من قتل جونبينيه؟ – ستيفين دايمون / ترجمة: رهام الجارالله

من قتل جونبينيه؟ – ستيفين دايمون / ترجمة: رهام الجارالله

ستيفين دايمون

د. ستيفين دايمون


لا يزال المقتل الغريب لجونبينيه ذات الستة أعوام سابقاً في سنة 1996 لغزًا كبيرًا لم يحل حتى اليوم. كيف يمكن لعلم النفس المساهمة أخيراً في حل هذه القضية القديمة جداً الآن؟ لنأخذ نظرة دقيقة على ما حدث سابقاً في ليلة الكريسماس المثلجة والمصيرية في منزل آل رامزي، محاولة للتوضيح بشكل أدق لماذا بدت جونبينيه الصغيرة مقتولة بوحشية ومن قد حرض لإرتكاب ذلك الفعل الشرير. على مسار المنشورات العديدة القادمة، سوف نقوم معاً بفحص التاريخ المفصل عن قرب لهذه القضية من منظور علم النفس الشرعي.

قبل المتابعة، يجب من العدل أن نبين بشكل صريح أنه لم يتم توجيه تهم رسمية ضد آل رامزي. جون، وباتسي، وبورك رامزي لطالما أعلنوا بشكل قوي برائتهم وأنكروا تورطهم في مقتل جونبينيه. في الحقيقة، في عام 2008، بناءً على نتائج أحدث اختبار “أثر”، تم تبرئة عائلة آل رامزي بشكل رسمي وعلني من قبل وكيل نيابة بولدر ماري لاسي آن ذاك من أي تورط أو مخالفة في مقتل جونبينيه، وفق لاسي، تم الإستناد أساساً على اكتشاف حمض نووي لذكر مجهول على مواد رئيسية لملابس نوم جونبينيه. بعض المحققين تنازعوا بشدة على هذه الإكتشافات العلمية بأنها غير حاسمة، واعتبروا أن رسالة إعتذارها للتبرئة غير ملائمة و “ليست ملزمة قانونياً”.  ويبدو أن ليس هنالك أي مشتبه بهم آخرين حتى هذه النقطة، وحسبما ذكر تم التحقيق مع ما يقارب 200 شخص وأخلي سبيلهم. (بما يتعلق بهذا هنالك بعض التشابه لقضية أخرى شائنه، الجرائم الدموية لنيكول براون سيمبسون ورون قولدمان في 1989، حيث تم تبرئة أو جي سيمبسون من قبل المحاكمة الجنائية لكن لازال الكثير يعتقدون، ومن ضمنهم هيئة محلفين في قضية مدنية تابعة، بأنه المسؤول.) قضية جونبينيه لا تزال مجمدة كالصخر. وتبدو كالجريمة المثالية. فماذا نعرف نحن، بعد مرور عشرين سنة، بما يتعلق بالهوية والحافز المحتمل لمرتكبي هذا الفعل الشرير المروع؟

أول ما نريد فعله هو إبعاد أي إفتراضات، أو معارف مسبقة، أو تحيزات، لكي نتعامل مع القضية لنفترض بوعي موقفاً لهذه الظاهرة، وذلك يعني ببساطة إعادة فحصها بدون معرفة سابقة أو إفتراض أو أخذ نظرة ساذجة وجديدة عمداً، والنظر إليها بأعين نزيهه وحديثة ومحررة. هذا شيء لطالما حاولت فعله عند إجراء تقييمات الطب الشرعي للمدعى عليهم من أجل المحكمة الجنائية في كاليفورنيا. هذا يعني وضع ما نحن نعرفه أو ما نظن أننا نعرفه على الأقل، عن المدعى عليه، أو على سبيل المثال، هذه القضية الجنائية البارزة، جانباَ لمدة مؤقتة، والنظر في ضوء الحقائق المتاحة حالياً.

كل ما نعرفه حقاً أن طفلة شقراء جميلة، انشهرت محلياً لمنافستها الحماسية في بعض مسابقات جمال الأطفال، عثر عليها ميتة في قبو منزل عائلتها الفاخر. بدأ عليها أنه تم تعذبيها بسادية من قبل مرتكبي الجريمة، وربما تعرضت للإعتداء الجنسي، ومن ثم قتلت. وقت وفاتها الحقيقي غير معروف، ولا حتى أسباب الإصابات التي أدت إلى وفاتها، وذلك يتضمن كسر جمجمة خطير بحجم ثمانية بوصات وتضييق حبل حول عنقها أدى إلى الشنق والإختناق السبب الرئيسي لوفاتها. بالإضافة إلى شيئان لم يتم تفسيرهمها حتى الآن، وهما بقعتان مختلفتين بلون غامق على جسدها وبعض المحققين يعتقدون أن السبب خلفهمها هو مسدس صاعق.

على مايبدو الرباط الذي عقد بسرعة بشكل ضيق حول عنقها كان مكون من قطع منسوجة من الحبل الأبيض، يبدو مشابه لحبل حذاء رياضي، معلق بقطعة خشب قديم بطول 6 بوصة تقريبا، حيث عندما يقلب أو يلف يضيق الخناق الذي تسبب بإختناقها. يدا جونبينيه كانت مقيدتان بإحكام خلف رأسها، وقطعة من شريط لاصق أسود كانت تغطي فمها، على حسب ما قاله والدها.

في الواقع، جسد جونبينيه البارد والخالي من الحياة، حسبما قيل وجد صلب متخشب -يشير إلى انها متوفاه على الأقل لأربع ساعات أو أكثر-ذكر المصدر ان والدها عثر عليها في قبو مخفي خاص بالنبيذ في البيت الواسع خلال نهاية صباح أو بداية ظهيرة السادس والعشرين من ديسمبر. ذكر جون رامزي انه بعد البحث في المنزل للمره الثانية والعثور على جثتها على أرضية القبو مغطاة ببطانية قام فورا بإزالة الشريط اللاصق من على فمها وحاول محاولة فاشلة لنزع القيد عن يديها قبل حملها على ذراعيه إلى الطابق العلوي. حسب مختبر الشرطة، الحمض النووي للذكر المجهول وجد على قطعتين مختلفتين لملابس جونبينيه. على حسب تقارير الأخبار، كان هنالك بعض الأدلة الفسيولوجية تم اكتشافها خلال تشريح الجثة دلت الفاحصون على وجود إعتداء جنسي: تحديدا، دليل جرح مهبلي وقد تكون تعرضت لجسم غريب، على الرغم من تلك النتائج فإنها لا تزال خاضعة للتفسير. شيء واحد أكيد ولا جدال فيه: جونبينيه لم تمت لأسباب طبيعية. إما تعرضت للتعذيب والقتل عمدا أو كانت ضحية مأساوية لوفاة عرضية وتم تغطيتها، اشتبهت شرطة بولدر لمدة طويلة، ولا يزال موضوع نقاش ساخن. كيف ماتت، ومن قتلها، ولماذا؟

باكرا ذلك الصباح، قبل ان يعثر جون على جثتها، والدة جونبينيه باتسي -كانت ملكة جمال سابقة-، أخبرت أنها عثرت على مذكرة فدية مكونه من ثلاث صفحات على الدرج المؤدي إلى الأسفل قرب غرفتها في الطابق الثاني. المذكرة التي صيغت بشكل غريب وخط يد يصعب قراءته أشارت إلى طلب 118،000.00 بالضبط لإستعادة جونبينيه، لئلا “يقطع رأسها”. حسب الشرطة، كتبت مذكرة الفدية على صفحات ممزقة من دفتر ملاحظات باتسي الخاص، حيث عثروا على انطباعات جسدية يعتقد أنها كانت ملاحظة للتدريب أو واحده تم بدئها ثم أوقفت والكتابة -خاصة عند مقارنتها بجانب عينة كتبت بيدها اليسرى الغير مسيطرة-ظهر انها مشابهه لخط باتسي. بالإضافة، قالت الشرطة، الرباط الذي تسبب بالإختناق كان قديم، بحبل طويل وقطعة مقبض فرشاة خشبية مكسورة على ما يبدو أخذت من لوازم فن باتسي، قريب جدا للمكان الذي عثر فيه على الجثة. بالتأكيد، لو كان هنالك مقتحم، كما ادعت عائلة رامزي بإستمرار، هو أو هي قد أمكنهم إستخدام مذكرة باتسي ولوازمها الفنية خلال الليل أثناء نوم العائلة. لكن، من أجل ذلك الشأن، حتى فرد عائلة أخر يمكنه.

حسب مصادر غير مؤكدة، جار سمع صرخة حادة قرب منزل آل رامزي قرابة منتصف الليل تلك الليلة. صرخة كتلك من منزل آل رامزي ومسموعه من الخارج لابد أنها أوشكت على إيقاظ وتنبيه العائلة. لكن لو جونبينيه قتلت في وقت ما قريب منتصف الليل، بعد أن زعم والديها أنهم وضعوها في سريرها ليلة الكريسماس، وفي الصباح التالي من قبل المختطف، ماذا كان الهدف من أخذ الوقت وبذل الجهد لكتابة مذكرة فدية مفصلة وتركها ليكتشفها شخص ما على الدرج؟ في الرسالة المتعرشة، الكاتب عرف نفسه كـ “فصيل أجنبي”، طالبا مال فدية وحذر ضد إعلام الجهات المختصة لو أراد الوالدين رؤية ابنتهما المحبوبة مجددا، مختومة بتوقيع مبهم: النصر! ي ب ه ت

مذكرة الفدية الغريبة والتوقيع، بالإضافة إلى محاور أخرى في قضية آل رامزي، تثير الذكريات لقضية خطف مثيرة وقعت في 1932، حيث خُطف إبن عابر أطلنطا المغامر المشهور تشارلز ليندبيرغ من المنزل خلال الليل. مذكرة فدية كتبت بخط سيء وموقعه توقيع مبهم تركت للعائلة. تم توصيل مال الفدية كما طلب، لكن لم يرى الطفل حي مرة أخرى. بعد مرور شهرين عثر على جسده المجروح في منطقة مشجرة حول قرية قريبة، حيث تعرض لكسر كبير في الجمجمة. في أعقاب تحقيق واسع النطاق، تم إلقاء القبض على متهم يدعى ريتشارد هبتمان وتم محاكمته وإدانته بالجريمة الشنيعة، وأعدم أخيرا، بالرغم من إعلانه الدائم لبراءته. لا زال البعض يخمن من حقا إرتكب جريمة الخطف والقتل حتى هذا اليوم.

هل الخطة الأساسية لخطف جونبينيه، إبنة رجل الأعمال الغني، لبعض مال الفدية أخفقت لسببا ما، وكانت النتيجة قتلها عوضا عن ذلك؟ هل الخاطف المحتمل، الذي قال انه سوف يحادث آل رامزي هاتفيا عند العاشرة صباحا بعد الكريسماس لكنه لم يفعل ذلك، قد أعتقد بطريقة ما أنه لن يتم العثور على جثتها في القبو؟ أو أنه لم يكن هنالك نية جادة لإنتزاع مال الفدية من آل رامزي مطلقا؟ هل يمكن أن تكون مذكرة الفدية الطويلة الغير معتادة وسيلة أخرى محضة للتعذيب القاسي وتعذيبهم كما تعرضت جونبينيه للتعذيب القاسي؟ هل كان العمل الشرير فعلة متحرش أطفال سيكوباتي وسادي؟ هل كان حافزه فقط إلحاق أعظم ألم ومعاناة ممكنه على آل رامزي؟ وإذا كان كذلك، لماذا آل رامزي؟ أو أن المذكره كتبت عمدا لتشتيت الشبهة عن مرتكب الجريمة الحقيقي؟

هذه العينة الوحيدة من الأدلة، مذكرة الفدية، تبدو المفتاح الأكيد لحل هذه القضية. لكنها مبهمة جدا. هل كانت، مكتوبة بواسطة باتسي رامزي، كما اشتبهت شرطة بولدر لوقت طويل؟ لو كان كذلك، لماذا؟ وإذا كان غير صحيح، من كتبها وتركها حتى تم العثور عليها؟ على الأرجح ليس بروك ذو التسع أعوام، على الرغم من أن تلك الإحتمالية ليس من الضرورة إقصائها في رأيي. (سواء اعتبر المحققين أن بروك كان الكاتب المحتمل ليس واضحا لي) وبالتأكيد ليست جونبينيه. وفق محققي الشرطة، جون رامزي ليس الكاتب أيضا. (هل فحصت من أجل البصمات؟) سواء خضعت محتويات وأسلوب هذه الرسالة للتحليل النفسي سابقا ليس معروف لدي، لكن يبدو من المحتمل توفير معلومات ثرية عن نفسية كاتبها، شيء سوف نأخذه في عين الاعتبار في الجزء الثاني من هذه السلسلة.

لو أقصينا أفراد العائلة من كتابة مذكرة الفدية، وهذا ماحدث بالفعل بسبب قوة تأثيرهم تمت تبرئتهم الرسمية والمثيرة للجدل، بقي واضحا أن لو جون، أو باتسي، أو بورك لم يختلقوا المذكرة، شخص آخر (أو يحتمل أكثر من شخص) كان داخل المنزل تلك الليلة، انتهز الترصد في العتمة، وهو مسؤول عن كلا من مذكرة الفدية ومقتل جونبينيه الوحشي. شخص قاسي بما فيه الكفاية، بغيض، وعنيف، وسادي يمكنه إرتكاب جريمة فظيعة كتلك. شخص محفز بقوة ليخاطر بوقاحة لفعل ذلك مع إمكانية القبض عليه. مما يسول الأسئلة التالية: أي نوع من الأشخاص قد يرتكب جريمة كهذه؟ هل كان المال محفزا لهم؟ الجنس؟ الغضب؟ الغيرة؟ أو الإمتعاض من عائلة آل رامزي الغنية جدا والمؤثرة؟ أو العداء ضد جونبينيه بالتحديد؟ هل لدى جون وباتسي رامزي أعداء؟ لو أراد شخص إيذاء جون وباتسي، فهذه أحد أقسى الطرق لفعلها. لو أن جونبينيه رامزي قتلت عمدا بوحشية من قبل دخيل، لابد أن مرتكبي الجريمة قد تم دفعهم أو إجبارهم لإرتكاب عمل شرير كهذا من قبل شخص ذو نفوذ. هل حصل القتل معارضا للخطة الأصلية، بسبب الخوف من أن يتم إكتشافهم عندما صرخت جونبينيه قرابة منتصف الليل؟ على الرغم مما قيل إن قسم شرطة بولدر حققت وأبرأت المئات من المشتبة بهم المحتملين في هذه القضية، إما مرتكب الجريمة تم إقصاءه بالخطأ كمشتبة أو لم يتم التعرف عليه والتحقيق معه أبدا.

أو هل كانت نية القاتل الحقيقة طوال ذلك الوقت هي مجرد إسكات الطفلة بشكل دائم، دافع ربما يشير إليه الشريط اللاصق زعم وجوده على فمها من قبل والدها جون الذي تكهن البعض أنه كان يعتدي جنسيا على إبنته. تسائل المنظرين، هل قتلت جونبينيه للمحافظة على هذا السر القبيح من إفشائه؟ هذه الأدلة المفصلة للقضية تذكر بشكل مخيف بالشريط اللاصق الذي وجد على جثة إبنة كايسي أنثوني ذات الأربع أعوام، كيلي وكانت متحللة بشدة. حسب نوابها العامين خلال المحاكمة، كايسي أنثوني (وجدت الآن غير مذنبة، لكن لايزال يعتقد أنها مسؤولة عن بعض ملابسات وفاة كيلي) يحتمل أنها قتلت إبنتها جزئيا لأنها أرادت أن تكون حره وتعيش حياة مختلفة بأسلوب متحرر أكثر أو ربما غطت موتها الغير متعمد. أخبرت كايسي المحققين أن إبنتها أختطفت من قبل مربية غريبة والذي أثبت أن ليس لها وجود مطلقا. في قضية سوزان سميث (مدانة الآن)، الأم ذات الثالثة والعشرين آن ذاك أغرقت طفليها الصغيران (كلاهما بعمر جونبينيه وكيلي) بقيادة سيارتها إلى داخل بحيرة والطفلين كانا مقيدان من الهرب بحزام المقعد، يحتمل أنها فعلت ذلك لتكون مع حبيبها الجديد. قبيل إعترافها في نهاية المطاف، لامت سميث سارق سيارة وهمي بإفتعال الجريمة. تفيد التقارير أن سميث تضررت بشدة عاطفيا خلال مرحلة الطفولة، ومعتدى عليها جنسيا، ومكتئبة لدرجة إنتحارية، وربما عانت من أحد أنواع مرض إضطراب الشخصية. الأفراد النرجسين والغير ناضجين أبدا، قد يواجهون صعوبة كبيرة بوضع إحتياجاتهم الأنانية جانبا من أجل أطفالهم. وبعد، أم قاتلة أخرى، أندريا ياتيس (وجدت الآن غير مذنبة بسبب الجنون وتشخيصها بإكتئاب ما بعد الولادة و الذهان) أغرقت أطفالها الخمسة واحدا تلو الأخر في حوض إستحمام، و إدعت أنها قامت بهذا العمل الشرير للحفاظ عليهم من لعنة وعذاب الشيطان كما شعرت أنه حدث لها.

نتحدث إحصائيا، المجرمين المحتملين عندما يموت طفل في المنزل يكون أحد الوالدين أو كلاهما، وهذا السبب الرئيسي لماذا ركزت الجهات المختصة بشدة على آل رامزي من اليوم الأول. فيليسايد-قتل طفل من قبل والديه-هي ظاهرة حقيقة جدا ومزعجة بحق. حسب إحصائيات قسم العدالة، بين فترة 1976 و1997، التي تتضمن سنة مقتل جونبينيه، قرابة 11،000 طفل مثلها قتلوا من قبل والديهم أو أزواج والديهم. دوافع الفيليسايد تختلف، عما يسمى “إيثار” الفيليسايد أو ما يفترض انه نية حسنة أو قتل رحيم للذرية المريضة أو المكروبة، وعن الفيليسايد “العرضي” إبان الإساءة للطفل أو إهماله، عن القصاص الغاضب ضد الزوج المهين كما في المأساة اليونانية القديمة ماديا، عن المغلوب أو الحل الذاتي لقتل الأطفال الغير مرغوب بهم، والملحين، والمتعبين، والغير ملائمين اجتماعيا، عن الفعل القاتل بسبب جنون الإرتياب وهلاوس الجنون.

هل يمكن لشخص كباتسي رامزي، التي أستسلمت لسرطان المبيض في 2006، أنها -كما يصر البعض-قتلت إبنتها عمدا أو بغير عمد؟ ربما. لكن، كما في قضايا الفيليسايد الشائنة، يحتاج ان يكون هنالك دافع قهري أو إكراهي لفعل ذلك وتخطي غريزة الأم الفطرية لحماية نسلها والدفاع عنه ضد كل أذى. من كل التقارير، باتسي كانت محبوبة جدا، أم مهتمة ومخلصة لجونبينيه. ماذا من المحتمل قد يجعل أم حنونه كهذه أن تفتعل جريمة تستحق اللوم؟ إفترضت الشرطة منذ البدء أنها تلك الليلة دخلت في موجة غضب حادة بسبب تبول جونبينيه اللاإرادي المزمن وأصابتها بجرح حاد بالخطأ، ومن ثم، بهلع شديد محاولة لتغطية الأمر لفقت قصة الإختطاف، وألفت مذكرة فدية، ونظمت الجريمة البشعة. من المحتمل، قد حدث ذلك بمعرفة زوجها بتواطؤ كامل، بدافع رغبته الشديدة لحماية زوجته، وزواجهم، وسمعتهم. (على الرغم من أنه قد يكون من الممكن افتراضيا أن كل هذا قد حدث خلال الليل عندما كان كل من جون وبورك نائمين بعمق وغير مدركين، يبدو هذا السيناريو غير محتمل.)

التفسير الأقرب لقتل الأم لطفلها متعمدة كحالة باتسي رامزي، في نظري، هو بسبب وجود إكتئاب مابعد الولادة المزمن، لكن لا يوجد تاريخ نفسي لهذا (أو على الأقل ليس معروف لي.) ولا توجد معلومات تشير إلى وجود إكتئاب عميق بعد أخ جونبينيه بورك، الذي ولد قبلها بتسع أعوام. ومضت ستة أعوام على ولادتها لجونبينيه، إذا لو عانت من إكتئاب لمدة طويلة وربما الذهان، قد يكون تم تشخيصه وعلاجه في مرحلة ما. سواء كان لباتسي أو جون تاريخ سابق في علاج الصحة العقلية أيا كان فهو غير معروف لي. على أية حال، يبدو أن هنالك عدة مقابلات نفسية لباتسي رامزي بعد وفاة جونبينيه، حسب وكيل النيابة السابق ماري لاسي، لم تظهر علامات إعتلال نفسي، أو غيرة مرضية أو حسد ضد إبنتها، أو ميول عنف بشكل عام. غياب أي تاريخ نفسي سابق، مرض إكتئاب شديد، إكتئاب ما بعد الولادة، الذهان أو أي مرض عقلي مماثل، تشخيصي كطبيب علم نفس شرعي سأقوم بتشخيصات أخرى محتملة، سأستبعد تقييم المدعى عليه في قضية كهذه لتضمنها تسمم المادة والذهان الحاد أو حلقة الهوس، وإضطراب الشخصية الحدية، وإضطراب الوسواس القهري الشديد، وإضطراب الهوية الإنفصالي (إضطراب تعدد الشخصية سابقا)، حيث أحدهم يقمع جزء غامض من الشخصية ويسيطر مؤقتا، وليس على عكس ما يحدث بشكل مأساوي في قصة روبرت لويس ستيفنسون الخيالية الشهيرة للدكتور جيكيل والسيد هايد.

على الرغم من أنه تم إقصائه رسميا (ولكن لم يحاكم قانونيا وبرئ) كمشتبة به، منذ الأيام الأولى، ومؤخرا في العام الماضي، في وثائقي سي بي إس عن قضية جونبينيه رامزي، هناك من بينهم، عالم الأمراض الشرعي الشهير ويرنر سبيتز، الذي أفترض، أن بورك -الآن 29- قتل شقيقته، على الرغم من انه استبعد رسميا كمشتبه فيه منذ فترة طويلة. هنالك تقارير غير مؤكدة، على سبيل المثال، إدعى “صديق للعائلة” أن بورك كصبي لديه طبع فظيع، وأصاب جونبينيه جسديا في الرأس مستخدما عصى جولف، ثمانية أشهر قبيل وفاتها. مروجي هذه النظرية يعتقدون أن بورك قد شعر بالغيره من جونبينيه، ربما عانى من منافسة الإخوة، وأصبح غاضبا منها تلك الليلة لسبب بسيط وقتلها عمدا أو بغير عمد. فزعا وذعرا، وفي صدمة ورعب من خسارة بورك أيضا، أشار هؤلاء الأفراد، أن آل رامزي كونوا غطاء مفصل (وفعال) عمدا وبعجل لحماية بورك من الإشتباه والملاحقة القضائية. تتطلب هذه النظرية أن نتقبل فرضيتين: أولا، بورك كان قادرا على القيام بالقتل؛ وثانيا، أن والديه لفقوا مذكرة فدية، وعلاوة على ذلك وكجزء من قصتهم، قاموا بتشويه بشع لجسد إبنتهم الميتة الآن وتدنيسه من أجل إنقاذ إبنهم من الملاحقة القضائية بدعوى القتل. وأنهم فعلوا كل هذا بديهيا في اللحظة، بلا تردد أو وقت للتخطيط، في حين حزنهم على خسارة إبنتهم المحطمة.

وفيما يتعلق بالفرضية الثانية، أجدها سذاجة شديدة أن هذان الوالدين سوف يتفاعلان بطريقة تلقائية، وحذرة، ومنسقة، وبنمط إجرامي. إفتراضا، هل يمكن لفتى ذو تسعة أعوام أن يرتكب عمل شرير ووحشي كهذا؟ لإعادة صياغة مقولة سيقموند فريود، براءة الأطفال سببها الأكبر ضعف الأعضاء. الأطفال، من مرحلة الطفولة المبكرة، يتعرضون لمشاعر عاطفية ليست فقط الجنسية، ولكن مشاعر الغيرة، الغضب، الإستياء، والدوافع القاتلة نحو الأشقاء، وحتى الآباء والأمهات. وغالبا الأطفال يواجهون صعوبة في السيطرة على هذه المشاعر، مما يؤدي أحيانا إلى تصرف مدمر بسبب هذه الدوافع العنيفة. الطفل المصاب بمرض نفساني، الذي يمكن تشخيصه على أنه يظهر أعراض إضطراب السلوك، على سبيل المثال، يمكن، على ما أعتقد، أن يكون قادرا على إرتكاب جريمة من هذا القبيل، بما في ذلك ضربة ساحقة للرأس، وإمكانية استخدام مسدس صاعق (هل وجد في أي وقت مضى في المنزل مثل المسدس الصاعق؟)، الخنق ببطئ وتعذيب، والانتهاك الجنسي الفاحش. في الواقع، وبحسب التعريف، وفقا للجمعية الأمريكية للطب النفسي، فإن تشخيص إضطراب الشخصية المعادية للمجتمع لدى البالغين يتطلب تاريخا من إضطراب السلوك قبل سن 15 عاما، ووجود “نمط التجاهل المتفشي، وانتهاك حقوق الآخرين الذي يبدأ في مرحلة الطفولة أو مرحلة المراهقة المبكرة “. هذه الأساليب المعادية للمجتمع تتضمن عادة “سلوك عنيف يسبب أو يهدد بالأذى الجسدي للآخرين أو الحيوانات.”  هذا العنف يتشكل في تعذيب الحشرات أو الحيوانات من أجل المتعة. هؤلاء الأطفال أو المراهقين “عادة ما يبادرون بتصرف عنيف أو ردات فعل عنيفة ضد الآخرين. ربما يظهرون التنمر، والتهديد، والسلوك المروع، وبدء المعارك، وإظهار القسوة البدنية، واستخدام أسلحة قد تكون مميتة (مثل المضرب أو الطوب أو الزجاجة المكسورة أو السكين أو المسدس).” لكن هذه الدرجة من الإنحراف في صبي بالتاسعة سيكون، من حسن الحظ بالنسبة لنا جميعا، نادر نسبيا، على الرغم من الدراسات التي تشير إلى أن حدوث اضطراب السلوك في إرتفاع، ويحدث في أي مكان من 1-10 في المئة من السكان عموما، وخصيصا في الذكور. ومن المرجح أن يكون هناك تاريخ هام من المشاكل السلوكية الخطيرة في المدرسة والمنزل، سواء قبل وقوع الجريمة أو بعدها. ما إذا كان هذا يمكن قول أن بورك مشكوك فيها إستنادا إلى المعلومات المتاحة. الأمر الأقل غرابة هو السيناريو الذي يصبح فيه أحد الأخوة غاضبا من الآخر على بعض الأحداث التي تبدو تافهة، فجأة يندلع بغضب وبعنف (وإن لم يكن بالضرورة بالقتل): على سبيل المثال، يضرب الضحية بقوة على الرأس بأداة يدوية ثقيلة مما يؤدي أحيانا إلى إصابة خطيرة أو الوفاة.

بالإضافة إلى أدلة الحمض النووي المثيرة للجدل، حاليا هناك على الأقل دليلين يبدوان مهمين ويبدو أنهم يدعمون نظرية الدخيل. الحقيبة التي وجدت تحت نافذة غرفة القبو الغير مقفل حيث وجدت هنالك جثة جونبينيه قيل من قبل جون رامزي أنها لا تنتمي هناك. وضعيتها أشارت إلى إحتمال أنها وضعت عمدا تحت النافذة وأستخدمت للصعود عليها من أجل الخروج من الغرفة من خلال النافذة. وبحسب وكيل النيابة السابق ماري لاسي، التي أقصت رسميا أي عضو من آل رامزي كمشتبه بهم، أخذت في جولة في المنزل بعد بضعة أيام من العثور على جثة جونبينيه، كان هناك طبعة واضحة لا لبس فيها على السجادة خارج غرفة نوم جونبينيه، ما يسمى ب “طبعة مؤخرة”، والتي استنتجت ان الدخيل تركها: “أيا من فعل هذا جلس خارج غرفتها وأنتظر حتى نام الجميع لكي يقتلها.” من قد يكون هذا؟ أو يمكن أن تلك الطبعة على السجادة لها تفسير أبسط؟

لقد حاولت هنا في الجزء الأول من هذه السلسلة من الملصقات أن أوجز وأجمل وأجمع بدقة بعض الحقائق المعروفة حتى تاريخ جمعها، مستقاة من مختلف وسائل الإعلام ومصادر الأخبار، فضلا عن نظريات المتضاربة السابقة والحالية حول هذه القضية، لتزويد القراء الذين قد لا يكونون على دراية عن الأمر بنظرة عامة لمزيد من الاستكشاف والمناقشة. هناك العديد من النظريات والتفاصيل الأخرى غير المذكورة هنا، وبعضها سيتم استكشافها لاحقا. مضى على إرتكاب الجريمة إثنان وعشرين عام، وبوضوح لايزال هنالك أسئلة أكثر من الإجابات، بعض سنفحصها لاحقا. أخبروني بأفكاركم، ونظرياتكم، وتخميناتكم وردودكم على تخميناتي بشأن هذه القضية المأساوية والغامضة جدا التي لم تحل في تعليقاتكم وأسئلتكم. سأفعل ما بوسعي لأضمنهم وأنظر لهم وأجمعهم في الجزء الثاني.

 

 

error: المحتوى محمي