مقاربة فوكو للإسلام – ترجمة: أحمد خريس

مقاربة فوكو للإسلام – ترجمة: أحمد خريس


مقدمة المترجم:

على الرغم من كون الاقتباسات التي تنسبها هذه المقالة إلى فوكو لا توحي بالصرامة الأكاديمية، والعمق الفكري، اللذين ميزا كتابات المفكر الفرنسي، فإن مقاربته للإسلام كما يكشف عنها الكاتب الإيطالي “أرماندو سلفاتوري” تمتلك أهمية كبرى. ومن نافلة القول إنّ فوكو يعد أحد أبرز فلاسفة الاختلاف، ولقد اشتهر بأنه فيلسوف التخوم والخارج، مكرِّساً جل وقته في محاولة كتابة تاريخهما، وبادئاً بمقاربة الجنون في افتراقه الخالص، واختلافه الحقيقي، قبل كل اقتناص لـه من جانب العقل.

يعقد “هابرماس” في كتابه “الخطاب النقدي للحداثة”  مشابهة بين عمل فوكو في تاريخ الجنون، وتجربة شوبنهور في غوصه إلى العالم الشرقي، غير أن ثمة معوقات تعترض مقاربة فوكو للإسلام، مما يوجب الحذر عند النظر إلى مقاربته هذه كمقاربة شاملة للإسلام، تستنطق سياقاته النصية والتاريخية، وأولى هذه المعوقات تتجسد في كون الإسلام يمثل آخرية خارجية أو مطلقة بالنسبة إلى الثقافة الغربية، على خلاف ما عرفته هذه الأخيرة من آخرية داخلية، فإنْ أقُصيَ المجنون أو المريض العقلي أو المجرم جغرافياًُ، وزُجّ بهم في مستشفى المجانين، والمصحات العقلية والسجن، فالغاية إعادة دمجهم ثقافياً واجتماعياً أو -وفقاً لفوكو- الحد من آخريتهم.

أما ثاني هذه المعوقات فيتمثل في ما أشار إليه إدوارد سعيد؛ قائلاً: ليس في وسع إنسان يكتب عن الشرق أو يفكر فيه، أو يمارس فعلاً متعلقاً به أن يقوم بذلك دون أن يأخذ، على محمل الجد، الحدود المعوقة التي فرضها الاستشراق على الفكر والعمل.

فالحديث عن الشرق لابد وأن يفضي إلى مماحكة المؤسسة الاستشراقية التي يوحي التفريق الذي أقامته بين الشرق والغرب بتلك الثنائيات القائمة بين الخير والشر، وبين المركز والهامش بصورة تبدو فيها هامشية الهامش –مثلاً- سبباً في التمكين لمركزية المركز.

ويتمثل ثالث هذه المعوقات فيما تتسم به مادة فوكو الوثائقية حول الإسلام من فقر. وقد أشار المفكر الفرنسي نفسه إلى ما يصيبه من حرج إن هو تحدث عن الفكر الإسلامي، ذلك أن معرفته بالإسلام لا تسمح لـه بتدشين بناء نظري حوله. فضلاً عن أن فوكو اتهم من جانب بعض المفكرين الغربيين بنوع من الشوفينية، فعلى الرغم من غنى مادته الأرشيفية فقد غلبت عليها المصادر الفرنسية.

ويمثل ترادف مفهوم السلطة في الفكر الفرنسي الحديث مع الشر رابع ما نشير إليه من معوقات. فقد كان البحث في جينالوجيا السلطة بحثاً في أصول الشر، وعلى الرغم من كون فلسفة السلطة لدى فوكو أكثر تعقيداً من المزاوجة بينها وبين الشر، فإنه ظل شغوفاً بأنموذج الإنسان المنبوذ الذي يقلق الوحدة السعيدة للدولة، مما يوحي بأثر بعيد للرومانسية. ولعل النفور الذي طبع موقف فوكو إزاء الثورة الإيرانية، بعد أن احتلت هذه الأخيرة موقع السلطة، ما ينهض دليلاً على صوابية الفكرة السابقة. وإذا أضفنا إلى كل ما تقدم ارتهان مقاربة فوكو للشروط الجمالية عند معاينته الثورة الإيرانية، أدركنا الحدود المعوقة التي أحاطت برؤيته للإسلام.

لكن من المهم الإقرار أن مقاربة فوكو تقع خارج المقاربات المتوارثة التي دأبت على المسارعة إلى الأمثلة الناجزة من التاريخ الغربي كالثورة الفرنسية، والثورة البلشفية، وثورة أيار 1968، لتجعل منها معياراً، ومرجعاً كونياً. ويلعب اختلاف فوكو هذا المستوى خاصة دوراً معرفياً وأخلاقياً مكناه من رؤية الإسلام رافداً ثرًّا لذاتية خلاقة، على النقيض من الاستشراق الكلاسيكي الذي رأي في الإسلام كابحاً للذاتية.

النص المترجم(1):

خضعت تغطية فوكو إلى استقصاء تحليلي حذر، فتزامن اهتمام المفكر الفرنسي بها مع بروز إشكاليَّة تثمين “الثورة في عالم لا روح له”، ولم يبقَ حينها غير التموقع حول الفهم الغربي السائد للإسلام في تلك الحقبة الزمنية. وإذْ تفترض هذه الدراسة، بصورة متسرعة، أن الغموض يطبع الجهد الذي اضطلع به فوكو، فإنني سأعمد إلى إغفال الدلالات السياقيَّة والنَّصية التي توحي بأهمية العلائق التي تربط بين أزمة المفكر الشخصية؛ متمثلة في التحول الأكثر حدة واستيلاءً على المثقف الغربي في سبعينيات القرن الغابر، وبين الإخراج الإعلامي “للأزمة”، الذي ترافق مع تزايد اهتمام وسائل الإعلام بـ “الدور الذي يلعبه الإسلام”.

وتمتاز دراسة “ستوث” Stauth بمحاولة الربط بين انشغال فوكو بالثورة الإسلاميَّة في إيران، و”نظريته السياسيَّة” كما تبدت في كتابه “المراقبة والمعاقبة”، الذي صدر في العام 1975، غير أن فيما سبق استغلالاً تنميطياً لذلك المرجع، يحجبنا عن معرفة المدى الذي زج فوكو نفسه فيه فيما يختص بالمسألة الإيرانية؛ وهو انهماك كان مبثوثاً برهافة في الطريق الحرج لمسيرته الفكريَّة، التي بدا خلالها وقد تجاوز عمله المربك في كتاب “السلطة والمعرفة”، مع بدايات العقد السابع من القرن المنصرم.

ومن المتوجب تبني منظور أكثر ديناميَّة في تثمين “تأويلات الإسلام”، على شاكلة ذلك الجهد الذي انخرط فيه فوكو بصورة غير مباشرة في التقارير التي كان يرسلها من إيران. ونحن نعثر –في صلب هذا العمل- على تحول يثير الفضول. الأول: يختص بعلاقة المفكر الفرنسي بما اصطلح على تسميته بـ “الكتابة الصحفيَّة الفلسفية”، فلم يعد ذلك يعني إنجاز ضرب من الكتابة الصحفية من منظور فلسفي “كما فعل سالفاً قبل دراسته لنص كانت Kant (ما هو التنوير)”، وإنما إنتاج خطاب فلسفي عبر الصحافة. ذلك أن فوكو لم يعد ينظر إلى الكتابة الصحفية الفلسفية بوصفها ملحقاً ثقافياً حسب. وقد ظهرت تباشير هذا التحوَّل جليَّةً في كتاباته الأولى حول الثورة الإيرانيَّة.

وتقدِّمُ هذه القصة، كذلك، بعض الدلالات التي تلقي ضوءاً ساطعاً على السبب الكامن وراء التحول الثاني بالغ الأهميَّة. فقد تحوَّل الاهتمام لديه من إعمال الفكر حول سؤال حاضر الغرب إلى إعمال الفكر حول حاضر بقعة من العالم “الآخر”، وحين طلبت الصحيفة الإيطاليَّة Corriere della sera”” إلى فوكو تزويدها بمقالات فلسفيَّة عام 1977م، قدَّم الأخير صورة مغايرة لما جرى عليه التقليد الصحفي في إعداد تحقيق حول حدث بعينه. وقد أمضى في إيران أسبوعين، أحدهما في أيلول من العام 1978م، وثانيهما في تشرين الأول من العام نفسه. كتب خلالهما سلسلتين من المقالات: فجاءت الأولى لتسرد لقاء فوكو الأول مع الانتفاضة الشعبيَّة التي رفعت لواء “الحكومة الإسلاميَّة”، بكل ما في ذلك من إثارة وإمتاع بالغين. وسوف أعمدُ إلى تحليل هذا النتاج، الذي تمخَّض عن هذه التجـربة الأولى من خـلال الروايـة الأكثر وجاهـة وتكـثيفاً، مجسَّـدة بمقالـة فوكـو الـتي نشرتـها صحيفـة “Le Nouvel  observateur” في منتصف تشرين أول من العام 1978م، وقد تفردت هذه المقالة تفرداً واضحاً في إعطائها تقويماً أوَّلياً للثورة إثر رحلة فوكو الأولى. وكانت تلك المقالة التي حملت في ثناياها تشوُّفاً متقداً، على النقيض مما كتبه لدى إقامته الثانية، وإن لم تصدر عن هذه الأخيرة رؤية جديدة ثاقبة. وعلى الرغم من أن مقالة فوكو هذه تجسد موقفه إبَّان الانتفاضة تجسيداً كبيراً، فمن الواجب أن تحلَّل متوازية مع نصين آخرين هـما:حوارٌ ومقالة، أتيا بعد أن نجحت الثورة وشرعت بالكشف عن وجهها العنيف.

لقد بدا فوكو متردداً في تثمينه للدور الذي لعبه الإسلام في انبعاث الروحيَّة السياسيَّة. ولم يكن السؤال الذي تصدر ما عداه: هل يعدّ الإسلام قوة حقيقيَّة، أو أنه قناعٌ لقضايا أخرى؟ وإنما غدا السؤال: هل كان الإسلام يمثَّل تقليداً راسخاً في مقاومته للطغيان، أو أنَّه مصدر ثرُّ ليوتوبيا حازمة ومتطلَّعة؟ كان فوكو حذراً من إبراز هذا السؤال عبر ثنائيَّة الحداثة والتقليد، وما تستدعيه من توتر واحتدام. ومما لاشك فيه أن إسقاطه لهذه الثنائيِّة جعله يتوصل، عبر بعض الفقرات الهامة، إلى صيغة مكثفة لمعنى الثورة. وهي ليست ثورة بالمعنى التحليلي التقليدي للمصطلح. وإنما مساس بجوهر الثورة  بوصفها: “نهوض أمة بأكملها ضد أية سلطة تضطهدها”. غير أننا نجد، بعد تفحص مليّ، أن تثمينه للثورة الإيرانيَّة يذهب إلى مدى أبعد من ذلك، نحو الحد الذي يبدو معه متطابقاً مع ذلك التصوُّر الذي أبرزه في السنوات اللاحقة حين علَّق ثانية وبصورة أكثر تكثيفاً على نص كانت: (ما هو التنوير) نقرأ:

“إن السؤال الذي بدا لي وكأنه يطرح للمرة الأولى هو سؤال الحاضر، وسؤال اللحظة الراهنة. ما الذي يحدثُ اليوم؟ ما الذي يحدث الآن؟ وما ماهية هذه (اللحظة) التي نقيم فيها جميعاً، والتي تحدّدُ الزمن الذي أكتب فيه الآن؟…” لم يعد هذا السؤال بالنسبة للفيلسوف سؤالاً حول انتمائه لمجتمع بشري بصفة عامَّة. وإنما حول انتمائه لـِ (نحن) متعينة ومحددة؛ (نحن) تتناظر مع مجموعة ثقافيَّة بعينها، يجمعها بالفيلسوف “حاضر” واحد. وليس من شكّ أن فوكو رأى تمظهر مفهوم الكينونة الذي يقترب من هذه الـ”نحن” خلال ثورة الشعب الإيراني ضد الشَّاه. والمفارقة الكامنة هنا أن هذه الـ”نحن” الغربية قد وجدت بينهم “في الشرق/إيران”. وبدا السؤال “ما هو التنوير؟” قد وضع متوازياً مع سؤال أكبر، برز في سياق ظهور نمط حديث من التمييز الفكري بين الأشياء: إنه سؤال مونتسيكو: كيف يمكن للمرء أن يكون فارسيَّاً؟ إنه سؤال يعبِّرُ عن الحيرة التي تصيبُ العقل الحديث حين يتواجه مع آخريَّة راديكاليَّة. وقد استثمر فوكو، بصورة أكيدة، السؤال الأخير، وهو بصدد الإجابة عن السؤال الأول. غير أن تلك الإجابة لم يثر ما اتسمت به من عرضيَّة استغرابنا. فقد أملاها ما بدا لـ “فوكو” أنَّه إعادة تعريف للذات الحديثة متوقفاً، في ذلك المفصل التاريخي، عند فهم القوة المسيَّرة للانتفاضة الإيرانية ونجاحها الباهر. وعلى خلاف الوضعية الكانتيَّة، فقد بدا من المحال، في لحظة بعينها، أن يعبِّر الفيلسوف عن خطاب سياسي حديث، بالاتكاء على المجتمع “المابعد ثوري” الذي ينتمي إليه، إذ غدا من غير الممكن العثور على العلامة الحقيقيةَّ؛ أي الحدث ذي القيمة. نقرأ:

“أي علامة؟ علامة على وجود قضيَّة أبديَّة وعابرة للتاريخ قادت الجموع على طريق التقدّم… أهي الثورة بوصفها مشهداً لا إيماءة، الثورة كبؤرة لحماسة شهودها لا كمبدأ لانتفاضة المشاركين فيها، بصرف النظر عن مدى نجاحها أو إخفاقها غير ذي الصلة بموضوع التقدم، أو على الأقل كإشارة إلى التقدُّم الذي نرنو إليه”.

لقد نُظر إلى الثورة كنقطة أساس في الكشف عن الذاتيَّة السياسيَّة الحديثة. ولم يتحرَّج فوكو، تأسيساً على هذا التصور، من مقارنة مضمون الثورة الإيرانية بالأهميَّة التي تعزى إلى الثورة الفرنسيَّة كما أبرزها “فوريه” Furet في كتابه الشهير الذي صدر متزامناً مع الثورة الإيرانية عام 1978م. حيث صورت الثورة حدثاً وتجربـة ساميـين.

إن المراقب ليعثر أن وراء اهتمام فوكو بتلك المرحلة من التاريخ الإيراني ما يتعدى انشغاله بقضيَّة على أرض الواقع. فثمَّة التماعة تسهم في حل مسألة متعددة الأوجه، يمكن تصنيفها في خانة السؤال: هل توارتْ روح الثورة من التاريخ؟ وإلى أين ذهبت؟ إنه سؤال حول مصير الروحيَّة السياسيَّة للحداثة، أو هو سؤال “الذاتيَّة” في بعدها العابر للأفراد، إن شئنا استخدام المقولة التي بدأت بإعادة تشكيل خطاب فوكو حول الحداثة، واحتلال مركز أساس فيه، لاسيما في تلك السنوات الحرجة.

ولم يكن بمقدور فوكو عند هذه النقطة أن يرجئ السؤال حول “الدور” الذي لعبه الإسلام في يقظة الروح هذه. وقد شرع إبان الانتفاضة باقتراح الإجابـة التاليـة:

“اخترعت بلاد فارس الدولة منذ فجر التاريخ، ثم استودعت الإسلام مناهجها الخاصة، وعمل إداريُّوها كوادر للخلافة الإسلامية. ومن الإسلام نفسه استخلصت ديناً منح معتنقيه موارد غامضة لمقاومة سلطة الدولة. فهل يتوجب علينا أن نرى عبر نشدان حكومة إسلاميَّة، تصالحاً، أو تناقضاً، أم أننا على أعتاب تحديث ما؟”.

إن سؤال فوكو الذي كان مصوغاً جيداً لاكتناه الإسلام، لحظة عمله، في أكثر المراحل السياسيَّة أصالة، لم يكن تمظهراً لذلك الموقف السياسي المجزوء، الذي طبع الاتجاه الغربي العام في رؤيته للإسلام ككابح للذاتيَّة. نقرأ:

“ربما كمنت روح الثورة حين قال الإيرانيون لأنفسهم وهم ينتفضون: يتوجب علينا أن نغيِّر هذا النظام ونقتلع هذا الرجل (الشاه)… لكن علينا أن نغيِّر ما بأنفسنا في المقام الأول… وينبغي، أيضاً، على طريقتنا في الحياة، وبالنظر إلى العلاقة التي تجمعنا بالآخرين والأشياء والأبديَّة والله… أن نتغير بصورة كاملة. ولن يكون هناك ثورة حقيقيَّة إذا لم يتحقق هذا التغيُّر الراديكالي في تجربتنا الحياتيَّة. أعتقد أن الإسلام في هذا المستوى تحديداً قد لعب دوراً… فلقد كان الإسلام بالنسبة إليهم الوعد والضمانة باجتراح أمر يغيَّرُ، بصورة راديكالية، ذاتيتهم”.

ومن غير الجائز أن نتغاضى عن الكيفية التي افترض فيها فوكو ارتباط ما رأى فيه روح الثورة الإيرانية بالإسلام، ارتباطاً غير عرضي. يقول في إحدى محاولاته النادرة لتعريف الحداثة: “عوداً إلى نص كانت، فإنني أتساءل ألسنا نرى الحداثة موقفاً أكثر من كونها مرحلة تاريخية. وأعني بموقف شكلاً من الارتباط بواقع معاصر، وخياراً إرادياً يُتبنَّى من جانب أناس بعينهم. وفي المحصلة، فإن طريقة في التفكير، وصورة من الحساسيَّة، هما كذلك، يعبران عن طريقة في التصرف والسلوك تعيّن في الوقت نفسه علاقة انتماء وتطرح نفسها غاية”.

ما من ريب أن فوكو لا يقوم بالتنظير للإسلام الحديث، ولا يتناول بالدرس “عودة” الدين كأداة سياسيَّة. لكن من الممكن، وغير العارض، أن يكون بمقدور المفكر الفرنسي تقديم إسهام جوهري يتصل بالخطاب الفكري الغربي حول الإسلام عبر انخراطه الخاص بحدث جديد ومذهل, يجري في قلب سيناريوكوني لأزمة متعددة الجوانب، يقول:

“أشعر بالحرج إذا تحدثت عن الحكومة الإسلامية بوصفها (فكرة) أو (مثالاً)، لكنها أثارت إعجابي؛ لأنها (إرادة سياسية). لقد أعجبني فيها جهدها باتجاه التسييس، كردة فعل للإشكالات الحقيقية، والبنى القارّة؛ اجتماعياً ودينياً”.

وعلى الرغم من كون فوكو مجبراً على المثنوية التأويلية للإسلام السياسي، مثله كمثل أي مستطلع غربي في ذلك الزمن، فإن موقفه العقلي في “التوجه نحو الشرق”، والنظر إلى ما كان يحدث في إيران، كانا ملائمين للبحث في عامل “التمثل” (وهو مكون مركزي بالنسبة إلى طريقة المستشرق الكلاسي في البحث عن جوهر الإسلام) في مشروع تكون نتيجته النهائية مجافية لنوع تيار المستشرقين العام (وربما، بصورة أدق النزوع الفيبري(2�. الذي حُدِّث من جانب “برنار لويس” Bernard Lewis، متمثلاً في أن تجاوز الإسلام هو الصيغة الأكثر احتمالاً لتطوير ذاتية دينامية.

إن المرء عاجز أن يسقط من حسابه، بصورة شكلية محضة، الشروط الجمالية التي حكمت هذا المشروع، وجعلت وجوده ممكناً، لكنه غير قادر على موافقة تلك الطائفة من نقاد فوكو التي مالت إلى التقليل من قيمة مقاربته، وجعلها مرواغة ثقافية محضاً ذات مصطلحات جمالية خالصة.

يتوجب علينا أن ندرك سبباً أكثر أهمية ودلالة لتحولات الفضاء “العابر للثقافة”. على المرء أن يستدعي، فقط، كيفية لجوء فوكو لاحقاً في تعريفه للحداثة، إلى صيغة “بودلير” Baudelaire، بما احتوت عليه “من موقف يتيح القبض على البعد (البطولي) للحظة الحاضرة… فهو ليس ظاهرة تعبر عن الحساسية إزاء حاضر زائل… وإنما إرادة لتحويل الحاضر إلى بطل” إن مفهوم الحداثة هنا يتشكل حيث تتحد الأبعاد الجمالية بالأخلاقية دون فكاك. فهل أبصر فوكو وميض تلك الحداثة في الثورة الإيرانية؟ من الجائز أكثر أن ما وافق هذا التعريف للحداثة تمثل في تجربة سرده المتعاطف مع الثورة الإيرانية. إن تلك الثورة، كما رويت على لسان ميشيل فوكو؛ المفكر الغربي الطليعي، لهي ما شكل خلخلة (وإنقاذاً في الوقت نفسه) لتراث الحداثة.

لم يبذل فوكو ذاته، على أية حال، جهداً كبيراً في التغطية على مدى إعجابه بالثورة، فالسيناريو كان آسراً؛ لأن أصالته بدت غير غربية، فهو “شرقي” بالكامل، فضلاً عن الهيئة المحيّرة للزعيم الموقر، ذي اللحية وهو يتوسط المنصة، والجموع تلهج باسمه بوصفه محررها، وبصبره منتظراً دوره وهو قابع في المحيط الباريسي “كل شيء أفاد الاعتقاد بقوة الرواج الغامض المتصل بعجوز منفي مدة خمس عشرة سنة، وشعب يعول عليه. إن طبيعة ذلك الرواج هي ما أثار إعجابي”.

إن “الرواج الغامض” هو ما فهمه فوكو، ربما، سراً للثورة، وثُمِّن كخبرة فائقة الإدهاش، لذا لم يكن بالإمكان استقراء الثورة وفق المبادئ المقررة في الغرب، حيث يتوجب انضواء معنى الثورة ضمن “جهد ضخم يدرج الفوضوي في التاريخ العقلاني الطيع”. وكنتيجة لذلك، فإن المفكر الفرنسي عجز عن تلافي الإحساس بعدم الراحة عندما أصغى إلى ما صرحت به شخصيات الانتفاضة الرئيسة ذاتها: أن ما كان يحدث يمكن ترجمته بدقة بواسطة تصنيفات التجربة الغربية:

“إن أحدنا ليقول: إن تعريفات الحكومة الإسلامية ليست دقيقة. ويتوجب القول إنها تبدت لي عادية جداً، ووضوحها غير مطمئن قليلاً، كتوليفة أساس تجمع بين الديمقراطية والبرجوازية والثورية. وقلت: إننا لم نتوقف عن تكرارها بصورة مضجرة منذ القرن الثامن عشر، وأنتم تعرفون إلى أين يقود ذلك. لكنهم أجابوا بحزم أن القرآن كان قد أقرها قبل فلاسفتكم، وإذا ما كان الغرب المسيحي والصناعي قد فقد معناه، فإن الإسلام –في المقابل- قادر على حماية قيمتها وفاعليتـها”.

لقد صرف فوكو اهتمامه منذ الانطلاقة الأولى للمغامرة الإيرانية، إلى صعوبة إيجاد التوازن بين العالمية والفرادة في تفسير الحدث الذي كان يراقبه. لكن لم يبد أن تلك الصعوبة تسبب له حرجاً. إن قراءته الكاملة للثورة الإيرانية أصيلة ومؤثرة، بالنظر إلى أنها لا تحاول التقليل من قيمة عنصر على حساب آخر، فما أراد فوكو رؤيته راسخاً هو فكرة الخلخلة، وفوق ذلك، قدرة الروحية السياسية على البقاء. إن النتيجة التي خلص إليها، ربما، أن ليس ثمة تاريخ دون فتنة خاصة به، كما دون في مقالته الأخيرة حول المسألة الإيرانية:

“ليس لأحد الأمر أن يقرر بأن هذه الأصوات المرتبكة تصدح بأفضل مما للبقية، وتجهر بالصدق الأبلغ. فكافٍ أنها موجودة لتعطي إحساساً بضرورة الاستماع إليها ومحاولة اكتشاف ما تود قوله. أهو سؤال أخلاقي؟ ربما. أهو سؤال واقعي؟ بالتأكيد. فكل محاولات التحرر من سحر التاريخ لا تفيد شيئاً. إن الأمر راجع إلى وجود بعض الأصوات التي تجأر بأن الزمن البشري لا يتخذ صيغة تطورية خطية، وإنما له شكل التاريخ”.

إن الخلاصة النهائية لاهتمام فوكو بالثورة الإيرانية، تتمثل -على أية حال- في المدى الذي عولت فيه مقاربته على قوة الإدهاش، التي عملت كأداة مخففة من وجهة النظر العالمية تلك، وكذا فقد تمثلت في مقاومته الاحتفاء بما خبره في إيران بوصفه عرضاً حديثاً لـ”يوتوبيا” أو “مثال” (كما يرضينا أن نظن، وكما باح لفوكو كثير من الإيرانيين المشاركين في الثورة).

لقد كان المفكر الفرنسي متحرقاً للمراهنة على “شيء قديم جداً، وضارب كذلك بجذوره في المستقبل”.

إن أزمة الحديث والتراثي السابقة، أو أزمة الإسقاط على المستقبل أو الانكباب على الماضي تغدو ببساطة مطلقة عبر القدرة الفريدة للثورة كونها”حقيقة” و “إرادة”:

“الناس يثورون، هذه حقيقة. ومن هذه الناحية فإن الذاتية تتخلل التاريخ وتهبه روحها”.

إن المرء ليحار، حقاً، أهذا التصوير لغياب التوتر وانسجام التاريخ، أو ما يفترض أنه “جوهره الحق”، قادر على أن يتماسك دون إحساس فوكو الجمالي لما كان قد خبره:

“إن ما يثير إعجابي، الآن، في إيران، أن ليس ثمة صراع بين عناصر شتى. وما يهب الأمر ذلك الجمال، وفي الوقت نفسه، تلك الرصانة، وجود مجابهة وحيدة بين الناس جميعاً والدولة التي تهددهم بأسلحتها وشرطتها”.

إن هذا لهو -على أية حال- نوع معين للفرادة، وليس ببساطة حدثاً يتعامل معه بتعاطف، وإنما بالخبرة العالية التي امتلكها فوكو؛ لأنه متداخل غربيٌّ لم يحاول أن يتخفى في “تقريره” بصورة المراقب المحايد، ومن الجائز القول إن محصلة التركيز على الإسلام لا كقانون، وإنما كنقيض للقانون أو كذاتية مبدعة، جرت على خلاف جوهر المذاهب التي حواها تراث المستشرقين وسمحت بعدِّ الإسلام، لاسيما في نسخها ذات التشدد الواضح، متبنياً بصرامة تأويلاً متصلباً للنص والقانون، ونافياً لأي متنفس لتأويل الذات. إن مقاربة فوكو أيدت قلب المعضلة “الفيبرية” دون وجود مثال بديل، ذلك لأن المعرفة الحقة بالإسلام لا يمكن مؤازرتها بتحديث قوتها على الإدهاش حسب.

لقد اتهم المفكر الفرنسي لدى الجمهور، وعبر امرأة إيرانية، بالخلط بين مفهومي الروحية والتعصب الديني “فالمرء قادر على قول ذلك عن اليسار الغربي المهووس بالمنهج الإنساني، أما الإسلام فإنه مستحب… لكن في مكان آخر”.

لقد عبرت هذه الهجمة عن نفسها بمصطلحات قاسية وساخطة، ملمحة إلى طبيعة “الخلخلة” المشار إليها في تقرير فوكو.

ومن المفاجئ بعض الشيء أنه ردَّ بموقف دفاعي خالص دون أن يتبنى سؤال الخلخلة ذاك. إن ردّه الجامع توافق في جزئه الأول مع الصفة المشتركة لكل بناء فكري حول “الإسلام السياسي” منذ مداخلة برنار لويس، أما رده، لاسيما في جزئه الثاني، فلا يعبر إلا عن الحالة الأدنى في اعتبار الإسلام السياسي مستقلاً عن التأثير الضار للمقولة التلفازية “…أن مشكلة الإسلام كقوة سياسية، لهي مشكلة جوهرية بالنسبة إلى عصرنا، ولسنوات قادمة. إن الحالة الأولى للتعامل معها، بغض النظر عن مدى حصافتها، ليست –بالتأكيد- مبادأتها بالعداء”.

 

 

 


الهوامش

*) النص للمفكر الفرنسي الشهير، والترجمة والتقديم لباحث وأكاديمي في الأردن.

1) وهو مقتطف من الفصل الثامن لكتاب: -Armando Salvatore, Islam and the Political Discourse of Modernity, Ithaca Press, London, 1999, p.p.145-155.

2)   نسبة إلى عالم الاجتماع الألماني “ماكس فيبر” Max Weber (1864-1920).

error: المحتوى محمي