منطق الإيثار الفعال: كيف نساعد الفقراء؟ – بيتر سينغر / ترجمة: محمد الحربي

منطق الإيثار الفعال: كيف نساعد الفقراء؟ – بيتر سينغر / ترجمة: محمد الحربي

بيتر سينغر

بيتر سينغر، فيلسوف أخلاقيات استرالي


قابلت مات ويج في عام 2009 كأحد طلبتي عندما كنت أدرس الأخلاق العملية في جامعة برينستون. بالاطلاع على الدراسات المتعلقة بالفقر العالمي وما يجب علينا عمله تجاهه، توصل مات إلى التكلفة التقريبية لإنقاذ واحد من ملايين الأطفال الذين يموتون سنويا جراء الإصابة بأمراض كان من الممكن منعها أو علاجها، مما ساعده في حساب الأرواح التي يمكنه إنقاذها خلال حياته بافتراض حصوله على دخل متوسط وتبرعه بـ10% من هذا الدخل لمنظمة عالية الفعالية كالتي توفر الناموسيات للوقاية من الملاريا، والتي هي أحد أكبر أسباب وفيات الأطفال. وتوصل أن بإمكانه بذلك التبرع لإنقاذ حوالي 100 إنسان. كان يقول لنفسه:

“لنفترض أنك رأيت مبنى يحترق فقمت بالركض خلال النيران وركلت الباب لتفتحه وأنقذت 100 شخص. هذه اللحظة ستكون أعظم لحظات حياتك وأنا قادر على أن أقوم بعمل خير مماثل.”

  تخرج مات ويج بعد عامين حاصلا على جائزة أفضل بحث تخرج في قسم الفلسفة ثم تم قبوله في جامعة أوكسفورد للدراسات العليا. فرصة كهذه هي حلم الكثير من دارسي الفلسفة بمن فيهم انا, لكن في ذلك الوقت ويج كان يعرف المجال الذي يستطيع من خلاله تقديم أفضل ما لديه. بعد العديد من النقاشات مع الآخرين توصل ويج لخيار في غاية الاختلاف: العمل في قسم لتجارة العملات في وول ستريت (Wall Street). فبفضل دخله الأعلى من هذه الوظيفة سيستطيع أن يهب أكثر مما لو كان أستاذا بدخل أقل. بعد مرور عام من تخرجه استطاع ويج أن يتبرع لجمعيات خيرية فعالة بمبلغ من 6 أرقام والذي يقارب نصف دخله السنوي. كان في طريقه لإنقاذ 100 روح ليس خلال مشواره المهني كاملا بل خلال السنة الأولى أو الثانية من عمله وفي كل عام عقب ذلك.

أصبح ويج جزءا من حركة رائعة جديدة: الإيثار الفعال. في جامعات من أوكسفورد لهارفرد لواشنطن, من بايرويت في ألمانيا لبريسبين في أستراليا تتشكل منظمات الإيثار الفعال. المؤثرين الفعالين يتفاعلون في نقاشات حية في وسائل التواصل الاجتماعي ومواقع الإنترنت وأفكارهم تناقش في نيويورك تايمز، وواشنطن بوست، ووال ستريت جورنال. لعبت الفلسفة -والأخلاق العملية على وجه الخصوص- دورا مهما في الإيثار الفعال، ويبين الإيثار الفعال أن الفلسفة تعود لدورها السقراطي في تحدي مفاهيمنا عن معنى أن تعيش حياة أخلاقية. وبذلك وضحت الفلسفة قدرتها على تحويل حياة دارسيها، وبشكل دراماتيكي أحيانا. هذا التحول في اعتقادي يجب أن يكون مُرحّبا به لجعل العالم مكانا أفضل. يعتمد الإيثار الفعال على فكرة بسيطة: يجب أن نقدم أفضل ما لدينا من خير. فالالتزام بالقوانين المتعارف عليها من عدم السرقة والغش والإيذاء والقتل غير كافٍ لأولائك الذين هم في سعة مادية، القادرين على توفير الغذاء والمسكن والملبس لهم ولعوائلهم ويبقى لديهم فائض من المال أو الوقت. يتطلب العيش في أدنى درجات الحياة الأخلاقية جزءا مهما من فوائض ما نملك لجعل العالم مكانا أفضل، لكن عيش حياة أخلاقية كاملة يتطلب أن نفعل أقصى وسعنا في الخير.

المؤْثرين الفعالين من الألفيين -المنتمين لأول جيل أتى في الألفية الجديدة- عمليون واقعيون وليسوا قديسين، والقليل جدا منهم من يدعي أنه يعيش حياة أخلاقية كاملة. تجد أغلبهم بين أدنى درجات الحياة الأخلاقية المقبولة والحياة الأخلاقية الكاملة. وهذا لا يعني أنهم يعيشون مع الشعور بالذنب لأنهم ليسوا كاملين أخلاقيا. المؤْثر الفعال لا يرى جدوى الشعور بالذنب، فهو يفضل التركيز على الخير الذي يقوم به. البعض منهم راضٍ لقيامه بشيء مهم لجعل العالم مكانا أفضل، والكثير منهم يحبون تحدي أنفسهم للقيام بعمل أفضل مما عملوا في العام الماضي.

الإيثار الفعال مهم من نواحٍ عدة. أولها وأهمها أنه يصنع التغيير في العالم. الإحسان صناعة كبيرة جدا, ففي الولايات المتحدة وحدها يوجد ما يقارب المليون جمعية خيرية تستقبل سنويا حوالي 200 مليار دولار بالإضافة لـ100 مليار دولار أخرى تذهب للجماعات الدينية. عدد قليل من هذه الجمعيات يحتال، إلا أن المشكلة الأكبر هي أن القليل جدا منها يكون على مستوى كاف من الشفافية تسمح لنا بالتأكد من مدى مصداقيتها. معظم تلك الـ200 مليار دولار تُعطى بناءً على درات فعل عاطفية ناتجة من صور الناس أو الحيوانات أو الغابات التي تقوم الجمعية بمساعدتها. الإيثار الفعال يهدف لتغيير هذا عن طريق توفير دوافع للجمعيات الخيرية لتوضيح فعاليتهم. لقد سبق وأن وجّهت الحركة دعمها لجمعياتٍ خيرية بعشرات الملايين من الدولارات، تلك الجمعيات التي تحدّ المعاناة والموت الناتج عن الفقر الشديد بفعالية.

ثانيها، الإيثار الفعال وسيلة لإعطاء حياتنا معنى، ولنجد الرضا عما نفعل. يقول الكثير من المؤثرين الفعالين أن فعل الخير يسعدهم. يفيد المؤثرين الفعالين الآخرين، وغالبا ما يفيدون -وبشكل غير مباشر- أنفسهم أيضًا.

ثالثها، الإيثار الفعال يسلط ضوءا جديدا على سؤال فلسفي ونفسي قديم: هل نحن مدفوعون بشكل جوهري بواسطة حاجاتنا الفطرية واستجاباتنا العاطفية في حين أن قدراتنا العقلية لا تحقق سوى طرح غلاف تبريري على تصرفات حُددت من قبل حتى نبدأ بعقلنة ما نفعله؟ أو هل يستطيع العقل أن يلعب دورا دقيقا في تحديد أسلوب حياتنا؟ ما هو الشيء الذي يدفع البعض منا للنظر أبعد من مصالحنا ومصالح من نحب إلى مصلحة الغرباء والأجيال القادمة والحيوانات؟

أخيرا، نشوء الإيثار الفعال والحماس الجلي والذكاء الذي يحتضنه جيل الألفية في بداية مجالاتهم العملية يعزز حس التفاؤل بمستقبلنا.

من الأعمال التي يقوم بها المؤْثرون الفعالون: يعيشون باعتدال ويتبرعون بجزء كبير من دخلهم -غالبا ما يتجاوز نسبة الـ10% المعتادة- لأكثر الجمعيات الخيرية فعالية؛ يبحثون ويناقشون مع الآخرين عن أكثر هذه الجمعيات تأثيرا، أو دراسة الرسوم التوضيحية للأبحاث التي قام بها المقيمون المستقلون الآخرون؛ اختيار أفضل مجال عملي لكسب المال لا لكي يعيشوا برغد، بل ليكون باستطاعتهم عمل أفضل الخير؛ التحدث مع الآخرين شخصيا أو عبر الإنترنت عن العطاء ليساعدوا بنشر فكرة الإيثار الفعال؛ التبرع بأعضائهم أو بالدم أو بالنخاع أو حتى بكلية للغرباء.

ما الذي يوحّد كل هذه الأفعال تحت لواء الإيثار الفعال؟ التعريف الذي يظهر في ويكيبيديا والذي أصبح اليوم معتمدا هو: “فلسفة وحركة اجتماعية تستخدم الدليل والمنطق لتحديد أكثر الطرق فعالية لتحسين العالم.” هذا التعريف لا يذكر فيه أي شيء عن الدوافع أو التضحيات أو الثمن الذي يدفعه المؤثر الفعال. وبالأخذ بعين الاعتبار أن الحركة تحتوي على وصف الإيثار في اسمها, هذه الإلغاءات تبدو غريبة. الإيثار مضاد للأنا التي تهتم بالفرد نفسه فقط. لكننا لا يجب أن نعتبر أن الإيثار الفعال تضحية شخصية إلزامية وأنه يخالف مصلحة الفرد بالضرورة. إن كان عمل أقصى ما تستطيعه للآخرين يعني أنك أيضا ستصبح أفضل فهذا هو أفضل عائد من الممكن أن يحصل عليه الجميع. الكثير من المؤْثرين الفعالين يرفضون تسمية ما يقومون به تضحية. على أية حال هم مؤْثرون لأن همهم الأكبر  هو أن يقوموا بأقصى ما بوسعهم في عمل الخير وحقيقة أنهم يشعرون بالإنجاز والسعادة الشخصية من خلال ذلك لا تقلل من قيمة إيثارهم.

علماء النفس المهتمين بسلوك العطاء لاحظوا أن البعض يتبرع بالكثير لجمعية واحدة أو اثنتين فيما أن الآخر يتبرع بالقليل لجمعيات عديدة. الذين يقومون بالتبرع لواحدة أو اثنتين يتحرون عن عمل الجمعية ما إذا كان له أثر إيجابي بالفعل وإذا كانت الأدلة توحي بأن الجمعية حقا تساعد الآخرين يقومون بالتبرع المجزي. في حين أن الذين يتبرعون بالقليل لجمعيات عديدة لا يهمهم كثيرا ما إذا كان تبرعهم يساعد أحدا -هؤلاء هم من يسميهم علماء النفس بـWarm-glow givers . فهم يدركون أن تبرعاتهم تشعرهم بالسعادة بصرف النظر عن أثر تبرعهم. في عديد من الحالات يكون التبرع زهيدا -10$ أو أقل- فيما لو أنهم تفكّروا فسوف يدركون أن قيمة إعداد التبرع غالبا ما تتجاوز أي فائدة تعود إلى الجمعية الخيرية.

11_15batkidفي عام 2013، مع وصول موسم عيد الميلاد، تجمع أكثر من 20,000 شخص في سان فرانسسكو لرؤية مايلز سكوت الطفل ذو الخمسة أعوام وهو يجوب المدينة في سيارة الرجل الوطواط مرتديا زي الطفل الوطواط برفقة ممثل يرتدي زي الرجل الوطواط. الثنائي أنقذوا فتاة كانت في ضائقة، وقبضوا على الحاجي، فكافأهم المحافظ -والذي كان محافظ المدينة في الحقيقة- بإعطائهم مفتاح مدينة غوثام.  مايلز سكوت كان قد مر بثلاث سنوات من العلاج الكيميائي لإصابته بسرطان الدم، وحينما سُئل عن أعظم أمنياته قال “أن أكون الطفل الوطواط.” مؤسسة Make a Wish جعلت من حلمه حقيقة.

هل هذا القصة تشعرك بإشعاع دافئ؟ أنا أشعر بذلك، رغم أني أعلم أن هناك جانبا آخرا لهذه القصة المبهجة. جمعية Make a Wish لم يفصحوا عن تكلفة تحقيق أمنية سكوت لكنهم قالوا أن متوسط تحقيق أمنيات الأطفال يعادل 7,500$. المؤثرين الفعالين سيشعرون، كما هو حال الآخرين، بانجذاب عاطفي تجاه تحقيق أمنيات الأطفال المرضى ولكنهم أيضا يعلمون أن مبلغا كهذا إذا ما تم إنفاقه على حماية العائلات من الملاريا سينقذ حياة 3 أطفال على الأقل وربما أكثر من ذلك بكثير.

إنقاذ حياة طفل لا بد أنه أفضل من تحقيق أمنية طفل ليكون الطفل الوطواط. لو كان لوالدي سكوت الخيار بين أن يكون طفلهم الطفل الخفاش ليوم أو أن يشفى لاختاروا أن يشفى بالتأكيد. وحينما يكون الخيار أن تنقذ حياة أكثر من طفل سيكون الخيار أوضح.  لماذا إذن يتبرع الكثير من الناس لجمعية Make a Wish في حين أنهم قادرين على عمل خير أفضل بالتبرع لجمعية مكافحة الملاريا والتي توفر بشكل فعال الناموسيات للعائلات التي تعيش في مناطق تعاني من الملاريا؟ الجواب يكمن في الانجذاب العاطفي لمعرفة أنك تساعد هذا الطفل بالتحديد، الطفل الذي يمكنك رؤية وجهه على التلفاز بدلا من ذلك الطفل المجهول الذي من الممكن أن تقتله الملاريا إن لم يوفر له تبرعك ناموسية ينام تحتها. والجواب يكمن أيضا في أن لمؤسسة Make a Wish جاذبية عند الأميريكيين، وأن سكوت طفل أمريكي.

سيشعر المؤْثرون الفعالون بالانجذاب لمساعدة طفل معروف من دولتهم أو منطقتهم أو مجموعتهم العرقية، لكنهم سيسألون إن كان هذا حقا أفضل ما يمكنهم عمله. هم يعلمون أن إنقاذ حياة أفضل من تحقيق أمنية، وأن إنقاذ حياة 3 أشخاص أفضل من واحدة، وبالتالي لا يتبرعون لأكثر ما يحرك قلوبهم. هم يعطون للقضية التي ستقدم الخير الأكثر طبقا لما يملكونه من إمكانيات ووقت ومال.

القيام بأكثر الأعمال خيرا فكرة غامضة تثير الكثير من الأسئلة. هنا بعض الأسئلة البديهية وبعض الأجوبة المقتضبة:

 

ما الذي يمكن اعتباره “أفضل الخير”؟

لن يتفق المؤْثرون الفعالون على إجابة واحدة، بيْد أنهم يشتركون ببعض القيم. سيتفقون كلهم أن عالما أقل معاناة وأكثر سعادة، مع توفر باقي المتطلبات، أفضل من عالم بمعاناة أكبر وسعادة أقل. الأغلب سيقول أن عالما يعيش فيه الناس عمرا أطول، مع توفر باقي المتطلبات، أفضل من عالم تقصر فيه أعمارهم. هذه القيم توضح لماذا مساعدة الآخرين الذين يعيشون في فقر شديد تكون دافعا مشتركا بين المؤثرين الفعالين. سيفيد مبلغ محدد يدفع لتقليل المعاناة وإنقاذ الأرواح لو استخدم في مساعدة الناس الذين يعيشون في فقر شديد في دول نامية أكثر مما لو أعطيناه لمعظم قضايا الجمعيات الخيرية الأخرى.

 

هل تتساوى معاناة الجميع؟

لا يستثني المؤْثرون الفعالون المعاناة لأنها تحصل في مكان بعيد أو لأن من يعانيها من دين أو عرق آخر. هم يتفقون على أن معاناة الحيوانات لها أهمية أيضا، وبشكل عام يتفقون على أننا لا يجب أن نعطي اهتماما أقل لمعاناة ما فقط لأن من يعانيها ليس عضوا من فصائلنا. على الرغم من ذلك، فقد يختلفون في تقييم المعاناة التي من الممكن أن يمر بها الحيوان بمقابل نوع المعاناة التي من الممكن أن يمر بها الإنسان.

 

هل تعني فكرة أن تفعل أفضل الخير أنه من الخطأ أن تقوم بتفضيل أطفالك؟ هل من الأكيد أنه ليس من الخطأ وضع مصالح أفراد عائلتك وأصدقائك المقربين قبل مصالح الغرباء؟

يستطيع المؤثرون الفعالون تقبل فكرة أن يكون أطفال أحدهم مسؤولية ذات أولوية قبل أطفال الغرباء، وهناك العديد من الأسباب وراء هذا. أغلب الآباء يحبون أطفالهم ومن غير المنطقي أن نطلب منهم أن يكونوا غير منحازين لأبنائهم على أبناء الآخرين. ولا نريد أن نثبط من هذا الانحياز ﻷن الأطفال ينتعشون في العائلات المقربة المحبة، وليس من الممكن أن تحب أناسا من دون أن تملك اهتماما أعظم بمصلحتهم من الذي تملكه للآخرين. على أية حال، في حين أن القيام بأفضل الخير يعد جزءا مهما من حياة كل مؤْثر فعال، فالمؤْثرون الفعالون أشخاص حقيقيون وليسوا قديسين ولا يبحثون عن فعل الخير في كل شيء يفعلونه طوال الوقت. عادة ما يترك المؤْثرون الفعالون الوقت والمصادر ليسترخوا ويفعلوا ما يشاؤوا. لمن لديه أبناء منا، من أهم ما نريد أن نقضي وقتنا فيه هو أن نكون مقربين منهم ومن باقي أفراد العائلة أو الأصدقاء. وعلى الرغم من ذلك، يدرك المؤثرون الفعالون أن هناك حدودا لما يمكنهم فعله لأولادهم مع أخذ حاجات الآخرين الأهم في الاعتبار. لا يتعقد المؤْثرون الفعالون أن أطفالهم في حاجة لكل الألعاب الحديثة أو أعياد الميلاد الباذخة، وهم يرفضون المفهوم المنتشر أن على الآباء (في حال وفاتهم) أن يتركوا عمليا كل شيء يملكونه لأبنائهم على أن يعطوا جزءا مهما من ثروتهم لمن يتحتاجها أكثر.

 

ماذا عن بقية القيم كالعدل والحرية والمساواة والمعرفة؟

يظن أغلب المؤثرين الفعالين أن هذه القيم جيدة لأنها أساسية لبناء مجتمعات يعيش فيها الناس حياة أفضل، خالية من الاضطهاد وتملك مستوى عال من احترام الذات والحرية لفعل ما يريدون و بمعاناة أقل ووفاة مبكرة أقل. ولا شك ان بعض المؤثرين الفعالين ينظرون لهذه القيم على أنها جيدة بذاتها من دون هذه التبعات ولكن الآخرين لا يتفقون معهم.

 

هل دعم الفنون يحسب كتطوير للعالم؟

في عالم قد قهر الفقر الشديد والمشاكل العظمى الأخرى التي تواجهنا الآن، يصبح دعم الفن هدفا قيّما، أما في العالم الذي نعيش فيه، فلا يبدو التبرع لدور الأوبرا والمتاحف كأفضل أعمال الخير الذي يمكننا فعلها. حينما أُعطي قطب الترفيه ديفيد جيفن 100 مليون دولار لترميم قاعة آفري فيشر في مركز لنكون في نيويورك (أصبح اليوم اسمه قاعة ديفيد جيفن) كان لديه خيارات أفضل لبذل أمواله فيها.

 

هل من الممكن حقا أن يمارس الجميع الإيثار الفعال؟

من الممكن لأي أحد يملك فائضا من الوقت والمال أن يمارس الإيثار الفعال. مع الأسف، لا يقارن أغلب من يتبرع للجمعيات الخيرية مدى فعالية الجمعيات ببعضها البعض. حتى أنك تجد مستشاريي الإحسان المحترفين غالبا ما يخبرون عملاؤهم: “اتبع شغفك”. في نشرة إنترنتية تدعى “Finding your Focus in Philanthropy“، يقول مستشاريوا روكفيلر للإحسان بسطحية أنه لا يوجد جواب موضوعي واضح لسؤال ما هي أكثر الدوافع ضرورية. لكننا لا يجب أن نعتنق النسبية في الخيار الإحسان. حتى وإن كان اختيار أفضل الدوافع أمر بالغ الصعوبة، فإن بعض الدوافع موضوعيا أفضل من الأخرى، وعلى مستشاريي الإحسان أن يكونوا بالشجاعة الكافية ليوضحوا ذلك. على أية حال، ليس من الأرجح أن يكون الجميع مؤْثرين فعالين في الوقت القريب. السؤال الأكثر أهمية هو ما إذا كان عدد المؤثرين الفعالين سيزداد كفاية ليؤثر على ثقافة العطاء في الدول الغنية. يوجد بعض العلامات المبشرة التي توحي بأن هذا قد بدأ في الحدوث.

 

ماذا لو كان فعل شخص واحد يخفف المعاناة ولكن ليتم الفعل هذا يجب على الشخص أن يكذب أو يؤذي شخصا بريئا؟

بشكل عام، يدرك المؤْثرون الفعالون أن كسر القوانين الأخلاقية التي تجرم القتل وإيذاء الأبرياء سيكون له -على الأغلب- عواقب أسوأ مما لو اتبعت هذه القوانين. حتى أن النفعيين المتعصبين، والذين يحكمون بصواب التصرف من خطئه بشكل كلي بناءا على العواقب، يحذرون من التفكير المجازف الذي يشير إلى أننا يجب أن ننتهك حقوق الإنسان الأساسية اليوم من أجل الحصول على خير في المستقبل. هم يدركون أنه كان يتم استخدام رؤية يوتوبية للمجتمع المستقبلي لتبرير الفظائع التي ارتكبوها تحت حكم ستالين ولينن وماو وبول بوت، وحتى اليوم يبرر بعض الإرهابيين جرائمهم بأنها ستجلب مستقبلا أفضل. لا يوجد مؤْثر فعال يريد تكرار هذه المآسي.

 

لنفترض أنني قمت بإنشاء مصنع في دولة نامية، ثم قمت بإعطاء العاملين أكثر مما يحصل عليه العمال المحليين والكافي لرفعهم من الفقر الشديد. هل هذا يجعل مني مؤْثرا فعالا، حتى وإن كنت أكسب من ذلك؟

ما الذي ستقوم به بمكاسبك؟ إذا قررت أن تصنع في دولة نامية من أجل أن تجعل خروج الناس من الفقر الشديد ممكنا، سيمكنك هذا من أن تعيد استثمار جزء مهم من مكسبك في طرق تساعد الناس أكثر للتخلص من الفقر الشديد، حينها ستكون مؤْثرا فعالا. أما على الجانب الآخر، لو استخدمت مكاسبك لتعيش بأقصى رفاهية ممكنة، فحقيقة أنك أفدت بعض الفقراء لا تكفي لأن تجعل منك مؤْثرا فعالا. هناك العديد من الأماكن المتوسطة بين هذين القطبين. إن إعادة استثمار جزء كبير من مكسبك لتساعد به أناسا أكثر ليحصلوا على دخل لائق مع الاحتفاظ بما يكفي لتعيش حياة أفضل من حياة موظفيك تضعك في مكان ما في نطاق الإيثار الفعال، على الأقل أنت تعيش الحد الأدنى المحترم من الحياة الأخلاقية، حتى وإن لم تكن كاملة.

 

ماذا عن التبرع لكليتك أو جامعتك؟ أنت تدرس في جامعة برينستون وكتابك (The Most Good You Can Do (2015 المبني على محاضرات ألقيتها في جامعة ييل، وكلفْتة كريمة من عضو سابق في جامعة ييل، هل تنكر أن التبرع لمؤسسات كهذه يحسب كإيثار فعال؟

أعتبر نفسي محظوظا لتدريسي في أحد أرفع المؤسسات التعليمية في العالم فهذا يعطيني الفرصة لأن أدرس طلبة مجتهدينو أذكياء كمات ويج الذي من المحتمل أن يكون له الأثر الكبير جدا على العالم. لنفس السبب، كنت مسرورا لقبول الدعوة لإلقاء محاضرات في جامعة ييل. لكن برينستون في الوقت الحالي تملك وقفا يعادل الـ21 مليار دولار، فيما تملك ييل 24 مليار دولار. الآن يوجد ما يكفي من تبرعات الأعضاء ليضمن أن هذه الجامعات ستسمر لتكون مؤسسات تعليمية رائعة، والمال الذي ستتبرع به لهم سيكون له أثر أكبر مما لو ذهب لغيرها. إذا أصبح الإيثار الفعال منتشرا لدرجة أن هذه المؤسسات التعليمية لم تعد قادرة على القيام بأبحاث هامة بدرجة عالية، حينها سيكون قد حان الوقت لتحديد ما إذا كان يمكن للتبرع لهم أن يكون مجددا لشكل من الإيثار الفعال.

 

كيف يقرر المؤْثرون الفعالون المكان الأكثر خيرا لتبرعاتهم؟

في السنوات القليلة الماضية، صعدت جودة وتوفر البحوث عن مدى فعالية الجمعيات الخيرية المنفردة كثيرا، يعود هذا بشكل كبير إلى وجود منظمة GiveWell للأبحاثـ والتي أُسست في 2007 خصيصا لتملأ الفراغ الموجود مسبقا. نتيجة هذا البحث متوفر على الإنترنت على هذا الرابط. منظمات أخرى مثل (الحياة التي يمكنك إنقاذها) -والتي أسستها بعد نشري لكتاب يحمل نفس العنوان- واعتمدت فيها على بحث GiveWell ولكني قمت بتوسيع المعايير لكي تشمل اقتراح جمعيات خيرية. الاختيار بين قضايا مختلفة كالفقر العالمي، أو التخفيف من معاناة الحيوانات، أو حماية البيئة، أو تقليل خطر انقراض البشر هو موضوع النقاشات النشطة في المواقع المرتبطة بالإيثار الفعال.

كان هناك الكثير من الشكوك المتعلقة بمدى إمكانية تحفيز الناس باستخدام اهتمام إيثاري بالآخر. البعض اعتقد أن قدراتنا الأخلاقية محدودة على مساعدة من هم من جنسنا، هؤلاء الذين تربطنا بهم مصالح متبادلة وأعضاء قبيلتنا أو مجتمعنا الصغير. يوفر الإيثار الفعال الدليل على أن هذا ليس صحيحا فهو يظهر أن بإمكاننا أن نوسع مداركنا الأخلاقية، وأن نصل لقرارات معتمدة على هيئة واسعة من الإيثار، وتوظيف عقولنا لتقييم دليل على العواقب المحتملة لأفعالنا. بهذا الشكل نستطيع أن نأمل بأننا سنكون قادرين على الوصول للمسؤوليات الأخلاقية في زمن جديد تكون فيه قضاينا عالمية كما هي محلية.

 

المصدر

 

error: المحتوى محمي