مستويات التفكير في كتاب: “المثقفون في الحضارة العربية” للجابري – كمال عبداللطيف

مستويات التفكير في كتاب: “المثقفون في الحضارة العربية” للجابري – كمال عبداللطيف

مجلة الجابري – العدد الأول


نستطيع تصنيف مؤلفات الأستاذ محمد عابد الجابري إلى قسمين كبيرين، المؤلفات المُؤَسِّسَة لأطروحته في مجال قراءة التراث العربي الإسلامي، وهي مؤلفات دَشَّنَ القول فيها بمصنف ” نحن والتراث” 1980، ومهد لها بمؤلف “الخطاب العربي المعاصر” 1982، واستوت في صورتها المركزية في ثلاثية ” نقد العقل العربي”، التكوين، البنية، والعقل السياسي 1990 ثم المؤلفات الشروح والهوامش والتذييلات والملحقات، وفي إطارها ندرج مؤلفاته الأخرى، “الثراث والحداثة” 91، “وجهة نظر” 92، ثم الكتيبات الصغيرة التي صدرت عن مركز دراسات الوحدة العربية، ضمن سلسلة الثقافة القومية، وهي “المسألة الثقافية”، “الديمقراطية وحقوق الانسان”، “مسألة الهوية،” العروبة والاسلام”، وآخرها “الدين والدولة وتطــبيق الشــريعة” 96

ونحن نعتبر أن كتاب ” المثقفون في الحضارة العربية” يندرج ضمن الخانة الثانية من سلسلة مؤلفات الأستاذ الجابري، وقد صدر في نهاية سنة 1995 لا يجب أن ينسينا التصنيف المذكور مؤلفاته الأخرى، في المجال الابستمولوجي، أو في المجال التربوي، أو في مجال السجال السياسي، وغير ذلك من المنشورات التي صدرت له، حيث تقترب أعماله الكاملة من عشرين مجلداً، بؤرتها المركزية، وعنوانها الأساس مساهمته في تقديم أطروحة في الموقف من التراث، وهي مساهمة تندرج في سياق تفكيره في إشكالية الحداثة والتحديث، لصياغة ما يمكن اعتباره تتميماً وتجاوزاً للمشروع النهضوي العربي، المشروع الذي يقف اليوم على مشارف انطلاق مئويته الثانية، بناء على التحقيبات المتداولة والمعروفة في هذا الباب.

لابد من التوضيح هنا بأننا عندما نميز في كتابات الأستاذ الجابري بين مؤلفات التأسيس، والمؤلفات الملحقة بها، بدوائرها وإشكالاتها ومفاهيمها، لا نقيم تمييزنا على مفاضلة هاته بتلك، فمن حق المفكر أن ينتج نصوصه بالصورة التي تبدو له ملائمة، ومن حقنا كقراء ومحاورين أن نرتبها بالصورة التي تجعلنا نقترب منها أكثر.

ولعل كثيراً من القضايا الفرعية التي عالجها الباحث في الكتب الثانية، الشارحة والموضحة، تبرز كفاءة خاصة في إعادة صياغة المؤلف لما كان يعتقد أنه انتهى منه، وهو الأمر الذي يكشف صعوبة ودقة القضايا المبحوثة، إضافة إلى أن هذه الكتب تسمح له بمحاورة الذين ناقشوه أو اختلفوا معه، كما تتيح له العودة إلى نصوصه لترميمها، وإعادة التفكير فيها، وسدِّ ثغرات بعضها، ومعالجة قضايا أخرى يتم استدراكها، من أجل مزيد من الحفر فيها وتعميقها، وتتضمن مقدمات هذه الكتب التوضيحات الكافية للسياق الذي تبلورت فيه مُتُونُهَا وحواشيها.

يندرج كتاب “المثقفون في الحضارة العربية: محنة ابن حنبل ونكبة ابن رشد”، ضمن سلسلة كتب الشروح، وقد احترت كثيراً في اختيار الكيفية التي يمكنني أن أقدم بها هذا العمل، لا لصعوبته، بل ربما يعود سبب الحيرة إلى موضوعه وطريقة الباحث في تناول هذا الموضوع وقد اهتديت في النهاية إلى تقديمه من خلال تأمل طريقته في الكتابة، أي طريقته في بناء فصوله، وطريقته في الاستدلال، وأسلوب استخلاصه للنتائج والأحكام التي ينتهي إليها، سواء في سياق تشكل المتن، أو في خواتم ومقدمات الفصول.

سنحاول إذن من خلال تأمل نمطية التفكير والكتابة والتحليل والاستدلال، استعراض محتواه، والاعتراض على بعض نتائجه، ومساءلة بعض إشكالاته المرتبطة بــاجــتهادات المـؤلف، فـي مــجال قــراءته للتراث، ومواقفــه من الحـداثــة والتحديث.

يتضمن النص في نظرنا أربعة مستويات في طريقة وأسلوب التفكير والكتابة. وقبل استعراض ملامح هذه المستويات، المُحَدِّدَة لما يمكن تسميته طبقات النص، نشير إلى أن الكتاب يحدد إطاراً عاماً للتفكير في موضوع واسع وكبير، إنه يقدم هيكلاً عاماً، مصحوباً بأمثلة محددة، ومرتبة في إطار إشكالات واضحة إضافة إلى عنايته بموضوعه في سياق ملابسات نظرية وسياسية تنتمي إلى مجال الحاضر العربي، بمختلف الأسئلة التي يثيرها، سواء في مجال التحديث السياسي، أو في مجال التحديت الثقافي ، وكذا في مستوى الإشكالات التي تطرح عند التفكير في أدوار المثقفين، أو في علاقاتهم بالسلطة والدولة عبر التاريخ. فكيف قدم الأستاذ الجابري هذا الإطار العام؟

يؤدي بنا الجواب على هذا السؤال، إلى العودة إلى بلورة ما أسميناه مراتب التفكير ومستوياته في النص. ومرة أخرى نستدرك فنقول، ليس أمراً سهلاً ولا يسيراً أن يتمكن المرء من إنجاز عمل من هذا القبيل، ومن هنا فإن قراءة هذا العمل وحده، قد لا تسمح بتبين مختلف الأبعاد التي يروم بلوغها، ومعنى هذا أن الاطار الأعم لهذا النص، يتأسس في إطار الأطروحة الكبرى التي قدم الأستاذ الجابري عند قراءته للتراث العربي الاسلامي.

ونحن لا نقول هذا لأن المؤلف يحيل إلى ثلاثية نقد العقل، كما يحيل إلى بعض مؤلفاته الآخرى، في سياق التحليل المنجز في الكتاب، أو لأنه يورد عبارة “وقد كشفنا الغطاء عنها في البحوث السابقة” بأكثر من صيغة، وبشكل متواتر طيلة صفحات الكتاب، بل إن الأمر كذلك، لأن أهداف المؤلف واضحة ومعلنة، فهو صاحب قضية، وهو لا يعتقد لا بمجانية الفكر، ولا بتعاليه عن التاريخ، فالأفكار في نظره مـحايثة للـزمان، محـايثة لزمانـــها في مستــوياته وأبعـــاده المختلفة، المركبة والمتناقضة.

يقرأ هذا الكتاب إذن داخل إطار أطروحة صاحبه العامة، إنه فصل منها، ويصعب فهمه خارج المفاصل الكبرى لهذه الأطروحة.

نعود الآن إلى تقديمطبقات التفكير في مؤلف “المثقفون في الحضارة العربية”، فقد أطلقنا على هذه الطبقات التسميات الآتية:

– المستوى الابستمولوجي.
– المستوى التاريخي التحليلي المقارن.
– المستوى التمثيلي البيداغوجي.
– المستوى الإشكالي.

 

أولاً: المستوى الابستمولوجي

في النص الواحد ، أو الكتاب الواحد لنفس المؤلف، تتعدد أساليب التفكير والمقاربة، وهذه المسـألة لا تتـعلق بمؤلفات الأستـاذ الجابري وحدها، بل لعلها ظاهرة عامة.

تتجلى المقاربة الابستمولوجية في الكتاب في المقدمة، وعنوانها: “المثقفون العرب ومسألة المرجعية”، ففي هذه المقدمة التي كتبت بكل تأكيد بعد الانتهاء من جمع وترتيب فصول الكتاب، ويستحسن أن تقرأ بعد الانتهاء من قراءته، أو تعاد قراءتها بعد الانتهاء من قراءته كاملاً، نعثر على جهد في تفكير المؤلف في موضوع كتابه وقد تناول فيها المؤلف مفهوم المثقف ومرجعيته الفكرية الغربية، ثم مسألة كيفية تبيئة هذا المفهوم في مجال الثقافة العربية في العصر الوسيط، وكذا موضوع التأصيل الثقافي للحداثة الغربية ومفاهيمه.

توجز المقدمة القول في قضية ابستمولوجية هامة، وذلك من خلال استدلال يعتمد معطيات تنتمي إلى مجال فلسفة العلوم، وتتوخى توسيع مفهوم المثقف، ليستوعب معطيات تنتمي إلى تاريخ لم تكن معطياته واردة وماثلة عند تأسيس المفهوم في المرجعية الغربية.

فهل يصح إطلاق اسم “المثقف” على منتجي الأفكار في عصورنا الوسطى؟ إذا ما عرفنا الملابسات النظرية والتاريخية التي رافقت تشكل التسمية في تاريخ الغرب، وإذا ما سلمنا بالطابع المفتوح للتسمية، وهو ما يؤكده الباحث، أدركنا إمكانية إدراج معطيات تاريخنا في سياق إعادة تأسيس المفهوم بالصورة التي تجعله قابلاً لاستيعاب متغيرات جديدة، تتيح إمكانية توسيع دائرة دلالاته، كما تسمح بإنجاز عملية تبيئة لمحتواه، رغم أن الأمر يثير قضايا نظرية معقدة وشائكة في هذه المقدمة ذات الطابع الابستمولوجي جهد في التفكير، في المقاربة وفي الاستدلال، وهو جهد ينبئ عن درجة عالية من صفاء الذهن ووضوح الرؤية، وفيـها اسـتـثـمار لـمـعارف ابسـتيـمـولوجية واسعة، وفيــها ثالــثاً كثـافة نظـرية تسـتحق التنويه.

وهي مفيدة جداً في مجال توضيح موقف الأستاذ الجابري من “مسألة التأصيل الثقافي”، ومسألة ما يطلق عليه الباحث ” التجديد من الداخل”، وهي مسائل وردت في مؤلفاته السابقة، دون أن تتاح له فرصة توضيحها، بصورة كافية وشافية، وفي وقوفه على مثال محدد، ومحاولته التفكير في مرجعيته، والتفكير في إمكانية توسيع هذه المرجعية، بإدراج معطيات التاريخ القومي، ما يوضح مواقفه من كثير من القضايا، ذات الطابع الاشكالي في آثاره الفكرية.

 

ثانياً: المستوى التاريخي التحليلي المقارن

عندما ننتقل من المقدمة إلى الفصل الأول من الكتاب، نتبين وجود مسافة في كثافة وعمق الخطاب، ونمطية المعالجة. فإذا كانت المقدمة كما وضحنا مكتوبة بلغة مركبة، بلغة يطغى على استدلالها طابع التنظير الابستمولوجي، في سياق البحث عن مسوغات نظرية تسمح باستعمال مفهوم المثقف في فضاء تاريخي مخالف للفضاء الذي تبلور في إطاره المفهوم، فإن الفصل الأول يهتم بالتاريخ، ويستدعي الشواهد والمعطيات من التجربة التاريخية الغربية التي تبلور المفهوم في إطارها، كما يستعرض المعطيات التاريخية العربية، التي تُمَكِّن من استعارته واستخدامه لرسم ملامح أدوار العلماء والكتاب في عصورنا الوسطى اعتمد الباحث في هذا الفصل على مرجع أساسي، شكل سنده التاريخي، يتعلق الأمر بكتاب جاك لوكوف “المثقفون في العصر الوسيط”. وقد استخلص الباحث من الكتاب المذكور، أن ظاهرة ” المثقفين ” في أوروبا ارتبطت في القرون الوسطى بثلاتة معطيات رئيسية:

1 -معطى حضاري، قوامه ظهور المدن.
2- معطى ثقافي، تمثل في الترجمة.
3-معطى مهني، برز في ظهور فئة الجامعيين.

إلا أن الباحث عند مراجعته لتاريخ العرب والمسلمين، وهو المطلع على كثير من معطيات هذا التاريخ النظرية والسياسية والعقائدية، يحدد طبيعة المثقف في الفضاء المعرفي الإسلامي الوسيط كما يلي: المثقف يعمل بفكره، وهو ينتمي إلى الخاصة، كما ينتمي إلى الوسط الحضري، مرجعيته المركزية تتحدد في العقيدة، يُفكر من خلالها ويحتمي بها، وهو إضافة إلى كل ذلك يستطيع تحويل العقيدة إلى رأي، إنه في نهاية التحليل، كما يوضح ذلك المؤلف، يمارس العمل السياسي والعمل الفكري بتوسط العقيدة.

يثير الباحث في هذا الفصل، مسألة ظهور فئة المثقفين في الحضارة الإسلامية، ويربط هذا الظهور بالإشكال السياسي، الذي يرتبط بدوره بالخلاف بين المسلمين في مسألة الخلافة، وما تَوَلَّدَ عنه من إشكالات كلامية معروفة ثم يستعرض أجيال المثقفين في خطاطة عامة، فيتحدث عن مثقفي عصر التدوين، ويعين فئاتهم كما يلي:

– فئة المتصدين لبناء التراث الديني الإسلامي،
– فئة الذين تصدوا لبناء التراث اللغوي والأدبي،
– فئة المتكلمين،
– الفئة التي اشتغلت بالفلسفة وعلوم الأوائل.

هذا عن مرحلة عصر التدوين وبعد هذه المرحلة، يقسم فئات المثقفين إلى النماذج الآتي.

– فئة المثقفين العضويين الذين سخروا ثقافتهم لخدمة تيار من التيارات العقائدية والسياسية المتصارعة (أهل السنة والمعتزلة، والشيعة).
– فئة أصحاب المقابسات، الذين اشتغلوا أساساً بالنحو والمنطق.

وفي هذا السياق يستدرك الباحث ليعلن صعوبة مقاربة أجيال المثقفين في الحضارة الإسلامية، وليؤكد أن إنجازاً من هذا القبيل يقتضي إعادة كتابة تاريخ الفكر العربي الإسلامي والفكر الأوروبي سواء بسوء، وسنعود إلى هذا الاستدراك في المستوى الرابع و الأخير من مستويات الكتاب.

في هذا المستوى من الكتابة يشعر قارئ النص، بأن الكاتب يشير دون أن يتوقف على الأحداث، يلمح ويكتفي بالتلميح، وبمقدار كثافة المقدمة ذات النفحة الابستمولوجية البارزة، نشعر بالصبغة التحليلية التاريخية، التي تغطي بالاشارة العابرة تاريخاً حافلاً بالصراع العقائدي والسياسي، تاريخاً مؤسساً على قراءات وتأويلات لا حصر لها، لأصول الإسلام، وآليات تحوله عبر الزمان والمكان.

ولا يتعلق الأمر بالحقبة الوسيطية العربية وحدها، بل إنه يلجأ إلى مقارنتها بمعطيات وسيطية تنتمي إلى مجال التاريخ الأوروبي، وهنا يتم القفز على أمور متعددة، يسكت عنها لحساب آلية في الاستثمار المعرفي المبني والمُوجَّه.

عندما نصف الكتابة في هذا الفصل بالكتابة التاريخية التحليلية المقارنة، فهذا لا يعني أنها تخلوا من التركيب، بل إن المقصود أولاَ وقبل كل شيء، هو رصد نمطيتها العامة. ذلك إنها تضمنت أيضاً أبعاداً في التأويل ذات طبيعة إشكالية، كما تضمنت جملة من الأحكام، وطريقة في الترتيب تطرح كثيراً من الأسئلة.

ثالثاً: المستوى التمثيلي : عرض وتحليل لنماذج من المثقفين في العصر الإسلامي الوسيط
يتضمن هذا المستوى الفصل الثاني والثالث من الكتاب، وقد جاءت عناوينها بالتتابع الآتي: محنة ابن حنبل، ونكبة ابن رشد. وهنا بالذات يحضر المستوى البيداغوجي في الكتابة، مستوى الممارسة الفعلية لما أطلق عليه الباحث تبيئة المفاهيم، حيث يقوم بجمع وترتيب، وإعادة صياغة المعطيات، التي تُمَكِّنُنا ابتداء من الآن فصاعداً أن نسمي أحمد ابن حنبل وابن رشد بالمثقفين، على شاكلة مثقفي الحضارة الغربية التي تبلور في سياق تطورها الفكري مفهوم المثقف.

في الملاحظات التي قدم الأستاذ الجابري عن التبيئة والتأصيل، أشار إلى مسألة الأشباه والنظائر، كما أشار إلى الخاص والعام في المفهوم، وبناء على مراجعته لتاريخ الفكر العربي الإسلامي في العصر الوسيط تبين إمكانية اعتبار العَلَمَيْن المذكورين، الفقيه والفيلسوف، الطبيب والفقيه، مثقفين بكل الدلالات والإيحاءات التي يتضمنها مفهوم المثقف، مع الأخذ بعين الاعتبار الحيثيات الفكرية المتعلقة بعلمي الثقافة العربية الإسلامية، بمختلف الملابسات الخصوصية التي شكلت شرط وجودهما التاريخي والفكري.

ودون الدخول في تفاصيل تتعلق بالمحتوى العيني للمحنة والنكبة المذكورتين، نشير إلى أن الجهد المبذول في هذين الفصلين، يتمثل في المنحى التمثيلي الذي مكن الباحث من بناء معطيات تنتمي إلى التاريخ الثقافي الخاص، من أجل توسيع حقل تدوال مفهوم المثقف. ويشكل الفصل السابق عليهما الخلفية التي لعبت دور التوسط في الانتقال من خلفيات المفهوم في الكتابات الغربية التي تبحث في طبيعة المثقفين في العصر الوسيط الأوروبي، حيث أبرز جاك لوكوف في كتابه السابق الذكر، أهمية الثقافة الإسلامية في تطور الفكر الأوروبي الحديث.

عندما نصف نمط الكتابة هنا، بالنمط البيداغوجي، فنحن لا نريد الإشارة فقط إلى طابعه التطبيقي المتعلق بمسعى يروم تبيئة مفهوم، حيث يستدعي الباحث المعطيات العينية للتدليل على صلاحية إطلاق المفهوم التسمية على رجلين لعبا دوراً هاماً في تاريخ تطور الفكر الإسلامي، بل إن الأمر يتعدى ذلك ويتجاوزه، فهو من جهة يقدم قراءة في حدثين بارزين في الفكر الإسلامي، فمحنة الفقيه أحمد ابن حنبل، والنكبة التي تعرض لها الفيلسوف ابن رشد، تطرحان معاً إشكاليات هامة في تاريخ الفكر الإسلامي، ومن جهة أخرى فإن طبيعة التحليل والعرض في هذين الفصلين أتاحت للكاتب فرصة معاودة النظر في إشكالية الدين والسياسة، والصيغ المختلفة التي حددتها هذه الإشكالية في بنية العقل العربي.
وأخيراً فإن الجابري صاحب أطروحة نقد العقل، والمفكر المهووس بأسئلة الحاضر في غمرة انكبابه على قارة التراث، يطل من خلال هذين الفصلين على أسئلة الحاضر، ويصدر الأحكام حول قضايا السياسة والدين في الايديولوجية العربية المعاصرة. وفي زمن تصاعد المد الإسلامي ونزاعات الإسلام السياسي، في نظره، ” مازالت الوضعية في خطوطها العامة كما كانت بالأمس،معتزلة وأهل سنة، أشبه ما تكون بعلاقات المثقفين بالسلطة اليوم، سلفيين أصوليين وعصريين حدثيين، أما جوهر هذه العلاقة فهي، الأمس واليوم، “التناوب” على خدمة سيطرة الدولة وهيمنتها( ص 115).

 

رابعاً المستوى الإشكالي في النص: أسئلة النص

ننتقل الآن إلى ما أطلقنا عليه المستوى الإشكالي في الكتابة داخل هذا النص، وهنا لابد من توضيح أمرين اثنين، أولهما يتعلق بالطابع العام للكتاب، وثانيهما يخص الإشكاليات التي سنحاول بنائها في خاتمة هذه المحاولة الرامية إلى التعريف بمحتوى وأسئلة الكتاب.

ففيما يتعلق بالطابع العام للكتاب، نشير إلى أن هذا النص سواء في مستوى الأسئلة التي يمكن أن يثيرها، أو في مستوى أطروحته العامة والفرضيات المعتمدة في صلبه، وفي سياق بنائه الاستدلالي ككل، يبدو في ظاهره، وقراءته الأولى بسيطاً ومنساباً، الانسياب الذي عودنا صاحبه، عند إنشائه لأبحاثه ومقالاته، إلا أنه في الوقت نفسه نص ملتبس، فهو يفكر، يجتهد ويلملم، ويعيد التذكير بنتائج أبحاث صاحبه، وهو في الآن نفسه لا يعير الاهتمام المناسب لكثير من القضايا التي يقوم بعملية بنائها وتأصيلها في قلب ثقافتنا العربية الإسلامية، وانطلاقاً من مهام وأسئلة الحاضر، في معاركه القائمة، والمرتقبة بعد حين.

أما الأمر الثاني فيتحدد في كوننا سنهتم في إطار بلورتنا لهذا المستوى، بوضع اليد على ما نعتبره إشكاليات كبرى في النص، وذلك دون أن نتوقف عند بعض الأسئلة الجزئية، التي يمكن أن نكون قد اختلفنا مع صاحبها في سياق هذا الفصل أو ذاك من فصول الكتاب.

ومن هنا فإن الإشكاليات الأساسية في النص، تتمثل في إشكاليتين رئيسيتين، أولاهما ترتبط بهذا الكتاب بالذات، وثانيتهما ترتبط بأطروحة “التجديد من الداخل” وهي أطروحة تأسست في سياق القراءة الجديدة للتراث التي أنجزها الباحث بكثير من الجهد في البناء والترتيب، في ثلاثية نقد العقل العربي.

نبدأ بالإشكالية الأولى، إشكالية التسمية تسمية منتجي الأفكار في عصورنا الوسطى بالمثقفين، والخطاطة التصنيفية التي قدم الباحث أثناء تحليله لفئات المثقفين في المجال الحضاري الإسلامي، حيث قدم لوحة عامة وعمومية، وتوقف في نهاية عرضه لهذه الخطاطة معلناً: إن “الحفر” في ساحات أجيال ” المثقفين” في الحضارة العربية الإسلامية يدعونا إلى إعادة كتابه تاريخ الفكر العربي الإسلامي والفكر الأوروبي سواء بسواء (ص 61) فهل نعتبر هذا الموقف بمثابة تعبير عن الصعوبات التي لمسها الباحث أثناء تفكيره في موضوع المثقف في الحضارة العربية، رغم مغامرته المتمثلة في الإنجاز الذي قدم؟ أم أن الأمر يتعلق بسؤال يتوخى استئــناف البحــث في مــوضوع مبتكر؟

لا أدري لماذا شعرت بأن هذا الإشكال الذي يورده الباحث في خاتمة الفصل الأول، في سياق نقد سلطة المركزية الثقافية الغربية يدفعني إلى استحضار جهود الأستاذ الجابري في نقد القراءات الإسقاطية للتراث، ونقده أيضاً للقراءات السلفية التمجيدية للتراث، فقد تبينت في دعواه الآنفة الذكر أمرين متناقضين، أولهما يخص المفاهيم التي تبلورت في دائرة الفكر المعاصر، وثانيهما الإنكفاء الذي يروم إنجاز تطابق، قد لا يساهم في تحقيق ما نتوخى من وراء عمليات استيعاب مكتسبات دروس الحداثة كما بلورها ويبلورها الفكر الغربي المعاصر.

فإذا كان مفهوم المثقف مفهوماً معاصراً جداً، فما الجدوى من إثبات إمكانية تطابق حمولته الدلالية، مع رموز الحقل الثقافي الإسلامي في العصر الوسيط؟

تزداد أهمية هذا السؤال وضوحاً إذا كانت التسميات القديمة لأعلام فكرنا تتضمن حدوداً متنوعة، متعددة، ومتنافرة ففي تاريخ الفقهاء في الإسلام نعثر على نماذج لا حصر لها، من الفقيه الموظف، إلى الفقيه المعارض، ومن الفقيه الذي بلغ أعلى درجات الترقية السياسية، إلى الفقهاء الذين تعرضوا لمحن لا حصر لها، ويصدق هذا الحكم أيضاً على مختلف أجيال العلماء والكتاب والفلاسفة والمتصوفة والمتكلمة عبر تاريخ الإسلام.

ننتقل الآن إلى الإشكالية الثانية المتضمنة في النص سواء في نهاية مقدمته بشكل واضح، أو في سياق المرمى البعيد للكتاب، وهو السياق المرتبط باجتهادات صاحبه في مجال قراءة التراث العربي الإسلامي.

فإذا كنا نتفق تماماً مع استراتيجية التجديد التي يتوخى الباحث بلوغها، والتي يحدد عناصرها في القضايا الكبرى الآتية:-

– النقد المعرفي للتراث.
– التأصيل الثقافي للحداثة في الوعي.
– نقد الحداثة الغربية وكشف مزالقها وابراز نسبيتها، ص 16. فإننا لا نفهم تماماً معنى استمرار حديثة عن “التجديد من الداخل”، ذلك أن الداخل ليس مفصولاً عن الخارج المعاصر له فالجهود الفكرية الخلدونية والرشدية، وغير ذلك من الجهود الفكرية المتطورة في تاريخنا الفكري، نشأت في سياق جدلية نظرية تاريخية معقدة، يصعب فيها فصل الداخل عن الخارج، أو الذات عن الآخر والآخر إذ ذاك لم يكن واحداً، فقد برز في التراث اليوناني والتراث الفارسي، وأشكال التراث الأخرى التي كانت مندمجة بأشكال متعددة داخل بنية النماذج التراثية المذكورة.

يضاف إلى ذلك القطيعة المعرفية التي بلورتها أوليات الحداثة الغربية، بقطعها مع أصول ومبادئ الأفكار الوسطوية في أبعادها اللاهوتية مسيحية كانت أم إسلامية، ومن هنا صعوبة تحقيق مطلب “التجديد من الداخل”، فالداخل ليس صورة مطابقة لوعي ذاتي بلا تاريخ، والتاريخ تواصل وتفاعل، هيمنة واستقطاب تركيب وتجاوز وبناء عليه فإن إعادة بناء الوعي والتاريخ، لا يتم أيضاً إلا بالاقتناع بأهمية التطور، وأولوية النسبية في المعرفة والتاريخ.

ومن جهة أخرى فإن استمرار الحديث عن الغرب كتركيب حضاري، باعتباره “خارجاً” في الوعي العربي المعاصر، وذلك بعد مرور أزيد من قرن على التأويل العربي لمنظومة الحداثة الغربية، يغفل دور المثاقفة في تطور وتطوير الأفكار في التاريخ.

إن الغرب لم يعد في حاضرنا خارجاً مطلقاً، عدواً مطلقاً، نصارعه، ويصارعنا، فبيننا وبينه علاقات معقدة ومركبة، علاقات ذات أوجه مختلفة ومتناقضة، ولا ينبغي أن يجعلنا وجه من أوجه هذه العلاقة نغفل أوجهها الأخرى، ولا أدل على ذلك من كونه يشترك معنا اليوم في نقد أسس وأصول الحداثة التي بنى، مما يدل على أهمية مواصلة مسعى تجاوزه، باستيعابه مادام يمارس عمليات تجاوز ذاته، باستيعاب ما يُمَكِّنُه من تطوير ذاته، أفلا يحق لنا الاستفادة من جهود الحضارة الغربية، انطلاقاً من وعينا بأهمــيتها ونسبــيتها في الوقت عــينه دون شــعور بالدونية؟

error: المحتوى محمي