مرآة آليس في بلاد العجائب – فيلاينور راماشاندران / ترجمة: عبد الله بن قعيّد

مرآة آليس في بلاد العجائب – فيلاينور راماشاندران / ترجمة: عبد الله بن قعيّد

الفصل السادس من كتاب (أشباح في الدماغ)

الفصل السادس من كتاب (أشباح في الدماغ)


 “ليس العالم أغرب مما نتخيل وحسب،

بل أغرب حتى مما في استطاعتنا تخيله”

جون هولدينJ.B.S. HALDANE  

 

 

 

 

 

خارجةً من غرفتها على كرسيها المتحرك وسام لا يكاد يصدق عينيه: مَن هذه؟! مضت ليلتان فقط على عودة امه – آلن – من مستشفى كايزر بيرمنينتى؛ حيث مكثت اسبوعين تتعافى من جلطة ألمت بها. لطالما كانت الأم دقيقةً حيال مظهرها، الملابس والمكياج كما مارثا ستيورت في أبهى حلتها، تسريحة شعرها أنيقة، ومن أطياف الأحمر أو الوردي تنتقي بذوق رفيع لونَ طلاء أظافرها. أمّا ما يحدث اليوم فخطبٌ جَلَل؛ إذ كان شَعْر آلن الأجعد بطبيعته منتفشا في الشق الأيسر من رأسها، كأنه لفيف من أعشاش الطيور، أما شعرها في شقه الأيمن فمجْدولٌ باتساق. كما تعلّق شالُ آلن الأخضر بأكمله كتفَها الأيمن؛ وجعل يزحف على أرضية المنزل. أمّا أحمر الشفاه فطبع على النصف الأيمن من كلتا شفتيها – العلوية والسفلية – لونا أحمر فاقع، تاركا ما تبقى من شفتيها أعزلاً من أي زينة. وبالمثل تركت أصابع الكحل والمسكرة أثرها على عين آلن اليمنى، أما عينها اليسرى فظلت على طبيعتها. وكلمسة أخيرة، وضعت آلن بقعة من الحمرة على خدها الأيمن، وضعتها بحذر شديد وبقدرٍ كافٍ كي توحي للناظر أنها مازالت تهتم لمظهرها، لا كأنها تحاول إخفاء صحتها العليلة. كان الأمر برمته يبدو كما لو أن أحدهم استخدم منشفة مبلولة لمحو كل مساحيق التجميل من على الجانب الأيسر من وجه امه!

“يا إلهي يا لطيف!” صرخ سام، “ماذا فعلتِ بمكياجك؟”

رفعت آلن حاجبيها في دهشة، عن أي شيءٍ يتحدث ابنها؟ قضت نصف ساعة تهيأ نفسها هذا الصباح حتى أحست أنها فعلت كل ما بوسعها لتبدو في أحسن حال نظرا لظروفها.

بعد مرور عشر دقائق، وبينما هما جلوسٌ يتناولان طعام الإفطار، تجاهلت آلن كل الطعام في الجانب الأيسر من صحنها، بما في ذلك عصير البرتقال الطازج الذي طالما أحبته.

هرع سام في طلب الهاتف وهاتفني كواحد من الأطباء الذين قضوا وقتا مع امه في المستشفى. كنا قد تمكنا أنا وسام من التعرف إلى بعضنا البعض بينما كنت أعاين مرضى الجلطة الذين كانوا يشاركون امه ذات الغرفة. قلت له: “لا تقلق.. واطمئن، أمك تعاني من متلازمةٍ عصبية شائعة تُدعى الإهمال النصفي Hemineglect؛ وهي حالة عادةً ما تلي إصابة الدماغ الأيمن بالجلطة، وخاصةً حينما تصيب الفص الجداري الأيمن Right Parietal Lobe. لدى مرضى الإهمال قدرٌ كبير من اللامبالاة تجاه الأشياء والأحداث التي تحصل في الناحية اليسرى من العالم، بما في ذلك الشق الأيسر من أجسادهم في بعض الأحيان”.

“أ تقصد أنها عمياء لا تبصر تلك الناحية؟”

“لا، ليست عمياء. هي فقط لا تعير انتباها لما يحدث إلى يسارها. ولهذا ندعوه إهمالا.”

تمكنتُ في اليوم التالي من برهنة كلامي عن طريق عمل اختبارٍ سريري بسيط على آلن لإرضاء سام. جلستُ إزاءها مباشرة وقلت: “أنظري بثبات إلى أنفي وحاولي ألا تحركي عينيك”. وحالما ثبتت بصرها، رفعتُ اصبعي السبابة بمحاذاة وجهها إلى اليسار من أنفها تماما، وبدأت بهزّ اصبعي بقوة.

“آلن! ماذا ترين؟”

فأجابت: “أراك تهز اِصبعك”

قلت: “حسنا، واصلي النظر إلى ذات المكان من أنفي”. ثم رفعتُ ببطء شديد وعَرَضِي ذات الإصبع إلى ذات المكان، إلى اليسار من أنفها تماما. ولكني كنت هذه المرة حذرا ألا أحركه بغتة: “والآن.. ماذا ترين يا آلن؟”

بدت ملامح آلن خالية من أي تعبير. عدم لفت انتباهها إلى الإصبع – إما بالحركة أو بإشارة أخرى واضحة – جعلها في غفلة تامة عما يحدث من حولها. بدأ سام في فهم طبيعة المشكلة التي تعاني منها أمه، وأهمية التفرقة بين العمى والإهمال. من الممكن أن تتجاهله أمه كليةً لو وقف جامدا إلى يسارها. ولكنه ما إن يبدأ بالقفز أو التطويح عاليا بذراعيه حتى قادها ذلك في بعض الأحيان إلى الالتفات والنظر.

وهذا هو ذات السبب الذي يجعل آلن تفشل في ملاحظة النصف الأيسر من وجهها في المرآة، أو تنسى وضع المكياج على النصف الأيسر من وجهها. وهو ذات السبب الذي يجعلها لا تمشط شعرها في الشق الأيسر من رأسها، أو تفرش اسنانها اليسرى. ومن غير المفاجئ أن تتجاهل كل الطعام الموجود في الجانب الأيسر من صحنها. ولكنْ عندما يشير ابنها إلى الأشياء في المنطقة المُهْمَلة، مجبِرا إياها على الانتباه، فإن آلن قد تقول: “اها! جميل.. هناك عصير برتقال طازج!” أو “أشعر بالحرج منك! شعرٌ سائب، وفمٌ شوهه أحمر الشفاه.”

بدا سام في حيرة من أمره. هل عليه أن يساعد أمه لبقية حياتها في أداء مهامها اليومية البسيطة كوضع المكياج؟ هل ستظل أمه هكذا إلى الأبد؟ أم انه بإمكاني فعل شيء لمساعدتها؟

أكدت لسام بأني سأحاول المساعدة. فالإهمال أمر شائع إلى حد ما، ولطالما أثار فضولي. وباستثناء ارتباطه المباشر بقدرة المريضة على الاعتناء بنفسها، فإن الإهمال ينطوي على دلالة عميقة لفهم الكيفية التي يصنع من خلالها الدماغ تمثيلا مكانيا للعالم، كيف يتعامل مع الميمنة والميسرة، وكيف يكون بمقدورنا – في لحظة استشعار خاطفة – أن نعير انتباهنا إلى أجزاء مختلفة من مشهدنا البصري. لقد كان الفيلسوف الألماني العظيم امانويل كانط مهووسا بمفهومنا الـ “فطري” للمكان والزمان، إلى الحد الذي جعله يقضي ثلاثين عاما من عمره يقيس فيها طلوعا ونزولا شرفة منزله متفكرا في هذه المشكلة (ألهمت بعض أفكاره فيما بعد كلاً من ماخ وآينشتاين). ولو كان باستطاعتنا، بطريقة ما، نقل آلن إلى الماضي لزيارة كانط عبر آلة للزمن، فإني على يقين بأنه سيكون مبهورا بأعراضها مثلي ومثلك، متسائلا ما إذا كان في جعبتنا نحن علماء العصر الحديث أدنى فكرة عن أسباب هذه الحالة الغريبة.

عندما يقع بصرك على منظر ما، فإن الصورة تهيج المُسْتَقْبِلات Receptors في الشبكية Retina، وتبدأ في تسيير سيل من الأحداث التي تتوج تصورك للعالم. وكما أشرنا في فصول سابقة، فإن الرسالة من العين يتم تخطيطها أولا في مؤخرة الدماغ، في منطقة تُدعى القشرة الإبصارية الرئيسة Primary Visual Cortex، ومن هناك يتم إعادة توجيهها عبر مسارين: مسار الكيفية باتجاه الفص الجداري parietal lobe، ومسار الماهية باتجاه الفص الصدغي Temporal Lobe (انظر الشكل 4.5، الفصل 4)[1]

يتمحور عمل الفصين 1الصدغيين حول التعرف على الأشياء الفردية وتسميتها والتجاوب معها بما يلائمها من المشاعر. أما عمل الفصين الجداريين فيتمحور حول تبيين التصميم المكاني للعالم الخارجي، ومن هنا يتأتى لك التنقل عبر المكان وبلوغ الأشياء وتفادي الصواريخ ومعرفة أين أنت. هذا التقسيم الوظيفي بين الفصوص الصدغية والجدارية بإمكانه تقريبا شرح كل هذه الكوكبة المتفردة من الأعراض التي نلاحظها على مرضى الإهمال الناتج عن عطب في الفص الجداري، وخاصة الأيمن منه، كما هي الحال مع آلن. فلو تركتَها تجول بمفردها، فإنها لن تكترث للناحية اليسرى من المكان ولا لأي شيء يحدث فيه. حتى انها لتصطدم بالأشياء إلى يسارها، ولتورم اصبع قدمها اليسرى بسبب نتوءات الرصيف (سأشرح فيما بعد سبب عدم حدوث ذلك مع من تضرر لديهم الفص الجداري الأيسر). ولكن بسبب سلامة الفصين الصدغيين لدى آلن، فإنه لا صعوبة لديها في التعرف على الأشياء والأحداث طالما أن انتباهها مشدود اليه.

ولكن “الانتباه” كلمة مثقلة، وما نعرفه عنها أقل حتى مما نعرفه عن الإهمال. ولذا فإن تفسير الإهمال بأنه “فشل في الانتباه” هو كتفسير الماء بعد الجهد بالماء (هذا يشبه تقريبا تعريف المرض بأنه فشل في الصحة)، إلا في حال كان لدينا فكرة واضحة عن ماهية الآلية العصبية الكامنة وراء ما يحدث. وتحديداً معرفة كيف بمقدور أي فرد عادي – مثلي ومثلك – أن ينتقي معطياته من مصدر حسي أوحد، سواء أكنتَ تحاول الإصغاء إلى صوت أحادي في محفل يعلوه زخمٌ من ضجيج الأصوات، أو كنت تحاول فقط تحديد وجه مألوف في ملعب لكرة السلة. لماذا يتملكنا هذا الشعور المتقد بأن لدى كل واحد منا ضوء كاشف نستطيع تسليطه على مختلف الأشياء والأحداث من حولنا.

نحن الآن على علم بأن مهارة أساسية كالانتباه تسترعي مشاركة عدد من المناطق المترامية الأطراف في الدماغ. وقد سبق وتحدثنا عن الأجهزة المتعلقة بحاسة البصر، والسمع، والحواس الجسمية somatosensor، ولكنْ هناك مناطق أخرى جوهرية في الدماغ تقوم بمهام لها ذات الأهمية. فالجهاز المفَعِّل الشبَكي The reticular activating system – وهو شبكة من الخلايا العصبية في جذع الدماغ تبث على نطاق واسع وإلى مناطق شاسعة في الدماغ – يُفعّل قشرة المخ  بأكملها Cerebral Cortex، وهذا من شأنه أن يفضي إلى الصحو والإفاقة، أو – إذا استدعى الأمر – فإنه يبث نحو حصة صغيرة من القشرة، وهذا بدوره يفضي إلى الانتباه الانتقائي Selective Attention. أما الجهاز الحُوفي Limbic System فمعنيّ بالسلوك العاطفي، وتقييم الأهمية العاطفية، والقيمة الكامنة في أحداث العالم الخارجي. وأما الفصان الجبهيان frontal lobes فمعنيان بالعمليات الأكثر تجردا كإطلاق الأحكام، وبعد النظر والتخطيط. وكل هذه المناطق مترابطة في حلقة من التبادل الإيجابي التكراري والارتدادي كالصدى الذي يتلقف محفزا من العالم الخارجي فيستخلص كُنْهَ معالمه قبل أن يقذف به من مكان لآخر، إلى أن يكتشف في نهاية المطاف ماهيته وكيفية التعامل معه: هل أقْبِل أم أدبر، أعضّ أم أقبّل؟ والانتشار المتزامن لكل هذه الآليات تنتهي في التصور.

عندما أتنبه إلى خطر ما، لنقل هيئة رجل لا تبعث على الطمأنينة، لربما لص مقبل علي في إحدى شوارع بوسطن، فإن أول ما يخطر في ذهني أنْ “ليس لدي أدنى فكرة عن هذا الرجل”. وقبل أن أحسم أمري: “اها! لربما هذا رجل خطِر”، فإن المعطيات البصرية تخضع لعملية تقييم في كلا الفصين الجبهية والجهاز الحوفي حول مدى صلة هذا الخطَر، ومن ثم يتم ارسال المعلومات إلى جزء صغير من القشرة الجدارية Parietal Cortex، والتي بالتعاضد مع الروابط العصبية Neural Connections المعنية في التشكل الشبكي Reticular Formation، تمكنني من توجيه انتباهي إلى هذا الخطر المحدق، هي بذلك ترغم دماغي على تحريك مقلتيّ نحو ذاك الأمر المهم في مشهدي البصري: أعره انتباهك الانتقائي وقل “اها!”.

ولكن تخيل لو أن عطلا أصاب جزءا من أجزاء هذه الحلقة المفعمة بالتبادل الايجابي على حساب العملية برمتها، وقتها لن تلاحظ ما يحدث في تلك الناحية من العالم، عندها تكون مصابا بمرض الإهمال.

ولكن مازال علينا أن نشرح سبب حدوث الإهمال بعد أن يتعرض الفص الجداري الأيمن بالدرجة الأولى للإصابة وليس الأيسر. لماذا هذا اللاتماثل بين الفصين؟ وعلى الرغم من أن السبب الحقيقي مازال يواصل تملصه من بين أيدينا، إلا أن مارسيل ميسولام Marcel Mesulam من جامعة هارفارد، طرح نظرية عبقرية. إننا نعلم أن النصف الأيسر من الدماغ متخصص في الكثير من جوانب اللغة، أما النصف الأيمن فالعاطفة و”العالمية” أو النظرة الشمولية للمعالجة الحسية. ولكن ميسولام يضيف اختلافا جوهريا آخر، وهو امتلاك النصف الأيمن ضوءا كاشفا عريضا للانتباه باعتبار دوره الشمولي في الجوانب البصرية، والذي بدوره يحيط كِلا مجاليّ البصر الأيمن والأيسر بأكملهما. أما النصف الأيسر من الدماغ فيمتلك ضوءا كاشفا أصغر بكثير من الأيمن، ويقتصر بأكمله على الناحية اليمنى من العالم (ربما لأنه منشغل بأشياء أخرى مثل اللغة). وكنتيجة لهذا التوزيع الغريب على الأصح، لو لحق النصف الأيسر الضرر، لفقد ضوءَه الكاشف، ولكن الأيمن يستطيع تعويضه بحكم قدرته على تسليط ضوءه الكاشف على الفضاء بأكمله. ولكن عندما يلحق النصف الأيمن الضرر، فإن الضوء الكاشف العالمي ينطفئ، وليس باستطاعة النصف الأيسر تعويض الخسارة كاملة لأن ضوءه الكاشف مقصور على الناحية اليمنى وحدها. وهذا من الممكن أن يفسر سبب ظهور الإهمال فقط لدى المرضى الذين يتضرر لديهم النصف الأيمن.

إذاً الإهمال ليس هو العمى، ولكنه بالأحرى شكل عام من أشكال اللامبالاة تجاه الأشياء والأحداث في الجهة اليسرى. ولكنْ ما مدى عمق هذه اللامبالاة؟ ففي نهاية المطاف، حتى أنا وأنت حين نقود سيارتينا عائدين إلى منازلنا من العمل متجاهلين معالم الطريق المألوفة، تشرئب رؤوسنا حالما نرى حادثا مروريا. وهذا يدل – إلى حد ما – على أن المعلومات البصرية المُتجَاهلة في الطريق، لا بد وأن تكون قد تسربت [إلى وعينا]. هل آلن تعاني من ذات الظاهرة ولكن بشكل أكثر حدة؟ هل من الممكن، حتى وإن كانت لا تلاحظ الأشياء بوعي منها، أن بعض المعلومات “تتسرب” [إلى وعيها]؟ هل هؤلاء المرضى “يرون” ما لا يرون بشكل أو بآخر؟ ليس من السهل الإجابة على هذه الأسئلة، ولكن اثنين من الباحثين في جامعة اكسفورد قَبِلا التحدي عام 1988، وهما بيتر هاليجان Peter Haligan وجون مارشال John Marshall. إذ قاما بعمل طريقة ذكية لإثبات أن مرضى الإهمال يدركون، من دون وعي منهم، بعض الأشياء التي تحدث في الناحية اليسرى من العالم، حتى وإن بدا عكس ذلك. أما الطريقة فكانت عبارة عن عرض لوحة على المرضى وقد رُسم عليها بيتان، أحدهما فوق الآخر، ولكنهما متطابقان تماما باستثناء شيء واحد بارز، إذ تخرج من نوافذ البيت العلوي اللهيب والدخان في جانبه الأيسر. ثم قاما بسؤال المرضى ما إذا كان البيتان متشابهين أم مختلفين. فكان رد المريض الأول الذي يدرسانه متوقَعا حين قال بأن البيتين متطابقان، بما أنه لم يولِ انتباهه للجانب الأيسر من اللوحة. ولكنه عندما أُجبر على الاختيار: “هيا، قل لنا الآن بحق، أي البيتين تفضل بالأحرى العيش فيه؟”، اختار البيت السفلي، البيت الخالي من النيران، لأسباب لم يكن بمقدوره التعبير عنها، قال إنه “يفضل” هذا البيت. أمظهرٌ من مظاهر الإبصار الأعمى؟ هل من الممكن أنه حتى وإن كان لم يول انتباها للجانب الأيسر من البيت أن بعض المعلومات عن اللهيب والدخان قد تسربت من خلال أزقة بديلة إلى نصف دماغه الأيمن ودقت ناقوس الخطر؟ التجربة تنطوي مرة أخرى على عدم وجود عمىً في المجال البصري الأيسر، لأنه لو كان ذلك كذلك، فكيف يكون بمقدوره تحت أية ظرف أن يقوم بتحليل هذه الدرجة الدقيقة من التفاصيل عن الجانب الأيسر من المنزل؟

قصص الإهمال رائجة جدا بين طلاب الطب. يخبرنا اوليفر ساكس Oliver Sacks عن حكاية غريبة حول امرأة كسائر العديد من مرضى الإهمال النصفي الأيسر، تأكل الطعام فقط في الجانب الأيمن من صحنها. ولكنها كانت على علم بما يجري، وأدركت أنها لو أرادت تناول كامل العشاء، فإن عليها أن تدير رأسها بحيث ترى الطعام إلى يسارها. وباعتبار حالة اللامبالاة تجاه كل ما هو موجود في تلك الناحية بل وحتى حالة النفور من النظر اليها، تبنت حلا عبقريا وهزليّ. إذ كانت تدير عجلة كرسيها المتحرك إلى اليمين في استدارة هائلة، قاطعة قرابة ال 340 درجة إلى أن تقع عيناها أخيرا على الطعام غير المأكول. وحالما تأكله، فإنها تأخذ دورة أخرى لإكمال ما تبقى من طعامها. وهكذا دواليك، حلقة تتبع أخرى حتى ينتهى الطعام. لم يخطر في ذهنها البتة أنه بمقدورها أن تلتفت إلى اليسار فقط، لأنه وبالنسبة اليها، فإن اليسار وبكل بساطة ليس له وجود.

ذات صباح ليس بالبعيد وبينما كنت أصلح نظام الريّ في حديقة المنزل، أحضرتْ زوجتي رسالة ملفتة للنظر. تصلني عادةً العديد من الرسائل كل اسبوع، ولكن هذه الرسالة مختومة من مكتب البريد في باناما بطوابع أجنبية وخط ملفت للنظر. مسحت كلتا يدي بالمنشفة وشرعت في قراءة ما ظننته وصفا بليغا لما يشعر به مريض الإهمال النصفي:

“عندما أفقتْ.. فإني باستثناء صداع حاد في الرأس، لم ألحظ وجود أي أثر مزعج بعد المكروه الذي أصابني”. هذا ما كتبه ستيف، عقيد سابق في القوات البحرية، بَلَغه اهتمامي بداء الإهمال فأراد أن يراني في سان دييغو طلبا للمشورة:

“في الحقيقة.. باستثناء ذاك الصداع في الرأس، كنت على خير ما يرام. فأردتُ ان أطمئن زوجتي بما أني على علم تام بأني أصبت بنوبة قلبية وأن الصداع في تحسن، فأخبرتها بأن لا تقلق، واني بخير.

فقالت: “لا لست كذلك يا ستيف، لقد أصبت بجلطة!”

“جلطة؟! قولها جعلني أشعر بالدهشة والقليل من السلوى. لقد شاهدت ضحايا الجلطة في التلفاز وفي الواقع، أولئك الاشخاص الذين يحملقون في اللاشيء، أو الذين تسفر أطرافهم أو وجوههم عن علامات جلية للشلل. فمن غير المعقول أن تكون زوجتي قد قاربت الصواب بما أني لا أشعر بأيٍ من هذه العوارض.

في الحقيقة.. كان الجانب الأيسر من جسدي مشلولا بأكمله. كلٌّ من ذراعيْ وقدميْ اليسرى أصابها الشلل بما في ذلك وجهي. وهكذا بدأت أوديستي نحو عالم غريب ومعوج.

كنتُ على المستوى الذهني مدركا تمام الادراك بكل جزء من أجزاء جسدي في شقه الأيمن، أما شقه الأيسر فكان بكل بساطة غير موجود! قد تشعر بأني أبالغ، فالناظر إليّ يرى شخصا بأطرافٍ وإن كانت مشلولة، فهي موجودة بوضوح وبذات الوضوح موصولة بجسده.

عندما أَحلق ذقني، فإني أتجاهل النصف الأيسر من وجهي. وعندما أرتدي ملابسي، فإني أُبقي على ذراعي عارية على الدوام. أضع أزرار قميصي اليمنى في غير موضعها من الجانب الأيسر، بل حتى إني أفعل ذلك بيدي اليمنى.

ما من سبيل…” ختم ستيف، “أن يكون لديك أدنى فكرة عما يحدث في بلاد العجائب ما لم يقم قاطن بوصفها لك.”

أهمية الإهمال من الناحية الإكلينيكية تأتي لسببين: أولهما يتعلق بوجود مجموعة من الناس تلازمها الإعاقة إلى أجل غير مسمى، على الرغم من أن معظم المصابين يتماثلون للشفاء التام بعد أسابيع قليلة. بالنسبة لهؤلاء، يظل الإهمال مصدر إزعاج حقيقي، حتى وإن لم يكن مرضا يتهدد حياتهم بالخطر. أما الثاني فيتعلق بأولئك الذين لديهم قابلية التعافي من هذا المرض في فترة وجيزة، إلا أنهم معَرّضون للإعاقة الحادة خلال الأيام الأولى، وذلك بسبب لا مبالاتهم تجاه الناحية اليسرى، إذ تعرقل هذه اللامبالاة عملية إعادة تأهيلهم. فعندما يحثهم اخصائي المعالجة على تمرين ذراعهم اليسرى، فإنهم لا يرون الداعي لذلك، لأنهم لا يلحظون أنها لا تعمل بشكل جيد. وهذه معضلة بحد ذاتها، لأن التعافي من الجلطة يكون في الأسابيع الأولى من مرحلة إعادة التأهيل، أما بعد [إغلاق] هذه “النافذة من اللُدونة[2] plasticity”، فإن اليد اليسرى تميل إلى عدم استعادة وظيفتها. وهذا ما يدفع المعالجين إلى بذل قصارى جهدهم في التودد إلى الناس كي يستخدموا يدهم اليسرى وقدمهم في الأسابيع الأولى. عملٌ مثبطٌ مع متلازمة الإهمال.

هل من حيلة من شأنها أن تدفع المريضة لتقبل الناحية اليسرى من العالم والبدء في ملاحظة ذراعها اليسرى التي لا تتحرك؟ ما الذي يمكن أن يحدث لو وضعتَ مرآة عن يمين المريضة، في الزاوية اليمنى إلى كتفها؟ (لو كانت تجلس في كبينة للهاتف، لعنى ذلك الحاجز الأيمن من الكبينة). الآن، لو نظرتْ إلى المرآة، فسترى انعكاس كل شيء في الناحية اليسرى، بما في ذلك الناس، والأحداث، والأشياء، بالإضافة إلى ذراعها اليسرى. ولكن بما أن الانعكاس بحد ذاته في الناحية اليمنى – في حقلها غير المهمَل – فهل من الممكن أن تبدأ فجأة في التنبه إلى تلك الأشياء؟ هل من الممكن أن تدرك أن هؤلاء الناس، والأحداث، والأشياء هم إلى يسارها حتى وإن كان انعكاسهم عن يمينها؟ لو نجحت، فإن حيلة كهذه لا يمكن أن تكون أقل من معجزة. فلطالما أحبطت محاولات معالجة الإهمال الأطباء والمرضى على حد سواء منذ صدور أول وصف اكلينيكي للحالة قبل ما يناهز الستين عام.

هاتفتُ سام وسألته إن كان لدى امه آلن الرغبة في خوض تجربة المرآة. فمن الممكن أن تساعد آلن في تسريع تماثلها للشفاء كما أن المحاولة بحد ذاتها سهلة وفي متناول اليد.

لقد ظلت الطريقة التي يتعامل معها الدماغ مع ما تعكسه المرآة محل انبهار علماء النفس، والفلاسفة، والسحرة على حد سواء. والطفل دائما ما يكرر طرح السؤال التالي: “لماذا تعكس المرآة الأشياء من اليمين إلى اليسار ولكنها لا تعكسها مقلوبةً رأساً على عقب؟ كيف “تعلم” المرآة أي طريقة عليها أن تقلب؟”، سؤال تحرج صعوبة الإجابة عليه معظم الآباء. أما الإجابة الصحيحة فتأتي من الفيزيائي ريتشارد فاينمان (مقتبسة في كتاب ريتشارد جريجوري Richard Gregory الماتع عن هذا الموضوع).

يندر أن يقع التباسٌ عند البالغين العاديين بين حقيقة الشيء وانعكاسه في المرآة. فأنت حين تنظر إلى المرآة الأمامية للسيارة وترى خلفك سيارة تطوي الطريق مسرعة في أثرك، فإنك لا تضغط على المكابح، بل تسرع إلى الأمام حتى وإن كانت صورة السيارة أمامك وهي تقترب منك بسرعة. وبالمثل لو فتح لص خلفك الباب وأنت تحلق ذقنك في الحمام، فإنك تستدير لمواجهته، لا تهاجم انعكاسه في المرآة. لا بد إذاً من أن بعض المناطق في دماغك تقوم بالتصويب اللازم: الشيء الحقيقي خلفي حتى وإن كانت صورته أمامي.

ولكن كما آليس في بلاد العجائب، فإنه يبدو على المرضى، كآلن وستيف، أنهم يعيشون في منطقة فاصلة وغريبة بين الوهم والحقيقة، “عالمٌ معوج” كما يسميه ستيف، وما من وسيلة سهلة لتوقع الكيفية التي ستكون عليها ردة فعلهم أمام المرآة. ولو أخذنا في الاعتبار أهمية الدور الذي يلعبه الفص الجداري الأيمن في التعامل مع العلاقات المكانية وجوانب النظرة “الشمولية”، فهل من الممكن أن يكون لدى مريض الإهمال مشاكل معينة في التعاطي مع انعكاس المرآة؟ جميعنا من مرضى الإهمال والناس الطبيعيين يعرف المرآة، وجميعنا على حد سواء يعتبرها أمرا بدهيا كذلك، إلا أن هناك أمرا سيرياليا في جوهر المرآة. فعلم البصريات بسيط بما فيه الكفاية، ولكن أحدا لا يملك أدنى فكرة عن الآلية التي تنشط في الدماغ عندما نرى انعكاس المرآة، أيٌّ من عمليات المعالجة الدماغية تتطلبه قدرتنا الاستثنائية لاستيعاب هذا التقابل المتناقض بين الجسم الحقيقي و”توأمه” البصري.

عندما جاءت آلن إلى معملي، بدأت أولا بإجراء سلسلة من الاختبارات السريرية للتأكد من إصابتها بمرض الإهمال النصفي. وقد فشلتْ آلن في اجتياز كل هذه الاختبارات. لقد طلبتُ منها في البداية أن تجلس على الكرسي المقابل وأن تنظر إلى أنفي. ومن ثم أمسكتُ بقلم ورفعته بمحاذاة أذنها اليمنى وبدأتُ بالانتقال بطيئا على طول انحناءة القوس من الأذن اليمنى حتى اليسرى. وطلبت من آلن أن تتبع القلم بعينيها، وقد فعلت ذلك دون صعوبة تذكر، إلى أن بلغتُ أنفها، في تلك النقطة تحديدا تاهت عيناها، وسرعان ما وجهت نظرها إليّ بما أنه “تاه عن نظرها” القلم بالقرب من أنفها. والمفارقة هنا تكمن في أن التي لا تبصر الناحية اليسرى لا تفعل ذات السلوك، وفي أسوء الأحوال، قد تحاول الاجتهاد في أن تسبق القلم بعينيها كي تعوض عن “عماها”.

انتقلتُ إلى الاختبار الثاني حيث رسمتُ خطا أفقيا على ورقة، وطلبتُ من آلن أن ترسم خطا عموديا يشطر الخط الأفقي إلى نصفين. زمّتْ آلن شفتيها، ثم أمسكت بالقلم وبثقة عالية رسمت خطا في أقصى الطرف الأيمن من الخط الأفقي، على افتراض أنها تَسِمُ مركز ذلك النصف، فبالنسبة إليها فإنه لا وجود إلا لنصف الخط،، النصف الأيمن.

وعندما سألتها أن ترسم ساعة، رسمت آلن دائرة كاملة بدلا من نصف دائرة. وهذه ردة فعل شائعة إلى حد معقول لأن رسم الدائرة مكتسب بشكل عالي التلقائية، والجلطة لم تلحق الأذى به. ولكن عندما حان وقت وضع الأرقام توقفت آلن، وحدقت بشدة في الدائرة ومن ثم أكملت كتابة الأرقام من 1 إلى 12، مكدسةً بأكملها في الجانب الأيمن من الدائرة!

أمسكتُ أخيرا بورقة ووضعتها إزاء آلن وسألتها أن ترسم زهرة.

فقالت: “أي نوع من الزهور؟”

“لا يهم، فقط زهرة عادية.”

ومرة أخرى، توقفت آلن كما لو أن المهمة صعبة، وفي الأخير قامت برسم دائرة ثانية. حتى الآن وكل شيء يبدو على ما يرام، إلى أن بدأت – وبكل جدية – في رسم عدد من البتلات مكدسةً بأكملها في الجانب الأيمن من الزهرة، التي اتضح أنها أقحوانة (انظر الشكل 6.1).

قلت: “لا بأس بذلك يا آلن. أريدك الآن أن تفعلي شيئا مختلفا، أريدك أن تغمضي عينيك وترسمي زهرة.”

عدم قدرة آلن على رسم النصف الأيسر من أي شيء هو أمر متوقع، بما أنها تتجاهل ذاك الجانب وعيناها مفتوحتان. ولكن ماذا يمكن أن يحدث لو كانتا مغمضتين؟ هل صورة الزهرة في دماغها – الأقحوانة في عين دماغها – كاملة الاستدارة أم نصف مستديرة؟ بمعنى آخر، ما مدى عمق صدى الإهمال في دماغها؟

تاغلب

الشكل 6.1 قام برسمها أحد مرضى الإهمال. لاحظ ان النصف الأيسر من الزهرة مفقود. العديد من مرضى الإهمال سيرسمون فقط نصف زهرة عندما يرسمون من ذاكرتهم، حتى وإن اغمضوا أعينهم. هذا يدل على أن المريض فقد القدرة على “نسخ” الجانب الأيسر من صورة الزهرة في باطن الذهن.

أغمضت آلن عينيها ورسمت دائرة أخرى. وبعدها، مع ظهور التجاعيد في جبينها من شدة التركيز، رسمت بأناقة خمس بتلات، جميعها في الجانب الأيمن من الأقحوانة! كان كما لو أن الأنموذج الباطني الذي استخدمته لإنتاج الرسمة نصفَ مصون، ولهذا فإن النصف الأيسر من الزهرة سقط بكل بساطة، حتى وإن كانت مجرد زهرة متخيلة.

بعد أخذ راحة لمدة نصف ساعة، عدنا إلى المعمل لتجربة المرآة. جلستْ آلن على كرسيها المتحرك، فلّت شعرها بيدها السليمة ثم ابتسمت بعذوبة. وقفتُ إلى يمينها ممسكا بالمرآة إلى صدري على بعد قدمين من أنفها، بحيث لو كان وجه آلن إلى الأمام وهي على الكرسي، فإن المرآة تكون موازية لذراع الكرسي الأيمن (وشقها الأيمن). ثم سألتها أن تدير رأسها بحدود 60 درجة كي تنظر إلى المرآة. من هذه الزاوية، باستطاعة آلن أن ترى بوضوح انعكاس الجانب المُهْمَل في المرآة. نظرتْ إلى يمينها، إلى جانبها الصحيح إن صح التعبير، وهي على علم تام بماهية المرآة، فهي تعلم أنها تعكس الأشياء التي إلى يسارها. وبما أن المعلومات في الجانب الأيسر من العالم قادمةٌ الآن من الناحية اليمنى، من الناحية غير المهملة، فهل تتمكن المرآة من مساعدتها على “تجاوز” الإهمال وبلوغ الأشياء إلى يسارها بشكل صحيح، كما يفعل أي شخص عادي؟ أم ستقول لنفسها، “اوه، ذاك الشيء فعليا في الحقل المهمل، لذا سأتجاهله”. الإجابة كما يحدث عادة في العلم، أنها لم تفعل أيا منهما. في الحقيقة أن آلن فعلت أمرا في غاية الغرابة.

نظرت آلن إلى المرآة ورمشت، يعتريها الفضول تجاه ما نحن بصدده. لا بد من أنه كان واضحا لها أنها مرآة بما أن لها برواز خشبي ويغطي سطحها الغبار، ولكن كي أكون على يقين تام، سألتها: “ما هذا الشيء الذي أمسك به؟” (لنتذكر أنني كنت خلف المرآة ممسكا بها.)

فأجابتْ من دون تردد: “إنها مرآة”

سألتها أن تصف نظاراتها، وأحمر الشفاه، وملابسها في الوقت الذي تنظر فيه مباشرةً إلى المرآة، وقد فعلت ذلك دون أية مصاعب. ومن ثم أشرتُ إلى أحد طلابي الواقفين إلى يسار آلن، فأمسك بدوره قلما جعله في متناول يدها اليمنى السليمة، ولكنه بالكامل في الجانب المُهْمَل من مجال بصرها (تبين أنه على مسافة ثماني بوصات أسفل أنفها وإلى اليسار منه). باستطاعة آلن أن ترى بوضوح في المرآة كُلاًّ من القلم وذراع تلميذي، فلم يكن في نيتنا استخدام المرآة كوسيلة لخداعها.

“هل ترين القلم؟”

“نعم”

“حسنا، مُدي ذراعك وامسكي به. ثم اكتبي اسمك في هذا الدفتر الذي وضعته في حوزتك”

ولكَ أن تتخيل وقع الصدمة عندما رفعت آلن ذراعها اليمنى، ومن دون تردد ذهبت يدُها تلقاءَ المرآة مباشرةً حتى اصطدمت بها المرة تلو الأخرى. كانت بكل ما للكلمة من معنى تخدش المرآة قرابة عشرين ثانية، ثم قالت وقد أصابها الامتعاض بطبيعة الحال: “إنه ليس في متناول يدي.”

عندما قمتُ بإعادة ذات العملية بعد عشر دقائق قالت: “إنه خلف المرآة”، ثم مدت يدها وراحت تتحسس عروة حزامي، بل حتى انها حاولتْ إلقاء نظرة خلف المرآة بحثا عن القلم.

إذن كانت آلن تتصرف وكأن انعكاس الأشياء بحد ذاتها حقيقةٌ بإمكانها الوصول إليها وامساكها. لم أرَ في حياتي العملية على مدى خمسين سنة شيئا كهذا، شخصٌ حصيف وفي كامل قواه العقلية يرتكب هفوة بهذه الحماقة، معتقدا أن ذاك الجسم في حقيقته موجود داخل المرآة.

أردنا التأكد من أن سلوك آلن لم يصدر عن اختلال في حركة ذراعها أو إخفاق في استيعاب حقيقة المرآة. لذا حاولنا بكل بساطة وضع المرآة أمامها مباشرة على مسافة ذراع، تماما كمرآة الحمام في البيت. هذه المرة كان القلم يعلو كتفها الأيمن إلى الخلف منه (ولكنه خارج مرمى بصرها)، وحالما رأته في المرآة ذهبت بيدها مباشرة خلف كتفها الأيمن وأمسكت به. إذن لا يمكن تفسير اخفاقها في المهمة السابقة على أنها مشوشة الذهن او أنه أصابها ارتباك أو اختلال نتيجة الجلطة.

قررنا أن نعطي حالة آلن اسما، فأطلقنا عليه مسمى “عَمَه المرآة Mirror Agnosia” أو “متلازمة المرآة The looking glass Syndrome” تكريما للويس كارول.

عُرف عن لويس كارول أنه عانى من نوبات داء الشقيقة نتيجة تشنجات شريانية، ولو طالت هذه التشنجات الفص الجداري الأيمن لكان من الممكن أن يعاني من ربكة لحظية أمام المرآة، ولما اكتفت بأن توحي له بكاتبة مرآة آليس في بلاد العجائب  Through the looking glassوحسب، بل لكان من الممكن أن تفسر سبب هوسه العام بالمرايا، والكتابة عنها، وكذلك هوسه بالكتابة العكسية. وقد يتعجب أحدهم إن كان لاستحواذ الكتابة العكسية على ليوناردو دافنشي جذور مشابهة.

مشاهدة متلازمة المرآة مثير للفضول، ولكنه محبط أيضا إذ تأملتُ في البدء أن تكون ردة الفعل مغايرة تماما لما حدث، وأن تكون المرآة سببا يعين آلن على التعرف إلى الجانب الأيسر من العالم، وأن يساعدها في إعادة تأهيلها.

الخطوة التالية كانت معرفة مدى شيوع هذه المتلازمة: هل جميع مرضى الإهمال يتصرفون كآلن؟ وعند فحص عشرين مريض آخر، تبين لي أن الكثير لديه نفس أعراض عَمَه المرآة؛ فالكثير منهم يرفع يده في طلب المرآة من أجل القلم أو من أجل قطعة من الحلوى موجودة في الحقل المُهْمَل، كانوا على يقين تام بأنهم ينظرون إلى مرآة، ومع ذلك يقترفون ذات الخطأ تماما كآلن.

في المقابل لم يقع كل المرضى في ذات الخطأ، إذ بدت على بعضهم ملامح الحيرة مبدئيا مع رؤية انعكاس القلم أو الحلوى في المرآة، ثم بضحكة خافتة تآمرية يتحصلون بشكل صحيح على الشيء إلى يسارهم، تماما كما أفعل أنا وأنت. حتى أن أحدهم أدار رأسه إلى اليسار، حدثٌ كان ليتردد في فعله عادة، ثم بابتسامة المنتصر انتزع جائزته. كان واضحا أن هؤلاء المرضى يعيرون انتباههم للأشياء التي تجاهلوها سابقا، رافعين احتمالية وجود علاج مذهل. هل الاستخدام المتكرر للمرآة يساعد بعض الناس على تخطي الإهمال، ليصبحوا بالتدرج أكثر ادراكا للجانب الأيسر من العالم؟ الأمل بأن نتمكن من اختبار ذلك ذات يوم في العيادة.

لنضع العلاج جانبا، إذ كان العالِم في داخلي يثيره الفضول بظاهرة عَمَه المرآة على حد سواء: إخفاق المريض في الوصول بشكل سليم إلى الشيء الحقيقي. حتى ابني ذا السنتين يقهقه ثم يستدير لينتزع الحلوى عندما يراها ظاهرة فقط في المرآة. أما آلن، الأعقل والأكبر سنا، فلم تستطع.

بإمكاني التفكير في تفسيرين على الأقل يشرحان سبب افتقار آلن إلى هذه القدرة: الأول، أن يكون الإهمال سببا في وجود المتلازمة [متلازمة المرآة]، كما لو أن المريضة تُحدّث نفسها من دون وعي قائلةً: “بما أن الانعكاس في المرآة، فلا بد من أن الشيء موجود إلى يساري، ولكنْ بما أن اليسار لا وجود له في عالمي، فإن الشيء يجب أن يكون داخل المرآة.” ومهما بدا هذا التفسير سخيفا بالنسبة لنا ولعقولنا السوية، إلا أنه التفسير الوحيد المعقول لحالة آلن بالنظر لـ “واقعها”.

والثاني، قد لا تكون متلازمة المرآة نتيجة الإهمال مباشرة، حتى وإن كانت مصاحبة له في الغالب. فنحن نعلم أنه عندما يتضرر الفص الجداري الأيمن، فإن المرضى يعانون من جميع أنواع المصاعب المتعلقة بالمهام المكانية، وقد تكون متلازمة المرآة بكل بساطة عبارة عن تجلٍ معقد وخاص لهذا الضرر. فالتجاوب بشكل صحيح مع صور المرآة يتطلب من عقلك أن يقبض على الشيء وانعكاسه في آن واحد، وبعدها يقوم بالتمارين الذهنية اللازمة لتحديد موقع الشيء الذي نتج عنه الانعكاس بشكل صحيح. وهذه القدرة الدقيقة قد تتعرض للمساومة بسبب عطب في الفص الجداري الأيمن باعتبار أهمية دور البنية في التعامل مع السمات المكانية للعالم. وإذا كان ذلك كذلك، فإن عمه المرآة قد يقدم اختبارا سريريا جديدا لتعقب اعطاب الجدار الأيمن. وفي عصر ارتفاع تكلفة تصوير الدماغ، فإن أي اختبار بسيط وجديد قد يكون اضافة مفيدة إلى حقيبة التشخيص الخاصة بعالِم الأعصاب.

ومع ذلك فإن الجانب الأغرب من متلازمة المرآة هو في الاستماع إلى ردة فعل المرضى:

“دكتور، لماذا لا أتمكن من بلوغ القلم؟”

“هذه المرآة اللعينة تقف في طريقي”

“القلم داخل المرآة ولا أستطيع الوصول اليه!”

“آلن! أريدك أن تمسكي بالشيء الحقيقي، وليس انعكاسه، أين هو الشيء الحقيقي؟” فأجابت “الشيء الحقيقي موجود هناك في الخارج.. خلف المرآة يا دكتور.”

إنه لمن المدهش أن مجرد مواجهة مباشرة مع مرآة تضع هؤلاء المرضى في نطاق الغبش بحيث تجعلهم غير قادرين – أو مترددين – على استنباط دليل منطقي بسيط: بما أن الانعكاس إلى يميني، فإن الشيء الذي أنتج هذا الانعكاس لا بد وأن يكون إلى يساري. كما لو أن قوانين البصريات قد تغيرت عند هؤلاء المرضى، على الأقل في هذه الزاوية الضيقة من العالم. عادة ما نعتقد بأن عقولنا وعلومنا “الرفيعة” – كالقوانين التي تحكم هندسة البصريات – منيعة من أهواء المعطيات الحسية، ولكن هؤلاء المرضى يعلموننا أن هذا ليس صحيحا على الدوام، فالمسألة بالنسبة إليهم على العكس من ذلك تماما، ليس عالمهم الحسي وحده معوج، بل أسسهم المعرفية هي الأخرى مثنيّة لتستوعب هذا العالم الغريب الذي يسكنونه، ويبدو أن انتباههم الشائب متغلغل في كامل منظورهم، جاعلا إياهم عاجزين حتى عن تمييز ما إذا كان انعكاس المرآة هو شيء حقيقي أم لا، حتى وإن كان في مقدورهم الخوض في أحاديث عادية وفي مواضيع متفرقة كالسياسة، أو الرياضة، أو لعبة الشطرنج مثلي ومثلك. سؤالك هؤلاء المرضى عن “المكان الفعلي” للشيء الذي يرونه في المرآة مثل سؤالك شخصا عاديا عن ما هو الشمال في الشمال القطبي. أو ما إذا كان عددٌ أصمٌ (كجذر مربع الرقم 2 او 𝞹 مصحوبة بخيط أبدي من الكسور العشرية) هو بالفعل حقيقية أم لا. وهذا من شأنه أن يثير أسئلة فلسفية جوهرية عن مدى ثقتنا بمتانة فهمنا للواقع. فمن الممكن لمخلوق فضائي رباعي الأبعاد يشاهدنا من عالمه رباعي الأبعاد أن يعتبر سلوكنا منحرف وأخرق وعبثي بطريقة مضحكة كما ننظر نحن إلى عبثية مرضى الإهمال وهم محتجزون في عالمهم الغريب من المرايا.

 

 

 


[1] قمت بنقل الشكل من الفصل الرابع لغرض التوضيح. المترجم

[2] قابلية التشكل – المُطاوعة. المترجم

error: المحتوى محمي