مرض الإسقربوط: نقص حاد في فيتامين سي – ستيفين براون / ترجمة: سارة الصمعان

مرض الإسقربوط: نقص حاد في فيتامين سي – ستيفين براون / ترجمة: سارة الصمعان

image1

 غلاف الكتاب

كيف تمكن الجراح، والبحار، والرجل النبيل من حل أعظم لغز طبي في عصر البحرية؟


إن مرض الإسقربوط، والذي يسمى أيضا البثع أو الحفر، هو مرض ناتج عن نقص فيتامين سي. وقد عرفه الإغريقيون وحاروا به، إلا أنه لم يثر اهتمام علماء أوروبا إلى يوم اكتشافه، وذلك عندما كانت السفن العظيمة تخوض غمار المحيطات حاملة على متنها المئات من البحارة بغرض اكتشاف أراض جديدة، وكانت تعود وقد أهلك مرض الإسقربوط معظم ملاحيها. وعُدّ هذا المرض سببا رئيسيا في وفاة أعداد هائلة من البحارة وملاحي السفن خلال القرن الخامس عشر، وحتى القرن السابع عشر، وفيّات فاقت معدل تلك التي سببتها الحروب والعواصف وتحطم السفن، وجميع الأمراض الأخرى التي كانت متفشية بين البحارة آنذاك.

      كان البحارة، في الغالب، يمضون أشهرا عديدة على متن السفن بعيدا عن اليابسة، وحرصا من كبار ضباط البحرية على عدم هروب بعض أفراد الطاقم كانوا يتجنبون الوقوف بالقرب من اليابسة. فكان أولئك الأفراد شبه محتجزين في السفن لفترات طويلة يقتاتون على المؤن المتوفرة لديهم وهي عبارة عن لحوم معالجة ومملحة وحبوب مجففة وبسكويت.

      كتب أحد الملاحين الذين رافقوا رحلة ماجلان عام ١٩١٥ ” كنا نأكل البسكويت وعندما تنفذ المؤنة نضطر لأكل الفتات المملوء بالديدان، تفوح منها رائحة بول الفئران.  كانت الفئران أيضا تباع مقابل نصف دوكة للفأرة الواحدة، ولم يكن الجميع يحصل عليها حتى وإن دفع مسبقا”. في تلك الرحلة التي استمرت قرابة ثلاثة أعوام، وحملت فيها السفينة على متنها ٢٥٠ رجلا، تناقص عددهم بشكل مفجع ولم يبق منهم سوى ١٨ رجلا فقط. أدّى ذلك النظام الغذائي الرديء   إلى اصابة العديد منهم بمرض الإسقربوط، وفقا لما صرح به ويليام كلاوز أحد أفراد طاقم تلك السفينة، والذي عمل كطبيب بحري. وقد كتب تقارير يصف فيها الحالة العامة للبحارة المصابين بهذا المرض حيث قال: ” كانت لثتهم وجذور اسنانهم متعفنة، وخدودهم متصلبة ومنتفخة، يعانون من آلام شديدة، ولديهم الكثير من البقع التي تميل للحمرة أو الزرقة أحيانا، وتختلف أحجامها أيضا فمنها   ما هو كبير والبعض الأخر كان صغيرا كلسعة حشرة”

       تطور علاج مرض الإسقربوط عبر العصور رغم بعض النظريات الضعيفة التي ترجح النقص المناعي أو التعفن كمسبب رئيسي له. كما أن حركة التنوير الأوروبية والتي تعتبر حركة ثقافية تقدر التقدم والمعرفة والمنطق كانت متأخرة في المجال الطبي، واعتمدت بالدرجة الأولى على الفلسفة والنظريات الموحدة في كل ما يتعلق بالوظائف الجسمانية والأمراض، مما أعطى نتائج مضللة لطرق المعالجة، والتي كانت تدور غالبا حول استخدام المسهلات ومنقوع الشعير والكحول والحجامة.

       قام المؤرخ المبدع ستيفن باون بعمل جبار في كتابه “الإسقربوط” دون الحاجة لتحاليل وأخذ عينات ودون الحاجة للإبحار، واعتمد في عمله على اختيار أربعة شخصيات وهم: جورج آنسون” الذي قاد رحلة بحرية عام ١٧٤٠ انتشر مرض الإسقربوط بين أفرادها و شهده عامة الناس بعد عودتهم ” ، والجراح جيمس ليند،  والمكتشف جيمس كوك، والطبيب الارستقراطي الشاب جلبرت بلين.

      نسج هذا المؤرخ الماهر حكاية الانتصار الأسطوري الذي حققه الاسبان ضد جيش نابليون، رابطا روايته بالتأثير الذي أحدثه مرض الإسقربوط، موجها ضربات حاذقة للكاتب دافا سوبل مؤلف كتاب “خط الطول”، إذ رأى  باون أن التوصل لعلاج مرض الإسقربوط  باستخدام الحمضيات أهم من اكتشاف خطوط الطول من الناحية التاريخية .

      شرح باون في كتابه المحاولات المتعددة التي توصل فيها الأطباء لاكتشاف علاج مرض الاسقربوط بمحض الصدفة، وفقدت مع مرور الزمن. ويقع اللوم في ذلك على عدة أطباء لامعين منهم بويرهايف ، والارستوقراطي  الإسكوتلندي والذي ترأس المجتمع الملكي لسنين طوال السيد جون برنجل والذي كان تأثيره السياسي كافيا لسحق التقارير المضللة التي كانت تروج لاستخدام  منقوع الشعير في العلاج والذي ثبت عدم جدواه. دفعت طبيعة هذا المرض السيئة الطبيب الهولندي سيفيرينوس ايجولينوس للقول بأنه عقوبة الهية للبشر على خطاياهم العظيمة

      كتب جيمس لند عام 1753 فيما يتعلق بحال العلوم الطبية ” إن النظريات القالونيسية، والكيميائية، والميكانيكية، إنما وضعت بوحي من الكتّاب والفلاسفة، كما أن الجهل المكتسب على مر العصور يقع تحت غطاء مضلل وغامض ليس له مغزى” قاد جيمس لند واحدة من أوائل المحاكمات الطبية المنضبطة في تاريخ الطب على متن سفينة سيلزبري عام 1747 وتوصل إلى أن استخدام الحمضيات كان العلاج الاكثر فعالية لهذا المرض، يفوق في ذلك خمسة من الادوية الاخرى التي كانت تستخدم بما في ذلك ماء البحر والمسهلات.

      وبالرغم من الأدلة الواضحة كانت اقتراحات لند مهمشة على نطاق واسع أثناء حياته، وذلك بسبب سيادة النظريات والمنظرين في ذلك الوقت. وخلال ذلك الجدال العلمي العريض والمضلل في المجتمع الملكي، كان هذا المرض يفتك بعشرات الآلاف من البحارة.

       رغم أن جيمس كوك، الذي أبحر ثلاث مرات حول العالم في السنوات التي تلت الثورة الامريكية، إلا انه استطاع أخيرا أن يتغلب على هذا المرض بين البحارة على متن السفن، وذلك من خلال الحرص الشديد على النظافة والتعقيم بين افراد الطاقم والحرص على تقديم وجبات طازجة واستخدام المضادات والحمضيات. غير أن السياسة اجبرته على دعم فكرة التداوي باستخدام منقوع الشعير ونشر هذه الأفكار بين عامة الناس.  ويعود الفضل لجلبرت بلين في إعادة اكتشاف النتائج التي توصل إليها لند في تجاربه وتشجيع أهمية الاعتماد على الحمضيات وذلك بعد وفاة برنجل.

       يمكن استخدام كتاب باون كرمز، فهي قصة تغلّب فيها الطب التجريبي المتواضع على النظريات الطبية الوضعية المتعالية.  كان جيمس لند بطل القصة المأساوي ممسوسا بداء العجرفة التقليدي، والذي دفعه لفرض اكتشافه الاستثنائي بطريقة جامحة غير مدعومة بأدلة. وكان ذلك الأمر غامض ومعقد حتى أن باون نفسه لم يستطع وصفه “إن نظرية لند في كشف أسباب مرض الإسقربوط جامحة و (مضحكة)منافية للعقل كبقية النظريات التي انتقدها بقوة”

       كتب بلين والذي يعد الأب المؤسس للطب البحري عن الحمضيات عام 1780 قائلا: ” رغم التأثير العظيم للحمضيات وفاعليته وكيفية عمله في مقاومة هذا المرض، إلا أنني لازلت غير مقتنع بأي من تلك النظريات التي تحدثت عن طبيعة هذا المرض وكيفية علاجه”، وأظن أننا بحاجة إلى ١٥٠ سنة أخرى إلى أن يعزل ويُميز فيتامين سي.  حتى ذلك الحين، يتعين علينا أن نتوجه بالشكر لأولئك الرجال القلائل الذين كانت لديهم نظرة ثاقبة، ورؤية واضحة، وبفضلهم استؤصل هذا المرض تقريبا من دول العالم المتقدم.


المصدر