مصطفى العبادي: وفاة صاحب الفضل في إحياء مكتبة الإسكندرية عن 88 عاماً – جوناثان غاير / ترجمة: مضر عبود

مصطفى العبادي: وفاة صاحب الفضل في إحياء مكتبة الإسكندرية عن 88 عاماً – جوناثان غاير / ترجمة: مضر عبود

28abbadi-articleLarge

المؤرخ مصطفى العبادي في مكتبته الشخصية


القاهرة:

توفي المؤرخ المصري مصطفى عبد الحميد العبادي، خرّيج كمبردج والمتخصص في العصور الرومانية والإغريقية والحالم المعسول اللسان لإحياء عظمة مكتبة الإسكندرية في مصر في الثالث عشر من فبراير الماضي عن عمرٍ يناهز الثامنة والثمانين. وكانت ابنته “مها العبادي” قد عزت سبب الوفاة إلى نوبة قلبية.

ويعود حلم البروفيسور العبادي إلى إنشاء مكتبة حديثة على غرار مكتبة الإسكندرية ذائعة الصيت ومنهل العلوم في العصور القديمة إلى العام 1972 حين اختتم محاضرة له في جامعة الإسكندرية بتحدٍّ مجبولٍ بالعاطفة. ويسترجع العبادي في العام 2010 ما حدث فيقول: ” قلتُ في نهاية الأمر: «إنّه لمن المحزن أن نرى جامعة الإسكندرية الجديدة دون مكتبة … دون المكتبة التي تليق بها»” وأضاف:” إذا كنا راغبين بتسويغ ادعاءاتنا بالتواصل الروحي مع التقاليد القديمة فيجب علينا أن نستأنس بالنموذج القديم العظيم وأن نطلق مكتبة كونيّة رفيعة”.

ولقد كان الرئيس الأمريكي ريتشارد م نيكسون من أوحى للبروفيسور العبادي بهذا المقترح الطموح، فأثناء زيارة نيكسون إلى مصر في العام 1974 ذهب مع الرئيس المصري آنذاك أنور السادات بالقطار لرؤية الآثار القديمة لمدينة الإسكندرية ومشاهدة عظمتها السالفة وحين سأل نيكسون عن تاريخ مكتبة الإسكندرية الشهيرة وموقعها لم يتمكن أحدٌ من مرافقيه المصري من إجابته على ذلك. وفي تلك الليلة اتصل رئيس جامعة الإسكندرية بالبروفيسور طالباً منه كتابة مذكرة عن رفعة وسقوط المكتبة العظيمة.

قال البروفيسور العبادي لاحقاً أن تلك المهمة جعلته يدرك كم كان لمكتبة الإسكندرية الشهيرة من صدىً ليس فقط بين المصريين وإنّما بين العديد ممّن يشاركونه هذه النهم العلمي. ثم من خلال دعم الجامعة له شرع العبادي بتطوير خطط من أجل مؤسسة بحثية جديدة وفي نهاية الأمر تمكّن من إقناع محافظ الإسكندرية والحكومة المصرية واليونيسكو (منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة) لتقديم الدعم والمساعدة.

وفي العام 1988 قام الرئيس المصري “محمد حسني مبارك” بوضع حجر الأساس لما سيصبح فيما بعد مكتبة الإسكندرية، مجمع أسطواني محاذٍ للبحر بكلفة 220 مليون دولار من تصميم الشركة النرويجية “سنوهيتا” وتحتوي على قاعة للقراءة بمساحة 220 ألف قدم مربع وأربعة متاحف والعديد من المعارض بالإضافة إلى مركز للمؤتمرات وقبة سماوية للمجموعة الشمسية وسوقاً للهدايا التذكارية. إلى أن افتتحت المكتبة في العام 2002 واجتذبت الأنظار بإحيائها الثقافة الفكرية لعاصمة مصر القديمة “الإسكندرية” ثاني أكبر مدن البلاد والتي غالباً ما تكون مهمّشة.

وكتب البروفيسور العبادي عام 2004:” مع تأسيس مكتبة الإسكندرية الجديدة تكون التجربة القديمة قد دارت دورة كاملة”.

بيد أن البروفيسور العبادي لم ينل المجد بأكمله بهذا المشروع حيث كان من ضمن مجموعة مثقفين (علماء) انتقدوا بعضاً من ملامح المكتبة عقب الانتهاء من إنجازها واحتجوا على إهمال البنّائين خلال عمليات الحفر غافلين عن القيمة الأثرية للموقع. وعند مراسم حفل افتتاح المكتبة رسمياً وبحضور عدد من رؤساء الدول والملوك وحشد من الأشخاص المرموقة لم يكن البروفيسور من بين الحضور؛ لم يكن مدعوّاً.

ولد مصطفى عبد الحميد العبادي في العاشر من أكتوبر من العام 1928 في القاهرة، والده عبد الحميد العبادي كان مؤسس كلية الآداب والفنون في جامعة الإسكندرية عام 1942 وعميدها الأول، وتحصّل مصطفى على درجة الإجازة منها بدرجة شرف في العام 1951. ثم غادر بعد سنة وحدة إلى جامعة كمبردج بعد حصوله على منحة من الحكومة المصرية ودرس في الجامعة اليسوعية هناك تحت إشراف “آرنولد هيو مارتن جونز” المؤرخ البارز للإمبراطورية الرومانية ونال منها درجة الدكتوراه في التاريخ القديم عام 1960.  وكان قبل ذلك بسنتين قد تزوج من عزة كرارة أستاذة الأدب الإنكليزي في جامعة الإسكندرية والحاصلة على شهادة الدكتوراه أيضاً من كمبردج عام 1955 وتوفيت في العام 2015.

بالإضافة لابنته، للبروفيسور العبادي ابناً اسمه عمرو العبادي وهو أستاذ في جامعة كاليفورنيا/ سانتا باربارا وشقيقة هي سنية العبادي وثلاثة أشقاء هم حسن (سفير سابق لمصرَ في تايلاند وكوبا) وهاني (سفير سابق لمصر في سريلانكا) وهشام بالإضافة إلى خمسة أحفاد.

عاد الزوجان الأستاذان العبادي وكرارة إلى مصر العام 1960 ليصبحا محاضرين في جامعة الإسكندرية وعملا كأستاذين زائرين في عديد المرات وشغلا العديد من المناصب خلال مسيرتهما كما أنهما درّسا في جامعة بيروت العربية بين العامين 1966 و1969. وخلال العطل الدراسية اعتادا وضع ابنيهما في المقعد الخلفي لسيارتهما الفولكسفاغن / بيتلز والتوجه إلى الأماكن الأثرية في لبنان وسوريا والعراق لاستكشافها مدندنين الأغاني على طول الطريق. وأما في منزلهم فقد استضافا العديد من الروائيين أمثال “آيريس مردوخ” و”آميتاف غوش” و”أنيتا ديساي” التي كتبت عن الزوجين وعن قطتهما “كليوباترا” في روايتها “رحلة إلى إيتاكا”.

بحلول العام 1970 ربما كان البروفيسور العبادي العالم المصري الوحيد المتخصص بالتاريخ الإغريقي الروماني في بلد تهيمن فيه الدراسات الفرعونية على مجالات الدراسين الكلاسيكيين. ويقول عنه “روجر باغنال” أستاذ التاريخ القديم في جامعة نيويورك” بالنسبة لدارسي التاريخ، لقد كان العبادي المرجع الأول في مصر”.

وقد أصبح الدكتور العبادي مرجعية أساسية فيما يتعلق بالمكتبة القديمة والتي كانت مخزناً ضخماً للمعارف المتراكمة عن التاريخ القديم فضلاً عن كونها مؤسسة بحثية رائدة، وكان أول ملوك الفراعنة البطالمة ومؤسس الأسرة البطليمية بالإسكندرية “بطليموس الأول” قد أنشئ المكتبة حوالي القرن الثالث قبل الميلاد، ثم دُمّرت في القرن الأول قبل الميلاد.  وتُرجم كتاب الدكتور العبادي “مكتبة الإسكندرية القديمة… سيرتها ومصيرها” الصادر عن اليونيسكو عام 1990 لخمس لغات عالمية ولا يزال يستشهد به من قبل الدراسين على نطاق واسع ويذكر أنه واحدٌ من كتبٍ عديدة كتبها الدكتور العبادي أو قام بتحريرها. واعتبر العبادي بهذا الكتاب “يوليوس قيصر” مسؤولاً عن هلاك المكتبة القديمة داحضاً الفكرة المسيسة التي تُحمِّل العرب تبعات دمار المكتبة بعد إحراقها.

أكد الدكتور العبادي في مقابلاته وأبحاثه أنّه رغم أنها لم تكن أول مكتبة في العالم لكنّها كانت المكتبة العالمية الأولى حيث احتضنت بين جنباتها ما يقارب النصف مليون نص من بلدان مختلفة وبلغات عديدة من ضمنها أعمال أرسطو ومخطوطات أصلية لمسرحيين أمثال سوفوكليس.

وفي حديث لها عن الدكتور العبادي قالت زميلته في كمبردج “دوروثي تومبسون” والرئيسة الفخرية للجمعية الدولية للمختصين في علم البَرْدِيّات: «كان مما لا شك فيه عميد الإسكندرية، لقد صنع شهرة للإسكندرية في العالم الغربي في القرن العشرين». انتُخب العبادي في العام 1996 رئيساً للمجمع الآثاري في الإسكندرية والمؤسس عام 1893 وحاضر في بقاع واسعة من العالم وتسلّم العديد من الأوسمة الفخرية الأكاديمية والحكومية.

أما كاتبة السير “ستيسي شيف” صاحبة الكتاب الشهير “كليوباترا: سيرة حياة” فقد استشهدت بالكاتب “لورنس داريل” مؤلف كتاب “رباعية الإسكندرية” حين كتبت لنا عبر بريد إلكتروني عن الدكتور العبادي:” يمثلّ لي في كلّ لحظة ما وصفه داريل بأنه «عاصمة الذاكرة»” وأضافت: “يبدو لي أنّ يحتضن حضارة بأكملها في رأسه”.

تبرّع الدكتور العبادي عند افتتاح مكتبة الإسكندرية العام 2002 بنسخة نادرة تعود للقرن السادس عشر للميلاد من كتاب “قانون جوستينيان” وهو تقنين للقوانين المتبعة في القانون الروماني على عهد الإمبراطور جوستينيان الأول إبان القرن السادس الميلادي، وقد كان من أوائل الكتب التي ضمتها رفوف المكتبة، وقبل أن توافيه المنيّة كان قد أهدى “مكتبة الإسكندرية هو وزوجته ما يقارب الستة آلاف من الكتب والأوراق البحثية.

ومع هذا فقد ظل الدكتور العبادي خلال عمليات البناء وبعدها مصرّاً أن المشروع لا يزال ينقصه المزيد. وقال في مقابلة مع نيويورك تايمز عام 2001 عن المكتبة:” من يُمن الطالع أنّ لدينا اسماً عظيماً، ولذا يجب أن يرقى التحدي لما هو مأمول”. حيث اعتبر مجموعات الكتب المعنيّة بالطلاب غير كافية كما أنّ البناء من وجهة نظره لم يترافق مع عمليات مسح وتنقيب مناسبة مع أن الموقع الحالي شكّل سابقاً ما يعرف بمقر القصر على عهد ملوك البطالمة.

قام الدكتور العبادي بواسطة الفيديو بتصوير بلدوزرات من شرفة منزله المجاور وهي تستخرج قطعاً أثرية ثم ترميها في البحر. “اضطرتهم الفضيحة التي تلت ذلك إلى إيقاف الحفريات والسماح بإجراء عمليات حفر استثنائية طارئة” يقول “ماكس رودينبيك” الذي كان عندها يشغل منصب رئيس قسم الشرق الأوسط في صحيفة الإيكونوميست. وكما هو متوقع فقد وجدت خلال الحفر بالموقع صورة فسيفسائية لكلب جاثٍ تعود للقرن الثاني بعد الميلاد وهي محفوظة الآن في متحف العصور القديمة بالمكتبة. وقد كان الدكتور العبادي هو من حث الحكومة المصرية على تأسيس ذلك المتحف في محاولة نقلته إلى مستودعات الحكومة المصرية المغبرّة وغيرها من المواقع الأثرية ليراكم المجموعة التي شكلت أساس هذا المتحف. وفي إحدى المرات في سرداب بالأقصر لم يفتحه أحد خلال ثلاثة عقود عثر على صناديق خشبية جنائزية محفوظة بشروط سيئة تعود لضريح الملك الفرعوني “توت عنخ آمون”. وكذلك فقد جمع العبادي مالاً تطوعياً لاقتناء مجلدات ونصوص من الكتب المسيحية الأولى.

ورغم كل جهوده لم تدعُ الحكومة المصرية البروفيسور العبادي إلى حفل إطلاق مكتبة الإسكندرية وكان بادياً للعيان أن نقده للمشروع منعهم من ذلك.

“لم تتكلّف أي جريدة مصرية عناء ذكر اسمه على الإطلاق” تقول طالبته السابقة ورئيسة قسم الآثار الإغريقية والرومانية في جامعة الإسكندرية “منى حجاج” وأضافت:” وكأنّه أضحى مشروع الرؤساء والانتهازيين ومحبي الصفوف الأولى وليس مشروع مصطفى العبادي”.

وبينما يُوزَّع كتابه “مكتبة الإسكندرية القديمة… سيرتها ومصيرها” على المحتفلين بإطلاق حلمه المنشود، أمضى مصطفى العبادي ذلك اليوم بين ثنايا مكتبته الخاصة في منزله المطل على البحر الأبيض المتوسط.

 

 

المصدر