من كالفين إلى الخلافة: حروب أوروبا الدينية والشرق الاوسط الحديث – جون اوين الرابع / ترجمة: لولوه الشدوخي

من كالفين إلى الخلافة: حروب أوروبا الدينية والشرق الاوسط الحديث – جون اوين الرابع / ترجمة: لولوه الشدوخي

 جون اوين الرابع

جون اوين الرابع،استاذ العلوم السياسية بجامعة فرجينيا

هذا المقال مقتبس من كتابه (مواجهة الاسلام السياسي: ست دروس من الماضي الغربي) 2015 – نسخة PDF


 

بعد مضي قرابة القرن من أول ظهور له في مصر، يعيد الاسلام السياسي تشكيل العالم الاسلامي.  ويسمى أيضا بالإسلاموية، وتعني هذه الايدلوجية النشطة أن أمة المليار مسلم القوية لن تصبح حرة وعظيمة إلا بالتقوى . أي أن يعيش المسلمين تحت حكم ولاية تطبق الشريعة أو القانون الاسلامي كما كان الحال في معظم التاريخ الاسلامي . قوبل الإسلاميون بالرفض طويلا من قبل المسلمين الذين يرفضون تطبيق الشريعة ومن غير المسلمين الذين يحاولون بالمسلمين رفضها. أشعلت هذه المصادمات – تارة بالعنف وتارة  بالرفق- الثورات في كل من مصر1952 وفي ايران 1979 وهجمات القاعدة 2001 والربيع العربي 2011 ثم صعود جماعات الاسلام الراديكالي كما في تنظيم الدولة المزعوم و المعروف بـ”داعش”.

ليس الاسلام كدين هو ما يولد الشقاق ، بل هو خلاف عميق بين المسلمين حول الدرجة التي يجب أن يشكل الاسلام فيها القوانين ومؤسسات المجتمع. أغلبية المسلمين – اسلاميين و غيرهم- ليسوا بالطبع جهاديين ولا ثوريين ، لكن التنافس المستمر بينهم حول أي نظام مجتمع هو الصالح قد فرقهم . لقد خلق عداوات شرسة تقاوم أي مقاربة. والمحصلة هي عقدة مستعصية من المشاكل يفاقم بعضها الآخر.

جاهد المثقفون وصناع القرار في الغرب طويلا لفهم طبيعة الصراع لكن حتى الان لم تفلح هذه الجهود كثيرا . على الرغم من أن خبراء في الفقه الاسلامي والدين والتاريخ قدموا دراسات ثرية حول الاسلاموية، إلا أنهم يميلون لاعتبارها حالة فريدة من نوعها. والذي يتناسونه هو أن الاسلاموية ليست اسلامية فقط ، ولكنها مذهبية أيضًا . ما يعني أنها أدليوجيا أو خطة لتنظيم الحياة العامة ، والتي يجب اخضاعها للتحليل كغيرها من الايديولوجيات الأخرى. لا يوجد جزء من العالم ولَد من المذاهب بقدر ما فعل الغرب نفسه، وللمساعدة في فهم واضح للشرق الاوسط المعاصر، من المفيد العودة لتاريخ الخاص بالغرب في صراع الأيديولوجيات.

         أجزاء من عالم الاسلام اليوم يشبه شبها لا يصدق الشمال الغربي من أوروبا قبل 450 عام مضت اثناء ما يسمى بالحروب الدينية. كما هو الحال اليوم، اندلعت موجة من انتفاضة دينية عبر مناطق واسعة أشعلت دولا عدة وتهدد بتحطيم المزيد. فقط في ستينات القرن السادس عشر الميلادية 1560، واجهت كلا من فرنسا وهولندا واسكتلندا ثورات قادها أنصار الفرع الجديد من البروتستانتية تدعى بالكالفينية. ولم تكن كالفينيتهم مشيخية أسقفية كما هي في القرن الواحد والعشرين أو التاسع عشر. الكالفينية أوائل العصر الحديث كما هي الكاثوليكية أو اللوثرية أو أي مذهب مسيحي آخر، أيدولوجية سياسية بقدر ما هو مذهب عقائدي. ظهرت هذه الحركة في وقت كانت أوروبا بصدد صياغة قانون اجتماعي- اقتصادي من قبل الكنيسة الرومانية الكاثوليكية ، فقدمت الكالفينية نفسها على أنها معارضة لهذا النظام . كان تبني هذه الأيديولوجيا التزاما سياسيا بقدر ما كان التزاما دينيا , لطالما كانت الحروب الدينية حروبا سياسية أيضا.

جاءت الثورات وسط صراع استمر 150 عاما حول أي شكل من المسيحية يجب أن تتبنى الدولة. واليوم للقصة وجه مألوف. بينما كان الأيديولوجيون يطمحون للنفوذ، تم قمع المعارضة بوحشية، واندلعت على التوالي المجازر الدينية، وتدخلت قوى خارجية لمصلحة الاحزاب المتنافسة. أدى هذا الاضطراب بالنهاية الى حرب الثلاثين عاما البائسة، والتي قتلت ربع سكان المانيا، مركز الامبراطورية الرومانية المقدسة آن ذاك. بعد انتهاء هذه الازمة، تبعتها معركتين فكريتين بين الملكية والدستورية في القرن الثامن عشر وبين الشيوعية والليبرالية في القرن العشرين.

         تقدم هذه الفترات الثلاث من الصراع الأيديولوجي الطويل- والتي كانت فيها دول أوروبا منقسمة حيال النظام الأفضل لتنظيم المجتمع- دروسا هامة في الحاضر. على مستوى بعيد أظهر تاريخ الغرب أن أزمة الشرعية الحالية في الشرق الاوسط ليست سابقة في خطورتها، كما أنه ليس واردا حلها بأي طريقة مباشرة.

اجتذب الاسلام السياسي- مثل كثير من الأيديولوجيات الصاعدة في الماضي- قوة جديدة من الصراع الإقليمي الذي ساعد على تذكيته وهو محكوم بالبقاء. أضف إلى أن هذا النوع من التنافس الأيديولوجي الدائر في الشرق الاوسط لا ينتهي غالبا على طريقة الرابح الأكبر، بل يحتدم حتى تتطور المذاهب المتنافسة أو تتقارب. يحدث هذا فقط إذا تورطت جهات خارجية وأعادت تشكيل النظام في المنطقة. هذه الدروس لا تقدم حلا سحريا لتحديات الشرق الاوسط اليوم ، ولكنها على الأقل تظهر أن مشاكل المنطقة ليست فريدة من نوعها، وأنه باستطاعة القادة والدول أن يخطوا خطوة باتجاه تحجيم العنف وخلق ظروف أكثر موائمة للازدهار البشري.

 

من كالفين في أوروبا إلى هوبز في الشرق الأوسط

كما جرت المقولة “التاريخ لا يعيد نفسه، لكنه يتشابه”. على الرغم من أن صعود الاسلام السياسي ظاهرة فريدة من نوعها ، إلا أن الطريق الذي سلكه والأزمات التي فجرها تحاكي أجزاء من تاريخ الغرب. ما بدى كتنافس بسيط بين الاسلام السياسي والعلمانية في العالم الإسلامي، تحول الى صراع معقد. والسؤال الاساسي هو ما هي أو لمن تكون السيادة في المجتمع؟ وكانت شرارة البدء عن مصدر و محتوى القانون. يصر الاسلاميون على أنها الشريعة , ما يعني أنها يجب أن تستمد من النص المقدس للإسلام : الوحي المباشر من الله لمحمد والتي تمثل القران مع أقوال الرسول (الحديث).بينما يرى العلمانيون أن القانون يجب أن يستمد من العقل البشري والتجربة الانسانية وليس من الاسلام . أما العلمانيون المعتدلون فيرون أنه ليس من الاسلام وحده تستمد القوانين.

جاءت العلمانية للشرق الاوسط مع الاستعمار الأوروبي. تبنت كثير من النخب المسلمةُ العلمانيةَ بعد الاستقلال فقط لأن الدول المتقدمة الأوروبية قد تفوقت على الامبراطورية العثمانية وأذلتها ، والتي تعتبر هي الخلافة أو النظام الاسلامي السائد. لكن العلمانية قوبلت بالرفض: إنها الاسلاموية .على أن الاسلاميين يقدمون أيديولوجيتهم على أنها ليست بمذهب ، بل هي ببساطة الاسلام (الدين الذي جاء به الرسول ) ،   و لطريقة معتقداتهم أصول أكثر حداثة. في الربع الثاني من القرن العشرين نمت قناعة لدى الاسلاميين الاوائل أنه من الصعب العيش كمسلم تقي تحت حكم نظام علماني، وبدأوا بتنظيم حركات مقاومة.

في خمسينيات القرن العشرين ، أصبح الاسلاميون اكثر تطرفا و بدأوا  دعوات إلى العودة إلى دولة تطبق الشريعة. كانت اليد العليا للعلمانيين حتى الستينات ، لكن الأحداث الهامة في العقود التالية كهزيمة مصر العلمانية  ضد اسرائيل عام 1967 والثورة الاسلامية في ايران 1979 بالإضافة الى حرب الخليج 1990-1991 قد حولت الزخم لصالح الإسلام السياسي. من ناحية اذن انتصر الاسلام السياسي .على الرغم من أن المسلمين المعاصرين ليسوا علمانيين أو اسلاميين بشكل صرف , إلا أن متوسط عدد المسلمين في الشرق الاوسط و شمال أفريقيا يرجح الاسلاميين . أجرى مركز بيو للأبحاث استطلاعا للرأي عام 2013 أظهر أن الغالبية العظمى في مصر و العراق و الاردن و المغرب و الأراضي الفلسطينية  يأملون أن تكون الشريعة قانونا للبلاد. وفي 2012 أظهر استطلاع جالوب أنه في خمس دول في المنطقة – مصر و ليبيا و سوريا و تونس واليمن _ النساء والرجال يفضلون تطبيق الشريعة بنفس القدر. على الرغم من وجود انقسامات داخلية متواصلة  في البيت الاسلاموي – حول دور الدين في الحياة العامة ودور رجال الدين في الدولة –  فمثلاً حتى القادة العلمانيين اليوم يتبنون بعض عناصر الاسلام السياسي .

         وبالرغم من هذه النجاحات مازال الاسلام السياسي يواجه تحديات حول قدرته على البقاء.  المراقبون الخارجيون قد تجاهلوه مبكرا حيث انه كفكرة  يعتبر خارج خطى الحداثة . أما حديثا فصار الخبراء يطمئنون بعضهم بعضا بأن العنف المتنامي في الشرق الاوسط – مثل ارهاب الانتحار وقطع الرؤوس الممارس من قبل الجماعات الجهادية كداعش – أنها علامات على تحركات يائسة في رمقها الاخير.

         وإن كان لتاريخ أوروبا في الصراع الأيديولوجي من شأنه أن يقدم أي درس جوهري للشرق الاوسط فهو كالآتي: أن لا تستهينوا بالاسلاموية. إن تاريخ أوروبا في الحروب الدينية يوضح لماذا الاستهانة بالأيديولوجيات التي عفا عليها الزمن يعد أمراً خطيراً للغاية. في مراحل كثيرة خلال تلك الحروب ، بدا أن المنطق والتقدم ترسم حدا للعداوات ، بينما كان التنافس بين البروتستانتية  والكاثوليكية  يلقي بظلاله على السكان والاقتصاد . في مراحل عدة – شملت عام 1555 عندما أقر الولاة الألمان حق تقرير المصير الديني وفي 1590 عندما انتهت الحروب الدينية الفرنسية ، وعندما ضمنت الجمهورية البروتستانتية الهولندية استقلالها عن مملكة اسبانيا الكاثوليكية – بدا وكأن الازمة قد انتهت . بدأ الأمراء و النبلاء و المستشارون و رعاياهم يستقرون إلى سلام فعلي. و بدأت العقلية السياسية النفعية تسود مجدداً . حاملةً معها آمالا بأوروبا جديدة تعتني فيها الدول بمصالحها المادية وليست المذهبية.

         لكن أوروبا لم تنتهي بعد من العنف الأيديولوجي، ذلك لأن أزمة الشرعية والتي تغذي هذا العنف لم تحل بعد. ضل كثير من الأوروبيين مؤمنين أن الاستقرار السياسي يحتاج إلى اتحاد مذهبي . و ما داموا على اعتقادهم هذا ، كانت أدنى شرارة تعيد استقطابهم الى جماعات راديكالية متعارضة . وهذا ما حصل بالضبط عندما زجت الثورة البروتستانتية في بوهيميا بأوروبا في حرب الثلاثين عاما سنة 1618 .إلى أن فصل  الأوروبيون الاسئلة السياسية عن تلك الدينية نهاية القرن. عندها فقَدَ الدوغمائيون المتدينون سلطتهم الحارقة.

      نوع آخر من الاستهانة بالأيديولوجيات حدثت في فترة حديثة نسبيا، خلال التنافس العالمي بين الشيوعية والليبرالية   في القرن العشرين. عام 1913 اقنعت متاعب الكساد العظيم كثيرا من القادة المثقفين في الغرب بفكرة ان الديمقراطية الليبرالية قد تجاوزها الزمن. لفترة وجيزة بدت الدول المركزية ذات الأنظمة القسرية أكثر تسلحا للتعامل مع التحديات الاقتصادية والاجتماعية الجديدة ، مما حدى ببعض المفكرين لتبني الشيوعية. القليل منهم زار الاتحاد السوفيتي وعبر عن اعجابه صراحة. تحت حكم جوزيف ستالين كانت الصناعة تسير على قدم وساق ولم يلجأ العمال للإضراب أبدا .هذا الشعور نرصده في جملة الصحفي الامريكي لينكون ستيفينز عندما قال ” لقد اطلعت على المستقبل ، وأراها  فكرة ناجحة” يقصد الشيوعية ، بالنهاية طبعا انتعشت الديمقراطية الليبرالية وانتصرت.

         ليست الفكرة هنا أن الاسلاموية بالضرورة سوف تنتصر في الشرق الاوسط لكن حتى الاذكياء من الناس يستخفون بجدوى الانظمة السياسية البديلة. والنتائج بالفعل مؤلمة أحيانا ..

         سر من أسرار بقاء الاسلام السياسي طويلا أن غير المنتمين للتنظيم قد استخفوا به كثيرا، التاريخ يخبرنا أيضا أن حياة أي أيديولوجية قد تمتد إذا توافر لها دول ترعاها. كما حدث مع الديموقراطية الليبرالية عام1930 و كما يحدث اليوم مع الإسلاموية. و بعيدا عن كونها انحرفت عن مسارها ، الا أن الاسلاموية قد تتنفس الصعداء.

 

باسم الإله

 إن الاسلام السياسي كغيره من الأيديولوجيات المتنافسة في القدم ليس على نسق واحد . رغم اشتراك الاسلاميين في تفانيهم للشريعة , إلا انهم على مشارب عدة : السنة والشيعة ,المتطرفون والمعتدلون, القوميون والعالميون. هذا النوع من التباين أدى لمناظرة في الغرب : هل يجب على الولايات المتحدة وحلفاؤها احتواء الاسلاميين الواقعيين المعتدلين في المناطق التي تنافس  فيها أمريكا حركات اكثر تطرفا ؟ الذين يقولون لا يتصورون ان الاسلاموية حركة موحدة بكرهها للغرب. والذين يقولون نعم يصورون الاسلام السياسي على انه منقسم من الداخل. هذا الجدل ليس بالجديد أبدا . فالمعارضون لأيديولوجية ما غالبا ما يحاولون توظيف الانشقاقات الأيدولوجية لصالحهم . عبر التاريخ في الغرب , حاولت القوى الخارجية باستمرار استخدام تكتيكات من قبيل فرق تسد  وقد أعطت نتائج متضاربة  ,  وأحيانا  تنتهي هذه الجهود بنتائج عكسية.

       عودا على الحروب الدينية مرة أخرى , أدى الصراع الطويل الى تشرذم الأيديولوجيات الأوروبية المهيمنة فبقيت بعض النسخ المتطورة منها لتحارب النسخ الأصلية .بدأت البروتستانتية بما يعرف باللوثرية ثم سرعان ما تطورت إلى الزوينكالنية )   (zwinglianismفي سويسرا , و إلى مذهب تجديد العماد (Anabaptism)في ألمانيا  هذا قبل أن تزدهر النسخة الكالفينية في فرنسا والانجيليكان في انجلترا. كان اللوثريون و الكالفينيون يتنافسون غالبا على النفوذ وهم أسوء عدو لبعضهما البعض من أي مجموعة كاثوليكية أخرى . لقد عملت سلالة هاسبورغ الحاكمة الكاثوليكية بكل جد على تعزيز هذه الانقسامات لكنها بالنهاية فشلت هذه الاستراتيجية  في إضعاف الكالفنيين أو حتى منعهم من تشكيل جبهة موحدة مع اللوثريين في حرب الثلاثين عام.

     إن حيلة القوى الخارجية هذه هي من أجل التأكد أي من المؤدلجين ميالا ضد الراديكالية , و بالتالي معرفة كيف يكون تمكينهم , من الممكن عمل ذلك بكل نجاح. فبعد الحرب العالمية الثانية, بُذلت جهودٌ في سبيل الحد من النفوذ السوفييتي في أوروبا. أبدى الرئيس الامريكي هاري ترومان براعة في تحديد أي من الاحزاب اليسارية غرب أوروبا ممكن أن تصبح حليفة للولايات المتحدة. وخلص إلى إن الشيوعيين والاشتراكيين في ايطاليا متجانسين . وهم متحدون في دعم السوفييت ومعارضة خطة مارشال التي تدعهما الولايات المتحدة. دعم ترومان بالمقابل المسيحيين الديمقراطيين وساعدهم في الفوز بالانتخابات الحاسمة عام 1948. بينما في فرنسا, اعترف ترومان بالاشتراكيين المناهضين للشيوعية وأبرم اتفاقا معهم بأن يسمح لفرنسا أن تكون شريكا حقيقيا للولايات المتحدة و إن كان شريكا مشاكساَ.

     هذه التدخلات السرية والعلنية من قبل قوى خارجية , هي سمة لازمة لمشكلة الشرعية إذا امتدت لفترات طويلة . وهذه الصدام بين العلمانية و الاسلاموية هو السباق الاخير والذي اقحمت فيه مجموعة من الاطراف الخارجية الفاعلة نفسها في شؤون داخلية لدول أخرى سواءاَ  كان ذلك العمل من تحت الطاولة أم بالتدخل العسكري.

     انتقد البعض كثيرا من هذه التدخلات الخارجية. وجادل النقاد حول الحملات الامريكية على أفغانستان والعراق ثم مؤخرا ليبيا بأنها تمثل حملات صليبية غير عقلانية و تخلو من الحنكة السياسية. الا أنه واقعيا  يعد  استخدام القوى العظمى للقوة من أجل تثبيت نظام أو تغييره أمرا طبيعيا . و ليست التدخلات الخارجية إضافة حمقاء أو بعيدة يمكن تجنبها  في الصراعات الأيدولوجية بل هي جزء لا يتجزأ منها. هناك اكثر من مائتين تدخل جرى خلال الخمس مائة عام الماضية غالبيتها العظمى حدثت اثناء أزمات الشرعية عمت مناطق كالتي تضرب الشرق الاوسط اليوم.

    إن الانقسامات العميقة نتيجة هذا النوع من الصراعات تفسر لماذا التدخل هو أمر شائع ! غالبا ما يعمق الصراع الأيديولوجي الانشقاق الاجتماعي بشدة . لدرجة أن الناس يصبحون أكثر ولاءاَ للأجنبي الذي يشاركهم مبادئهم من بني جلدتهم اللذين لا يتفقون معهم . تجنح هذه الإعتراكات بالبلاد والعباد  الى العداوات والصداقات مع ممثلين خارجيين خاصة من ذوي النفوذ ليمنحوهم ومعارضيهم اليد العليا .  بالمقابل يرى الممثلون الخارجيون فيما يجري فرصا لتكوين صداقات جديدة أو منع ظهور أعداء جدد.

    لا تحتاج القوى المتدخلة أن يكون لها مصالح دينية في الصراع، يكفي أن تكون المصلحة مادية. أحيانا أخرى , تجتمع الحسابات الأيدولوجية مع المادية ليحدث تدخلا. على سبيل المثال، خلال ثورات الربيع العربي في عام 2011، أرسلت المملكة العربية السعودية ذات الغالبية السنية قوات الى البحرين لوقف التمرد الشيعي وبالتالي احتواء الامرين تمدد الاسلام الشيعي و نفوذ ايران ذات الغالبية الشيعية .بعدها بقليل تدخلت ايران في سوريا لدعم نظام الاسد ضد المتمردين السنة واللذين يحتمل أن يتحالفوا مع السعودية فيما لو انتصروا. تطورات كهذه صعدت المخاوف بأن منطقة الشرق الاوسط سوف تشهد بازدياد دولا متهورة منطلقة من أيديولوجيات عازمة على تغيير النظام الاقليمي . بعض المراقبين قلقين فيما لو مثلا حازت ايران على اسلحة نووية أنها لربما تستعملها في زعزعة التوازن في الشرق الاوسط أو حتى تحرض على نهاية العالم.

     لا يقدم التاريخ حكما مبسطا عن مثل هذه المخاوف، لكنه يظهر لنا أنه من الممكن أن تكون الدولة عقلانية وأيديولوجية في آن معا. ربما كانت للنظام الذي يحكمه قادة مؤدلجون غاياتٍ إيديولوجية. كالتغيير التعسفي لنظام الاقليمي . ولتحقيق هذه الغايات ربما وظفت طرقا عقلانية . كالانسحاب مثلا عندما يصبح العدوان مكلفا جدا . لكنها أحيانا تتصرف بطريقة تناقض منطق المصالح والمفاسد في أعراف الجغرافية السياسية..

      إمارة ألمانية رائدة تعرف بالبلاطينية خلال الحروب الدينية  تصرفت يمثل هذه الحالتين: حكام تلك المقاطعة كانوا محاربين كالفينيين ممن جاهدوا لإنهاء الهيمنة الكاثوليكية في الامبراطورية الرومانية المقدسة وكافة اوروبا . وقد حاولوا مرارا وتكرارا سن تحالفات مع البروتستانت ضد القوة الكاثوليكية  , قاموا بإرسال قوات عدة مرات للكالفينيين بفرنسا وهولندا لدعمهم  في معظم القرن السادس عشر. اشتملت حساباتهم بطريقة ما على خليط من الأيدولوجية والعقلانية ، فقد انسحبوا عندما واجهوا مقاومة كافية من قبل هاسبورغ العظمى و عدم اكتراث من قبل الاتباع البروتستانتيين . لكن الكالفينيين انشقوا بعد ذلك في بوهيميا (من رعايا الامبراطورية يحكمها الكاثوليك) ثم استدعوا الحاكم البلاط فريدريك الخامس لمواجهة هاسبورغ و أن ينصب ملكا عليهم. قبل فريدريك بذلك عام 1619 , وادعى تبعية بوهيميا لنفسه بالرغم من المخاطرة الحقيقية من ردة فعل هاسبورغ, و حقيقة أن أكثر الاوروبيين البروتستانت رفضوا دعمه علنا .بالطبع سحقت هاسبورغ جيش فريدريك  و ذهبوا لتدمير البلاط و قمع البروتستانتية هناك .وكانت تلك التحركات ما أشعل فتيل حرب الثلاثين عاما.

 

البقاء للأقوى 

        مثل كثير من الصراعات الفكرية الممتدة زمنا ونطاقا ذلك التنافس بين الاسلاموية والعلمانية سينتهي يوما ما . متى سيحدث هذا وماهي الامكانيات المتوفرة للديموقراطية في الشرق الاوسط؟ كلاهما سؤالان مطروحان.

يظهر تاريخ الغرب أن أزمة الشرعية عادة ما تحل نفسها بواحدة من ثلاث طرق: انتصار حاسم من جانب واحد أو تسامي الأطراف المتنازعة فوق الصراع أو ظهور نظام هجين يجمع بين المذاهب المتنافسة وهو ما يبدو مستحيلا ..واليوم الانتصار الحاسم لاتجاه واحد يبدو غير وارد , اذا علمنا ان الاسلاموية بعيدة عن التجانس , فانتصار التيار الاسلامي لن يحسم مسألة أي تيار من الاسلاموية سيهيمن ( السنة-الشيعة ام الوسطي – المتطرف ام الملكي- الجمهوري) لكن الاحتمالان الآخران يبدوان واردان.

       على الرغم أنه من الصعب ربما أن نتخيل الشرق الاوسط متجاوزا لأزمة الشرعية الحالية, الا أن واحدة من أزمات الغرب في الماضي انتهت بهذه الطريقة. أوروبا العصور الوسطى  في نهاية المطاف قد تغلبت على صراعاتها الدينية بإيجاد نوع جديد من الأنظمة التي صيرت الاختلافات الأيدولوجية العتيقة  إلى أمر لا ضرورة له. بقي الكاثوليك والبروتستانت مخلصون لمعتقداتهم, لكنهم توقفوا عن التفكير بطريقة المحصلة الصفرية, وشيئا فشيئا تبنوا الفصل بين الدين والدولة.  و للتوصل الى نتائج مماثلة في الشرق الاوسط يتوجب على المسلمين سوآءا من النخب أو من عامة الناس التوقف عن النظر الى مسألة  تأثير الاسلام على القوانين والنظام العام  على أنها مسألة حياة أو موت. ولكن بالنظر إلى هذا الانقسام السائد اليوم فان توقع تجاوز هذا يبدو بعيد المنال.

      بالمقابل، يمكن للأيديولوجيات المتنافسة أن تتقارب. ويتبنى كل واحد منها مؤسسات و ممارسات بعضها الآخر. لقد شهدت أوروبا هذا التطور أيضا. فخلال الفترة بين عقدي سبعينيات القرن الثامن عشر وخمسينيات القرن التاسع عشر انقسمت القارة بين أنصار نظام الحكم الملكي، الذين كانوا يؤمنون بأن الحكم يجب أن يكون وراثياً، والجمهوريين الذين أرادوا أن يكون الحكم بالانتخاب. في البداية  اتضح أن كلا الطرحين يقصي الآخر. سحقت الأنظمة الملكية الثورات الجمهورية أكثر من مرة. لكن بعد فترة من القمع , عقد ملوك أوروبا صفقة مع الطبقات الوسطى . وعلى خطى المملكة المتحدة وعدد من الدول النمسا وفرنسا وايطاليا وبروسيا شيدوا نظاما جديدا للحكم. يسمى أحيانا بـ “الليبرالية المحافظة” وهو نظام يقيد النظام الملكي بالقيود البرلمانية ويتيح مزيد من الحريات المدنية.

تشير هذه القصة الى درس تاريخي نهائي: النجاح الكامل للأيديولوجية ما أو أي مزيج من أيديولوجيات متعددة يعتمد ما اذا كان للدولة قادة أقوياء . جزءا من انتصار الليبرالية المحافظة في الغرب كان بسبب النجاح الذي مثلته المملكة المتحدة البريطانية خير تمثيل .كانت المملكة المتحدة لزمن طويل تتمتع بنظام هجين نظام ملكي دستوري يخلط التقاليد مع الاصلاح . كانت المملكة المتحدة بلا شك أقوى بلد في ذلك الزمان حيث كانت تملك أكبر اقتصاد، كما كانت تملك إمبراطورية لا تغرب عنها الشمس، ونظام اجتماعي مستقر لافت .وكان هذا هو السبب في إلهام هذا النظام الهجين لجيرانه  في المنطقة  , لفاعليته , لقد ثبت بأنه نظام ناجح.

و في العالم الاسلامي , ظهر مؤخرا نظام مركب مختلف ويحمل بعض علامات من قوة. يسمى هذا النظام المركب بالإسلام الديموقراطي . بالرغم من اعتقاد بعض الفقهاء بأن الديمقراطية والاسلام لا يتفقان أصلا , ذهب بعض الاسلاميين والديمقراطيين لمحاولة ربط هذين المذهبين نظريا وعمليا . ففي الفترة بين عامي 2011-2013، على سبيل المثال،  جاهد حزب الحرية العدالة في مصر (الجناح السياسي لجماعة الإخوان المسلمين) كثيراً لتقديم نفسه كقوة معتدلة من خلال قبول التعددية الدينية والعقائدية،  بالنهاية لم تفلح الجهود  , فقد استأثر الرئيس محمد مرسي بالسلطة ثم أطاح به الجيش المصري . منذ ذلك الحين بدا وكأن مصر قد هجرت الديمقراطية تماما , الا أن لهذا البلد الحجم والتأثير ليصبح بلدا نموذجيا لو أنه أعاد التجربة من جديد.

       في هذه الاثناء , ظهرت محاولة أكثر نجاحا للجمع بين الديمقراطية و الاسلاموية , قادها حزب النهضة في تونس عندما أجرى انتخابات ديمقراطية عام2014 بالرغم من تبنيها الاسلام السياسي علنا. تعتبر تونس أصغر من أن تكون دولة نموذجية ,لكنها تمثل أنصع موضع في الربيع العربي , لقد أظهرت على الاقل ما هو ممكن.

       هناك الكثير من الأمور تعتمد على الخيارات السياسية لأقوى دولتين من ذات الغالبية المسلمة في المنطقة: إيران وتركيا ورغم أن كلا الدولتين غير عربيتين الا أن كلتيهما لها تاريخ طويل في النفوذ في المنطقة . تجسد ايران الاسلاموية , فلقد نصبت نفسها كحامل للواء هذ الفكر في ثورتها عام 1979 . ومع أن الدولة تعتبر جمهورية لديها انتخابات شبه تنافسية , الا أن السلطة العليا بيد آية الله علي خامنئي. فاحتمالات نجاح إيران كدولة نموذجية ضعفت كثيراً خلال الربيع العربي وتداعياته، بسبب دعم طهران غير المحدود لنظام الأسد في سوريا، وهو ما تسبب في عزلتها عن الغالبية العظمى من العرب السنة. أضف الى أن النظام صار يبدو أكثر هشاشة منذ الانتخابات المشبوهة التي جرت عام 2009. الامر الذي يدعو للشك  بأن جيرانها سيحذون حذوها . و مادامت ايران هي النموذج للإسلام السياسي, فإن الإسلام السياسي في مأزق .

      قد تكون تركيا قصة مختلفة. فبالرغم من أن البلاد تعتبر جمهورية علمانية ، الا أنها بدأت تنجرف باتجاه الاسلاموية. ففي السنوات الثلاث الماضية , بدت تركيا وكأنها تتجه لتصبح نموذجا جديدا مركبا لديمقراطية إسلامية. عززت الانتخابات التنافسية من حكم حزب العدالة والتنمية بقيادة رجب طيب أردوغان , الحزب الذي نصب نفسه بأنه طليعة الديموقراطية الاسلامية ( حتى وان كان يفضل تسمية هذا النمط من الحكم بالمحافظ اكثر منه بالإسلامي). لقد تمتع البلد بشعبية جارفة من الجمهور منذ بدايات الربيع العربي و مازال يتسع هذا التأثير حتى الان. لكن عندما يتعلق الامر بـنظام “الديمقراطية الاسلامية” المركب , ممكن القول بأنه قد خبا بريقه . ذلك لأن اردوغان بدأ بتبني نموذج نوعا ما استبدادي في الحكم. ربما تصبح تركيا قادرة على تجسيد نظام هجين ، لكن ذلك العنصر الديموقراطي  المركب قد تم استبداله الآن بأوتوقراطية من الطراز القديم.

 

لماذا يقاتلون؟

كما هو الحال مع كثير من الأيديولوجيات المتصارعة من ذي قبل، فقد قادت الأزمة في الشرق الأوسط المراقبين إلى التساؤل عما اذا كانت الأيديولوجيات بالفعل هي السبب الجذري للأزمة ؟ نقاد كثر تتبعوا الصراع وعللوه بشيء آخر تماما: إنها الإمبريالية الغربية ، كانت أوروبية في السابق و هي اليوم أمريكية  .لقد أذلت المسلمين و حدت كثيرا من مقدرتهم على تقرير مستقبلهم على مستوى الأفراد و الجماعات. من هذا المنطلق، فإن الوجود العسكري للولايات المتحدة في المنطقة ودعمها لإسرائيل هو المسؤول عن العنف المتزايد. لكن جدلا من هذا النوع يتجاهل حقيقة أساسية وهي أن العالم مليء بالأشخاص والمجتمعات العاجزة المحطمة ، و الهيمنة الامريكية هي عالمية تقريبا. لكن عقدة المشكلات الغريبة المثيرة  للاضطرابات في الشرق الأوسط ومسلسل القمع والإرهاب والوحشية و استجلاب التدخلات الخارجية المتكررة بالكاد يمكن أن يوجد في أي مكان آخر.

البعض الآخر يلقي باللائمة على الفقر. فلو كان للمسلمين مزيدا من ثروة أو فرص فإن الأزمة سوف تنحسر. لكن هذه الحجة داحضة أيضا إذا ما قارننا عديد من المجتمعات الفقيرة في العالم بدول الشرق الاوسط نجد أن تلك المجتمعات الفقيرة استطاعت تجنب الفوضى. لو كان الفقر هو العامل الأهم إذن فأفريقيا جنوب الصحراء الكبرى كانت ستشهد المزيد من الأعمال الإرهابية، والموجات الثورية، والتدخلات الأجنبية . وهكذا فإن الأدلة تعطي استنتاجا مختلفا: على الرغم من اعتبار الفقر والعجز عوامل مهمة لتفسير الخلل الذي الحاصل في الشرق الاوسط ، إلا أنه لا بد من أن نربط الأمر بأزمة الشرعية الممتدة في المنطقة .

         المبهج في الأمر أن الولايات المتحدة قد تشجع مباحثات أكثر استقرارا على المدى البعيد عن طريق دعم الدول والأحزاب التي تمثل نظام حكومة معتدل حتى و ان فشل هذا النظام أن يكون علمانيا خالصا.

أما السيء في الأمر أن هذا أقصى ما يمكن أن نتأمله, حتى القوة العظمى للولايات المتحدة لا تستطيع حل كل مشاكل المنطقة , فكل الأطراف سوف تعتبره بلا شك تدخلا متحيزا. يجب أن تحمي أمريكا مصالحها بالطبع وهذه مهمة تتطلب القوة أحيانا . لكن حتى الامبراطورية العثمانية القوة العظمى للمسلمين آن ذاك لم تتمكن من حل  النزاع بين المسيحيين زمن الحروب الدينية إبان القرن السادس عشر. لا يوجد فاعل خارجي يستطيع تهدئة الوضع في الشرق الاوسط. المسلمون وحدهم قادرون بأنفسهم على إنهاء حروبهم المذهبية.

 

المصدر

 

error: المحتوى محمي