مفهوم المواطنة العالمية: كيف تساعد نفسك حينما تساعد الآخرين؟ – ماسيمو بيغليوتشي / ترجمة: سميه صالح

مفهوم المواطنة العالمية: كيف تساعد نفسك حينما تساعد الآخرين؟ – ماسيمو بيغليوتشي / ترجمة: سميه صالح


لطالما كان هناك ولا يزال تصادم دائم بين مفهومي الإيثار والأنانية في مجال المبادئ الأخلاقية الحديثة.  وجميعنا نعلم أنه كلما ركزت اهتمامك وطاقتك ومواردك على تحقيق مصالحك الخاصة، يقل بالتأكيد مقدار ما تفعله للآخرين. ونتيجة لذلك، نسعى جاهدين لإيجاد بعض التوازن بين هذين المطلبين المتعارضين، وغالبًا ما ننتهي بأن نبتعد عن تحقيق مبادئنا، والشعور بالذنب حيال ذلك، (بعضنا يشعر بالذنب على أية حال).

لكن ماذا لو كان هذا في الحقيقة ازدواجيةً زائفة؟ ماذا إن اتبعنا نهجًا مغايرًا، يُعيننا على مساعدة البشرية  ككل، وفي المقابل، نتلقى المساعدة من الآخرين أيضًا؟. هذه الفكرة هي ما تُمثل مفهوم الكونية أو العالمية “cosmopolitanism”، والذي يعني حرفيًا المواطنة العالمية. نشأ هذا المصطلح في اليونان القديمة، وتطور في روما. وهذا يبين لنا أن الفلسفة اليونانية- الرومانية القديمة لا تزال تملك في جعبتها ما تستطيع أن تقدمه لنا نحن الجيل الحديث.

ارتبط مصطلح “العالمية” بالفلاسفة المتشائمين القدامى، ويطلق عليهم الكلبيين أيضًا. التشاؤمية فلسفة سميت بكلمة لم تكن لها دلالة حديثة على الإطلاق، بل تُشير إلى مجموعةٍ متطرفة، تُكرس نفسها لتحدي أعراف المجتمع  من خلال العيش ببساطة، وعدم حيازة أية ملكيات أو مساكن. ومن المذاهب المتأثرة بالفلسفة التشاؤمية نجد الرواقية، وتعّد هذه الفلسفة إحدى الفلسفات المستجدة في الحضارة الهلنستية. طور هؤلاء الفلاسفة الرواقيون فكرة الوطنية العالمية وجعلوها فلسفة عامة  ترشدهم في أفكارهم وأفعالهم اليومية. قال ابكتيتوس، فيلسوف من القرن الثاني، “افعل كما فعل سقراط، عندما كان يسأله الآخرين من أين أنت، دائمًا ما كان يجيب بـ “أنا مواطن عالمي”، بدلًا من ” أنا أثيني” أو “أنا من كورنث”. ينبغي علينا تذكر هذا المبدأ، واستيعابه، وممارسته، خاصةً في هذه الأوقات التي ازداد فيها انتشار الخوف، وكراهية الأجانب، والاختلافات السياسية، والنزعة القومية.

كانت الفكرة الرواقية رائعة وبسيطة، وهي تتمثل في أن جميع البشر يعيشون في نفس المدينة الكبيرة، ومترابطين ارتباطًا وثيقًا كأسرةٍ ممتدة بالفعل، وأن علينا أن نعمل وفق ذلك، من أجل مصلحتنا الخاصة. مثّل الفيلسوف الرواقي هيروكليس هذه الفكرة بعدد من دوائر الاهتمام يكون مركزها أنت، ثم تتسع لتأتي عائلتك في الدائرة الثانية، وأصدقائك في الدائرة الثالثة، وفي الدائرة التي تليها اخوانك المواطنين (الذين يسكنون نفس المدينة)، ومن ثَم دائرة أبناء بلدك، لتحتوي الدائرة الأكبر البشرية جمعاء.

تحدّث بعض الفلاسفة المعاصرون مثل بيتر سينجر عن توسيع  نطاق دائرة الاهتمام أكثر، مما يعني توسيع اهتماماتنا لتشمل المزيد والمزيد من الناس، وبالتالي التغلب على النزعة الأنانية في طبيعتنا. في المقابل، يعتقد هيروكليس أنه ينبغي علينا  أن نسعى إلى تضييق نطاق الدائرة، وتقريب الأشخاص الآخرين إلينا أكثر. حيث يرى هيروكليس أنه كلما جعلنا هؤلاء الناس قريبين منا أكثر، تلاشت الازدواجية بين الذات والآخرين بشكل أكبر، وتماشت مصالحنا مع مصالح مجتمعنا. لكن هيروكليس غالى قليلًا إلى حد توجيه طلابه إلى  مناداة الغرباء ب”الأخوة” و”الأخوات” (أو “الأعمام” و”العمات” اعتمادا على أعمارهم)، كشكل أولي من علاج معرفي، يهدف إلى إعادة هيكلة الطريقة التي نفكر بها عن الآخرين، وبالتالي الطريقة التي نتصرف بها تجاههم.

لخّص الامبراطور ماركوس أوريليوس، من أهم الفلاسفة الرواقيين، في كتابه “التأملات” فكرة المواطنة العالمية، وواجبنا تجاه الآخرين في شكل تسلسل منطقي، بقوله “مادام الجزء المفكر مشتركًا بيننا، فالعقل مشترك أيضًا، وهو ما يجعلنا كائنات عاقلة. ومشتركٌ بيننا أيضًا الأمر الذي يُملي علينا ما نفعل وما لا نفعل. وإذا صح ذلك فبيننا أيضًا قانون مشترك. ومن ثم فنحن مواطنون. نستظل معًا بدستور واحد. إذا صح ذلك فالعالم كله كأنه دولة واحدة” (عادل مصطفى ،التأملات، رؤية للنشر والتوزيع، ص73) .

تتمثل إحدى الشعارات الرئيسية للفلاسفة الرواقيين في المقولة التالية “العيش وفقًا للطبيعة”، ولا يعني هذا المشي في الأرجاء من دون ملابس، أو معانقة الأشجار في الغابات، بل يعني أنه يجب علينا دراسة الطبيعة الإنسانية والعيش وفقًا لهذه الطبيعة، حيث أن الطبيعة الإنسانية أساسًا قادرة على التفكير. ويعني العيش وفقًا للطبيعة، أو في انسجام معها القيام بدورنا في استخدام العقل لتحسين المجتمع. وأثناء الوقت الذي نقوم فيه بتطوير هذا المجتمع، ستتحسن أحوالنا وأحوال الآخرين (لأن الكائنات الاجتماعية بطبيعتها لا تزدهر إلا في المجتمعات الفعالة). يشير هذا إلى أن مفهوم الازدواجية الحديث بين الذات والآخرين يتسم بالسطحية، بل هو مضلل أيضاً، لأنه يؤدي إلى حدوث تعارض بين المصالح الفردية ومصالح المجتمع. بالتأكيد، دائماً ما سنواجه حالات خاصة يتعين علينا فيها الاختيار بين المصالح المباشرة لأطفالنا وأطفال الآخرين. لكن، يجب علينا الأخذ في الاعتبار أنه على الأمد البعيد وفي ظل تطبيق مفهوم المواطنة العالمية، سينمو أطفالنا في مجتمعٍ مزدهر، يساعد على تحويل طريقة تفكيرنا تجاه الحياة، من اعتبارها مجرد لعبة ربح وخسارة إلى النظر إليها كوحدةٍ تعاونية.

لا ينبغي أن نعتقد أن فكرة العالمية الرواقية توحي بأن المجتمع البشري المثالي يجب أن يشبه خلية النحل، وأن الأفراد مسخرون لصالح المجموعة فقط. بل هو على العكس من ذلك، فقد حرص الرواقيون على الدفاع عن حرية الإنسان، وقدروا الاستقلالية الفردية تقديرًا كبيرًا. لكنهم اعتقدوا أن الحرية التي نملكها للسعي خلف أهدافنا الفردية، والنمو بطريقتنا الخاصة، تستند إلى وجود مجتمع يمتلك أفراده حرية مماثلة. وهذا المجتمع لا يمكن تحقيقه إلا إذا أدركنا أن مصالحنا الجماعية منسجمة بشكل عام. لا يهم إن ولدنا في أثينا أو كورينث أو المكسيك أو من أي دولة أخرى. لأننا بشكل أعمق، جميعنا أفرادٌ من نفس المدينة الكبيرة، ومن المستحسن أن نتصرف على هذا النحو.

 

المصدر

 

error: المحتوى محمي