مراجعة: العقل الحجاجي بين الغزالي وابن رشد – محمد آيت حمو

مراجعة: العقل الحجاجي بين الغزالي وابن رشد – محمد آيت حمو

العقل الحجاجي بين الغزالي وابن رشد

غلاف الكتاب

مقدمة كتاب: (العقل الحِجاجي بين الغزالي وابن رشد: دراسات ومراجعات نقدية لفلسفتي الغزالي وابن رشد) عن دار جداول؛ تأليف: محمد آيت حمو


إشكالية البحث في تاريخ الفكر الحجاجي الفلسفي في الاسلام

هذا الكتاب عبارة عن جملة أبحاث ودراسات في الفكر الفلسفي الحجاجي لدى الغزالي وابن رشد، تحاول الابانة عن منزلة العقل الحجاجي وآلياته في خطابي أعظم فلاسفة الاسلام: الغزالي وابن رشد. ذلك أن تحمسنا للخطابات الفلسفية التي تدعي لنفسها البرهان واليقين، لا ينبغي أن تمنعنا من مساءلتها، وتحول بيننا وبين أي تساؤل لها. إذ يجب أن نعري هذه الخطابات لتتبين وجوهها الحجاجية المنفتحة أو وجوهها البرهانية المنغلقة، لكي نتقدم ونتطور، أما إذا بجلناها وقدسناها فإننا لن نتقدم و لن نتطور.

وقد يكون من باب تحصيل الحاصل القول بأن البحث في فلسفة الغزالي ودراسة فكره وتمحيص آرائه وتقليب النظر في مؤلفاته ليس نزهة أو عملا سهلا، بل مثقلا وعسيرا. ذلك أن الرجل عظيم ومحير بأفكاره المتضاربة ومواقفه المتباينة وآرائه المتغيرة، يجول في القارات المعرفية كالنحلة التي تنتقل من زهرة إلى زهرة ضاربا بالحدود بين الكلام والفلسفة والتصوف عرض الحائط، لا يعطي بيد إلا ليأخذ يبد أخرى. مما يجعل المحلل لآرائه و المتأمل لاختياراته كالحاطب في ليل أو يم. ولا أدل على ذلك من موقفه ـ الذي ينفلت كالزئبق ـ من الفلسفة و«تنازع التأويلات». فهو لا يقف من الفلسفة موقف المساندة أو المناوأة في السطور و ما بينها مثلما فعل ابن حزم الذي دافع عن الفلسفة والمنطق جملة وتفصيلا، صراحة وضمنا حد الثمالة. وابن الصلاح الذي عارض الفلسفة والمنطق جملة وتفصيلا، صراحة وضمنا حد الثمالة والتحريم، وغيرهما من الفقهاء والفلاسفة الذين كفونا «شر القتال» بصراحتهم، ناهيك عن إشاراتهم وتنبيهاتهم، ولكنه يتأرجح بين هذا الموقف وذاك، سواء في المؤلف الواحد أو المؤلفات المختلفة، ناسجا بذلك ما يسمى بـ«الكتابة المزدوجة» في الفكر العربي الإسلامي، وعى ذلك أو لم يعه.

فهل المؤلفات الغزالية شاهدة لموقفه من الفلسفة أو شاهدة عليه ؟ وكيف يمكن تعليل كلام الغزالي غير الودي حيال الفلاسفة؟ وهل يستأهل الغزالي صفة الفيلسوف أم أن هذه الصفة تظل حكرا على الذين جعلوا من الفلسفة الأسرة الفكرية التي ينتمون إليها وينتسبون لها، وبالتالي سيكون الفارابي وابن سينا وابن رشد… أحق وأجدر وأولى بهذه الصفة من حجة الإسلام الذي ينبغي أن يقصى من دائرة الفلسفة ويلغى من زمرة الفلاسفة؟ وقد شئنا لهذا الكتاب أن يتخذ مدارا له “العقل الحجاجي بين الغزالي وابن رشد” الذي عنوناه به، حتى نحدد للقول مجاله، وحتى لا نتكلم عن كل شيء. فهل يشكل العقل الحجاجي المنفتح والمتسع همزة وصل بين الغزالي وابن رشد؟ أم همزة قطع بينهما؟

إن مقاصد هذه الدراسة ـ وهي تتسلح برؤية فلسفية قائمة على النقد والتحليل ـ تتجه من جهة، إلى إعادة النظر في الفلسفة الغزالية والفلسفة الرشدية على حد سواء، ونقد النقد غير المعقول فيهما، ووزنه بميزان الذهب وليس الاطواد، والإبانة عن ما له وما عليه، والكشف عن الفجوات والثلم والخروم فيه، حتى نضع الفلسفتين في المكانة اللائقة بهما، ونعطي لكل ذي حق حقه، ونبين من جهة أولى محدودية النقد الغزالي للفلسفة الذي ينبغي لجمه وعدم إطلاقه إلا بمقدار، ومن جهة ثانية محدودية النقد الرشدي لعلم الكلام الذي ينبغي لجمه بدوره وعدم إطلاقه إلا بمقدار. ومن جهة أخرى، تتجه هذه الدراسة إلى القيام بقراءة جديدة للغزالي وابن رشد نتجاوز بها القراءات السابقة. إذ لوتعدينا فعلا ما يقوله الغزالي ويخبر عنه المستوى الظاهر من خطابه، إلى ما لا يقوله ويعلنه، أي إلى نظامه وبنيته وكيفية إنتاجه، لوجدناه فيلسوفًا ، وإن مرغما عنه، ولعددناه إذن مع زمرة الفلاسفة العظام. وبالتالي يصبح نقد الغزالي للفلسفة نقدا عبثيا ولا معنى له بمجرد ما يتم النفاذ إلى الوجه الخفي والمعارض للوجه الظاهر، وتجاوز البنية السطحية للخطاب الغزالي إلى البنية العميقة التي ظل فيها الغزالي فيلسوفا بكل ما يعنيه هذا القول من معنى في الابيستيمي الوسطوي.

وهو ما جعلنا نعتقد بأن حضور الفلسفة في مؤلفات الغزالي هو الذي يستحق الاهتمام لا غيابه. فالباحث في مقاصد الفلاسفة، وتهافت الفلاسفة، تمثيلا لا حصرا، ملزم بمراعاة المجال الذي يتحرك فيه وهو مجال الفلسفة، والتعود على قراءة ما هو كامن وراء ذلك القول، والانتباه إلى ما لم يصرح به الغزالي تصريحا، ولكنه متضمن مع ذلك في ثنايا أقواله وأحكامه، خاصة إذا علمنا أن الطبيعة الحجاجية للكتب الغزالي تساعد على هذا النوع من الإضمار واختفاء الأهم وراء المهم والأقل أهمية. وهو ما يحتم التقاط الاشارات والتنبيهات.

وبالمثل فلو تعدينا فعلا ما يقوله ابن رشد ويخبر عنه المستوى الظاهر من خطابه، إلى ما لا يقوله ويعلنه، أي إلى نظامه وبنيته وكيفية إنتاجه، لوجدنا متكلما، وإن مرغما عنه، ولعددناه إذن مع زمرة المتكلمين. وبالتالي يصبح نقد ابن رشد لعلم الكلام نقدا عبثيا ولا معنى له بمجرد ما يتم النفاذ إلى الوجه الخفي والمعارض للوجه الظاهر، وتجاوز البنية السطحية للخطاب الرشدي إلى البنية العميقة التي ظل فيها ابن رشد متكلما بكل ما يعنيه هذا القول من استخدام هذا الرجل لقياس الغائب على الشاهد، ولجوئه إلى الجدل والخطابة، والدفاع عن نظرية الكسب الاشعرية التي لم يستطع أن يقدم لها بديلا…وغيرها من القضايا الكلامية التي تجعلنا نعتقد بأن حضور علم الكلام في مؤلفات ابن رشد هو الذي يستحق الاهتمام لا غيابه.

فالباحث في “الكشف عن مناهج الأدلة”، تمثيلا لا حصرا، ملزم بمراعاة المجال الذي يتحرك فيه وهو مجال علم الكلام، والتعود على قراءة ما هو كامن وراء ذلك القول، والانتباه إلى ما لم يصرح به ابن رشد تصريحا، ولكنه متضمن مع ذلك في ثنايا أقواله وأحكامه، خاصة إذا علمنا أن الطبيعة السجالية للكتاب تساعد على هذا النوع من الإضمار واختفاء الأهم وراء المهم والأقل أهمية.

ولا أخفي أنني عشت مع ابن رشد معيشة أنس ومحبة، ولكن هالني هذا الالتحام الغريب لابن رشد بالحنابلة والفقهاء المتشددين الذين اندفع بمعيتهم، وعى ذلك أو لم يعه، في تحطيم الصرح الكلامي الأشم، ونقده بعنف بالغ ومزاج حاد، وبكيفية قاسية الأسلوب والمعاني. ولا نغالي إذا قلنا بأن ابن رشد من أشهر الفلاسفة المسلمين نقدا لعلم الكلام وإدانة للمتكلمين. وقد حاولنا وضع هذا النقد تحت المجهر، وعلى محك التساؤل.
وهذا ما يجعل من هذا الكتاب مغامرة، بكل ما تعنيه المغامرة من دلالات الإقدام والمخاطرة ومواجهة المجهول وإمكانية الصواب أو الخطأ!

 

error: المحتوى محمي