رواية ‘العودة’، رحلة بحث مؤلمة لابنٍ عن أبٍ مفقود – هشام مطر / ترجمة: ريم

رواية ‘العودة’، رحلة بحث مؤلمة لابنٍ عن أبٍ مفقود – هشام مطر / ترجمة: ريم

 

28BOOKMATAR-master180

غلاف الرواية

مراجعة وتدقيق: وافي الثقفي


استشهد هشام مطر في ختام هذه المذكرات البليغة، ببضع كلمات قالها تلماك بن أوديسوس [ملك جزيرة إثكا وصاحب فكرة حصان طروادة] من الملحمة الشعرية الإغريقية “الأوديسة”.

 

تمنيت،على الأقل، أن يكون عندي رجل سعيد

-كأب يشيخ في بيته

لكن كان مصيره الموت مجهول، والصمت.

 

أمضى مطر سن الرشد كله يصارع شعوره بفقدان أبيه وارتيابه في مصيره، حيث كان جاب الله مطر زعيما ليبيا منشقا اختطفته عناصر عملت لصالح معمر القذافي، دكتاتور تلك البلاد آنذاك، وأرسلته إلى سجن بوسليم المعروف في طرابلس، وقد عرض أصدقاء جاب الله وحلفاؤه السياسيون أرواحهم للخطر في سبيل تهريب الرسائل التي كان يرسلها من حين لآخر من السجن، لكنها انقطعت بعد بضع سنين.

لم يكن يعلم هشام، صغير السن، ما إذا كان أبوه قد مات في مجزرة سجن بوسليم، عام ١٩٩٦، التي أودت بحياة نحو (١٢٠٠) شخص، أو أنه عُذب أو ضُرب حتى الموت في غرف التحقيق الكئيبة، أو استطاع الفرار أو النجاة بأعجوبة. وبعد أن أُطيح بالقذافي عام ٢٠١١، عاد هشام مطر، الذي عاش في منفى خارج البلاد، إلى موطن أهله محاولا الوقوف على ما حدث، ويخبر عن تلك القصة في روايته “العودة”.

هشام مطر كاتب روايتي “في بلد الرجال” و”تشريح الاختفاء” المشاد بهما، واللتان تتمحور قصتيهما حول الفراق والانعزال وظل أبٍ ناشط نشاطًا قويًا، وهنا في رواية “العودة” يكتب هشام بعين الروائي، حيث يركز على التفاصيل المادية والمعنوية، ويضيف أيضا لمسات المراسل الحسية حول الزمان والمكان.

إن النثر في هذه الرواية دقيق، مقتصد، شكلته السنون والمحن، والسرد الإضماري للكلمات، الذي يكاد يكون موسيقيا، يتنقل ذهبا وإيابا بين حاضره القريب، ذكريات طفولته وهو يترعرع في ليبيا، وما يتذكره من قصص والده التي جمعها من هنا وهناك عن سجنه وحين كان زعيمًا معارضًا.

وكانت قصة “العودة” في وقت ما، قصة شوق وتحرٍّ في آن واحد، تحكي عن كاتب يحقق في مصير والده الذي كان بين يدي نظام دكتاتوري وحشي، ومحاولاته الجاهدة لتقبل شبح والده، الذي طارد أكثر من نصف حياته بسبب غيابه، إنها قصة مشاعر مطر المعقدة عن حياته في لندن: أي شعوره “بالذنب لأنه عاش حياة حرة” وسعيه لأن يستثمر تلك الحرية لرفع عرائض للعديد من الحكومات ومنظمات حقوق الإنسان؛ طلبًا لمعلومات عن والده وأقاربه الذين سُجنوا، إنها قصة عن منفى، عن هشام وأخيه زياد ووالدتهم، الذين ناضلوا من أجل خلق حياة جديدة لأنفسهم خارج البلاد، حيث فرّوا من ليبيا عام ١٩٧٩، وقصة عن صراع مطر “للعيش بعيدا عن الأماكن والناس الذين أحبهم” كما ذكر.

كتب مطر:

“لقد كان جوزيف برودسكي محقًا. وكذلك كان كل من نابوكوف وكونراد. كانا فنانين لم يرجعا أبدًآ، لقد حاول كلٌّ منهما بطريقته أن يعالج نفسه من وطنه. فما تركته خلفك قد تلاشى. ارجع! وسترى أن ما كان عزيزًآ عليك قد تذهب أو تغير“.

إن هذه فقط إحدى المشاعر الكثيرة التي كابدها مطر أثناء رحلة العودة إلى ليبيا في ٢٠١٢، حيث تحدث هناك مع أقربائه وأصدقاء والده الذي قضى كثير منهم أعواما في السجن، حيث عذبوا وتعطشوا للأمل والحرية، وسمع أيضا عن الأساليب المدروسة التي يستخدمها السجناء للنجاة والتواصل داخل السجن، وأعطي بذلك تلميحات عن ما قد كابده والده في سجن بوسليم، وتساءل مطر كيف تغير والده بسبب اعتقاله، وكيف يمكن أن يكون تبدل حاله وأصيب بالضعف.

أما القصص التي رواها فهي قصص مؤلمة، فانتهى الأمر بعمه “حمد” الكاتب المسرحي الطموح، وقريبه “علي” طالب الاقتصاد، بقضاء عقدين من الزمان في سجون القذافي، حيث حافظ عمه على حب الأدب طوال الإحدى والعشرين سنة التي قضاها في سجن بوسليم بكتابة القصائد على جهتي عطاء وسادة رقيقة خاطها بحزام في ثيابه الداخلية حفاظاً عليها، أما قريبه “عزو” الذي كان قد درس ليصبح مهندسًا مدنيًا، قتل بواسطة قناص أثناء الثورة الليبية، وأصيب أخاه الأكبر “حمد” حينها لكنه أصر على العودة إلى المقدمة.

كانت زيارة مطر إلى ليبيا عام ٢٠١٢ أثناء مرحلة زمنية قيمة، بدا فيها العدل والديمقراطية وحكم القانون في متناول اليد، لكن سرعان ما تكشفت الأشياء مع تصاعد التنافس بين الجيوش الشعبية المدججة بالسلاح، واكتساب الدولة الإسلامية مركزًا وطيدًا في تلك الفوضى.

ويصف مطر أيضا شارحا معاناة الناس في ليبيا تحت حكم القذافي فكتب: “لقد تزايدت أعداد الموتى، وأُغلقت الجامعات والمدارس. وأصبحت المستشفيات تعمل جزئيًا، وصار الوضع مروعًا حتى حدث ما لم يكن في الحسبان. لقد تاق الناس إلى أيام القذافي”.

 إن قصة مطر هذه تكشف عن المعاناة في ليبيا -تحت حكم القذافي، والآن، في حالة العنف فيما بعد الثورة- وتطالعنا بصورة مصغرة لما عاناه الشرق الأوسط مع تحطم الآمال الديمقراطية التي تبناها الربيع العربي دولةً تلو دولة، واحتراقها، و رواية “العودة” تظهر في نفس الوقت كمذكرات مسكونة بالأرواح، لتحكي عن عائلة، ورحلة أحد أولادها الشبيه بتلماك للبحث عن والده.

 

المصدر

 

error: المحتوى محمي