من أجل فهم الفرق بين الإمتلاك والوجود – إيريك فروم / ترجمة: د. حميد لشهب

من أجل فهم الفرق بين الإمتلاك والوجود – إيريك فروم / ترجمة: د. حميد لشهب


انطلاقا من النظرة الأولى

أهمية التمييز بين الإمتلاك والوجود

لا يساعد الإختيار بين الإمتلاك أو الوجود الإنسان السوي للمزيد من الفهم. ويبدو أن الإمتلاك وظيفة عادية في حياتنا، فمن أجل أن يعيش المرء عليه أن يملك بعض الأشياء؛ من اللازم أن نملك بعض الأشياء لكي نفرح بها. كيف يمكن أن يكون هناك اختيار بين الإمتلاك والوجود في حضارة هدفها الأسمى هو الإمتلاك أكثر فأكثر، وتحدد قيمة شخص ما بـ” مليون دولار”؟ يبدو وكأن جوهر الوجود هو الإمتلاك؛ ومن لا يملك شيئـا لا يساوي شيئا.

كان الإختيار بين الإمتلاك والوجود الإشكالية المحورية في فكر كبار مُعَلِّمِي الحياة. يعلمنا بوذا بأنه لا يجب على من يريد الوصول إلى درجة أعلى في تطوره الإنساني اللهث وراء الإمتلاك. ويقول المسيح: “إن من أراد أن يخلص نفسه يهلكها ومن يهلك نفسه من أجلي فهذا يخلصها. لأنه ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وأهلك نفسه أو خسرها” (إنجيل لوقا، 9، 24 و 25)[1]. و قد كان المايستر إيكهارت Eckhart يعلم بأن الطريق الوحيد للوصول إلى الثراء والقوة الروحيين هو ألا يملك المرء شيئا وينفتح على ذاته و”يفرغها” وألا يكون عائقا أمام أناه. وقد علَّم ماركس بأن الرفاهية مثلها في ذلك مثل الفقر هي عبئ، ومن اللازم أن يكون هدفنا هو الوجود بطريقة جيدة/أحسن لا أن نملك أكثـر. (أرجع هنا إلى ماركس الحقيقي، صاحب النـزعة الإنسانية الجذرية، لا إلى التشويه الذي تقدمه عنه الشيوعية السوفياتية).

لقد كنت معجبا لسنوات عديدة بهذا التمييز. وحاولت أن أجد أساسه الإمبيريقي/التجريبي بدراسة فعلية للأفراد والمجموعات بمساعدة طريقة التحليل النفسي. وما توصلت إليه قادني إلى استنتاج مفاده بأن هذا التمييز، مثلـه في ذلك مثل التمييز بين حب الحياة وحب ما هو ميت، يمثل المشكل الأساسي للوجود الإنساني؛ وبأن المعطيات الميدانية للانثروبولوجيا والتحليل النفسي تشير إلى أن الإمتلاك والوجود هما أساسا نمطان مختلفان للتجربة الإنسانية، وبأن قوة كل واحد على حدة هي التي تحدد الإختلافات بين طباع الأفراد وبين مختلف نماذج الطباع الإجتماعية.

 

أمثلة من الشعر:

أود الإستشهاد بقصيدتين تشتركان في نفس المضمون كمثال لتوضيح الفرق بين نمط الحياة الإمتلاكي ونمط الحياة الوجودي، يذكرهما الراحل د. ت. سوزوكي في محاضراته حول الزين (Zen) البوذي عام 1960. إحداهما من شعر الهايكو[2] كتبها باشوBasho  (1644 ـ 1694) و هو شاعر ياباني؛ والأخرى لشاعر انجليزي من القرن التاسع عشر هو تينيسون Tennyson. كل منهما يحكي تجربة مماثلة لرد فعلهما اتجاه زهرة صادفاها خلال نزهتهما. يقول تينيسون:

 

أيتها الوردة، في الجدار المتصدع،

أقطفتك من شقوق الجدار،

و أحملك في يدي بالجذور،

أيتها الوردة الصغيرة،

لكن لو كان بإمكاني أن أفهم،

ما أنت في كليتك، بما في ذلك الجذور،

لعرفت ما الله وما الإنسان.

ترجمة ماريون شتايبا Marion Steipe

وتقول قصيدة الهايكو لباشو:

“عندما أنظر بعناية،

أرى “النزونا” تتفتح

قرب السياج!”

 

إن الفرق ملفت للنظر. فرد فعل تينيسون أمام الزهرة هو الرغبة في امتلاكها. إنه يقطفها “بما في ذلك الجذور”. يقود اهتمامه بها إلى قتلها وهو في غمرة المضاربة الفكرية في كون الوردة قد تخدمه في فهم طبيعة الله والإنسان. ويمكن أن يُشبه تينيسون في هذه القصيدة بالعلماء الغربيين، الذين يبحثون عن الحقيقة بتمزيق الحياة.

أما رد فعل باشو (Basho) أمام الزهرة فهو مُغاير تماما. لا يريد قطفها، ولا يمسها حتى. إنه ينظر بعناية، لكي “يراها”.

يعلق سوزوكي على ذلك بالتالي: “من المحتمل أن باشو كان يتنـزه في إحدى الطرق في البادية عندما لمح شيئا غير واضح قرب سياج نباتي. اقترب ناظرا إليه بدقة ووجد بأن الأمر لا يتعلق إلا بنبتة بريـة، غير ذات أهمية، لا يهتم بها المارة عادة. تصف القصيدة إذن واقعة بسيطة، دون التعبير عن أي إحساس شعري يذكر، باستثناء المقطعين الأخيرين اللذين يقرآن باليابانية على شكل Kana. ويعبر هذا اللفظ، الذي يُربط في الغالب باسم أو نعت أو ظرف، عن نوع من الشعور بالإعجاب أو الحمد أو المعانات أو الفرح، ويمكن أن يُقابل نقطة التعجب عندما نترجمه. وينتهي البيت الأخير في الهايكو الذي أمامنا بهذا النوع من نقطة التعجب”.

يجب أن يملك تينيسون الزهرة ليتمكن من فهم الإنسان والطبيعة، وبامتلاكها فإنه يدمرها. أما باشو فيريد أن يشاهـد الزهرة ، ليس فقط مشاهدة الإتحاد بها، بل إبقائها على قيد الحياة. وتشرح قصيدة لجوتي الفرق بين تينيسون وباشو:

 

وجدت

كنت أتـنـزه في الغابة

وحيدا،

لم يكن في نيتي

البحث عن شيئ ما

لمحت في الظل

زهرة صغيرة واقفة،

لامعة كالنجوم

جميلة كعينين.

أردت قطفها،

لكنها قالت لي برفق:

أمن أجل أن أذبل

يتم تكسيري؟

حفرت عليها

بكل جذورها،

وحملتها إلى الحديقة

في البيت الجميل.

غرستها من جديد

في ركن هادئ؛

وهي الآن، ما تفتأ تتفرع

و تُزهر بسرعة.

 

ذهب غوتي للتجول بدون هدف محدد، عنما جذبت انتباهه زهرة مضيئة. ويقول بأن نفس دافع تينيسون كان لديه كذلك، وهوقطف الزهرة. لكنه وعلى خلاف تينيسون، كان يعي بأنه سيقتلها بذلك. كانت الزهرة حية إلى درجة أنها تكلمت معه محذرة إياه. ويحل المشكل بطريقة مغايرة لتينيسون وباشو: إنه يحفر على الزهرة ويعيد استنباتها لتستمر في الحياة. وبهكذا فإن جوتي يقف إلى حد ما بين تينيسون وباشو، لكن في اللحظة الحاسمة يكون حب الحياة عنده أقوى من الفضول الفكري. وتُعَبِّر هذه القصيدة الجميلة على الموقف المبدئي لجوتي اتجاه البحث في الطبيعة.

إن علاقة تينيسون بالزهرة مطبوعة بالنمط الإمتلاكي، على الرغم من أن هذا الإمتلاك ليس ماديا، لكن الأمر يتعلق بامتلاك المعرفة. وتتميزعلاقة باشو وجوتي بالزهرة بنمط وجودي. وأقصد “بالوجود” نمط وجود لا يكون فيه المرء يملك شيئا ولا يرغب في امتلاك شيئ ما، لكنه يكون مغمورا بالفرحة باستعمال كفاءاته بطريقة مُنتجة ويكون متحدا بالعالم.

دافع جوتي، محامي الحياة الشغوف والمقاوم ضد تدمير الإنسان ومَكْنَنَتِهِ، في الكثير من قصائده على الوجود ضد الإمتلاك، واستعرض الصراع بين الإمتلاك والوجود بطريقة درامية في مسرحية “فاوست”، حيث يجسد ميفيستو فيها الإمتلاك. له كذلك قصيدة قصيرة تعبر عن جودة الوجود بطريقة بسيطة للغاية:

 

 

ملكية

أعرف أن لا شيئ لي

باستثناء الفكر

الذي يريد أن يتدفق دون عائق من روحي،

متمتعا بكل اللحظات الملائمة

التي يمنحني إياها بخت طيب

بكل أعماقي.

 

إن الفرق بين الوجو والإمتلاك لا يشبه الفرق بين الفكر الشرقي والفكر الغربي. بل إنه يتعلق بمجتمع متمركز حول الأفراد/الأشخاص وآخر متمركز حول الأشياء. فالتوجه “الإمتلاكي” سمة تطبع المجتمع الصناعي الغربي، حيث أصبح شغف المال والشهرة والقوة هي الموضوع المسيطر على الحياة. للمجتمعات الأقل استلابا، كالمجتمع الوسيطي أو هنود الزوني (Zuni) أو بعض المجتمعات القبلية في إفريقيا، الغير المصابة بعد بأفكار “التقدم”، شعراء خاصين من فصيلة باشو، وقد يكون لليابانيين، بعد بِضْعَة أجيال من التصنيع شعراء مثل تينيسون. لا يتعلق الأمر بعدم تمكن الإنسان الغربي من فهم الأنظمة الشرقية كبوذية الزين (Zen) (كما اعتقد ذلك يونغ)؛ بل إن الإنسان المعاصر لا يستطيع فهم روح مجتمع لا يتأسس على الملكية والجشع. في الواقع من العسير فهم إيكهارت كما هو عسير فهم باشو أو الزين، لكن إيكاهرت والبودية ليسا إلا لهجتين لنفس اللغة.

 

تغيرات في استعمال المفهومين

يمكن التأكيد بأن تحولا ما قد حصل في لهجة الإمتلاك والوجود، وهو تحول يشهد عليه الإستعمال المتزايد للأسماء وانخفاض استعمال كلمات الفعل/العمل في اللغات الغربية خلال القرون الماضية.

إن الإسم هو التحديد المضبوط لشيئ ما. من الممكن أن أقول بأن لدي أشياء ما، مثلا طاولة، دار، كتاب، سيارة. أما الفعل فإنه التعيين المضبوط لنشاط ما للتعبير عن عملية ما: كأن أقول مثلا أنا موجود، أنا أحب، أنا أرغب، أنا أكره إلخ. لكن يعبر المرء أكثر وأكثر عن عملية ما بمصطلحات الإمتلاك؛ يعني أن المرء يستعمل اسما عوض فعل. إن التعبير عن عملية ما من خلال ربط فعل”امتلك” بإسم ما هو استعمال خاطئ للغة؛ لأنه لا يمكن امتلاك العمليات والأنشطة، بل فقط عيشها.

 

ملاحظات دومارسي[3] Du Marsais وماركس

وعى المرء النتائج الضارة لهذا الإستعمال اللغوي في القرن الثامن عشر. وقد عبر دومارسي عن هذا المشكل تعبيرا دقيقا في مؤلفه المنشور بعد موتـه: المبادئ الحقيقية للنحو (1769)، حيث قال: “في المثال التالي: عندي ساعة، يجب فهم عندي في المعنى الحرفي؛ أما في مثال: “عندي فكرة”، فإن كلمة عندي تستعمل على سبيل التقليد فقط. إنـه تعبير انقرض. فمعنى “عندي فكرة” هو أنني أعتقد وأتصور شيئا ما بهذه الطريقة أو تلك، ومعنى: “عندي حنين” هو “أنني أحن”، ومعنى “عندي الإرادة” هو “أنني أريد” إلخ ( إنني مدين إلى د. نعيم شومسكي الذي نبهني لدومارسي).

قرن من الزمن بعد ملاحظة دي مارسي لظاهرة تعويض الأفعال بالأسماء، انشغل ماركس وانجلز بطريقة راديكالية بنفس المشكل مقارنة بدي مارسي. ذلك أن نقدهما لـ ” مراجعة نقدية  kritischer Kritik” لإدغار باور  Edgar Bauerيحتوي على مقالة موجزة عن الحب، لكنها مهمة. ويعتمدان في هذا المقال على ما قاله باور: ” إن الحب هو إلاهة شرسة، وككل ألوهية فإنها تريد الإستيلاء على الإنسان بكامله ولا تكتفي بتقديمهه لها لروحه فقط، بل جسده كذلك. إن عبادتها هي المعاناة وقمة هذه العبادة هي التضحية بالنفس، الإنتحار” (باور 1844).

يجيب ماركس وإنجلز: “يحول السيد إيدغار “الحب” إلى “إلهة”، وهي في الواقع “إلهة همجية”، عندما يجعل من الإنسان المحب، ومن حب الإنسان للإنسان حبا، وعندما يجعل من الحب جزئا منفصلا عن الإنسان، وبهذا يصبح الحب مستقلا”.

يشير ماركس وانجلز هنا إلى العامل الحاسم في استعمال الإسم عوض الفعل. ذلك أن إسم “الحب”، الذي لا يعتبر إلا تجريدا لنشاط الحب، يُعزل عن الإنسان. يصبح الإنسان المحب إنسان الحب. ويصبح الحب إلهة، معبودة، يُسقط عليها الإنسان حبه. وفي غضون عملية الإستلاب هاته يتوقف عن عيش الحب ولا يبقى على اتصال مع قدرته على الحب إلا عن طريق خضوعه لإلهة الحب. فقد توقف عن كونه إنسان يُحس بذاته، وأصبح خادما للأصنام ومسلوبا.

 

 

الإستعمال اللغوي للمفهومين اليوم

منذ القرنين اللذان مرا على دى مارسي، تزايد الميل إلى تعويض الأسماء بالأفعال بمقادير لم يكن باستطاعة دوماريس نفسه تصورها. وهناك مثال نموذجي للإستعمال اللغوي، حتى وإن كان مثال مبالغ فيه بعض الشيئ: لنفترض بأن امرأة باشرت الحديث مع محلّل نفسي هكذا: “السيد الدكتور، عندي مشكل؛ عندي عسر نوم؛ ورغم أن عندي منـزلا جميلا، وأطفالا رائعين وزواجا سعيدا، فإن عندي هموما”. هناك احتمال كبير في كون هذه المريضة قبل بضعة عشرات السنين قد كانت قالت عوض “عندي مشكلة”، “أنا قلقة/مشغولة البال/مهمومة”. إن أسلوب الكلام الحالي هو مؤشر على الإستيلاب اليوم. عندما أقول: “عندي مشكل” عوض “إنني مهموم”، فإن التجربة الذاتية تُقصى. يُعوض الأنا Ich،الذي يقوم بالتجربة، بالهو Es الذي يملك. أُحَوِّلُ أحاسيسي إلى شيئ أملكه: المشكل. ذلك أن “المشكل” هو تعبير مجرد على كل أنواع الصعوبات. لا يمكن أن يكون عندي، لأنه ليس شيئا يمكن للمرء امتلاكه، لكن يمكن للمشكل امتلاكي. بعبارة دقيقة، إنني أتحول إلى مشكل، و من تم يسيطر علي ما خلقته. وتكشف طريقة الكلام هذه الإستيلاب اللاواعي المُضمر.

 

الإشتقاق اللغوي للمفهومين

كلمة “الإمتلاك” هي كلمة بسيطة خادعة. لكل واحد شيئ ما: جسده، ملابسه، منزله وبالنسبة للإنسان المعاصر سيارة، جهاز تلفزة وألة غسيل الملابس. أصبح العيش بدون امتلاك أمرا مستحيلا عمليا. فَلِمَ سيكون الإمتلاك مشكلة إذن؟

يُظهر التاريخ اللغوي لكلمة “امتلاك” بأنه يطرح مشكلا حقيقيا. سيفاجئ الذين يعتقدون بأن “الإمتلاك” هو أعلى صنف طبيعي في الوجود الإنساني، إذا علموا بأن لا وجود لكلمة “امتلاك” في العديد من اللغات. ففي العبرية، أعبر عن “عندي/لي” مثلا بشكل غير مباشر (هذا الشيء لي) “jesh li יש לי. بالفعل، هناك الكثير من اللغات التي تعبر عن الملكية بـهذا الشكل عوض “عندي”.

هناك ملاحظة مهمة تتمثل في كون بناء (هذا الشيء لي) لم يُعوض بـ “عندي” في تطور الكثير من اللغات إلا في وقت لاحق، في الوقت الذي لا نلاحط أي تطور معاكس، كما وضح ذلك إيميل بينفينست Emile Benveniste. و تُظهر هذه الواقعة بأن كلمة “امتلاك” تطورت في سياق تطور الملكية الخاصة، في الوقت الذي لا نجد لها أي أثر في المجتمعات التي تسودها ملكية وظيفية، أي ملكية من أجل الإستعمال. وعلى الدراسات اللسانية الإجتماعية المعمقة أن تظهر مـدى صحة هذه الفرضية.

في الوقت الذي يظهر فيه بأن كلمة “امتلاك” هي مصطلح بسيط نسبيا، فإن كلمة “وجود” أكثر تعقيدا وصعوبة. إنها ستعمل بطرق متعددة:

1) كفعل مساعد كما في قولي: “أنا كبير”، “أنا أبيض”، “أنا فقير” أي كتحديد نحـوي للهوية. لا تتوفر العديد من اللغات على كلمة للتعبير عن “كائن/موجود” في هذا المعنى. ويميز المرء في الإسبانية بين الخاصية الدائمة، التي تنتمي لجوهر الذات الفاعلة (Ser) ، والخاصيات المؤقتة، التي لا تنتمي لهذا الجوهر Estar)).

2) في تشكيل الفعل السلبي”ضُرِبْتُ”: تعني أني موضوع نشاط شخص آخر ولست الذات الفاعلة لنشاطي الخاص، كما هو الأمر في: “أنا أضرب”

3) يختلف “الزاين Sein” في معنى الوجود، كما وضح ذلك بنفينست، جوهريا عن الفعل المساعد “Sein” الذي يدل على الهوية: “فالكلمتان قد تعايشتا و يمكنهما الإستمرار في التعايش، رغم أنـهما مختلفتان تماما”.

تسلط دراسة بنفينيست ضوءا جديدا على معنى ” الزاين Sein” كفعل مستقل وليس على معناه كفعل مساعد. يُعَبَّرُ عن فعل “الوجود” في اللغات الهـندو-أوروبية بواسطة الجذر ES، الذي يعني “الوجود الذي يمكـن أن نعثر عليه في الواقع”. ويُعَرَّفُ هذا الوجود وهذا الواقع كوجود وواقع أصيل ومُقْنِع وصحيح.

أما في السنسكريتية[4] فإن كلمة Sant تعني “كائن، ماثل، موجود”، “حقا”، “جيد”، “حقيقي” ويعني لفظ التفضيل Sattama “الأحسن”. طبقا لجذره الإيتيمولوجي، فإن “الزاين Sein” هو أكثر من مجرد مدلول للهوية بين الفاعل والصفة، إنه أكثر من لفظ وصفي لظاهرة من الظواهر. إنه يعبر عن واقع ما هو موجود وما هو كائن ويشهد على أصالته وصحته. عندما يقول المرء بأن شخصا ما أو شيئا ما موجودا، فإنه يتحدث عن جوهره وليس عن قشوره أو مظهره.

تقودنا هذه النظرة العامة على معنى “الإمتلاك Haben ” و”الوجود Sein”إلى الخلاصات التالية:

1 ـ حينما أستعمل فِعْلَـيْ الوجود والإمتلاك، فإنني لا أعني خاصيات منفردة محددة لموضوع ما، كما تكون في تأكيدات مثل “عندي سيارة، “أنا أبيض” أو “أنـا سعيد”. إنني أقصد نمطين أساسين للوجود، نوعين مختلفين لتوجه الذات اتجاه ذاتها واتجاه العالم، نوعين مختلفين لأساس الطبع، وطبقا للجانب الطاغي منهما فإنهما يحددان مجموع ما يفكر فيه الإنسان ويشعر به ويسلك طبقا له.

2 ـ تكون علاقتي بالعالم في النمط الإمتلاكي للوجود قائمة على أساس الإمتلاك والملكية؛ وهي علاقة أحاول فيها أن يكون كل واحد وكل شيئ، بما في ذلك أنا ذاتي، ملكا لي.

3 ـ من اللازم أن نميز في النمط االوجودي للوجود شكلين للوجود. أحدهما يتعارض مع الإمتلاك، وقد وصفه دو مارسي في شرحه. ويعني الحيوية والوحدة الأصيلة مع العالم. أما الثاني فإنه ضدا للمظهر، ويعني الطبيعة الحقيقية، والواقع الفعلي لشخص ما، على عكس المظهر الخادع، كما هو موصوف في الإشتقاق اللغوي لكلمة “زاين Sein” (Benveniste).

 

التصورات الفلسفية للوجود

من الصعوبة بمكان شرح مفهوم الوجود ، لأن الوجود كان موضوع آلاف الكتب الفلسفية وانتماء إشكالية “ما هو الوجود؟” إلى الإشكاليات الأساسية للفلسفة الغربية. وعلى الرغم من أن مفهوم الوجود مُعالج هنا من وجهة نظر أنثربولوجية ونفسية، فإن الشرح الفلسفي للموضوع سيشمل من طبيعة الحال الإشكالية الأنثروبولوجية. سيتجاوز عرض مقتضب لتطور مفهوم الوجود في تاريخ الفلسفة ابتداء من القبل السقراطيين إلى الفلسفة الحديثة حدود إطار عملنا هذا، لذا أود ذِكْرَ نقطة مهمة: الفهم القائل بأن “أصبح” و”النشاط” و”الحركة” هي عناصر للوجود. كما أكد على ذلك جيورغ سيمل Georg Simmel، فإن الوجود يُضْمِرُ التغيير، يعني أن له نفس المعنى كـ “أصبح”، وقد كان أهم المدافعين عن هذا في الفلسفة الغربية كل من هرقليط وهيجل.

أما الفهم الذي كان يدافع عليه بارمينيد وأفلاطون و”الواقعيين” المدرسيين، والقائل بأن الوجود هو جوهر غير متغير ومستمر/دائم وأزلي، وبهذا فإنه نقيض لأصبح، فلا معنى له إلا على أساس تصور مثالي، يؤكد بأن الفكرة (فكرة ما) هي الوجود الحقيقي في آخر المطاف. فإذا كانت فكرة الحب، في معنى أفلاطون، تتمتع بوجود أكثر من مُعاش تجربة الحب، فيمكن للمرء أن يقول بطبيعة الحال بأن الحب هو فكرة أزلية وغير متغيرة. لكن إذا انطلقنا من واقع الناس الأحياء وحبهم وكراهيتهم وآلامهم، فسوف لن يكون هناك أي وجود لا يكون في نفس الوقت أصبح/مستقبلا ومُتغيرا. لا يمكن أن توجد أُسُسا حية إلا إذا كانت قابلة لأن تُصبح، ولا يمكن أن توجد إلا إذا كانت قابلة للتغير. فالتطور/النمو والتغيير هي خصائص مُتأصلة في صيرورات الحياة.

 

الإمتلاك والإستهلاك

قبل أن نهتم ببعض الأمثلة البسيطة التي توضح لنا الفرق بين كِلاَ نمطي الوجود، لابد أن نتطرق لتمظهرين آخرين للإمتلاك، ألا وهو الأكل/البلع. إن بلع شيئ ما كالأكل أو الشرب هو شكل قديم للإمتلاك. ذلك أن الرضيع يميل في مراحل معينة من تطوره إلى وضع كل ما يريده في فمه. ويعتبر هذا طريقته للوصول إلى امتلاك شيئ ما، عندما لا يسمح له تطوره الجسدي للمحافظة على ما يملكه والسيطرة عليه بطريقة أخرى. ونجد العلاقة بين البلع والإمتلاك في الكثير من أشكال أكل لحوم البشر. ففي عملية أكلي لإنسان آخر، أمتلك قوته، وبهذه الطريقة يمكن أكل لحوم البشر أن يعادل شراء العبيد. عندما يأكل المرء قلب إنسان شجاع، فإنه يمتلك بهذا شجاعته. وإذا أكل المرء حيوانا طوطيميا، فإنه يصبح جزءا من جوهر الإله الذي يمثله هذ الطوطم ويتحد معه.

من طبيعة الحال لا يمكن للمرء أن يبتلع جسديا أغلبية الأشياء (وحتى وإن كان ذلك ممكنا، فإنها تُفقَد إثر عملية التغيط). لكن هناك بلع وأكل رمزي وسحري. إنني أبتلع رمزيا هذا الشيئ وأعتقد في حضوره الرمزي فيَ. وبهذه الطريقة يوضح فرويد على سبيل المثال الأنا الأعلى: مجموع استدماج المحرمات والمحللات الأبوية. وبنفس الطريقة يمكن لسلطة ما ولمؤسسة ما ولفكرة ما ولصورة ما الإندماج: إنني أمتلكها، أحتفظ بها دائما في أحشائي: يستعمل “الإستدماج” في الغالب مرادفا “للتَّشخُّص”. ومن الصعوبة بمكان الإقرار ما إذا كان الأمر يتعلق بنفس العملية. على كل حال، من اللازم ألا يُستعمل “التشخص” في حالات معينة، بل من الضروري أن يسمى محاكاة أو تبعية.

هناك الكثير من أشكال الإبتلاع الأخرى لا علاقة لها بالحاجات النفسية، وبهذا تكون محدودة. ذلك أن السلوك الإستهلاكي يتأسس على الرغبة في ابتلاع العالم كله، وبهذا فإن المستهلك هو رضيع أزلي يصيح طلبا في قارورة الحليب. ويتمظهر هذا الأمر في الظواهر المرضية كالإدمان على الكحول والمخدرات، لأن تأثيرها يُعِيق المدمنين على القيام بواجباتهم الإجتماعية. ولا يُنظر للمدخن المدمن بهذه الطريقة، لأن هذا النوع من الإدمان لا يأثر على الوظيفة الإجتماعية للمدخن، لكنه يُقصر “فقط” من حياته. وقد وصفت في كتاباتي السابقة الأشكال المختلفة للإستهلاك الإضطراري ولا حاجة هنا للتكرار. ما يمكن إضافته هنا، فيما يخص وقت الفراغ، هو أن السيارة والتلفزة والأسفار والجنس قد أصبحت المواضيع الرئيسية للإستهلاك الإضطراري. يتحدث المرء عن “أنشطة وقت الفراغ”، والصحيح هو أن المرء يمكنه نعته بـ “وقت الفراغ الخامل/السلبي”.

لنلخص: إن الإستهلاك هو شكل من أشكال الإمتلاك، وقد يكون أهمها في “مجتمع الوفرة” الحالي، وهو حمّال لوجهين. إنه يقلل من الخوف، لأن المرء لا يمكنه أن يأخذ مني ما أستهلكته، لكنه يفرض علي كذلك أن أستهلك باستمرار، لأن الإستهلاك مرة واحدة لا يعمل على إرضائي. وقد يُعبر عن المستهلك الحالي بالمعادلة التالية: إنني ما أملكه وما أستهلكه.

 

يتبع

 


[1]  إضافة المترجم: لم يكن لوقا من رسل المسيح الإثنا عشر حتى أنه في مقدمة إنجيله يذكر بأنه ينقل مايكتبه عن من وصفهم بأنهم كانوا معاينين (شهود عيان) وخدام للكلمة. ولا يوجد ذكر للوقا في الأناجيل الأربعة، ولكنه ذكر في سفر أعمال الرسل وفي عدة رسائل لبولس. وطبقا للتقليد المسيحي، فإن لوقا كان واحدا من تلاميذ المسيح السبعين.

[2]  إضافة المترجم: هايكو أو هائيكو هو نوع من الشعر الياباني، يتألف من بيت واحد فقط، مكون من سبعة عشر مقطعا صوتيا (باليابانية)، وتكتب عادة في ثلاثة أسطر (خمسة، سبعة ثم خمسة). ازدهر الـ”هايكو” في مرحلته الأولى في القرن السابع عشر بفضل “باشو“، المعلم الأول لهذا الفن بلا منازع. كان الـ”هايكو” سببا في ظهور “الصورية” وهي حركة شعرية أنجلو-أمريكية راجت في أوائل القرن العشرين، كما أثر في العديد من الأعمال الأدبية الغربية الأخرى.

[3]  إضافة المترجم: ولد سيزار شيسنو دو مارسي César Chesneau Du Marsais بتاريخ 17 يوليوز 1676 بمرسيليا الفرنسية وتوفي يوم 11 يونيو 1756 بباريس. كان فيلسوفا ونحويا ومن بين مؤلفي الموسوعة Encyclopédie الفرنسية. شارك في النقاش الحامي الوطيس حول دور الدين في المجتمع.

[4]  إضافة المترجم: السنسكريتية هي لغة قديمة في الهند وهي لغة طقوسية للهندوسية، والبوذية، والجانية. لها موقع في الهند وجنوب شرق آسيا مشابه للغة اللاتينية واليونانية في أوروبا في القرون الوسطى، وقد لاحظ هذا التشابه العالم اللغوي ويليام جونز، حيث كان يعمل قاضياً هناك. ولهذه اللغة جزء مركزي في التقليد الهندوسي. السنسكريتية هي إحدى الاثنتين وعشرين لغة الرسمية للهند. تدرس في الهند كلغة ثانية. كما ان بعض البراهمنيين -وهم الوعاظ من الطبقة العالية- يعتبرونها لغتهم الأم.

error: المحتوى محمي