من صناعة الكلام إلى صناعة الصحة: بحث في أصول الطب العقلاني عند الإغريق – خليد كدري

من صناعة الكلام إلى صناعة الصحة: بحث في أصول الطب العقلاني عند الإغريق – خليد كدري

 


         توطئة

     هناك ما يشبه الإجماع، عند مؤرخي الطب القديم في الغرب، على أن الطب العقلاني لم يعرف الظهور، تاريخيا، إلا مع أبقراط القوسيHippocrate de Cos  ومدرسته الإغريقية في القرن الخامس قبل الميلاد. وحيث إن حديث البداية المطلقة قليل الإقناع، ولأن مسألة المصادر فرضت نفسها دائما في مثل هذا المقام، فإن المعتاد عند جمهور المؤرخين، عندما يتعلق الأمر بمسألة مصادر الطب الأبقراطي، هو أن يعقد قول تمهيدي في سوابقه الأسقلبيادية والفيزيولوجية ثم الرياضية، فكانت مصادر الطب الأبقراطي ترتد عندهم، في نهاية المطاف، إلى ثلاثة رئيسة، وهي: المراكز الدينية الأسقلبيادية – نسبة إلى معابد أسقلبيوسAsclépios  – والمدارس الفلسفية المنضوية تحت التقليد “الفيزيولوجي” القديم، ثم المعاهد  الرياضية التي عرفت، خلال القرنين السادس والخامس قبل الميلاد على الخصوص، انتعاشا كبيرا في مختلف بلاد الإغريق. ومع أن حديث المصادر هذا لا يخلو من فائدة بيداغوجية بالنسبة إلى تاريخ الطب، إلا أننا لا نعتقد أنه يجدينا كثيرا في فهم المنحى “الأنثربولوجي” غير المسبوق الذي اتخذه الطب عند نشأته كقول عقلاني في القرن الخامس قبل الميلاد. ونقصد بهذا المنحى الأنثربولوجي مجمل القضايا التي تتصل، في المتن الأبقراطيCorpus Hippocraticum ،  بحقل نظرية الإنسان؛ أو ما سيعرف عند المسلمين، فيما بعد، بمبحث “كليات الطب”، ولاسيما نظريتي الأخلاط والأمزجة.

     وفي الواقع، يبدو أن مؤرخي الطب القديم، الذين ذكرنا، أفلاطونيو النحلة من حيث لا يحتسبون، ذلك أنهم مع كدهم واجتهادهم في إحصاء المصادر التي نهل منها مؤلف – أو مؤلفو – المتن الأبقراطي، يعمون كل العمى عن دور السفسطائيين المعاصرين للطبيب القوسي، بل الأقرب إليه من حبل الوريد – إن صح التعبير –  لذلك، فعوض اجترار حديث المصادر الثلاثة المذكورة، سنسلك سبيلا آخر مغايرا للسبل التي سلكها جمهور المؤرخين حتى الآن، فنتساءل ابتداء: هل كان من قبيل المصادفة أن تزامن ميلاد الطب الأبقراطي مع المنعطف الإنسي الذي دشنته، في تاريخ الفكر الإغريقي، حركة السفسطائيين؟ فخلا الإشارات العابرة والتلاميح، لم نقف لأحد من أعلام المؤرخين والدارسين للطب القديم على قول يذكر في ما يمكن أن يحتمله هذا التزامن، على مسرح القرن الخامس قبل الميلاد، من دلالات، وما يمكن أن يثيره من إشكالات قد تتوج برؤية مغايرة لتاريخ الطب، وربما برامج بحثية غير مسبوقة حول صلة تاريخ الطب بتاريخ الفكر برمته.

 

    الجدل “المؤَنِّس

     تردد أدبيات تاريخ الفلسفة شهادة الفيلسوف والخطيب الروماني شيشرون المعروفة بفضل سقراط الذي «أنزل الفلسفة من السماء إلى الأرض»[1]، فحاز قصب السبق في عملية “تأنيس” الفلسفة، قاطعا مع التقليد الفيزيولوجي القديم. ولعله ما كان لجمهور المؤرخين والفلاسفة، باستثناء هيغل ونيتشه ومن نحا نحوهما من المحدثين[2]، أن يصادق على شهادة شيشرون هذه لولا تزكيته القبلية للصورة التي رسمها أفلاطون وتلامذته لخصوم الحكيم الأثيني، والتي أقصتهم من حظيرة الفلسفة على نحو كامل، كما هو معلوم، تاركة المجال أمام الإنسية السقراطية بوصفها فجرا لتاريخ «الفلسفة الحق»[3]. أفليس من المجحف، تاريخيا، أن نصرف النظر عن ديْن السفسطائيين الثقيل على سقراط الذي هو، في نهاية المطاف، سفسطائي “منشق”[4]؟ لا ننافح عن حكمة السفسطائيين ودعاواهم، لكن ليس من حقنا أن نغمطهم حقهم ونصيبهم الموضوعي من تاريخ الفكر أيا كانت طبيعته. ونحن نفترض أن الديْن السفسطائي يشمل جملة الفكر الإغريقي في القرن الخامس؛ ويهمنا، في هذا السياق، ما يتصل منه، على الخصوص، بميلاد الطب العقلاني عند الإغريق ممثلا في الطب الأبقراطي.

     يبدو لنا، بمنأى عن منطق الأشباه والنظائر، مادام الكل – أطباء وحكماء، وغيرهم – يستظل بسقف القرن الخامس قبل الميلاد التاريخي والثقافي، أن ثمة أكثر من آصرة تجمع بين حكمة سقراط وطب أبقراط : ينتفض سقراط ضد “نسبانية” السفسطائيين المتطرفة، ميمما شطر فلسفة المفهوم – وهذا يظهرنا على حدود القطيعة السقراطية المفترضة مع التقليد الفيزيولوجي القديم – لكنه، في الآن نفسه، يستأنف مشوار التأنيس السفسطائي، بلا هوادة، متوسلا إليه بنفس العدة الجدلية التي مهرها السفسطائيون[5]. وعلى هذا المعنى وحده ينبغي، في اعتقادنا، أن يحمل لفظ “الانشقاق” السقراطي، بصرف النظر عن شهادتي أرسطوفانAristophane  وأكسانوفانXénophon  ومسألة طبيعتهما ودرجة مصداقيتهما[6]. وينتفض مؤلف – أو مؤلفو – المتن الأبقراطي، في أكثر من موضع منه، ضد حكمة طبية لا تخفى على الناظر صلتها ببعض مسالك السفسطائيين[7]، ميمما شطر الفيزيس أو الطبيعة كمبدأ تفسيري و”قوة شافية”Vis medicatrix naturae  – وهذا يظهرنا، أيضا، كما هو الشأن لدى سقراط، على حدود القطيعة الأبقراطية المفترضة مع التقليد الفيزيولوجي القديم – لكنه، في الآن نفسه، وعلى شاكلة سقراط الأخلاقي، يستأنف تأنيس القول الطبي عبر إعادة بناء الفيزيولوجيا الماقبل­سقراطية على قواعد أنثربولوجيا طبية[8]، متوسلا إلى مرامه بعدة خطابية جديرة، حقا، بألمع السفسطائيين[9]. وعلى هذا، فلا عجب إن ألفينا أن بنية القول الأبقراطي هي ذاتها بنية القول السقراطي؛ ذلك أن السيرورة التي تمخضت عن القول الأبقراطي في الطب هي من جنس السيرورة ذاتها التي تمخضت عن القول السقراطي في الأخلاق.

     إنها سيرورة جدلية؛ وقد تصح دعوتها، في هذا المقام، بسيرورة “الجدل المؤَنِّس”Dialectique anthropologisante. ولعلنا نستطيع القول، كذلك، إننا بإزاء لحظة التركيب من  هذه السيرورة: كلاهما – القول الطبي والقول الأخلاقي – يستعيد حركة “التشميل” التي وسمت القول الفيزيولوجي القديم، لكن من غير تفريط في المكسب الذي أسفرت عنه “الحكمة العملية”، لفائدة القرن الخامس، والمتمثل في تأنيس النظر والعمل؛ وبعبارة أخرى : كلاهما يصادر، في أفق إبستمولوجي، أنثربولوجي وأخلاقي مناهض للنسبانية والذاتية والبرغماتية – وسائر ما هنالك من “شنع” سفسطائية – على مفهوم “الطبيعة الإنسانية” الكوني وشبه­الترنسندنتالي، لكنه ذات الأفق البروميثي[10] الموسوم بروح التجريب والاحتفاء غير المسبوق بالتقنية[11] وبالفضائل العملية Aretai المجتباة من الصنائع والفنون، وفي مقدمتها صناعة الكلام أو الخطابة  .Tekhnê Rhêtorikê ولعل من شأن هذا الأفق البروميثي المشترك  والمؤول –  على شرط “الجدل المؤَنِّس” –  أن يلقي ضوءا كاشفا على الحيثيات التي جعلت من مقدرات الخطابة في هذا العصر – قرن بريكلسPériclès  – أن ترتقي بالقولين الطبي والأخلاقي من مرتبة الفضائل العملية إلى مرتبة الأقاويل الكلية، ومن درك التيخني  Tekhnê إلى علياء الإبستميEpistêmê  أو العلم؛ ولعل من شأنه، أيضا، أن يفسر لنا سر الطباق التاريخي الملفت للنظر بين صناعة الصحة الأبقراطية وصناعة الفضيلة السقراطية، بين الحوار مع المريض والحوار مع عبد مينونMénon ، وبين المايوطيقا Maieutikê بوصفها قبالة للنساء والمايوطيقا بوصفها قبالة للنفوس، وأن يقفنا، خصوصا، على سر الأهمية العظمى التي اكتستها مسألة تخليق الطب على نحو متزامن مع ذات الأهمية التي احتلتها المقاربة الطبية في الأخلاق؛ أو بعبارة أخرى: سر ميلاد الفلسفة، مع سقراط، بوصفها “طبا روحانيا”  مقابل ميلاد الطب، مع أبقراط، بوصفه – إن صح التعبير– “روحانية طبية”[12]. فالظاهر أنه ما كان ممكنا أن ينعقد قول طبي في الأخلاق، ولا أن ينعقد قول أخلاقي في الطب لو لم يكن التخليق ذاته قد استوعب، سلفا، روح الخطابة السفسطائية كتقنية طبية أو علاجية؛ وكأن قرين سقراط لم يكن سوى أسقلبيوس! وعلى هذا، فلا نستغرب أن يلهم المتن الأبقراطي قرونا من الفلسفة[13]، فضلا عن الطب، وأن يلهم سقراط الأفلاطوني أجيالا من الأطباء[14]، فضلا عن الفلاسفة.

     يبدو أننا نشرف على ينابيع البرادايم الطبيParadigme médical  في الأخلاق – والسياسة – والذي ستكون له، عبر قراء أفلاطون، صولات في تاريخ الفلسفة ولاسيما الفلسفة العربية-الإسلامية[15]. إن سر الطباق الذي أشرنا إليه بين الطب والأخلاق الناشئين يكمن في ممكنات الخطابة ذاتها التي تنزلت، في سياق “التأنيس” السفسطائي، كتقنية لسانية للهومونيا Homonoia أو “الوفاق”، أي كطب لأمراض السياسة؛ وتنزلت، في سياق “قلب السفسطة” الذي باشره نظار القرن الخامس، كبحث في الشروط الموضوعية التي تجعل “الوفاق” ذاته ممكنا، وفي مقدمتها شرط “الطبيعة الإنسانية” كمعطى سابق على أوفاق المجتمع واللسان: طبيعة البدن بالنسبة إلى الطب، وطبيعة النفس بالنسبة إلى الأخلاق[16]. وحيث إن المقام يتعلق، حصرا، بميلاد الأبقراطية، فقد لا ننأى عن الصواب إن نحن عددنا الأنثربولوجيا الأبقراطية ذاتها من مشمولات صناعة الكلام أو قلنا إنها ظاهرة “خطابية” ابتداء؛ وذلك أن هذه الأنثربولوجيا، ممثلة على الخصوص في نظريتي الأخلاط والأمزجة، هي بمثابة محصول النظر في شروط “الوفاق” بين عناصر البدن والمحيط المثمرة لحال الصحة، ولأن هذا النظر بالذات هو مناط كل “تدبير” أو كل تقنية ممكنة لمسمى”الوفاق” في الحقل الطبي. وليس من قبيل البخت أن يشيع، في القرون اللاحقة، ولاسيما في العصر الوسيط – بسائق من أفلاطون – استخدام لفظ “التدبير”Régime  في الطب والأخلاق والسياسة على حد سواء[17]. وإنه لأمر بالغ الدلالة، كذلك، أن يستخدم مؤلف – أو مؤلفو –المتن الأبقراطي لفظ “إيزونوميا” Isonomia لتمييز هذا “الوفاق” الطبي المتمثل في “توازن” أخلاط البدن، مع سابق العلم أنه ذات اللفظ المستخدم من قبل المؤرخين الكبيرين توقديدس وهيرودوت للدلالة على الديمقراطية بوصفها جنس “تدبير” سياسي يقوم على “المساواة أمام القانون”[18].  

 

     أفلاطون الأبقراطي

     لا سبيل إلى إنكار الأثر الأبقراطي في فلسفة سقراط كما يقدمه تلميذه أفلاطون؛ فهو أثر تشهد له، بصورة صريحة، الإحالة المتكررة إلى الطبيب القوسي في متن المحاورات[19]. لكن، يبدو لنا أن الحضور الأبقراطي لا ينحصر في حرفية ما أورده أفلاطون بمناسبة إحالاته الصريحة إلى أبقراط، بل هو يتعداه إلى مناحي ومستويات أخر من النظر الفلسفي الأفلاطوني[20]. وليس من الموضوعية في شيء أن يرد أثر الأبقراطية في الفكر الإغريقي، كما فعل المؤرخ تيودور غمبرزTh. Gomperz ، إلى مسألة فريدة كمسألة “المنهج” في إنشاء المعارف العلمية[21]، على الرغم من خطورة الانقلاب الأبقراطي في هذا المضمار وتداعياته المهمة في الفكر الإغريقي بل في الفكر الإنساني برمته[22].

     وقد التمس فيرنر يايغرWerner Jaeger  بالفعل – مستدركا فيما يبدو على ت. غمبرز – بعضا من آثر الطب الأبقراطي في الفكر الإغريقي على الصعد التربوية، الأخلاقية والإبستمولوجية. فقد أبرز كيف تنزلت الأبقراطية بوصفها “بايديا”Paideia  أو نموذجا تربويا لدى الصفوة من المفكرين الإغريق[23]. وهو يقر بالدور الهام الذي لعبه التقليد الفيزيولوجي القديم في ترقي القول الطبي إلى مرتبة العلم والقطع مع ما قبله، لكنه يعترف، مع ذلك، بوجود تأثير متبادل بين الطب والفلسفة الإغريقيين؛ وهو ما انتهى إليه تيودور غمبرز من قبل، حتى وإن كانت تحليلات هذا الأخير قد قصرت، كما يظهر، عن تخطي عتبة مسألة “المنهج”[24].  ويرى ف. يايغر أن أثر الطب الأبقراطي في الأخلاق السقراطية حقيقة مؤكدة لا غبار عليها، وأن هذه الأخلاق السقراطية ما كانت ممكنة من دون الطب الأبقراطي »الذي هو أدنى العلوم إلى علم سقراط الأخلاقي«[25]. وفضلا عن ذلك، يستند يايغر، على غرار ليتري، إلى الفقرة الشهيرة من محاورة فيدروسPhèdre ، والتي يحيل فيها أفلاطون إلى أبقراط ومنهجه الطبي[26]، للتدليل على أن تلميذ سقراط سيتخذ من ذلك “المنهج” نموذجا للخطابة بوصفها “هداية للأرواح”Psukhagôgia ، وأنه سيكرس الجدل الأبقراطي أو جدل التحليل والتركيب – الإكلينيكي والتجريبي المنشأ – كفن للتفكير وكمنهج لإنشاء صرح المعرفة العلمية برمتها. إن هذا “المنهج” الذي يصفه أفلاطون على لسان سقراط في الفقرة المذكورة من محاورة فيدروس هو، في نظر فيرنر يايغر، عين المنهج المشار إليه، في موضع آخر من المحاورة، باسم “الديالكتيك” Dialektikê؛ وهو ذات الموضع الذي يشبه فيه أهل “الجدل” –  المحمود سقراطيا –  بالآلهة[27].

     ويسلم بول كوشارسكيP. Kucharski  بمسألة الحضور الأبقراطي في نص فيدروس، لكنه يعترف بهامش التـأويل الأفلاطوني للمفاهيم الأبقراطية[28]، وهو الأمر الذي لم يلتفت إليه إ. ليتري مادام الهاجس المسيطر لديه هو تعرف مدى صحة المنسوب إلى أبقراط من المتن الأبقراطي، ولا سيما كتاب الطب القديم[29] الذي يعتقد إميل ليتريE. Littré  – ومعه تيودور غمبرز– أنه يشتمل، في فقرته العشرين[30]، على عناصر “المنهج” المنسوب إلى أبقراط من فيدروس. ولعل غياب هذا الهاجس الفيلولوجي الضيق من تحليل ف. يايغر هو الذي يفسر عدم وقوفه على مواضع التصرف أو التأويل الأفلاطوني؛ إذ لم يتعد غرضه، على ما يبدو، الحجاج عن أثر أبقراط في الصدر الأول من المفكرين الإغريق عبر أفلاطون.   

 

    الحرب على “السفسطة”

     يبدو، إذن، أن تحليلات ف. يايغر تنفرد بسمة الرحابة وبعد النظر بالمقارنة مع جمهور الدارسين. بيد أنه، على شاكلة السواد الأعظم من هؤلاء، لم يبد استعدادا منهجيا واضحا لمقاربة الأبقراطية، ميلادا وتأثيرا، في سياقها التاريخي والثقافي بالكامل؛ وليس هذا السياق، على ما ندعي، سوى مشهد “الجدل المؤنِّس” الذي يدين بوجوده لمعطى الحكمة السفسطائية بوصفها لحظة أساسية في السيرورة التي أثمرت ثورة القرن الخامس الفلسفية والعلمية. إن الأثر الأبقراطي في نسق أفلاطون – وفي غيره – لا يمتري فيه إلا معاند؛ هذا مع العلم أنه أجل من أن يحصر في بضع إحالات أو مسائل، كما مر. لكن المرء لا يكاد يستسيغ تجاهل جمهور الدارسين لواقعة أساسية بدونها لا يستقيم فهم علاقة أفلاطون بأبقراط، وهي كون الاحتجاج الأفلاطوني، الصريح أو الضمني، بالطب الأبقراطي إنما يتم في سياق الاعتراض على دعاوى الخصوم، ولا سيما السفسطائيين. إن هذا يعني أن أفلاطون يستفيد، في الواقع، من غنائم حرب سابقة على أولئك الخصوم؛ وهي الحرب التي تؤرخ، في تقديرنا، لميلاد الطب الأبقراطي ذاته.

     إننا نسعى إلى التدليل على أن الحرب الجدلية على السفسطائيين هي مفتاح فهم الأبقراطية، سواء أتعلق الأمر بميلادها أم بتأثيرها في القرون. غير أننا نعترف بأنه من العسير جدا المجازفة بقول مطمئن تمام الاطمئنان حول وقائع هذه الحرب وحيثياتها بالكامل؛ فهذا القول، إن أمكن، يفترض معرفة سابقة ومقنعة، إلى حد ما، بمقالات وأحوال الطرفين معا. والحال أن لا أحد من المحققين، اليوم، يستطيع أن يطمئن إلى أصالة المنسوب إلى أبقراط التاريخي من مصنفات المتن الأبقراطي التي ينيف عددها على السبعين والتي بات من المؤكد أن معظمها منحول ومن وضع مؤلفين متعددي المشارب ومن أزمنة مختلفة؛ ويضاف إلى ذلك أن من جملة معضلات هذا المتن، وبسائق من التعدد والاختلاف اللذين ذكرنا، أنه يفتقر، على صعيد النظر، إلى الانسجام “البرادايمي” أو المذهبي[31].  هذا من جهة، ومن تالية فإذا صح، حقا، أن الصورة التي تكرست لدينا عن السفسطائيين، منذ أفلاطون وتلامذته، ما عادت تحظى بثقة جمهور المؤرخين والفلاسفة من أهل زماننا، فإن المعروف من سيرهم ومقالاتهم، خلا ما أورده أفلاطون وأرسطو، هو مع ذلك من الندرة بحيث لا يكاد يشبع فضول الدارسين، ولا هو مما يسمح بالحديث عن جماعة متجانسة من الشيوخ والأتباع والتعاليم المذهبية المنقولة من جيل إلى جيل أو مدرسة فلسفية، بالمعنى التقليدي، على شاكلة الأكاديمية أو اللوقيون أو الرواق[32].  فما العمل إذن؟ 

 

     مفارقات المتن الأبقراطي

     الواقع أن ما يعنينا، في هذا المقام، ليس فقه المتن الأبقراطي أو فقه الحكمة السفسطائية لذاتهما، على الرغم من الأهمية العظمى التي يكتسيها البحث العلمي في هذين المضمارين. إن الذي يعنينا، بالنسبة إلى أبقراط، ليس أبقراط التاريخي أو “الأصيل” – إذ من المحققين من ينكر وجوده أصلا أو يستبعد أن يكون صاحب مؤلف مما نسب إليه – [33] بل أبقراط “الصحاح” والمناهج التعليمية التي ورثها المسلمون والغرب اللاتيني عن العصر الهلنستي المتأخر مشفوعة بجوامع جالينوس الإسكندرانية وموسوعة شروحه الضافية على أبقراط[34]؛ إنه أبقراط نظرية الأخلاط الأربعة (نظام “الدم، البلغم والمرتين”) كما يعرضها كتاب طبيعة الإنسان الذي عده القدماء، محتجين بجالينوس، في جملة “صحاح” أبقراط غير المنحولة[35]، بينما تذهب طائفة من المحققين المحدثين إلى أنه من تأليف خليفة أبقراط وصهره بوليبوس القوسي[36] Polybe de Cos. وتتفاوت نسبة “الصحاح” الأخرى إلى أبقراط التاريخي تبعا لما يسوقه المحققون المحدثون من حجج ولاسيما المصنفات السجالية[37] التي يمكن إدراجها، بهذا القدر أو ذاك، في خانة المحور البرادايمي من الطب الأبقراطي، أي تلك التي يتسلم منها الأبقراطيون أصول النظر والصناعة، وفي عدادها، على سبيل المثال لا الحصر، المرض الإلهي وأوجاع النساء وتدبير الأمراض الحادة والأمراض الوافدة المسمى “أبيديميا” [38]، فضلا عن طبيعة الإنسان الذي ذكرنا. غير أنه بات من المرجح عند المحققين أن طائفة من الخصوم الذين يجادلهم أبقراط في غير ما موضع من هذه “الصحاح” ليسوا سوى جماعة من مؤلفي المتن الأبقراطي؛ بل قد يزداد الأمر تعقيدا وغرابة متى رجحت الأدلة على أن بعض خصوم “الصحاح” ينتمون إلى جماعة مؤلفي “الصحاح” ذاتها! وبالفعل، فقد أظهر جوزيف إ. بتروكانJoseph E. Pértequin  أن كتابي أوجاع النساء  والأجنة الواردين في “صحاح” ابن أبي أصيبعة[39]، هما على الأرجح من تأليف أطباء مدرسة قنيدوس Cnide[40]، أي هؤلاء بالذات الذين تصدى لهم أبقراط في فاتحة كتاب تدبير الأمراض الحادة مجادلا ومعترضا على ما جاء في كتاب الحكم القنيدية المنسوب إلى شيخهم أوريفون القنيدي Euryphon de Cnide[41]. ومن الممكن الإشارة، كذلك، إلى الانتماء الهيراقليطي المحتمل لمؤلف كتاب الغذاء كما ألمع ليتري [42]، وهو المذكور في مناهج ابن أبي أصيبعة الإثني عشر. وقد نضيف إلى ذلك الحضور الأنبادوقلي[43] في كتاب طبيعة الإنسان المعدود في “الصحاح”، كما رأينا، والذي يرجح أن يكون مؤلفه هو نفس مؤلف تدبير الأصحاء[44]. وما كان ليعسر علينا، لولا صمت ابن أبي أصيبعة، أن نتعرف على طوائف أخرى من خصوم “الصحاح” ممن يرشحهم الفقه الحديث –  فيما يشبه المفارقة – لأن يكونوا من مؤلفي أو ملهمي عدد من تلك “الصحاح”.

     رب معترض قائل : لكن، ما علاقة ذلك كله بالسفسطائيين؟ أليس القنيديون أطباء؟ أليس هيراقليطس وأنبادوقليس من الفلاسفة؟ يسجل إ. ليتري بصدد كتاب النسمات المنحول إلى أبقراط أنه من تأليف أحد “السفسطائيين”، مع العلم أن مؤلفه يمتح، كما هو ظاهر، من نظريات ديوجين الأبولونيDiogène d’Apollonie  أو سلفه أنكسيمانس الملطي Anaximène de Milet؛ لكنه يعلق على مضمونه الطبي بالقول إن كتابي طبيعة الإنسان والطب القديم إنما وضعا لنقض ما ورد فيه من الآراء[45]. ويتحصل من ذلك أن إ. ليتري يضع الأطباء “السفسطائيين” والفلاسفة “الفيزيولوجيين” في خانة واحدة. ولا شك أن ليتري يستلهم في تعليقه المذكور ما ورد، على الخصوص، في الفقرة العشرين من كتاب الطب القديم، والتي يستهلها المؤلف الأبقراطي بالاعتراض على منتحلي “الفيزيولوجيا” الأنبادوقلية من “السفسطائيين” والأطباء[46]. لكن، قد يلزم عن ذلك أن مؤلف طبيعة الإنسان هو أحد هؤلاء “السفسطائيين”؛ وذلك أن الحضور الأنبادوقلي في كتاب طبيعة الإنسان هو مما لا يرقى إليه الشك، والفرق بين “سفسطائي” كتاب النسمات و”سفسطائي” كتاب طبيعة الإنسان هو نظير الفرق بين نظار الوحدة ونظار الكثرة أو التعدد من قدماء الفيزيولوجيين؛ وذلك محال على ما اشترط ليتري[47].

 

      سوء تفاهم معجمي: شيء من التاريخ

      لكن، قد يعترض علينا، مجددا، بأن العبرة بما يرومه إ. ليتري من النتيجة سواء استدل عليها بكتاب طبيعة الإنسان أم بغيره من مصنفات المتن الأبقراطي: أوليس مؤلف كتاب النسمات المنحول “سفسطائيا”؟ أوليس هو من خصوم كتاب الطب القديم الأبقراطي؟ ويظهر لنا أنه اعتراض مشروع، وذلك بقدر ما هو ناتج عن “سوء تفاهم” بين معجم تاريخ الطب ومعجم تاريخ الفلسفة. ذلك أن دلالة لفظ “السفسطة”Sophistique  المنحدر إلى مؤرخي الطب من المتن الأبقراطي ليست مطابقة تمام المطابقة للدلالة التي يحتملها اللفظ بالنسبة إلى مؤرخي الفلسفة. فنحن بصدد زمنيين دلالين مختلفين، أحدهما يحيلنا إلى حرب الأفلاطونية على خصومها من حكماء القرن الخامس أو السفسطائيين بحصر المعنى، بينما يحيلنا الثاني إلى حرب الأبقراطية على خصومها من الفيزيولوجيين أو منتحلي نظرياتهم من الأطباء. ولعل الأمر يستدعي شيئا من التاريخ، ذلك أن لفظ “السفسطائيين”Sophistai  ومفرده Sophistès مشتقان من لفظ  Sophia الإغريقي الدال على معنى الحكمة، وهو نفس الأصل الداخل في تركيب لفظ “فلسفة” ومشتقاته. والحال أن هذا المركب لم يكن يحظى، قبل أفلاطون، بأي امتياز دلالي أو أدبي عن لفظ Sophia  القديم ومشتقاته، بل يمكننا القول إنه ظل عالة عليه، زمنا، كما تشهد على ذلك أقدم استعمالاته التاريخية المعروفة عند هيرودوت وتوقديدس[48]. إن المعنى التقني الصرف الذي اكتسبه مركب “فلسفة”Philosophia  في العصور اللاحقة هو صناعة أفلاطونية بامتياز، أما المتداول السائد منذ زمن طاليس الملطي Thales de Milet فهو لفظSophia   ومشتقاته التي ذكرنا، فضلا عن لفظيPhysikai   وPhysiologoi وغيرهما من مشتقات ومركبات لفظ “فيزيس”. وعدا ذلك، فإن عماد المؤرخين لا يعدو ما أورده ديوجين اللايرسي Diogène de Laërce وغيره، من طريق هيراقليدس البنطيHéraclide du Pont ، عن الحكيم فيثاغورس[49]. لكن من المعلوم أن هيراقليدس البنطي الذي ينقل عنه اللايرسي – مثلما نقل عنه يامبليخوسJamblique  وشيشرونCicéron  وكوينتليانوس Quintilien – هو أحد تلامذة أفلاطون؛ ولذلك فليس من المستبعد أن يتقول بعض الأفلاطونيين على فيثاغورس فيما يشبه البحث عن “سلف ضامن”.

 

     الخطباء “الأطباء”

     لكننا، في الواقع، لا نملك دليلا على أن سفسطائيي أفلاطون لم ينتحلوا نظريات الفيزيولوجيين، أو لم يتعاطوا صناعة الطب إلى جانب صناعة الخطابة؛ بل إن المعطيات المتوفرة، على قلتها، تبعث على القول بأن منهم مشاركين – حتى لا نقول علماء – في الطبيعة والهندسة والحيل والطب، وفي غير ذلك. فهذا ديوجين اللايرسي يحدثنا، نقلا عن كتاب التربية الأرسطي المفقود، عن ابتكار السفسطائي بروتاغوراس الأبديريProtagoras d’Abdère  لجهاز التولي” Tulè «المستخدم في حمل الأثقال»[50]. وكان للسفسطائي هيبياس الإليسيHippias d’Elis  اهتمام بالغ بالصنائع والحرف المختلفة انسجاما مع موقفه “الديمقراطي”، بل تمهر فيها وأبدع غاية الإبداع على ما يذكر أفلاطون[51]؛ وفضلا عن ذلك، كانت له اهتمامات رياضية نذكر منها، على الخصوص، محاولته الهندسية في مسألة تربيع الدائرة[52]. وعلى شاكلة قدماء الفيزيولوجيين تصدى السفسطائي بروديقوس الخيوسي Prodicos de Ceos  لمسائل الطبيعة وأفرد لها قسما من كتاب الفصول المنسوب إليه[53]؛ ويضاف إلى ذلك أن أفلاطون خصه بالثناء في غير ما موضع من المحاورات، كما أسلفنا، واضطر إلى الاعتراف باجتهاداته في حقل الدلالة. كما ألف السفسطائي جورجياس الصقلي كتابه في اللاوجود أو في الطبيعة مستلهما فيه بعض مناحي الأنبادوقلية[54].  ويذكر كذلك أن للسفسطائي أنتيفون الرمنوسي Antiphon de Rhamnote آراء طبيعية ناقشها أرسطو واعترض عليها في كتاب الطبيعة[55]، واهتم بمسائل تفسير الأحلام وبالطب النفساني أو “الروحاني” الذي يسميه “صناعة صرف الأحزان”[56]Alupias  Tekhnê؛ كما أنه تصدى، مثل هيبياس الإليسي، لمسألة تربيع الدائرة[57].

     إن هذه المعطيات ترجح بقوة فرضية امتهان بعض السفسطائيين أو تعاطيهم الطب وما إليه. فعلاوة على ما ذكرنا من اهتمام هيبياس بالطب النفساني أو “الروحاني”، فقد تحدث أرسطوفان عن السفسطائيين بوصفهم “أدعياء طب”[58]. ومن الواضح أن الأمر يتعلق بمعاصري سقراط، هذا الذي عده أرسطوفان شيخا من شيوخهم. وحيث إنه من غير المناسب، كما أسلفنا، أن نتحدث بصدد السفسطائيين عن جماعة أو تعاليم مذهبية متجانسة، فإن الخصم السفسطائي الذي يجادله المؤلف أو المؤلفون الأبقراطيون يتخذ أكثر من صورة. وعلى ذلك، فإننا لا نستبعد أن يكون الطب الأمبريقي المحض في عداد هذه “السفسطة” المعترض عليها في مواضع شتى من المتن الأبقراطي[59].

     لكن، ليس عبثا أن يكون أقدم أثر تاريخي معروف للفظ “الخلط”Khumous  بالمفهوم الطبي القديم هو الوارد في كتاب مناقب هيلين لجورجياس الصقلي، حيث يماثل الشيخ السفسطائي بين تأثير “الكلام” في النفوس وتأثير “العقاقير” في الأبدان، فيقول :» فكما أن من العقاقير ما يدفع الأخلاط [الردية] عن البدن، وأن هذه العقاقير قد تشفي كما قد تقتل، فكذلك الحال في الأقاويل، فإن منها ما يجلب السكينة ومنها ما يسحر»[60]. فأيهما أخذ عن الآخر يا ترى: هل أخذ جورجياس عن أبقراط أم أخذ أبقراط عن جورجياس؟ أما المصادر التاريخية القديمة فتذكر، نقلا عن سورانوس الأفسسي Soranos d’Ephèse، أن أبقراط تتلمذ على السفسطائي جورجياس وأخذ عنه من صناعة الخطابة. ويتشكك يوحنا أ. ديزايمريسJ.-E. Dezeimeris  في صحة الخبر، لكنه لا يشفع شكوكه بدليل[61]. ويؤكد يوحنا تزيتزسJ. Tzétzès ، شأنه في ذلك شأن كتبة سويداسSuidas ، على صحة ما أورده سورانوس دون قيد أو شرط، بينما ينقله كورت شبرنغلK. Sprengel  وشارل دارمبرغDaremeberg   Ch.وآخرون من غير أن يقطع أحد منهم برأي[62]. ومهما كان الحال، فليس من المستبعد تماما أن يكون جورجياس، السفسطائي “الأنبادوقلي”، هو ملهم النموذج الرباعي لنظرية الأخلاط الوارد في كتاب طبيعة الإنسان المنحول. لكن من العسير أن نصرف النظر عن حضور نظرية “الكايروس”Kaïros  أو “المناسبة” في فاتحة كتاب الفصول الأبقراطي[63]؛ وهي من مشمولات درس الخطابة السفسطائي. وتتصل نظرية “الكايروس” بمفهوم الزمن وطبيعته وبقيمة الفعل الإنساني وحدوده، لكنها تفترض، قبل ذلك، نقدا جذريا لمفهوم الوجود البارمنيدي، وهي لذلك ذات حمولة أنطولوجية و”أنثربولوجية”؛ وبالجملة، إنها بمثابة نظرية حول “الشرط الإنساني”[64]. ولا نكاد نشك، كذلك، في تأثر نظرية “أيام البحران”Jours Critiques  – وهي من ركائز الطب الأبقراطي[65] – بنظرية “الكايروس” السفسطائية. ومن المؤكد أن لمفهوم “الكايروس” هذا أصولا ميثولوجية موغلة في القدم، وأنه استؤنف، في العصور المختلفة، من قبل الشعراء والفنانين وغيرهم، فعرف تطورات لا تخلو من أهمية؛ لكن فضل بلورته كنظرية “فلسفية” يعود، في الواقع، إلى السفسطائي جورجياس[66].

     يتحصل مما سبق أن الحرب الجدلية على السفسطائيين لم تمنع من استيعاب مقدرات الخصوم؛ بل نستطيع القول إن هذا الاستيعاب بالذات هو الذي أثمر الطب الأبقراطي كمنعطف فريد في تاريخ العلم وكرسه، كما بين ف. يايغر، كنموذج ألفي للقولين العلمي والفلسفي. إننا، في الواقع، بصدد “غنائم” حرب لم يكن الطب الأبقراطي المستفيد الوحيد منها بالتأكيد؛ وكأن هزائم الخصم هي سبيله إلى الخلود أيضا. ولا يبدو أن للمسألة صلة عميقة ووحيدة بأبقراط المنحول أو أبقراط التقليد، ولا هي مما يمكن رده ببساطة إلى تاريخ المتن الأبقراطي وحيثيات جمعه وتدوينه وانتشاره في الآفاق منذ رحيل أبقراط. فلا أحد من القدماء أو المحدثين تشكك، على سبيل المثال، في أصالة فاتحة الفصول الأبقراطي أو في مكانة نظرية “أيام البحران” من التقليد الطبي الأبقراطي، مع أن كليهما مدين لنظرية “المناسبة” السفسطائية. لكن، لا شيء أخلق بالاهتمام أكثر من علاقة “نظرية الأخلاط” الأبقراطية بالخطابة السفسطائية. فلئن كانت هذه النظرية تمثل، بلا منازع، النواة الصلبة للبرادايم الطبي الأبقراطي، فإن بوسعنا القول إن للخطابة السفسطائية يدا طولى في تبلورها كنظرية في الحقل الطبي. لكن الحجاج عن هذه الدعوى يظل، في الواقع، رهن استعدادنا لتعليق الأحكام المسبقة التي لا شك أن وراءها قرونا من سلطان “الخطابة” الأرسطية؛ كما أنه يظل، كما أسلفنا، رهن استعدادنا للتحرر من أوهام المؤرخين عن السفسطائيين بوصفهم “فرقة” متجانسة مذهبيا[67]. فإن كان هناك قاسم مشترك يجمع بين السفسطائيين فهو العداء الذي ناصبهم إياه أفلاطون واستأنفه تاريخ الفلسفة؛ وخلا ذلك، فإن ما يجمع بينهم لا يتعدى وضعهم السوسيولوجي كسفراء “أجانب” Métoikoi وكمعلمين جوالين يحترصون الأتعاب لقاء ما يقدمون من خدمات لصفوة شباب أثينا وأعيانها[68]. وقد يكون من المفيد أن نشير، عرضا، إلى الشبه الذي يجمعهم، من هذه الناحية، بالأطباء الأبقراطيين[69]. لقد انطلق السفسطائيون من تقابل “الفيزيس”Physis  و”الناموس”Nomos  أو الطبيعة والعرف؛ لكن كان منهم أنصار الطبيعة مثلما كان منهم أنصار العرف. فالتمييز بين الطبيعة والعرف يتم على ضوء “الفائدة” المبتغاة منهما والعواقب المترتبة على خرق مقتضياتهما؛ ويراعى في كل ذلك عامل “الكايروس”. فليست “الطبيعة” و”العرف” حدين مطلقين أو كيانين أصمين. ونحن نجد في السفسطائيين داعية الديمقراطية كما نجد فيهم نصير الطغيان، فضلا عن الكلبي والمحافظ والثوري، وهلم جرا.

 

     الريطوريقا بوصفها صناعة طبية

      ومع ذلك، فلا شيء يمنع من الحديث عن “نزعة” أو “حركة” سفسطائية؛ وذلك أن هذين اللفظين يستوعبان معا حال السفسطائيين الموسومة بالفسيفساء المذهبية مع الاعتراف، في نفس الآن، بوحدة الأفق أو المقاصد والغايات. وتستمد هذه الوحدة دلالتها الكاملة، كما أسلفنا، من شرطها التاريخي الذي ليس شيئا آخر سوى سيرورة “الجدل المؤَنِّس”. إن وحدة الأفق هذه تتجلى في ما يؤمه القول السفسطائي من “التأنيس” الراديكالي لمطالب الحكمة. والظاهر أن هذا “التأنيس” هو محصلة نقد غير مسبوق للأنطولوجيا الإيلية، وبخاصة البارمنيدية. ذلك أن السفسطائيين يعترضون على مشروعية فلسفة الوجود من الأساس. فليس هذا الوجود، عندهم، مما يقبل أن يكون موضوع تعقل أو مقال. ومع أنهم لا ينكرون وجود الأشياء، فإن ما يهم، بالنسبة إليهم، ليس هو الوجود بل ما يجعل الأشياء توجد أو يهبها الوجود: الإنسان، وما يجعلها تحضر أو يكسبها الحضور: اللغة. إنهم، في الواقع، يؤسسون لنوع من أنطولوجيا السلب؛ إذ الوجود، عندهم، لا يعدو أن يكون مقولة نحوية. ولئن صح أن اللغة وسيلة للتعبير عن فكر ما، فهو فكر قد فك ارتباطه، سلفا، بمسمى الوجود؛ وعلى هذا النحو، فهم يؤهلون الخطابة لتحل محل الأنطولوجيا التي نالت أشرف المراتب وأسست لهرم المعارف عند نظار الفلاسفة.

     إن الحكمة غير ممكنة، إذن، إلا بوصفها ريطوريقا أو “صناعة كلام”. لقد أقدم السفسطائيون على تفكيك وحدة الوجود والفيزيس، مثلما فككوا وحدة الفكر والوجود؛ فما عاد الوجود أو الطبيعة موضوع كشف أو مقال بفضل اللغة، وما عاد الأمر يتعلق بسبل التحول من الظن إلى اليقين أو من الجهل إلى العلم وفق مبدأ عدم التناقض، بل قصارى ما يطلبه الإنسان، فردا أو جماعة، هو أن يصير، بفضل “صناعة الكلام”، من حال إلى حال أفضل منها؛ وما أشبه هذه الصيرورة بأحوال الإنسان مع قوى العقاقير كما قال جورجياس في مناقب هيلين[70]. إنها صيرورة تهم المعرفة كما تهم الأخلاق والسياسة؛ ففي هذه الحقول جميعا تضطلع الخطابة بمهمة خلق “الهومونيا” أو الوفاق المفقود. وحيث إنه لا وجود لنقطة ارتكاز دائمة أو معيار مطلق، فإنه يتعين الكدح باستمرار بحثا عن “الكايروس” أو اللحظة المناسبة للقول والفعل. وهذا يتطلب أن توضع المتغيرات التي لا حصر لها في الحسبان كالشخص والسن والمقام والمكان والزمان، إلخ. ومرة أخرى، قد تفيدنا الإشارة إلى وجه القرابة بين هذا التصور السفسطائي وبين علم الأسباب الأبقراطي المعبر عنه في كتابي الأهوية والمياه والأماكن والطب القديم[71].

     ولقد أشرنا، سابقا، إلى “الكايروس” بوصفه نظرية تهم “الشرط الإنساني” ككل؛ وهذا يعني أنها تتصل، في جانب منها على الأقل، بقضايا “نظرية الإنسان” أو “الأنثربولوجيا”. وبالفعل، فإن المكانة التي تشغلها أسطورة بروميثيوس في فكر السفسطائيين تسمح بالقول إننا بصدد معالم “أنثربولوجيا” خليقة بالاهتمام على أكثر من صعيد[72]. غير أنها موسومة، بدورها، بأقصى درجات السلب. إن تدخل بروميثيوس لصالح الإنسان يعني أن كل مقدراته كإنسان متحصلة من “سرقة”، وليست إرثا طبيعيا أو هبة من السماء. وتظهرنا هذه “السرقة الأصلية”  Vol Originel– إن صح التعبير– على أفول المطلق واستحالة النموذج الهادي للقول والفعل، وأن مناط الأمور كلها الإنسان وأوفاقه. بيد أن التقنيات المتحصلة من “سرقة” ليست سواسية من حيث القيمة الفعلية؛ ذلك أن سائر التقنيات مفتقرة إلى “تقنية التقنيات”: الريطوريقا أو “صناعة الكلام”. إن الريطوريقا، أو “صناعة الكلام”، تتنزل، مع الحكماء السفسطائيين، بوصفها تقنية طبية ابتداء، وتروم، من حيث هي كذلك، “تدبير” صحة الفرد والمجتمع؛ وبقول كلي : إنها جنس طبابة روحانية وسياسية. وقد يكتفى بالقول إنها طبابة سياسية، ذلك أن أمراض النفس، عند السفسطائيين، هي، في نهاية المطاف، أمراض “سياسية”. وتنجم أمراض السياسة هاته عن غياب “الهومونيا” أو الوفاق. ومع أن “الهومونيا”، شأنها في ذلك شأن “الكايروس”، ذات أصول ميثولوجية لا غبار عليها، فإن الفضل في بلورتها كمفهوم “فلسفي” يرجع إلى السفسطائيين.

     خاتمة

     إن حضور “الهومونيا” السفسطائية في الجدل الأبقراطي – المحتفى به أفلاطونيا – هو، في تقديرنا، من الجلاء والظهور؛ وذلك ما لم يفطن له إ. ليتري وف. يايغر أوغيرهما من الدارسين. بل قد لا نبالغ إذا نحن قلنا إن صناعة العلاج الأبقراطي ليست سوى تقنية لحفظ “الهومونيا” أو جلبها إلى بدن المريض، أو إن “الاعتدال” الأبقراطي[73] ليس سوى “هومونيا” طبية تقتفي أثر “الكايروس”. إلا أنها، في الواقع، أدنى إلى “الهارمونيا”Harmonia  الفيثاغورية. وليس هذا بالأمر الغريب؛ فالحضور الفيثاغوري يعلن عن نفسه بوضوح حين يتعلق الأمر، مثلا، بتعيين “أيام البحران”[74]. ثم إن الأبقراطية تبقى، في نهاية المطاف، ثمرة حرب جدلية على السفسطة. لقد نزعت، بصدد مفهوم “الطبيعة الإنسانية” إلى نوع من التركيب تجاوزت من خلاله شناعة التشميل الفيزيولوجي القديم وشناعة التأنيس السفسطائي العدمي، فاقتضاها ذلك أن تضفي عناصر الكونية والثبات على ظواهر البدن من خلال مفهوم “الفيزيس”. وبالجملة، لقد خاضت الأبقراطية حربا جدلية على خصومها، لكنها غنمت وتمثلت كثيرا من مقدراتهم؛ ونعتقد أن “الأنثربولوجيا” الأبقراطية، ممثلة على الخصوص في نظريتي “الأخلاط” و”الأمزجة”، ليست سوى ثمرة لهذا الجدل الموسوم بالمفارقات.

 

 

 

د. خليد كدري، أستاذ الفلسفة بجامعة شعيب الدكالي (المغرب)

البريد: Ko8035514@gmail.com


الهوامش:

[1]-  Cicéron, Tusculanes, V, 4, 10-11, 2 vol., trad.  Jules Humbert, (Paris: les Belles lettres, 2e éd., 1960), vol. 2, p. 111.

[2]–  Hegel, Leçons sur l’Histoire de la Philosophie, 7 vol., trad. P. Garniron, (Paris: Vrin, 1re  éd., 1971-1988), vol. 2, p. 243 sq; Nietzsche, Fragments Posthumes: Début 1888Début janvier 1889, trad. J.-C. Hémery in Giorgio Colli et Mazzino Montinari (éd.), Œuvres Philosophiques Complètes de Nietzsche, 14 vol., vol. 14, )Paris: Gallimard, 1977), p. 83-4.

[3]– Cicéron, Ibid.

[4]– Lambros Couloubaritis, Aux Origines de la Philosophie Européenne: de la Pensée Archaïque au Néoplatonisme, (Bruxelles: De Boeck Université, 4e éd., 2003), p. 193.

[5]– يعترف أرسطو، في الألف الكبرى من ما بعد الطبيعة، بريادة سقراط التاريخية في طلب “الحد” و”الاستقراء” من أجل “العلم” المأمول أرسطيا؛ انظر:

Aristote, Métaphysique, A, 5, 6, 987b, 2 vol., trad. Tricot, (Paris: Vrin, 1991), vol. 1, p. 29-30; Pierre Aubenque, le Problème de l’Être chez Aristote, (Paris: P. U. F, 1962), p. 296.

 وعلى الرغم مما في هذا التأويل “القياسي” من اختزال لجدل سقراط، فإنه لا يكاد يخفي عنا تمرس الحكيم الأثيني بأساليب السفسطائيين ذات الصلة بهاتين الآلتين، وبغيرهما مما هو مذكور في الطوبيقا والأغاليط. ومع قساوة موقفه من السفسطائيين، فقد أثنى أفلاطون، في مواضع شتى من محاوراته، على السفسطائي بروديقوس الخيوسي Prodicos de Ceos، وثمن، على الخصوص، اجتهاداته في بعض مباحث الدلالة نظرا لدنوها من علم “الحد” السقراطي ؛ انظر على سبيل المثال لا الحصر:

Banquet, 177b; Charmide, 163d; Euthydème, 277e, 305c; Hippias Majeur, 282c; Ménon, 75e, 96d; Phèdre, 267b; Protagoras, 314c, 315c-316a, 317c-e, 336d-337c, 339e-342a, 347a, 357e-359a.

[6]– يتعلق الأمر هنا بالصورة التي رسمها أرسطوفان لسقراط، في مسرحية السحبNuées ، بوصفه شيخا سفسطائيا كبيرا؛ أما أكسانوفان المؤرخ – وهو غير سميه الفيلسوف الأيوني – فقد نسب إلى الحكيم الأثيني، في  المذكراتMémorables ، قولا يصف  السفسطة بأنها “صناعة ملكية”؛ انظر:

Aristophane, Nuées, in Aristophane : Traduction Nouvelle, 2 vol. trad. E. Talbot, (Paris: Alphonse Lemerre, 1879), vol. 1, p.158, 175, 206-7; Xénophon, Mémorables, in Œuvres Complètes de Xénophon, 2 vol.,  trad. E. Talbot, (Paris: Hachette, 1859), vol. 1, p. 108.

[7]– ينعتهم أبقراط بهذا الاسم في الفقرة العشرين من كتاب الطب القديم، إلا إنه في معجم تاريخ الطب يرادف الفلاسفة دون قيد أو شرط؛ وهذا يؤدي إلى ألوان من سوء الفهم لا تقل خطورة عن الصورة النمطية التي كرستها الأفلاطونية عن السفسطائيين.

[8]– نقصد بذلك، كما ذكرنا في توطئة البحث، ما سيسميه المسلمون لاحقا بمبحث “كليات الطب”، ولاسيما نظريتي “الأخلاط” و”الأمزجة” اللتين شكلتا نواة  “البرادايم الخلطي”Paradigme Humoral  في الطب القديم. وفضلا عن ذلك، يمثل الطب، بالنسبة إلى مؤلف – أو مؤلفي – المتن الأبقراطي، المصدر الأوحد لمعرفة “الطبيعة الإنسانية”؛ انظر:

Hippocrate, De l’Ancienne Médecine, in Œuvres Complètes d’Hippocrate, 10 vol., trad. Emile Littré, (Paris: J.-B. Baillière, 1839-1861), vol. 1, p. 621; P. Kucharski, “La méthode d’Hippocrate dans le Phèdre“, Revue des Études Grecques, 52, 1939, p. 301-57, p. 316-17.

[9]– Joseph E. Pétrequin, Chirurgie d’Hippocrate, 2 vol., (Paris: Imprimerie Nationale, 1877), vol. 1, p. 11, 62.

[10]– تشغل أسطورة “الجبار” برومثيوس “الإنسية” مكانة مركزية في ما يمكن أن نعتبره “أنثربولوجيا” سفسطائية. وقد عرضها أفلاطون على لسان بروتاغوراس في ذات المحاورة التي تحمل اسم الشيخ السفسطائي؛ انظر:

Platon, Protagoras, XI-XII, in Œuvres de PlatonIon, Lysis, Protagoras, phèdre, le Banquet, trad. Emile Chambry, (Paris: Garnier  Frères, 1919), p. 120-4.

[11]– عن المشترك بين مفهوم “التقنية” أو “الصناعة” Tekhnê  الأبقراطي ونظيره السقراطي- الأفلاطوني؛ انظر:

  1. Kucharski, op. cit., p. 326 sq.

[12]– نقصد على الخصوص الطابع “الصوفي” الذي يسم نصوص “الإتيقا” و”الديونطولوجيا” الطبيين الأبقراطيين، وذلك بصرف النظر عن ظاهرة تقديس شخص أبقراط الذي ترقى، في الآداب الطبية القديمة وفي المخيال الشعبي، إلى رتبة القديسين والأولياء؛ انظر: J. E. Pétrequin, op. cit., p. 24.. ولا نعتقد أنه من الممكن تفسير الأمر بمجرد رده إلى الأصول الإسقلبيادية لأبقراط؛ فللأمر، على ما نرى، صلة بحرب الأبقراطية ككل على خصومها؛ وليست “الأخلاق” و”علم الواجبات” الطبيين الأبقراطيين سوى جبهة من جبهات هذه الحرب الجدلية. وهذا لا يعني أننا ننفي أن يكون لثقافة المعابد الدينية من معتقدات وطقوس دور في ما ذكرنا؛ لكن هذا الدور يقع في مكانه من السيرورة التي أثمرت الأبقراطية لا خارجها.

[13]– Hippocrate, Des Airs, Des Eaux et Des Lieux, in Hippocrate, Œuvres choisies, trad., Introd., et Notes par Charles Daremberg, (Paris: Charpentier, Fortin & Masson, 1844), Introd., p. 187.

-[14] يحضرنا، فيما يتعلق بالطب العربي-الإسلامي، مثال الرازي في رسالة الطب الروحاني، حيث تستوعب الأخلاق روح الخطابة كتقنية طبية؛ لكنها خطابة تصادر، سلفا، على طائفة من قضايا “نظرية النفس” الأفلاطونية؛ انظر: الرازي، كتاب الطب الروحاني، ضمن رسائل الرازي الفلسفية، تح. بول كراوس، 2 ج.، )القاهرة: جامعة فؤاد الأول، 1939(، ج. 1، ص. 15-96، ص. 29: “[…] الطب الروحاني وهو الإقناع بالحجج والبراهين في تعديل أفعال هذه النفوس لئلا تقصر عما أريد بها ولئلا تجاوزه”؛ وقارن تقريظه لسقراط في الرازي، السيرة الفلسفية، ضمن رسائل الرازي…، نفسه، ص. 99-111، ص. 99-101.

[15]– قد يفسر الأمر بحظوة “سياسة” أفلاطون عند المسلمين، ثم – إلى حد ما أيضا – ببعض الأخلاقيات الرواقية الوافدة عليهم من طريق جالينوس؛ وتستوي في ذلك معظم أطياف الفلسفة العربية-الإسلامية بما في ذلك المشائية. غير أن مفهوم “البرادايم الطبي” الذي ذكرنا يند عن معنى “الإستعارة” الطبية في قضايا الفلسفة الأخلاقية والسياسية أو تأويل “وضعية” إبستمولوجية ما بأخرى. إن “البرادايم الطبي” يؤسس، في الواقع، لرؤية مغايرة لفعل “التفلسف” بوصفه تقنية طبية أو علاجية ابتداء؛ وأصول هذا البرادايم نلفيها في السيرورة التي أثمرت، في الآن ذاته،  طب أبقراط وأخلاق سقراط.

[16]– ليو شتراوس وجوزيف كروبسي (تحرير)، تاريخ الفلسفة السياسية، ترجمة محمود سيد أحمد، 2 ج.، (القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 2005)، ج. 1، مدخل، ص. 24-5؛ وقارن:

  Platon, Phèdre, LIV, in Œuvres de PlatonIon, Lysis…, trad. E. Chambry, op. cit., p. 296.

[17]– لنلاحظ أن لفظ Diète – أو “الحمية” –  ذاته يجري استعماله، أحيانا، بمعنى سياسي، حيث يراد به في بعض اللغات الأوربية الحديثة ولاسيما الفرنسية، معنى “المجلس” Assemblée  –  أو “البرلمان” بالنسبة إلى النظم الديمقراطية –  وهو ينحدر من اللفظ اللاتيني Dieta المشتق بدوره من لفظ Dies   الذي يعني “اليوم”. والظاهر أنه دل به، في الأصل، على يوم انعقاد “المجلس”، ثم نقل المعنى إلى “المجلس” ذاته من باب المجاز؛ انظر:

  1. Littré, Dictionnaire de la Langue Française, 4 vol., (Paris :Hachette, 1874), vol. 1, p. 1155.

[18]– Hérodote, Histoire, III, 80, trad. P.-H. Larcher, (Paris: G. Charpentie), 1850, vol. 1, p. 277; Thucydide, Histoire de la Guerre du Péloponnèse, IV, 74, trad. Ch. Zevort, (Paris: G. Charpentier, 1883), vol. 1, p.315, 412.

[19]– Platon, Protagoras,  III; Phèdre, LIV-LV, in Œuvres de Platon: Ion, Lysis,…, trad. E. Chambry, op. cit., p. 104, p. 296 sq.

[20]– يذهب أوغست ديازA. Diès ، على سبيل المثال، إلى أن مفهوم الوجود بوصفه “قوة” Dúnamis، الوارد في الفقرة274d-e  من محاورة “السفسطائي” الأفلاطونية، قد استنبط من طب أبقراط. وقد استؤنف هذا المفهوم – عبر أرسطو – من قبل الأنساق الميتافيزيقية المختلفة، وأخضع لشتى التأويلات؛ انظر:

   Auguste Diès, la Définition de l’Etre et la Nature des Idées dans le Sophiste de Platon, (Paris: Félix Alcan, 1909), p. 23 sq.

[21]– Théodore Gomperz, les Penseurs de la Grèce: Histoire de la Philosophie Antique, 3 vol., trad., A. Reymond, (Paris-Lausanne: Alcan & Payot, 2e éd., 1908), vol. 1, p. 291-332, notamment p. 300

[22]  Ibid., p. 313, 330.

[23]– W. W. Jaeger, les Idéaux de la Culture Grecque, cité par Eduardo L. Mahieu, “L’Influence de l’Acte Clinique dans la Pensée Grecque”, L’Information Psychiatrique, 82, 2006, p.159-63, p. 160.

[24]– Th. Gomperz, op. cit., p. 300.

[25]– W. W. Jaeger, les Idéaux…, cité par E. L. Mahieu, op. cit., p. 161.

[26]– انظر: Platon, Phèdre, 270c, op. cit., p. 80.. وقد أثارت هذه الفقرة من فيدروس، منذ ترجمة إ. لينري للأعمال الأبقراطية الكاملة، نقاشا علميا واسعا بين المؤرخين؛ انظر نبذة تاريخية عن هذا النقاش  في : P. Kucharski, op. cit., p. 302 sq.. والحال أن يايغر وليتري يقتفيان معا أثر جالينوس في كتاب آراء أبقراط وأفلاطون؛ انظر: رسالة حنين بن إسحق إلى علي بن يحيى في ذكر ما ترجم من كتب جالينوس بعلمه وبعض ما لم يترجم، ضمن عبد الرحمن بدوي، دراسات ونصوص في تاريخ الفلسفة والعلوم عند العرب، (بيروت-لبنان: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط. الأولى، 1981)، ص. 163: “كتاب في آراء بقراط وفلاطن […] وغرضه فيه أن يبين أن فلاطن في أكثر أقاويله موافق لبقراط من قبل أنه عنه أخذها “؛ وقارن:

Hippocrate, Œuvres C. H.  trad. E. Littré, op. cit., vol. 1, Introduction,  p.294-320.

[27]– Platon, Phèdre, L, in Œuvres de Platon: Ion, Lysis,…, trad. E. Chambry, op. cit., p. 286.

[28]– P. Kucharski, op. cit., p. 323-25.

[29]– Hippocrate, De l’Ancienne Médecine, in Œuvres C. H., op. cit., vol. 1, p. 571-637.

[30]– Ibid., p. 621-25.

[31]– Ibid., p. 44-5; Th. Gomperz, op. cit., p. 299; Emmanuel Chauvet, la Philosophie des Médecins Grecs, (Paris: E. Thorin, 1886), p. 6.

[32]– Gilbert R. Dherbey, les Sophistes, 4e éd., P. U. F: Paris, 1995, p. 3, 124-5.

[33]– J. E. Pétrequin, op. cit., p. 11, 25.

[34]– ينفرد ابن ابي أصيبعة بإيراد خبر مفاده أن مصنفات أبقراط التعليمية، أي المقررة في درس الطب، إثنا عشر من أصل ثلاثين من “صحاح” أبقراط؛ لكنه لا يقول شيئا عن صلة هذه “المناهج” التعليمية بجوامع الإسكندرانيين المشهورة عند اللاتين، ولاسيما الأبقراطية الأربعة، وهي: الفصول، تقدمة المعرفة، تدبير الأمراض الحادة ثم الأهوية والمياه والبلدان. ولا نستطيع أن نستنبط من كلام ابن أبي أصيبعة  ما يدل على أن الإثني عشر التعليمية هي “جوامع” بالفعل، ولا ما يدل على أن المسلمين اشترعوها بأنفسهم من باب الاجتهاد “المحلي”. ويورد ابن أبي أصيبعة عناوين هذه المصنفات الإثني عشر، بما في ذلك العناوين الأبقراطية الأربعة التي ذكرنا، لكنه يسكت عن باقي “الصحاح”؛ ولعله أدرجها في اللائحة الإضافية التي أوردها، بعيد ذكر عناوين الإثني عشر، عن بقية كتب أبقراط “الصحيحة” منها و”المنحولة”. ويذهب ريمون لوكوR. Le Coz  إلى أن ما أورده ابن رضوان المصري، في النافع في تعليم صناعة الطب، هو “الأصح” وأن المسلمين لم يتداولوا سوى “جوامع الإسكندرانيين” العشرين المحتفى بها عند اللاتين من غير زيادة أو نقصان، أي جوامع الأربعة الأبقراطية التي ذكرنا وجوامع الستة عشر الجالينية؛ انظر: ابن أبي أصيبعة، عيون الأنباء في طبقات الأطباء، تح. محمد باسل، (بيروت-لبنان: دار الكتب العلمية، ط. الأولى، 1998)، ص. 43؛ وقارن:

Raymond le Coz, les Médecins Nestoriens au Moyen Age, (Paris: l’Harmattan, 2004), p. 21-2.

     ويميل م. مايرهوفM. Meyefhof ، على ما يبدو، إلى تصديق خبر ابن أبي أصيبعة فيما يتعلق بعدد المصنفات الأبقراطية التعليمية المتداولة عند المسلمين؛ بل قد يفهم من كلامه أن “جوامع الإسكندرانيين” الأبقراطية ليست شيئا آخر غير ما ذكر ابن أبي أصيبعة؛ لكنه، بدوره، لا يذكر شيئا عن الثلاثين “الصحاح”، ولا هو يتطرق بحديث إلى المشهور لدى اللاتين من جوامع أبقراط. أما لوسيان لوكليرL. Leclerc ، فينقل الخبر عن ابن أبي أصيبعة، كما هو، ولا يدلي بأدنى رأي في الموضوع؛ انظر : ماكس مايرهوف، “من الإسكندرية إلى بغداد: بحث في تاريخ التعليم الفلسفي والطبي عند العرب”، ضمن عبد الرحمن بدوي (تحرير وترجمة)، التراث اليوناني في الحضارة الإسلامية، (الكويت-بيروت: وكالة المطبوعات بالاشتراك مع دار القلم، ط. الرابعة،  1980)، ص.45-6؛ و كذا:

  Lucien Leclerc, Histoire de la Médecine Arabe, 2 vol., (Paris: Ernest Leroux, 1876), vol. 1, p.231-32

     غير أن صمت ابن أبي أصيبعة عن الثمانية عشر الباقية من “الصحاح” لا يمنعنا من التعرف على بعضها من اللائحة الإضافية التي أرودها بعيد إيراد عناوين الإثني عشر، وذلك لأن ابن أبي أصيبعة أشار إليها، نقلا عن حنين بن إسحق، في معرض الحديث عن شروح جالينوس لأبقراط. فمن هذه  “الصحاح”، التي تشهد لها شروح جالينوس ولم يذكرها ابن أبي أصيبعة في الإثني عشر التعليمية: كتاب العهد، كتاب القروح ثم كتاب جراحات الرأس، وربما تدبير الأصحاء لأن تفسير هذا الأخير، فيما يذكر ابن أبي أصيبعة، هو مما نسب إلى جالينوس بنقل حنين وليس له ذكر في رسالة حنين عما ترجم من جالينوس؛ انظر: ابن أبي أصيبعة، عيون…، مرجع سابق، ص. 130، 135؛ وكذا: رسالة حنين بن إسحق إلى علي…، ضمن عبد الرحمن بدوي، دراسات ونصوص…، مرجع سابق، ص. 171-2. غير أن ابن أصيبعة ينقل عن حنين، في معرض الحديث ذاته، أن “تفسير كتاب طبيعة الجنين لأبقراط” منحول إلى جالينوس، وأن هذا الأخير لم يفسره، ولم يعترف إلا بالجزء الثاني منه، وأنكر نسبة الأول والثالث إلى أبقراط؛ انظر: ابن أصيبعة، عيون…، مرجع سابق، ص. 131؛ ورسالة حنين بن إسحق إلى علي…، ضمن عبد الرحمن بدوي، دراسات ونصوص…، مرجع سابق، ص. 173. ونحن لا نستبعد أن يكون هو نفس كتاب الأجنة الذي يشغل صدارة الإثني عشر التعليمية من لائحة ابن أبي أصيبعة؛ وهو الكتاب الذي رجح بتروكان أن يكون من تأليف أطباء مدرسة قنيدوسEcole de Cnide . لكن، لم أعرض ابن أبي أصيبعة، هنالك، عن الإشارة إلى رأي حنين لو كان يشاطره الرأي بالفعل؟ هل نفسر ذلك بمبدأ “موضوعية” المؤرخ الذي يخبرنا بأمانة عن متداول عصره؟ وفي هذه الحالة، لم أدرج الكتاب في صدارة “الصحاح”؟ والجدير بالذكر أن نفس الموقف يتكرر بالنسبة إلى المقالات الثلاث المنحولة من “أبيديميا”، على رأي جالينوس.

[35]– النديم، الفهرست، تح. يوسف ع. الطويل، (بيروت-لبنان: دار الكتب العلمية، ط. الثانية، 2002)، ص. 456؛ ابن جلجل، طبقات الأطباء والحكماء، تح. فؤاد رشيد، (بيروت-لبنان: مؤسسة الرسالة، ط. الثانية، 1985)، ص. 16؛ القفطي، أخبار العلماء بأخبار الحكماء، (القاهرة: مكتبة المتنبي، د. ت.)، ص. 67؛ ابن أبي أصيبعة، عيون…، مرجع سابق، ص. 44.

[36]– وفي التراجم العربية “فولونيس” أو “فولوبس” أو “فولوس” ! انظر: ابن جلجل، طبقات…، مرجع سابق، ص. 16، 19. وعن نسبة الكتاب إلى بوليبوس القوسي، انظر:

     Hippocrate, Œuvres C. H., op. cit., vol. 1, Introd., p. 345-9.

[37]– P. Kucharski, op. cit., p. 370.

[38]– احتفظنا، من أجل الأمانة، بعناوين ابن أصيبعة العربية مع سابق علمنا أنها تستدعي النقاش؛ أما العناوين الفرنسية، فهي الواردة في ترجمة ليتري. وفيما يتعلق بالمحتوى “السجالي” أو الجدلي لما ذكرنا من مصنفات، انظر:

Hippocrate, Œuvres C. H., op. cit., vol. 1, Introd., p. 48-53.

[39]الأجنة؛ طبيعة الإنسان؛ الأهوية والمياه والبلدان؛ تقدمة المعرفة؛ الأمراض الحادة؛ أوجاع النساء؛ الأمراض الوافدة المسمى “أبيديميا”؛ الأخلاط؛ الغذاء؛ قاطيطريون المسمى “حانوت الطبيب”؛ الكسر والجبر؛ فضلا عن “الصحاح” التي تشهد لها شروح جالينوس أي  العهد والقروح وجراحات الرأس، وربما تدبير الأصحاء؛ انظر: ابن أبي أصيبعة، عيون…، مرجع سابق، ص. 43-5، 130، 135؛ وكذا: رسالة حنين بن إسحق إلى علي…، ضمن عبد الرحمن بدوي، دراسات ونصوص…، مرجع سابق، ص. 171-2.

[40]– J. E. Pétrequin, op. cit., p.  85.

[41]– Hippocrate, Du Régime dans les Maladies Aigües, in Œuvres C. H., op. cit., vol. 2, p. 225-29; J. E. Pétrequin, op. cit., p. 104-5.

[42]– Hippocrate, De l’Aliment, in Œuvres C. H., op. cit., vol. 9, Argument, p. 96.

[43]– Antoine Thivel, “Hippocrate et la Théorie des Humeurs”, Noesis, 1, 1997, p. 85-108.

[44]– Hippocrate, Du Régime Salutaire, in Œuvres C. H., op. cit., vol. 6, p. 73-87.

[45]– ومع ذلك لم يثبته في صنافته لمؤلفات “المتن”، ولا هو ذكره في القسم الرابع كما ينقل عنه بتروكان. فالظاهر أن الأمر اشتبه على بتروكان فلم يفرق بين كتاب النسمات Des Vents  وكتاب النفث Du Pneuma؛ انظر:

  1. E. Pétrequin, op. cit., p. 74.

أما عن نسبة كتاب النسمات إلى “السفسطائيين” من قبل ليتري، فانظر:

Hippocrate, Des Vents, in Œuvres C. H., op. cit., vol. 6, Argument, p. 88.

[46]– Id., De l’Ancienne Médecine, in Œuvres C. H., op. cit., vol. 1, p. 621.

[47]– يؤكد بول غليونجي بدوره على نسبة كتاب طبيعة الإنسان إلى هؤلاء “السفسطائيين”، لكنه لا يعلل هذه النسبة؛ وعلى هذا النحو أيضا يرشح كتابي الأحلام والمرض الإلهي لأن يكونا من وضع نفس المؤلفين “السفسطائيين”؛ انظر: بول غليونجي، قطوف من تاريخ الطب، (القاهرة: دار المعارف، د. ت)، ص. 193.

[48]– Hérodote, Histoire, I, 30, op. cit., vol. 1, p. 34-5; Thucydide, Histoire de la Guerre du Péloponnèse, II, 40, op. cit., vol. 1, p. 167.

[49]– Diogène Laërce, les Vies des Plus Illustres Philosophes de l’Antiquité, (Paris: Lefèvre & Charpentier, 1840, préface, p. 5.

[50] Ibid., p. 415.

[51]– Platon, Hippias Mineur, 368b, in Platon : Premiers Dialogues, trad. E. Chambry, (Paris: GF-Flammarion, 1967), p. 74.

[52]– G. R. Dherbey, op. cit., p. 82-4.

[53]– العنوان الأصلي للكتاب هو الساعاتHôrai . وقد فضل ج. ر. ديربي ترجمة ج. ب. ديمون للعنوان بلفظ les Saisons عوض les Heures، مبررا ذلك بأن الأخير يطلق أيضا على “ربات الخصب الخيوسيات”؛ انظر: Ibid., 59.. ولعله يقصد بوابات السماء من بنات زيوس وتميس، وهن ربات الفصول والأزمنة.

[54]– G. R. Dherbey, op. cit., p. 35 sq.

[55]– Aristote, Physique, 2, 1, § 13, trad. J. Barthélemy-Saint Hilaire, 2 vol., (Paris: A. Durand & Ladrange, 1862), vol. 2, p. 5 sq.

[56]– G. R. Dherbey, op. cit., p. 110.

[57]– Aristote, op. cit., 1, 2, § 7, vol. 1, p. 437.

[58]– Aristophane, op. cit., p. 173.

[59]– Hippocrate, Des Articulations,  in Œuvres C. H., op. cit., vol. 4, p. 183, 185, 191, 313, 639-43; Id., Préceptes, in Œuvres C. H., Ibid., vol. 9, p. 259 sq; cf. E. Chauvet, op. cit., p. 9.

[60]– Gorgias, Eloge d’Hélène, trad. J.-P. Dumont, in les Sophistes: Fragments et Témoignages, (Paris:  P. U. F, 1969), p. 88.

[61]– J.-E. Dezeimeris, Dictionnaire Historique de la Médecine Ancienne et Moderne, 4 vol., (Paris-Bruxelles: Béchet Jeune & Dépôt Générale L. M. F, 1836), vol. 3, p. 134.

[62]– J. E. Pétrequin, op. cit., p. 34-5.

[63]– وتحضر في المنحولاتApocryphes  كما في القسم الأول من كتاب الأمراض Des Maladies I على سبيل المثال. أما حضورها في فاتحة كتاب الفصول  فله دلالة بالغة بالنظر إلى مكانة الفصول من التقليد الأبقراطي؛ انظر :

Hippocrate, Aphorismes, in Œuvres C. H., op. cit., vol. 4, p. 459; cf. Id., Des Maladies, I, in Œuvres C. H., op. cit., vol. 6, p. 147-51.

[64]– Pierre Aubenque, la Prudence chez Aristote, (Paris: P. U. F, 1963), p. 95 sq.

[65]– لمطالعة المواضع ذات الصلة بنظرية “أيام البحران” من المتن الأبفراطي يمكن الرجوع إلى “فهرس المحتويات والأعلام والأماكن” الذي أفرد له ليتري قسما من المجلد العاشر من ترجمته، وعلى الخصوص مواد crise، critique، ثم jour؛ انظر :

Hippocrate, Œuvres C. H., op. cit., vol. 10, p. 546-48, 656-57.

[66]– G. R. Dherbey, op. cit., p. 49.

[67]– Th. Gomperz, op. cit., p. 449.

[68]– G. R. Dherbey, op. cit., p. 124.

[69]– Hippocrate, la Loi, in Œuvres C. H., op. cit., vol. 4, p. 641; Id., Œuvres choisies, trad., Introd., et Notes par Ch. Daremberg, op. cit., p. 384, Note 5.

[70]– Gorgias, op. cit., p. 88.

[71]– Hippocrate, Œuvres C. H.,  op. cit., vol. 1, Introd., p. 441 sq.

[72]– Platon, Protagoras, XI-X., in Œuvres de Platon : Ion, Lysis,…, trad. E. Chambry, op. cit., p. 120-24.

[73]– Hippocrate, Œuvres C. H.,  op. cit., vol. 1, Introd., p. 446.

[74]–  بول غليونجي، مرجع سابق، ص. 179.

error: المحتوى محمي