع في جزأين. فلم يشر إليها ولا إلى طبيعة الثيمات الفلسفية المطروحة، وكيفية التعاطي مع الشأن الفلسفي بتياراته ومدارسه فيما إذا كان تقليديا أم نقديا؛ ضد النسق أم مع النسق أم مابعد النسق؟

وعندما نتأمل في طبيعة عنوان مقدمة علي حرب، نلاحظ أنها لم تعبر عن هموم وإشكالات المشتغلين في هذه الموسوعة، بل على العكس تماما، كانت منفصلة عن هذا العمل الكبير، ومتجاوزة فرادة هذا العمل الذي جمع كل أطياف الباحثين والمفكرين والمهتمين في قضايا وإشكالات الواقع الفلسفي. وكأن المقدمة لا تمت بأي صلة لكل ما جرى طرحه وتناوله وبحثه في هذه الموسوعة، بل نكاد نشعر أحيانا أن الكاتب كان أقرب الى الإرغام من الاختيار على وضع هذه المقدمة الخجولة والمكررة في كل مؤلفاته وأعماله الفلسفية! فما هو الجديد الذي أتى به علي حرب؟! أهو مجرد صيغ ووصفات جاهزة ومستهلكة تعلمنا أن الفلسفة اليوم لم تعد كما كانت عليه؟! متناسيا أنه يتكلم في/وعن السياق الثقافي العربي وليس الغربي، فكل ما طرحه من مواعظ وحكم مابعد حداثوية حول الفلسفة وتحولاتها، إنما هو يخص في المقام الأول الراهن التاريخي للفكر الغربي! ربما لأن الكاتب غير معني بالتاريخ، ولا يهمه أن تكون الفلسفة ممارسة نقدية تاريخية؟! لأنه وبكل بساطة واحد من بين كثير من الحفظة المرددين جيدا لبعض الأحاديث والسنن التفكيكية، فلابد من أن يظهر بلباس الراهب المعتكف في محراب الفلسفة، وكل ما يقوله هو مقدس بالضرورة؟!

إن مشكلة علي حرب، لم تختلف عن كل ما طرحناه آنفا، فهي مشكلة “متضخمة جدا” عند أغلب المشتغلين والباحثين في الخطاب الفلسفي الذين ينشغلون بإنتاج الصيغ الفلسفية الكلية ولا يولون أدنى أهمية واعتبار إلى مسألة إيجاد علاقات جديدة بين سؤال الفلسفة والحجاج الثقافي والتاريخي. وعلى الرغم من وجود أكثر من دعوة في خطاباتهم لانفتاح الفلسفة على كل ما ليس بفلسفة، إلا أنها دعوات تبقى معلقة في سماء الميتافيزيقا، لأنها منفصلة عن ثقافة المتكلم والخطابات الأخلاقية والقيمية والقانونية التي تعيد إنتاج ثقافة السلطة/وسلطة الثقافة. وفي ظل هذه الثقافة لا يمكن لنا ان نكتفي بمنطق الترديد مع علي حرب: ((ان الفاعلية الفلسفية تمارس اليوم، ليس فقط بارتياد آفاق جديدة، او باقتحام مناطق مجهولة. وانما تمارس أيضا بانفتاح الفكر على ما ليس بفلسفة، بل على ما كان العقل الفلسفي يستبعده أو يرذله من الممارسات والمجالات والظاهرات. وهكذا انفتح الفكر الفلسفي على وقائع الخطاب وأنساق العبارة، وانفتح على الجنون والسجن والعلاقات الجنسية، فضلا عن انفتاحه على فوضى الأنظمة وكثافة التجارب وعتمة الممارسات، وهذا الانفتاح على اللامعقول والجسد والصدفة والعلامة، وكل ما كان منفيا من قبل أو مهمشا، أدى الى قلب الرؤية الى العالم، بقدر ما أدى الى تغيير علاقتنا بالأفكار والمقولات أو بالأشياء والكلمات)) (علي حرب، المصدر نفسه، ص 19)

يدعونا النص أعلاه إلى طرح أكثر من تساؤل حول تلك التحولات التي جاء على ذكرها والتي ما تزال تواجه حتى الآن وضمن سياقها الثقافي الخاص، بحالة من عدم القبول والرفض والمقاومة لها من قبل الأرثوذكسيين المشتغلين في الأكاديميات الفلسفية الغربية من الفرنسية الى الانجلوسكسونية. فهل يمكن أن يقبلها خطابنا الفلسفي وهو الذي لم ينفتح حتى هذه اللحظة على المناهج المغايرة لمنطقه الاستاتيكي؟ وكيف لفكرنا الفلسفي أن ينفتح على عوالم الجنس والسجن والجنون والمراقبة والعقاب، وهو لم ينفتح بعد على إمكانية فهم وتأويل العلاقة بين الفلسفة والمنطق والقانون والحجاج؟ وكيف لخطابنا الفلسفي أن ينفتح على وقائع العبارة والخطاب والصدفة واللامعقول والجسد والعلامة، وهو ما زال يرزح تحت أعباء قيم مطلقة وطبيعة إنسانية مطلقة وثقافة مطلقة وطبقات مطلقة وشخصيات وعلاقات إنتاج ولسانيات مطلقة …الخ؟

 أبهذه البساطة تتحول رؤيتنا إلى الكون والعالم والأشياء ضمن سياقنا الثقافي تحت شعار “منطق كن فيكون”؟ أليس الأدعى اليوم أن نتساءل حول الشروط التاريخية والثقافية التي ينبغي توفرها لانفتاح الفلسفي على اللافلسفي؟ فإذا كانت البنية الأساسية لخطاباتنا الفلسفية هي باثولوجية ومرضية وتأسست على أصول ومبادئ قسرية وسلطوية تُلغي وتُصادر كل ما هو مغاير ومختلف، بل وكل من لا يخضع لعقائد وطبقة هذه الخطابات، فكيف يمكن له أن يؤسس لعلاقات جديدة مع ما هو ليس بفلسفي يمكن له أن يقوض السلطوي والايديولوجي ويعيد الاعتبار إلى تجارب السجن والتهميش والعزل والجنس؟  فهل شهدنا مثلا رسالة جامعية في أقسامنا الفلسفية تُناقش وتحلل هذه التجارب بالقدر نفسه من العلمية والموضوعية الأكاديمية كما هو الحال عليه في سياقات الفلسفة الغربية؟

في ختام مقدمته لموسوعة (الفلسفة الغربية المعاصرة) يضع علي حرب ملحقا يحاول أن يستذكر فيه ما تم نسيانه في متن نصه الأساسي، ربما كان يمثل الاستنتاج الأخير حول وضعية وراهن الفلسفة والتفلسف والفيلسوف، جاعلا فيه من “الفلسفة السقراطية” المثال الأكثر شعبية وتعبيرا عن مرحلة “التفلسف اللانخبوي”. لكوننا اليوم: ((نشهد تغييرا يطال الفلسفة من توجهها وطريقة تقديمها ومؤسسات تداولها، فضلا عن أشكال ممارستها، بما يشبه ولادة ” سقراطيه جديدة”، بحيث يمارس التفلسف في مختلف أمكنة الفضاء العمومي ودوائره ومساحاته. بذلك يخرج الفيلسوف المحترف من برجه النخبوي ومعقله الأكاديمي، وعلى نحو يكسر الحواجز بينه وبين عموم الناس والفاعلين في بقية الحقول. فالفلسفة تتغذى من تاريخها، بقدر ما تتجدد بالانفتاح على ما تستعبده او تعتبر نقيضها)). (علي حرب، المصدر نفسه، ص 22)

   إن توليفة النص أعلاه، تضعنا إزاء أكثر من استغراب وحالة من التعجب، لاسيما فيما يتعلق بقضية تجنب العودة إلى (جينالوجيا المفاهيم وتاريخ الفلسفات القديمة)، خاصة فيما يتعلق بالفكر الفلسفي السقراطي ضمن مراحل تطوره وتحولاته في الفكر اليوناني. فقد أشار الكاتب الى مفهوم “السقراطية الجديدة” دون أن يحدد لنا بالضبط عن أي سقراط يتكلم؟ هل هو سقراط الذي أنتجته المخيلة الافلاطونية، وجعلت منه مجرد مرآة لأفكار وتصورات وفلسفة أفلاطون المثالية والميتافزيقية؛ أم هو سقراط المتحرر من سلطة الخطاب الافلاطوني وشمولية أنظمته القسرية والأيديولوجية؟ هل هو سقراط “السفسطائي” الذي مهد لانعراج الفلسفة ونزولها من السماء إلى الأرض؟ هل هو سقراط الأكاديمية أم سقراط المدينة polis؟ هل هو سقراط الثقافة العامة ام سقراط النخبة المتسيدة؟ هل هو سقراط الميثولوجيا أم العلمانية؟ هل هو سقراط القدسي أم الدنيوي؟

  هكذا سعى علي حرب من خلال مقدمته الى إعطاء صورة جديدة للفيلسوف، دون أن يكلف نفسه العناء – ولو بهامش صغير في أسفل الصفحة – في الإشارة والإحالة إلى أن هناك مرحلتين للسقراطية: مبكرة ومتأخرة. المبكرة عندما كان صوت سقراط وفلسفته متسقان تماما مع بنية النظام الكوسمولوجي المطلق والكوني للمحاورات الافلاطونية، الأمر الذي جعلنا لا نميز بين سقراط الحقيقي وبين سقراط المثال أو الخيال المصنوع على الطريقة الافلاطونية. أما المرحلة المتأخرة، فهي المرحلة التي أصبح فيها سقراط سفسطائيا، متمردا على “المثال الافلاطوني” الذي حول كل شيء الى” علو وتعال”؟

فلماذا يتكرر وقوع مثل هذا الخطأ في خطابنا الفلسفي؟ ولماذا يتم دائما الاعلاء من شأن “السقراطية المتأفلطة” وتجاوز السقراطية السفسطائية -الثقافية/النسبية؟ على الرغم من أن الخطاب السفسطائي هو أول من حولّ الفلسفة إلى ممارسة ثقافية وتاريخية في الفضاء العمومي للمدينة، وبالتالي هو من أسس لمنطق التفاعلية interaction بين المناهج المختلفة مع ماهو فلسفي ولا فلسفي من جهة، وبين النخب وأنطولوجيا الحياة العامة من جهة أخرى. فهل نسي علي حرب أو تغاضى عن حضور السفسطائية في التفكير المابعد حداثي خاصة عند فوكو وفتغنشتاين ومارتن هيدجر ورورتي وغيرهم الكثير ممن يُدعون بـ “السفسطائيين الجدد”؟

فلماذا إذن لم ينفتح نص علي حرب على التفلسف النسبي السفسطائي، قبل أن يدعو إلى انفتاح الفلسفي على ما هو لا فلسفي؟ وكيف يمكن بعد ذلك أن نتفاءل بإمكانية تحقق دعوته في انفتاح “النص الفلسفي” وتفاعله مع بقية الحقول المعرفية الأخرى، وهو نص لطالما أدمن على ممارسة الإقصاء والعزل والنبذ والتهميش للفلسفات التاريخية والنسبية والثقافية من داخل الفلسفة والمشتغلين فيها؟ بل هو نفسه لم يتحرر بعد من سيطرة البرادايم التراتبي والهرمي على مستوى المناهج وأيديولوجيا المشاريع الثقافية والفلسفية إلى جانب مستويات اللغة والكتابة التي مازالت ترسخ/وتعيد ترسيخ بلاغة التفلسف السلفي؟

 وهناك استغراب آخر يثيره نص مقدمة موسوعة (الفلسفة الغربية المعاصرة)، حول ذكره “لأسطورة خروج الفيلسوف من الكهف الافلاطوني” أو من برجه النخبوي والأكاديمي، أو نزول الفيلسوف إلى المدينة ليتفاعل مع عموم الناس ويعيد قراءة تاريخ أنظمتهم التواصلية والعلاماتية المقهورة وطرق إنتاج المعنى في سياقات وفضاءات الثقافة العامة. فلا نعرف هل تحققت بالفعل مثل هذه “اليوتوبيا” في بنية وأسلوبيات اللغة الواحدية/والموحدة المعتمدة في خطاب وكتابة موسوعات الفلسفة العربية اليوم؟ وكيف نفسر ظاهرة غياب التفاعل مابين المناهج interdisciplinary من جهة؛ والتعدد المنهجي Multi-disciplinary في لغة الموسوعات الفلسفية من جهة أخرى؟ ولماذا لم تتعامل أغلب المقدمات التي كُتبت للموسوعات الفلسفية بجدية فلسفية وإشكالية محكمة، مع ظاهرة غياب التعدد/والانفتاح بين الفلسفة ومناهج العلوم الإنسانية الأخرى؟

وفي ظل غياب تلك الشروط التاريخية والنهجية التفاعلية، كيف يمكن للفيلسوف أن يخرج من قمقمه النخبوي والأكاديمي العاجي، ما لم يعمل على تفكيك “منطق النخبوية الافلاطوني” المتحول إلى “سلطة بوليسية” تقف بالضد من كل ماهو نسبي/تاريخي/ثقافي وتعدد مناهجي ولساني؟ حتى أصبح المشتغلون في الفلسفة هم أنفسهم أكثر عرضة للإصابة بحالات الاغتراب والعزلة والتشتت، “وظاهرة الاكتئاب التي تسبق ظاهرة الاستكتاب”، سواء كان ذلك على مستوى الكتابات والبحوث الفلسفية التي تعاني هي الأخرى من العزلة ذاتها، أو على مستوى التواصل البين-فلسفي والمنهجي/والإشكالي والإنساني الآخذ في الزوال والتلاشي. فقد تحولت معظم مؤسساتنا إلى ملل ونحل وطوائف افلاطونية سرية، لا يهمها أمر الفضاء العمومي، لأنها تمتلك فضائها الخاص؛ لغتها الخاصة؛ فلسفتها الخاصة وخاصة الخاصة privatism. ربما هذا ما جعل من خطابنا الفلسفي منشغلا ومتمركزا أكثر على “لاهوت الجماعات الشخصانية المنغلق” ومتجاوزا انطولوجيا الجماعات والاثنيات الثقافية المنفتحة والمغايرة؟

إن مشكلة علي حرب، أنه لم يتعامل بشكل نقدي مع الفكر الفلسفي بذاته/البرادايم المسيطر والسائد في خطابنا الأكاديمي؛ ولم يعمل على تفعيل الفكر الفلسفي في سياقاته السوسيوثقافية والسوسيوسياسية بوصفه يمثل “فلسفة المستقبل بالقوة وليس بالفعل”. لذلك كان من السهل عليه أن يتجاوز سوسيولوجيا ودنيوية الخطاب الفلسفي، ويستعيض عنها بالعلاقة الميتافيزيقية والمجردة بين: الفكر/والحدث، لينأى بنفسه عن الحفر في اركيولوجيا الفكر وطبقاته السلطوية/والأيديولوجية التي تعتبر من أهم وأخطر “الحتميات الوضعية” الملازمة لمسار تاريخ الأفكار في الخطاب الفلسفي، خاصة في الدوائر الأكاديمية الفلسفية المسؤولة عن إنتاج الأفكار ونشرها وتأويلها وإعادة تشكيلها وبما ينسجم ويتلائم مع أجهزة السلطة والأيديولوجية السائدة والمسيطرة.

من هنا، يمكننا القول إن اسلوبيات ولغة علي حرب في الكتابة الفلسفية اليوم، تكاد أن تلخص لنا أغلب أسلوبيات ولغة المنشور الفلسفي المسيطر، هذا المنشور الذي لم يتخلص بعد من “سلطة الوعظ الحداثي/والمابعد حداثي”. حيث تجد أن اغلب النصوص هي الصوت الموحد والمعبر عن أيديولوجيا واحدة وعقيدة واحدة وخطاب واحد، فأغلبها تبدأ بلغة الوعود الوهمية والرؤى الوردية والمستقبلية للخطاب الفلسفي المفارق عن هذا العالم، لأنهم يتصورون أن الخطاب الفلسفي ليس له أدنى علاقة بالوقائع التاريخية والسياقات الثقافية والإشكالات السياسية والسلطوية والشمولية المسؤولة عن تشكيل الحدث والفلسفة والتفلسف، إن لم تكن هي الحدث بذاته.

 بينما في الواقع، لم يعد لدينا متسع من الوقت لإضاعته بين القفز والتحليق على راهنية “موت الخطاب الفلسفي” وإطلاق العنان “للغة الشعارات الوعظية وأسلوبيات الكتابة السلفية” التي تكتفي “بالتأويلات الحرفية والارثوذكسية للفلسفة”، وتتجاوز جميع التحولات التاريخية والثقافية والسوسيوثقافية للفلسفة والتفلسف والتفكير الفلسفي. لذلك، ليس من قبيل المبالغة أن ندعوها بـ “اسلوبيات تبشيرية ولاهوتية” تبشر بولادة الفلسفة “في القوة” وليس “بالفعل”، وفي هذا الموضع تحديدا لطالما شهدنا ذلك الحضور اللافت والمعتاد من قبل علي حرب، لاسيما حينما يؤسس لمقارباته النظرية المجردة حول فلسفة الفكر والحدث، حيث يقول: ((إذن نحن إزاء مصطلحات أربعة هي مدار القول: الفكر، الحقيقة، الفلسفة، الحدث. وهذه مفاهيم يتعلق الواحد منها بالآخر، فيتغذى منه أو يفضي إليه أو يشتبك معه في ثنائية هي مثار للسؤال والجدال، وذلك بقدر ما يجري الفكر مجرى التقلب والتوتر، أو على سبيل المحاورة والمداورة. وبيانه أن الفكر هو علاقة بالحقيقة بقدر ما تفهم الحقيقة بوصفها “أثر” الحدث ومفعولا من مفاعيله، سواء تعلق الامر بحدث علمي أو تقني، مجتمعي أو سياسي، فني أو عشقي … ومعنى ذلك أن الفكر هو قراءة للحدث تسهم في صوغه بقدر ما تعترف بما يتولد عنه من الحقائق والوقائع. والفكر الذي ينفي الحدث يتحول إلى مجرد وهم أو إلى مجرد معتقد جامد … وأما الفكر الذي يمارس بصورة خلاقة، فأنه نشاط معرفي أو مفهومي يتعدى مجرد التسجيل والانعكاس أو مجرد التمثل والتصور إلى فعل الإنتاج والتركيب أو إلى عمل التكوين والتشكيل. بهذا المعنى، لا يفكر المرء لكي يعرف فقط ما هو موجود أو لكي يتصور ما هو واقع، بل يفكر لكي يسهم في تشكيل العالم، عبر أنظمة العلامة وألاعيب الدلالة، أو عبر وقائع الخطاب ومنظومات الرمز، أو عبر المعادلات العلمية والمركبات المفهومية، أو عبر أنماط الممارسات السياسية وأشكال التبادل الاجتماعي)). (علي حرب، الفكر والحدث، ص-ص 7-8)

وإذا ما حاولنا الآن، أن نعيد استنطاق ما سكت عن قوله الكاتب في النص أعلاه، فربما يمكن أن يتلخص في: أن الفكر يتحول إلى مجرد وهم دون أسسه المادية التاريخية والثقافية واللسانية. لكن إيمانا بسلطة وهيمنة أسلوبيات الكتابة الأفلاطونية المطلقة والمجردة، والتي يجب أن يتقنها الباحث والمشتغل في حقل الدراسات الفلسفية، راح علي حرب يترجم تاريخية الفكر/والحدث على طريقة “المثالية الألمانية المطلقة”؟! فليس من المعقول أن يتجرأ ويتكلم عن حضور المادية التاريخية والسوسيوثقافية للفكر والحدث والفلسفة والحقيقة، لأن هذه تعد بدعة في أعراف الكتابة الفلسفية السائدة، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة تخرجنا من جنة الأكاديمية الفلسفية الموعودة؟! ولكي يتجنب البدعة، حوّل علي حرب الفكر إلى “موناد” على طريقة الفيلسوف الألماني “ليبنتز”؛ والسياقات اللغوية والخطابية والعلاماتية الى مجرد مفاعيل مثالية/متعالية ليس لها وجود في العالم؟! ففي الوقت الذي تتحول فيه الرموز والعلامة والخطاب والدلالة إلى ألاعيب سلطوية تنتج/وتعيد إنتاج الفكر، يتجه علي حرب نحو ترجمتها وبطريقة ميتافيزيقية وديكارتية لتصبح فيها عناصر تساهم في تشكيل العالم نسبة إلى مركزية الكائن المفكر؟!

في الواقع، إن الحديث عن إشكالية توسط الكائن المفكر بين وسائط الرموز واللغة والعلامات وأشكال الخطابات الثقافية واللاهوتية والمقدسة، يشير إلى كيفية تحول هذه المفاعيل إلى معنى ثقافي وديني يصبح “كالقانون المطلق” الذي ينتج ويعيد إنتاج الجماعات الإنسانية بواسطة هذه المعاني المتحولة بدورها إلى أخلاق إلزامية moral obligation أو بحسب تعبير دوركهايم إلى قوة أخلاقية Force moral. بمعنى أن علينا أن نتجاوز مفاهيم الأخلاق والفضائل الافلاطونية والسقراطية (اللاتاريخية/النخبوية) لننتقل إلى الفضاء الثقافي للموقف الاجتماعي المحلي local situation –بعكس مفهوم الكونية الذي سنأتي عليه مع أ. فتحي المسكيني فيما بعد– حيث يعود “الكائن المتكلم” الى الحدث – بعدما تم استبعاده وإقصائه وتجريده من قبل علي حرب –. بعبارة أخرى، علينا أن نعمل على تشكيل قطيعة ثقافية وأبستمولوجية مع مفهوم الكائن المفكر الذي يعيد إبداع العالم وإنشاء علاقات جديدة معه بطرق ميتافيزيقية ومتعالية، لننعرج به نحو قراءة وتأويل “الكائن السوسيولوجي” المحكوم بسلطة الشعائر الطبيعية natural ritual التي تغطي بنية ولغة الطبقات الاجتماعية التقليدية. ومن ثمة، فهو كائن مغطى بنسيج لامتناهي من سلطة ورموز هذه الشعائر – وليس بالفضائل اليوتوبية المجردة –. وهذه كانت أحد الأسباب التي دفعت الفيلسوف ومؤسس السوسيولوجيا التفاعلية   Goffman  إلى تأسيس نظرية عامة في التفاعلية الطقوسية والشعائرية A general theory of interaction ritual   ترمي إلى إعادة تأويل مفهوم الثقافة من خلال سلطة سلسلة الشعائرية والطقوسية التفاعلية interaction ritual chains المسؤولة عن إدارة وتنظيم وضبط المواقف الاجتماعية والثقافية للإنسان، من خلال تجهيزه وشحنه بطريقة مستمرة بعدد محدد من الرموز والشيفرات التي تجعله يعيد فهم وتأويل وجوده من جهة؛ وعلاقاته مع العالم والأشياء والآخرين من جهة أخرى. وهذا ما دعاه عالم السيسيولوجيا Randall بمفهوم Cultural capital. (للاطلاع على مجمل المفاهيم المذكورة ضمن هذه الفقرة، يُنظر:Randall Collins, The Sociology Of Philosophies A global Theory Of intellectual Change,Harvard,1998.)

إذن، في ظل تهافت فكرة الكائن المفكر المنعزل عن العالم والحدث، وعودة ظهور الكائن السوسيولوجي/السوسيولساني الواقع تحت سيطرة تلك السلسلة الاجتماعية التفاعلية، هل يبقى هناك ثمة إمكانية لانفصال الفكر الإنساني عن سلطة الخطاب/وخطاب السلطة؟ وهل بإمكان الفكر أن يعيد تشكيل علاقاته مع الوقائع في العالم وهو محكوم بسلطة المفاعيل التي تجبره وتحرضه على الكلام بحسب الخطاب السياسي السائد الذي يمثل معيار المعايير في مقياس درجة الامتثال الثقافي والاجتماعي؟ فلماذا عزل علي حرب “الأشكال القيمية والأخلاقية واللاهوتية المشفرة والمرمّزة” عن “بنية الحياة اليومية” التي تتوسط دوائر الحدث والفكر والتفلسف؟ وهل التشفير المزدوج – المذكور كعنوان فرعي في موسوعة الفلسفة الغربية المعاصرة – حكرا على الحداثة والعقل الغربي؟

وكذلك، لماذا لم نجد ثمة علاقة بين “واقع هذا التشفير” من الناحية الإناسية واللسانية والتواصلية والثقافية مع واقع مجمل الكتابات الفلسفية لموسوعة الفلسفة الغربية؟ فهل مفهوم الحدث يشير إلى وجود تاريخي وثقافي؛ أم إلى وجود شكلاني وافتراضي؟ وألا يمكن أن يكون الحدث نفسه حاملا للأنظمة الدلالية للأيديولوجيا المسيطرة ودعامة لترساناتها الرمزية والخيالية المكونة للوجود والكيان الاجتماعي والفردي؟ وهل هناك ثمة حق في التفكير اليوم، في ظل توالي سيطرة وصعود الأيديولوجيات؟

علما أن الحق في التفكير يسبق الحق في التفلسف والفلسفة، وذلك لأنه فعل يشحذ الفلسفة على الدوام نحو إعادة مساءلة سلطة القانون وسياسة القانون، وبالتالي إعادة تفكيك المنظومات القيمية والاجتماعية واللاهوتية بوصفها أقانيم السلطة الشمولية الأبدية؟ من هنا، توجب على الفلسفة الانتباه إلى “كهنوتية الكُتاب والكتابة الفلسفية”. فما يُنشر اليوم يكاد أن يتحول إلى نصوص مقدسة، مطلقة الصلاحيةValidity . وهذا ما يجعل من المشتغلين والمختصين في الفلسفة، يتحولون هم أنفسهم بطريقة شعورية ولاشعورية إلى ملهوتين قبل أن يكونوا متفلسفين، أو بمعنى أدق، أفلاطونيين لم يغادروا بعد الكهف الافلاطوني؟

ذلك يعني أن النزعة الافلاطونية أصبحت هي قدر الوجود والفلسفة والتفلسف، وكل خطاب فلسفي راهن يسعى إلى تجاوزها والتغاضي عنها، تارة باسم “اللغة المثالية   Ideal language”   التي تتقنع بأشكال حداثوية وما بعد حداثوية وكونية، وتارة أخرى باسم القيم والمبادئ الكلية والمطلقة. ولا يمكننا أمام ذلك، أن ننظر إليها إلا بعين الشك والنقد والريبة، لأن هذه الفلسفات سوف تعمل بالضرورة على مأسسة الحياة والوجود والممارسة الثقافية بنظام اكسيوماتي/بديهي شكلاني     formal axiomatic   system مثلما عمل هذا النظام من قبل على تعطيل عمل “الفاعلية التأويلية والثقافية” في بنية الخطاب الفلسفي ومناهجه ومشاريع النهضة والحداثة في الفكر العربي، لأن هذا النظام تحول بذاته إلى قواعد وأطر وقوانين عامة/ومعممة Generalization. حتى أصبحت أغلب عبارات ومفاهيم ومفردات الخطاب الفلسفي تعمل في خدمة وتبرير هذا النظام.

وهنا، نستحضر مقدمة الدكتور فتحي المسكيني لموسوعة (الفلسفة الغربية المعاصرة… تحولات الخطاب من الجمود التاريخي إلى مآزق الثقافة والايديولوجيا)، حيث حاول فيها أن يعيد تقويم المنجز الفلسفي لمفكري التراث والنهضة في تاريخ الفكر العربي، جاعلا من “الإشكالية التأويلية ” هي المعيار التي يتم من خلالها مراجعة وتقويم هذا التراث. وهذا هو -حسب رأي المسكيني-: ((ما انخرط فيه مفكرو التراث: هؤلاء التأويليون بأدوات لا تمت بصلة في غالب الأمر إلى التقليد الهرمينوطيقي بالمعنى الدقيق. وآن الأوان أن نسأل: كيف أمكن لهؤلاء أن يرثوا عن الفكر الأوروبي المعاصر المشكل التأويلي حول العلاقة مع التراث باعتباره تحديا حقيقيا أمام تحقيق أو إثبات الذات المعاصرة، والحال أنهم اتفقوا في الغالب على أن قراءة التراث ليست مشكلا “هرمينوطيقيا” بالمعنى الدقيق (أي متعلقا بتجارب المعنى وتأويلات الذات، كما يمكن أن تنبجس من خلال ممارسات نصانية وخطابية خاصة بذات متكلمة ضمن رؤية للعالم منظورا إليه بوصفه لغة أو نصا محضا)، بل هي أخذت غالبا لبوس “النضال” الفكري ، أي العمل الملتزم على قضايا نحن نعي بأننا جزء لا يتجزأ من المشكل الذي نطرحه، وبالتالي كل تفكير فيها هو سلفا تورط شخصي في نوع من الطرح أو الحل المنشود لها. وهكذا ظل “المفكر” العربي المعاصر محروما وبشكل متعمد أو قسري أحيانا من صورة الفيلسوف الكوني الذي لا يخشى في العقل البشري لومة لائم…. هذا الوضع التأويلي الهش والمتباين من دون قدرة موجبة (ماعدا بعض الاستثناءات القليلة) على إنتاج التنوع والاختلاف الصحي بين العقول، لأنه عبارة عن استجابة لمطالب صلاحية كونية وليس مجرد تطمينات متعجلة لحاجات “الأمة” إلى أجوبة سريعة تحت ضغط الجوع الثقافي والسياسي العام، إلى علف ابستمولوجي مناسب، يساعد الناس على تحمل المصير وفهم ولو جزء من أجزاء الأزمة التي أثارتها تحديات الحداثة في كل المجالات)). (فتحي المسكيني، ص-ص 17-18)

 إن نص المسكيني، يكاد يعيد لذاكرتنا “مآزق الافلاطونية” المتورط فيها خطابنا الفلسفي خصوصا في الموسوعات الفلسفية التي جئنا على ذكرها وتحليلها أعلاه. ففي الوقت الذي كان فيه الشعار المسيطر على تلك الموسوعات هو: “لا يدخل الأكاديمية الفلسفية من لم يكن أفلاطونيا”، حاول المسكيني صياغة هذا الشعار/أو المقولة الفلسفية بقالب جديد، ليصبح فيه: “لا يدخل الاكاديمية الفلسفية من لم يكن تأويليا”. ففي خطابنا الفلسفي كل الطرق ومختلف الصيغ تؤدي إلى أفلاطون؟ ذلك لأن “التأويل” الذي يفترضه المسكيني، يخضع بسهولة لنفس مقاسات الفكر الافلاطوني/الكوني، على حساب تطمين حاجات الأمة؛ دون أن يتواصل بالضرورة مع الخطابات السوسيوثقافية؛ والسوسيوسياسية والسوسيودينية أيضا. إذ أن على كل مفكر عربي أن يُخضع رؤيته لمشكل الثقافة والتراث والإنسان “للتأويل الغربي بالمعنى الدقيق والارثوذكسي” وإلا فإن تأويله سيتحول بكل بساطة إلى “علف ابستمولوجي” –حسب تعبيره– طالما أن هذا التأويل هو مجرد استجابة بافلوفية – نسبة الى بافلوف–  لجوع سياسي وثقافي. وبهذه الطريقة، لن نكون أمام خطاب تأويلي وإنما أمام “خطاب تأثيمي” يحاول أن يعنّف أغلب مشاريع الثقافة العربية، لا لشيء، إلا لأنها حادت عن “تلمود التأويل المسكيني الديكارتي المركزي” الذي يفترض مقدما أن يكون التأويل مطابقا للمواصفات الغربية، أي أنه يجب أن يكون متعلقا بالمعنى وتجارب الذات ومتجاوزا الوقائع الخطابية والنصانية للذات المتكلمة في السياق والتاريخ؟

هكذا ينظر المسكيني إلى علاقة التأويل بالتراث والإنسان والثقافة من خلال رؤيته المحددة والارثوذكسية للمفكرين العرب الذين اتفقوا على أن قراءة التراث ليست مشكلا تأويليا – حسب المسكيني– وذلك لأن أدواتهم المستعانة في التأويل لم تكن تمت بأي صلة الى التقليد الهرمينوطيقي الغربي– حسب رأيه–. ولا نعرف من أين استقى المسكيني هذا الرأي؟ وهل أن فكرة الكونية التي ينادي بها الكاتب تتناسب أخلاقيا وقيميا وفلسفيا مع إقصاء رؤية الآخر وقراءته لتراثه وتحولاته السياسية والثقافية، بحجة أن هذه الرؤية لم تكن متطابقة مع التأويل الغربي؟

وأي قيمة يمكن أن تتبقى لمفهوم “الكونية/الافلاطونية” إذا ما كان هذا المفهوم يتأسس على سياسة الـ “ما ينبغي” الـ “ما يجب” ought to be والإلزام obligation. مثل هذه الكونية التي يبشر بها المسكيني في أغلب كتاباته الفلسفية، لابد وأنها ستمثل أحد أشكال الدعامة الأساسية للأفكار السلطوية والأيديولوجية المسيطرة والسائدة. ومن ثمة، سوف تتحول بالضرورة إلى عقيدة سلفية جديدة وممارسة أفلاطونية أخرى لا يمكن لها أن تعمل وتزدهر إلا في ظل سيادة أخلاقيات القسر والتسلط وإلغاء الآخر؟

واللافت في الأمر، أن المسكيني انشغل كثيرا في عرض ووصف خصائص الشكل الواحد/المثال الواحد/النفسه المفروض اعتماده في فلسفة التأويل، وانطلاقا من هذا البرادايم يؤسس احكامه وتقويمه لمفكري التراث والحداثة في الثقافة العربية.  وكان من باب أولى أن يوجه عنايته واهتمامه نحو لغة الباحثين والمشتغلين في الخطاب الفلسفي عامة، والمشتركين خاصة في (موسوعة الفلسفة العربية المعاصرة)، ليمكن للمتلقي ان يتعرف من خلال مقدمته على الكيفية المفاهيمية والمنهجية والبين-منهجية التي اعتمدها الباحثون في الموسوعة بهدف قراءة وتأويل تاريخ المفكرين العرب؟ وعن أي نوع من المناهج والدراسات الثقافية واللسانية كان قد وقع عليها اختيار الباحثين لكي تساعدهم في إعادة تقويم ونقد مفكري التراث العربي؟ وهل نجحوا في تأسيس خطابا تأويليا على مقاسات تأويل الفلسفة الغربية؟ وهل نجحوا كذلك في تخليص التأويل من شوائب الوجود اليومي وأوهامه السياسية والأيديولوجية؟ وهل عملوا أيضا على إعادة قراءة تاريخ الذات العربية من خلال فينومينولوجيا الخبرة وانطولوجيا وتأويل المعنى؟ وهل نجح الباحثون كذلك في تفكيك مفهوم “الكونية الأكاديمية” وإعادة مساءلة بنيته السلطوية التي تمنحه حصانة أبدية من عدم الالتزام والمسؤولية سواء كانت أخلاقية أم ثقافية أم قانونية؟ وهل تصلح كتابات هؤلاء الباحثين المشتركبن في الموسوعة أنفسهم للتأسيس لكل من النقد الابستمولوجي والانطولوجي وتفكيك سلطة الأيديولوجيا/وايديولوجيا السلطة في الفلسفة والثقافة والسياسة؟ وإذا لم ينجح الباحثون في تحقيق كل تلك الافتراضات المذكورة سلفا، تُرى ألا يمكن لنا حينها أن نُطلق على كتاباتهم حسب تعبير المسكيني بـ “علف ابستمولوجي” بوصفها خير معبر عن فكرة الاستجابة لمطالب وحاجات أكاديمية سريعة تعكس نضالات النخب المسيطرة في الحفاظ على امتيازاتهم الأكاديمية والطبقية؟

إن ما يدعو حقا للدهشة والتساؤل والتعجب والاستغراب، أن الدكتور فتحي المسكيني هو من أقدر المشتغلين في الفلسفة على فهم تاريخ وجينالوجيا التأويل في الفكرين العربي والغربي، ولم نكن ننتظر ولم نتوقع منه أن يضع لنا مثل هذه المقدمة المبتسرة والمشوشة مفاهيمياً واصطلاحياً لهذا العمل الموسوعي الكبير (الذي لم يأت في مقدمته على ذكره أو على ذكر طبيعة البحوث المشتركة فيه) ؟! بل إننا لم نتمكن من معرفة رأيه ووجهة نظره النقدية الخاصة بكل ما كُتب وبُحث فيه في الموسوعة، فهل كانت رؤيته منسجمة مع طروحاتهم إلى حد كبير، لطالما كانت كتاباتهم لا تعبر عن حاجات نضالية وتطلعات سياسية وراديكالية قد تؤثر على مزاج التأويل الغربي وتزعزعه من عليائه؟

من هنا، كان علينا أن نتساءل في ظل سيطرة النزعة “الاكسيوماتية وتفرعاتها الافلاطونية”، حول ضرورة إعادة النظر بمفهوم القطيعة الابستمولوجية في التاريخ والفلسفة والثقافة والتراث بين المشرق والمغرب؟ فإذا كانت تلك النزعة هي المسيطرة في بنية الثقافتين المغربية والمشرقية، بل تكاد تشكل جوهر التراث العربي عامة والفلسفي خاصة. حتى ساد حالة من التماثل بين أغلب المشاريع الفكرية والفلسفية في المشرق والمغرب، ولم يقع هناك ثمة اختلاف وتمييز متفرد من حيث التنظير الوضعاني والطرح المعياري المنهجي والأسلوبي اللغوي واللساني، بل وفي شكل الكتابة السائد والمسيطر، مما أدى إلى إقصاء فلسفات الشكية والنسبية والتاريخية من قبل هذه المشاريع واعتمادها على الفلسفات الأفلاطونية والأرسطية والسقراطية التقليدية. ألا يدلل كل ذلك على استمرار وسيادة النزعة “الاكسيوماتية” في قراءة التراث العربي والعقلانية الفلسفية؟ وكيف يمكن لنا بعد ذلك، أن نقرأ مفهوم القطيعة الابستمولوجية التي جاء عليها المفكر المغربي الراحل محمد عابد الجابري نظريا وتنظيريا في كتابه “تطور الفكر الرياضي” وانتهى بها إشكالا وتطبيقا أيضا في “مشروع نقد العقل العربي”؟

إن ما نريد ان نخلص إليه هنا، هو أن فكرة العمل الفلسفي الموسوعي، يجب أن لا تتوقف عند حدود التأملات الميتافيزيقية للفلسفة والفيلسوف، بل ينبغي عليها الانتباه إلى واقع ازمة النص الفلسفي في النص الثقافي؛ وأزمة النص الثقافي في النص الفلسفي. فقد تحولت معظم الكتابات الفلسفية إلى “كتل لغوية مكدّسة ومترهلة” عوضا أن تعمل هذه الكتابات على تشكيل ما يعرف بـ “الكتلة التاريخية/الفلسفية الجديدة” التي ترمي إلى إعادة اللحمة بين كل من: الفلسفي/والثقافي؛ النظرية المجردة والممارسة التاريخية؛ المثال والواقع؛ التحليل المنطقي والتحليل الثقافي؛ النخبوي والشعبي؛ السيمانتيكي والبلاغي؛ التاريخ والخطاب؛ الأخلاق والمنطق والقانون وبين سلطة الثقافة وثقافة السلطة.

لهذا، فإن مفهوم “الكتلة التاريخية /الفلسفية” الذي عملنا/وما نزال نعمل على إيجاده وتشكله في بنية وارهن الكتابة الفلسفية خاصة والموسوعية عامة، يسعى إلى تجاوز وتقويض النزعة “الاكسيوماتية المقدسة” وبالتالي تحويل الخطاب الفلسفي إلى ممارسة براكسيولوجية praxeology ينشغل في إشكالية وتاريخية الفعل الإنساني والثقافي.

من هنا، يجب على الخطاب الفلسفي اليوم، أن يتجاوز لغة “الكليشيهات والشعارات الجاهزة” ويتجه نحو تحليل لغة القيم والأخلاق السائدة والمسيطرة، لأنها تشكل مرتكزا أساسيا لكل سيطرة شمولية ونخبوية مقبلة تحول دون تحرر الثقافة العربية لاسيما وهي تقبع ومنذ صدمتها بالآخر الغربي تحت سيطرة ما يعرف بـ “أخلاقيات الطوارئ المأزومة” التي ساهمت في تعزيز منطق التأخر والتأزم التاريخي وهذا المنطق تحديدا هو الذي يمثل البنية السايكولوجية لاشتغال الخطاب الفلسفي الراهن. من هنا، غلب على: ((شعور المشتغلين بالفلسفة في عالمنا العربي في بداية القرن الحالي أن اول ما نحتاج اليه لتحقيق النهضة التي نصبوا اليها هو الالتفات إلى تاريخنا لا لكي نعبده أو نقلده أو نحاول الرجوع اليه… بل لنقوم بتلك الثورة في فكرنا التاريخي، ثورة لطالما أقبلنا عليها في الميادين الاقتصادية والاجتماعية …ولكن ما زلنا نخاف منها في مجالنا التاريخي)) (بن مزيان بن شرقي، موسوعة الفلاسفة العرب المعاصرين الجزء الثاني، ص 6).

 

error: المحتوى محمي