حنة أرندت ومشكلة الزنجي – مراجعة: جرايسون هانت / ترجمة: محمد الصويان

حنة أرندت ومشكلة الزنجي – مراجعة: جرايسون هانت / ترجمة: محمد الصويان

6393627

كاثرين جاي


يفصل كتاب كاثرين جاينس تحيزات حنة أرندت العرقية والمفاهيمية تجاه السود في أمريكا وأفريقيا ما بعد الاستعمار. ساهمت جاينس مساهمة أصيلة وهامة في الفلسفة النسوية بتطبيق استراتيجيات نسوية ومناهضة للاستعمار مختلفة – متضمنة وجهات نظر فردية ومتعددة – لنصوص ومفاهيم أرندت السياسية. إن النقد النسوي لأرندت سواء النقد العام أو فيما يتعلق بالعرقية في خصوصا في مقالتها المعنونة بـ ” تأملات في ليتل روك ” ليس بجديد؛ مع ذلك يقدم ” حنة أرندت ومشكلة الزنج ” نقدا غير مألوف وشامل لكتابات أرندت الرئيسية. تقدم جاينس ” تحليلا متواصلا لمعالجة أرندت لتجربة السود في الولايات المتحدة ” (XII). بالإضافة إلى العنف العنصري في سياقات كل من الثورة الفرنسية والأمريكية والهايتية وكذلك الإمبريالية والاستعمارية الفرنسية والبريطانية. سأقدم في هذه المراجعة نظرة عامة عن الكتاب بالمجمل، قبل تقييم حجم نقد جاينس المتعلق بآراء أرندت الخاطئة ونظريتها في إصدار الأحكام.

الرسالة المحورية لهذا الكتاب هي: أنه على الرغم من التزام حنة أردنت بمنهج شامل ومحايد للفهم، أي النقد المناسب لمعاداة السامية والتجربة الشخصية للتحيز إلا أنها أعادت إنتاج موقف سيادة البيض تجاه حركات السود السياسية والاجتماعية في أمريكا وأفريقيا. ليس هذا فقط بل إن تعريف أرندت بآرائها قاد إلى ظلم معرفي دعم العنصرية ضد السود. بعبارة أخرى، إن مفاهيم أرندت السياسية والأخلاقية الشاملة -فيما يبدو- تركتها غير قادرة على أخذ عزم العائلات السوداء على المطالبة بالحصول على فرص متساوية لتعليم عالي الجودة على محمل الجد.

(من المهم معرفة أنني اتبعت منهج جاينس في الكتاب في كتابة “أسود”،” مناهض للسود” و ” زنجي ” مبتدأ بحروف كبيرة
ولكن ليس “أبيض”. دافعت جاينس عن هذه الخطوة المقصودة بمقدمة كتابها بنية التشغيب على القاعدة المعمول بها في استخدام الحروف الكبيرة والصغيرة في كل من المصطلحين.)

hunt

غلاف كتاب “حنة أرندت ومشكلة الزنجي”

خصصت جاينس في كتابها المكون من تسعة فصول أول ثلاثة فصول لتحليل مقالة أرندت “تأملات في ليتل روك.” يظهر الفصل الأول اتهام جاينس لأرندت بأنها تؤمن أن الإجابة على مسألة الزنج (وهو إذا ما كان للسود نفس مقدار الحقوق التي للمواطن الأمريكي الأبيض) بأنها مشكلة الزنج (أن السود يريدون الاندماج لأنهم يسعون لمصالح اجتماعية، لا سياسية) بدلا من كونها مشكلة الأبيض (البيض يريدون إبقاء السود مستضعفين.)  بالنسبة لأرندت إرسال الأهل السود لأبنائهم إلى مدرسة مدمجة هو محاولة لإحراز تقدم اجتماعي بدون مقومات بدلا من انخراط سياسي لمواطنين في نضال للحصول على المساواة.

يستعرض الفصل الثاني عجز أرندت على رؤية كيف أن قانون حظر تمازج الأعراق – الذي وصفته هي بأنه أفظع قوانين الولايات الجنوبية – مرتبط ارتباطا وثيقا بالفصل العرقي في المدارس؛ فبقدر ازدياد مقاومة الفصل العنصري سيسمح للسود والبيض أن يتعايشوا سويا. تتجذر مقاومة إلغاء الفصل العرقي في الخوف من الرجل الأسود؛ خصوصا الخوف من علاقات جنسية قد تنشأ بينه وبين امرأة بيضاء. تظهر جاينس أن دفاع أرندت عن تمازج الأعراق وإدانتها لإلغاء التمييز العنصري غير منطقي ومضلل كما أنه يكشف بشكل قاطع استعدادها للإقرار بـ ” التسلسل الهرمي للحقوق” والذي يستنسخ “التمييز والتصنيف وفقا للرجل الأبيض” حيث الحق في الزواج مطابق للحق في تعليم جيد (33).

يقدم الفصل الثالث أسبابا مفاهيمية لتحليل أرندت المضلل في ” تأملات في ليتل روك “عبر اللجوء للتفريق المعروف والمنتقد غالبا في كتابها الحالة البشرية بين ما هو سياسي، اجتماعي وخاص. عزت جاينس عدم قدرة أرندت على فهم الدوافع السياسية – من وجهة نظر الأسود – في سعي لإلغاء الفصل العرقي كنتيجة لإقصاء التعليم والفقر وجعلهما “قضايا اجتماعية.”

في كل من هذه الفصول الثلاث الأولى، طبقت جاينس نظرية موقف لتوجه أرندت المزعوم بأنه شامل ومحايد في الفهم. أولا، تخيلت جاينس وانخرطت في الدوافع الفعلية ووجهات نظر السود في ذلك الوقت بالعودة للدراسات والأنشطة حول إلغاء الفصل العرقي. ثانيا، فحصت جاينس فهم أرندت للدوافع عبر مراسلاتها مع بالدوين وأليسون وغيرهم من القادة السود في ذلك الوقت. بعد اكتشاف كل من دوافع الناشطين السود وأرندت؛ خلصت جاينس إلى أن أرندت أساءت تفسير المساواة في التعليم كمحاولة اجتماعية للتسلق من قبل الآباء السود بدلا من جهد سياسي حقيقي، واقترحت “أن أرندت كالكثير من العنصريين البيض تدافع عن التمييز العنصري كعادة اجتماعية وترفض تطبيق قانون إلغاء الفصل العرقي.” في حين أن أرندت تدرك أن زواج المرء ممن يشاء حق أساسي له، فهي ” تقلل من شأن التمييز في العمل، السكن والتعليم كقضايا فرص اجتماعية وليست حقوق إنسانية سياسية وأساسية.” (37). بوضع منظور أرندت لمعاداة السامية كقضية أساسية بجانب نظرتها للعنصرية ضد السود كمشكلة اجتماعية متولدة عن دوافع شخصية، فإن الأمر يبدو كجهل متعمد أو – أسوأ-  عنصرية صريحة! (123).

في كل من الفصل الرابع والخامس والسادس، تكشف جاينس عن سقطات أخري في ثلاثة من الأعمال الرئيسية لأرندت: في الثورة وأسس التوتاليتارية وفي العنف. يدور الفصل الرابع حول كتاب في الثورة لأرندت حيث تلفت جاينس انتباهنا إلى تبجيل أرندت للثورة الأمريكية مع التركيز على الحقوق الدستورية والإنجازات السياسية بدل من القهر الاجتماعي والذي كان سبب الثورة الفرنسية وقاد إلى كارثة استبدادية. التقليل من شأن الثورة الفرنسية لدى أرندت باعتبارها اجتماعية يمحو العبودية الفرنسية ومقاومة الهايتيين. يبدو فهم آرندت الخاطئ هنا كنتيجة لمشكلة تقسيم الظرف الإنساني بين ما هو سياسي وما هو اجتماعي حيث تطمس قضايا اقتصادية كالفقر والعبودية على أنها مشكلات اجتماعية.

زيادة على ذلك، استلزمت إشادة أرندت بالثورة الأمريكية تجاهلا متعمدا للعلاقة المعقدة بين عماد الحرية السياسية في الولايات المتحدة والعبودية المنظمة. هذا مثال واحد فقط على كيفية تطبيق تقسيم أرندت المربك عشوائيا.

بعيدا عن الولايات المتحدة، فإن توصيف أرندت العنصري للأفارقة وعدم قدرتها على رؤية الصلة بين الإمبريالية والنازية؛ استحضره العديد من المنظرين مثل آنا نورتن ودانا فيلا المضمنين بواسطة جاينس في الفصل الخامس بمشاركات مطولة. ولكن جاينس تقدم رؤى أصيلة خاصة بها أيضا حينما وصفت وبددت بعض الاختلافات التقنية التي دافعت عنها أرندت بين التفكير العرقي والعنصرية، الرأي والأيدلوجية، الاستعمار والامبريالية، والقومية والنازية. شكلت معرفة أرندت الظرفية بصعود النازية فهمهاعن الرابط بين معاداة السامية والامبريالية والقومية، بيد أنها صرفتها عن رؤية الرابط بين العنصرية والاستعمار والامبريالية. ولأن أرندت صنعت تفريقا بين ” التفكير العرقي ” المحايد للاستعمار والعنصرية في الامبريالية، فإنها استطاعت الدفاع عن تفرد النازية والهولوكوست التوتاليتارية. ولكن عدم اكتراث أرندت – والذي يجب أن نتذكر أنه أسوء أخلاقيا من القصد عند أرندت – الذي كشفت عنه جاينس والذي يشير إلى أنه بالنسبة لأرندت فإن الإمبريالية لها تاريخ أقصر نسبيا وأكثر وحشية من الاستعمار. ففي حين أن الإمبريالية غالبا ما ترفض توسعة القوانين، فإن الاستعمار ” يتضمن المزيد من توسعة القوانين والقيم كتلك للبلد الأم داخل المستعمرات ” (78). ربما انبثقت الإمبريالية عن الاستعمار ولكن أرندت ترى ما سبق كشيء ” مختلف جذريا وجديد في تاريخ الفكر والعمل السياسي” (78، الإحالة لأرندت 1951\1973، 125).

يتناول الفصل السادس تحيزات أرندت المتعلقة بالعنف، أي موقفها شديد النقد تجاه العنف – المقابل والمستخدم من قبل المقموعين والمستعمَرين وقبولها بدون نقد للعنف المستخدم للسيطرة الضرورية والانتقال إلى حقل العمل والخطاب السياسي. تصف أرندت بتعاطف العنف وأحيانا تدافع عنه عندما يتعلق باليهود في كتابها أسس التوتاليتارية، طبقة ملاك الأرض في اليونان القديمة في كتابها الظرف الإنساني، الثوار الأمريكان البيض في كتابها في الثورة، بينما تدين العنف ضد المستعمر في كتابها في العنف.

بل أن جاينس تذهب إلى أبعد من مجرد البرهنة على تحيزات أرندت التي تكونت من التفريق بين السياسي والاجتماعي (نقد ليس بالجديد.) حيث ضمنت مفهوم الذاكرة المتعددة الاتجاهات لمايكل روثبيرج في كل من الفصل الرابع، الخامس والسادس لتبيين عجز أرندت على رؤية كيف أن الإرث المتباين للاضطهاد مترابط بوضوح. تتجلى أصالة منهج جاينس في معارضتها مقاربة المجموع الصفري للذاكرة عند أرندت، حيث ذكريات أرندت من الماضي كطفلة يهودية مضطهدة محت قدرتها على فهم محنة الأطفال الأفارقة الأمريكان. لا تدرك أرندت أن الذاكرة الجمعية للعبودية والإبادة الجماعية النازية والإمبريالية والاستعمار ومعاداة السامية ومعاداة السود مرتبطة. من الخطأ رؤية هذه الذكريات متضاربة بدلا من متقاطعة مرجعيا (روثبيرج، 2008، 3.)

يعود الفصل السابع إلى مشكلة التعليم ودور العنف في خلق مطالبات سياسية لفرص متساوية. فحصت جاينس سوء فهم أرندت لحراك بلاك بور و خلصت إلى أن ” بالنسبة إلى أرندت من ” تأملات في ليتل روك ” إلى ” تأملات في العنف ” و ” أفكار في السياسة و الثورة ” توحيد طبقات المجتمع يؤدي إلى انحطاط و تلويث الفضاء الأبيض ( ماديا و فكريا ) بالأجساد السوداء” (115).

تكون جاينس فد ناقشت بنهاية الفصل السابع ثلاثة دعاوى محورية: 1) أرندت ترى مشكلة الزنج مشكلة معني بها الزنوج لا البيض، 2) أرندت لا تسطيع بناء رابط بين تحليلها للمسألة اليهودية و تحليلها لمسألة الزنج، 3) تحليل أرندت للمشكلة اليهودية على أنها سياسية و مشكلة الزنج على أنها اجتماعية أو خاصة يقوض مصداقية المعايير التي تقضي بما هو سياسي، و ما هو اجتماعي وخاص (123). تختم جاينس الفصل ببحث الدور الذي يلعبه الحكم – في منهج أرندت – في مسألة الزنج بربط هذه الانتقادات الثلاث بتحليل أرندت للحكم والتفكير التمثيلي، والذي تناقشه جاينس كونه منع بدلا من عزز فهم أرندت في مسألة الزنج.

وبعبارة أخرى، ترسم جاينس في الفصل الختامي من هذا الكتاب رابطا بين تحيز أرندت الشخصي ونظريتها في الحكم. فوفقا لجاينس عدم قدرة أرندت على الحكم بشكل نقدي على الأمريكية والامبريالية البيضاء متعلق بمفهومها الكانطي للحكم والمفصل في كتابها بين الماضي والمستقبل. وهذا يعني من أجل الحصول على فهم للعالم وتشكيل الرأي، فإن الأمر يتطلب مخيلة محايدة ” متحررة من اهتمامات المرء الشخصية ” حيث ” ما زلت في هذا العالم من الاعتمادية المتبادلة الشاملة ما يجعلني قادرة على جعل نفسي ممثلة لأي شخص ” (أرندت 1961\2006، 219). الحكم بالنسبة لأرندت ” يجب أن يحرر نفسه من الظروف غير الموضوعية الخاصة” (220، مستشهد به في كتاب جاينس، 124) وكما تذكرنا جاينس بأن الحكم ” يقتضي الوجود في فضاء عام، التواصل بالرأي، التوصل إلى اتفاقات مع الآخرين، والتفكر في وجهة نظر الآخرين لنتجاوز المصالح الشخصية والآراء الخاصة” (124).

ولأن بعض الأصوات والمصالح – تعتبر اجتماعية وخاصة – ولن تظهر أبدا كسياسية، فكذلك الحكم أيضا يستلزم تمثيل الآخر الغائب بواسطة هذا الموقف المحايد والتفكير التمثيلي والمبين في كتاب أرندت ” الحقيقة والسياسة “والمصوغ على غرار العقل المنفتح عند كانط. فبالنسبة لأرندت ” التفكير السياسي تمثيلي. أنا أكون رأي بالنظر للقضية المحددة باستخدام عدد من وجهات النظر المختلفة، فأستحضر في ذهني وجهات نظر الغائبين وبهذه الطريقة أمثلهم ” (أرندت 1961\2006، 241، مستشهد به في كتاب جاينس، 125). تدعي جاينس ” أنه وبدلا عن التمثيل واستحضار وجهة نظر المظلومين الغائبين، فإن أرندت تحل محل وتمثل وجهة نظر المستبدين الحاضرين في الفضاء العام” (124). وينتهي كتاب حنة أرندت ومسألة الزنج بدعوى جاينس أنه وعلى الرغم من الجهد المبذول فإن أرندت فشلت في فهم وتمثيل وجهة نظر الأفارقة الأمريكان في نضالهم في سبيل المساواة وأن هذا الفشل منعكس على كل أعمالها الرئيسية.

على العموم، يقدم حنة ومسألة الزنج دراسة غنية من شأنها أن تكون ذات قيمة للعلماء وطلاب الدراسات العليا المهتمين في كيفية تأثير التحيز العرقي في أعمال أرندت الرئيسية. أسلوب كتابة جاينس واضح ومباشر، وتضمينها لمصادر ثانوية شامل؛ مع خمسة وثلاثين صفحة من الملاحظات، كما يأخذ الكتاب القارئ بعيدا إلى شبكة من الصلات غير ما تظهره لنا أعمال أرندت أو حتى فهمنا لها. ضمنت جاينس في كتابها الصور والرسائل–بين أرندت ورالف أليسون وجيمس بالدوين- والتي أضافت لعملها المزيد من العمق والإثراء.

تحدى كلانس شولي جونسون خلال مراجعته لمقالها عام 2009 المعنون بـ “حنة أرندت، الليبرالية والعنصرية، مناظرة حول العنف والفصل العرقي والتعليم” أن تكون أكثر حزما في نقدها لأرندت. قال جونسون ” جاينس مترددة بعض الشيء في توجيه الاتهامات لأرندت على الرغم من أن الأدلة المكدسة عادلة كلائحة اتهام. هل أرندت ناصرت معاداة السود العنصرية؟ الجواب من وجهة نظري، نعم ” (جونسون،2009، 82). إن جاينس – من وجهة نظري – قد جاوزت وفاقت تحديات جونسون. أشير إلى أن انتقاد جاينس للمفاهيم الفلسفية الخاصة بأرندت أصيلة ومقنعة إن لم تكن قوية. نقد جاينس – من وجهة نظري – ذو شقين: برهنت أن أرندت تحمل رؤية مضادة للسود، عنصرية، ليس هذا فقط بل بينت كيف أن نظريتها في الحكم تنهض برؤى مماثلة.

نجحت جاينس في إظهار عجز أرندت في فهم تجربة السود ونشاطهم في الولايات المتحدة وأمريكا. على سبيل المثال، عارضت جاينس ادعاء أرندت أن أولياء أمور الطلاب الأفارقة الأمريكان الموضوعين في مدرسة حديثة العهد لإلغاء الفصل العرقي – كانت مدرسة بيض – حرموا أطفالهم “الأمن المطلق والكرامة” التي منحتها إياه أمها كطفلة يهودية واجهت معاداة السامية (19). ردت جاينس ” لا تعتقد حنة أرندت بإمكانية تعليم الآباء السود لأبنائهم دروس مشابهة لتلك التي علمتها والدة حنة لها” (20). أكثر من ذلك، تناقش جاينس أن عجز – أو عدم رغبة – أرندت بربط الدروس التي تلقتها من والدتها بتلك التي قدمها الآباء السود لأطفالهم ينكشف من خلال حكم أرندت على قرار المحكمة العليا بإلغاء الفصل العرقي بأنه يضع أطفال السود في وضع مهين أكثر من الذي كانوا فيه قبلا (20). الموقف مهين – وفقا لمنطق أرندت – لأن الآباء السود استخدموا ابنائهم كوسيلة للنفاذ لمجتمع البيض، بدلا من حمايتهم من العنصريين البيض. تلك هي أول الطرق أرى فيها عمل جاينس النقدي: من خلال إظهار عجز أرندت عن تكوين روابط كان يجب أن تكون جلية لها، وعدم رغبتها في اتخاذ موقف ضد العنصرية تجاه السود وهو موقف يحمي الآباء والأطفال التي تؤثر بهم.

إلا أن جاينس تثبت أن مشكلة أرندت لا تكمن فقط في إصدارها أحكاما مغلوطة، بل إن نظريتها في استصدار هذه الأحكام مضللة أيضا. هنا تظهر قوة نقد جاينس. وجهة نظر أرندت التي تستطيع تمثيلها في العلن يجب أن تكون سياسية، ومن الواضح أن أرندت صنفت الفقر والتعليم كقضايا اجتماعية والآباء السود كمتسلقين اجتماعيين. تجربة السود أصبحت مبهمة وغير قابلة للتنظير وفقا لمعيار أرندت الشخصي في تحديد ما هو سياسي، ولكن أيضا وفقا لمعيار الفكر التمثيلي: الماكنة الرئيسة العاملة في نظريتها للحكم.  تشير جاينس بتكرار عبر الكتاب ” حنة أرندت ومسألة الزنج ” لضعف التفكير التمثيلي، وتعالج ذلك مباشرة في الخاتمة. بالنسبة لأرندت – كما أوضحت جاينس – فالتفكير التمثيلي هو المفتاح لحكم محايد، والفكرة هنا أنه وفي حال لم يتم تمثيل الآخر الغائب خلال استصدار حكم مختص بالصالح العام، فالحكم المتوصل إليه سيكون متحيز. لكن عملية التفكير التمثيلي – وفقا لأرندت – ” لا تتبنى بشكل أعمى وجهة نظر الآخرين وتنظر للعالم من منظور مختلف، المشكلة ليست في التعاطف – حيث أحاول أن أكون أو أشعر كأحدهم – ولا في إحصاء عدد الرؤوس والانضمام للأغلبية ولكن في الكينونة والتفكير ضمن هويتي حيث لا أكون فعلا” (أرندت، 2006\1961، 241 استشهدت به جاينس، 125). إذا ما الذي يورثه التفكير التمثيلي؟ غير مزج خبرات وأصوات الآخرين، أن يتخيل المرء نفسه في مكان الآخر. مضمون ما يورثه التفكير التمثيلي فعلا – وفقا لجاينس-  إزاحة وجهة نظر السود وإحلال وجهة نظرنا محلها، تخيل أنفسنا في مكانهم بدون التحقق فعليا من تجربتهم في موقعهم ” (125). يبلغ نقد جاينس أوجه في دعواها ” على الرغم من افتراض أرندت أنها تكتب متبنيه موقف خارجي محايد وعادل، متمثلة وجهة نظر الغائبين فإن الموقف الذي اتخذته والأشخاص الذين تمثلت وجهة نظرهم في مقالة ليتل روك، هم في الحقيقية البيض العنصريين” (127).

عنصرية أرندت ليست ناجمة عن مجرد غفلة أو عجز في الحكم. هي نتاج الآليات ذاتها المستخدمة في نظريتها للحكم. في نهاية المطاف فإن عقل أرندت المنفتح، بالنسبة لجانيس، مساوي لـ ” التفكير الإقصائي الغير تمثيلي” (126). نوع من الغطرسة المعرفية التي تمحو تطلعات السود السياسية وتعد بمحو الشرط الفعلي للسياسة ألا وهو التعددية.

 وبالعودة للسؤال الحاسم هل ذهبت كاثرين جاينس كفاية في اتهامها لفلسفة أرندت في كتابها حنة أرندت ومسألة الزنجي؟  من وجهة نظري: نعم.

 

 


المصدر

 

المراجع:

Arendt, Hannah.1951/1973. Origins of totalitarianism. New York: Harcourt, Brace, Jovanovich.

 

Arendt, Hannah.1961/2006. Between past and future. New York and London: Penguin Classics.

 

Gines, Kathryn T. 2009. Hannah Arendt, liberalism, and racism: Controversies concerning violence, segregation, and education. Southern Journal of Philosophy 47, s1: 53-76.

 

Johnson, Clarence Sholé. 2009. Reading between the lines: Kathryn Gines on Hannah Arendt and anti-black racism. Southern Journal of Philosophy 47, s1: 77-83.

 

Rothberg, Michael. 2009. Multidirectional memory: Remembering the Holocaust in the age of decolonization. Stanford: Stanford University Press.

error: المحتوى محمي