مذهب الأشعري – دانييل جيمريه / ترجمة: محمد بوهلال

مذهب الأشعري – دانييل جيمريه / ترجمة: محمد بوهلال

IMG_5449

غلاف الكتاب


المقدّمة

يستمدّ هذا العرض لمذهب الأشعري مادّته من ثلاثة مضانّ: مصنّفات الأشعري القليلة التي وصلتنا، كتاب “مجرّد مقالات الأشعري” لابن فورك، ومصنّفات عقائديّة متناثرة.

ممّا صنّفه الأشعري بنفسه من مؤلَّفات غزيرة، لم يصلنا –ويا للأسف- إلاّ القليل[2]. وأثمن مصنَّف وصلنا من هذا القليل المتبقّي دون منازع “كتاب اللمع”. يشهد على أهمّيّته الشرحان اللذان خصّ بهما هذا الكتاب كلّ من الباقلاّني[3] وابن فورك، بالإضافة إلى الردّ الذي كتبه القاضي عبد الجبّار والموسوم بكتاب “نقض اللمع”[4]. حظي هذا المصنَّف المركزي –نعني “كتاب اللمع”- بنشرتين جيّدتين متقاربتي القيمة، الأولى من إعداد ريشارد ج. مكارثي ضمن كتابه “علم الكلام لدى الأشعري” (بيروت، 1953)، والثانية من إعداد حمّودة غرابة (القاهرة، 1955)[5].

ثمّة مصنّف ثان من مصنّفات الأشعري التي تمّت المحافظة عليها يتمتّع هو الآخر بأهمّيّة كبرى، هو كتاب “مقالات الإسلاميّين” الذي خصّه ريتّر بنشرة ممتازة. غير أنّ هذا الأثر لئن كان يتمتّع بأهمّيّة عالية من جهة ما يخبرنا به من مقالات كلاميّة قال بها المسلمون في العصور القديمة، فإنّه شحيح في الإخبار عن الاختيارات الشخصيّة للمؤلِّف[6]. هذه الحقيقة لا تمنعنا بطبيعة الحال -حتّى ونحن نقوم بدراسة عن مذهب الأشعري نفسه- من الإحالة المتواصلة على هذا الكتاب بخصوص كلّ ما يقوله لنا عن سياق تشكّل ذلك المذهب.

يأتي بعد ذلك “كتاب الإبانة” الذي كانت أفضل نشراته دون شكّ هي النشرة الحديثة الصادرة بدمشق (1981) [7].

من المعلوم أنّ مكارثي شكّك في نسبة هذا الكتاب إلى الأشعري، على الأقلّ في صيغته التي وصلتنا (انظر: علم الكلام، ص ص231-232). لكنّني لا أظنّ أنّ شكّه كان في محلّه. أنا مقتنع بأنّ “كتاب الإبانة” لا يتمتّع بالأهمّيّة التي أسندها إليه بعض الأشاعرة المتأخّرين مثل ابن عساكر خصوصا في كتابه “تبيين كذب المفتري” من أجل درء الانتقادات التي وجّهها إلى الأشعري متشدّدو العصر، وبأنّه لا يمثّل البتّة وصيّة الأشعري الكلاميّة وأثره الأخير كما زعمه جماعة، منهم ابن تيميّة وابن العماد[8]، وكما اعتقده على إثرهم جولتسيهر[9]، وبأنّه لا يجب أن نرى فيه غير كتاب عرضي وقع تأليفه في زمن يتعذّر تحديده بدقّة[10]، بهدف كسب ودّ الحنابلة دون جدوى، وأنّ الأشعري بسبب ذلك دون شكّ لم ير من الصالح إدراجه ضمن ثبت مؤلَّفاته الذي أورده في كتابه “العُمَد”. لكن يبدو لي أنّه لا وجه للاعتراض على كون “كتاب الإبانة” كلّه محرَّر بقلم الأشعري، كما يشهد به النقد الداخلي المستفيض. فوجوه الشَّبه القاطعة بينه وبين “كتاب اللمع” متعدّدة وبارزة. كما نعثر في كلا الكتابين على أساليب النظر والاستدلال ذاتها وعلى العبارات الأشعريّة النموذجيّة نفسها.

من ذلك الاستدلال بأنّ الله لو لم يكن في الأزل متكلّما لكان لم يزل موصوفا بخلاف الكلام من سكوت أو آفة. ولو لم يكن في الأزل عالما لكان لم يزل موصوفا بخلاف العلم من جهل أو شكّ أو آفة (الإبانة، الفقرة 19، القسم الثاني؛ قارن باللمع، الفقرتان 16 و33).

ومنها الاستدلال بأنّ الأصل الذي يُثبت أنّ الصنائع الحكميّة لا تظهر إلاّ من عالم هو نفسه الذي يُثبت أنّ هذه الصنائع لا تظهر إلاّ من ذي علم (الإبانة، نهاية الفقرة 71؛ راجع: اللمع، الفقرة 18. راجع أيضا: الإبانة، الفقرة 80).

ومنها تفسير الآية القرآنيّة “وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ” (القيامة 75/22-23) باستعراض المعاني الأربعة المحتملة لفعل “نظر”، وهي: “اعتبر” و”انتظر” و”تعطّف” و”رأى”، والذهاب إلى أنّ المعنى الأخير وحده هو المقبول في تفسير الآية (الإبانة، ص ص31-32؛ قارن باللمع، الفقرة 75).

ومنها الحجّة المعتمَدة في إثبات كلّيّة الإرادة الإلهيّة، والتي تقول إنّه لو كان يجوز أن يَحدث في سلطان الله ما لا يريده الله لكان ذلك دالاّ إمّا على سهو وغفلة منه، أو على ضعف وتقصير منه عن بلوغ ما يريده (الإبانة، الفقرات 90-92؛ قارن باللمع، الفقرات 49-51).

ومنها الصيغة التي تَعُدّ الشخص الذي إن أراد الشيء وقع منه ما أراد وإن لم يُرِدْهُ لم يقع أولى بصفة الاقتدار ممّن حاله بخلاف ذلك (الإبانة، الفقرة 86؛ قارن باللمع، نهاية الفقرة 54). أو الصيغة التي تقول إنّ الله لو حدث في ملكه شيء لا يريده لكان يكرهه، ولو كان يكرهه لدلّ على أنّه يأبى كونَه، ولكانت المعاصي من العباد شاء الله أم أبى (الإبانة، الفقرة 88؛ قارن باللمع، الفقرة 53).

ونُلفي ذات التطابق الحرفي بين الكتابين ماثلا في مسألة التعديل: لا نعلم من الله صدور القبيح لأنّه ليس فوقه من يحدّ له الحدود ويرسم له الرسوم، وليس فوقه مبيح ولا حاظر، ولا آمر ولا زاجر (الإبانة، الفقرة 99؛ قارن باللمع، الفقرة 170). كما نجده في هذه السلسلة المميّزة جدّا من الصفات التي وُسِم بها الكفر: قبيح، فاسد، باطل، متناقض (الإبانة، ص ص127، السطران 9-10؛ 139، السطران 9-10؛ 176، السطر 5؛ قارن باللمع، ص38، السطران 9-10). ونجده في حدّ التفضّل بكونه ما للمتفضّل ألاّ يتفضّل به وله أن يتفضّل به (الإبانة، الفقرة 101؛ قارن باللمع، الفقرتان 41 و166)، وفي بعض الأدلّة على خلق الأفعال (الإبانة، الفقرتان 132 و133؛ قارن باللمع، الفقرتان 100 و106)، وفي الاستدلال على أنّ المقصود بالقدريّة هم المعتزلة (الإبانة، الفقرتان 122 و123؛ قارن باللمع، الفقرتان 120 و121) وأخيرا في إثبات شرعيّة إمامة أبي بكر (الإبانة، ص ص186-187؛ قارن باللمع، الفقرات 195-198؛ الإبانة، ص ص188-189؛ قارن باللمع، الفقرات 193-194).

من جهة أخرى، أعتقد أنّ جميع وجوه الشبه تلك تقود إلى نتيجة واحدة، وهي أنّ ما يدافع عنه الأشعري في هذا الكتاب أو ذاك هو من حيث الجوهر نفس المذهب. لا جدال في أنّ الأشعري سعى من خلال تصنيفه الإبانة إلى استرضاء الحنابلة، لكنّه فعل ذلك في واقع الأمر دون أن ينكر صراحة (ونعلم أنّ ذلك لم يَفُتْهُمْ) أيّا من مبادئه الأساسيّة. اكتفى ببساطة بإضافة بعض الأمور وبحذف أخرى. ما أضافه إلى الإبانة مقارنة باللمع هو أساسا بابان يشتملان على روايات صيغت بأسلوب مماثل تماما لأسلوب البخاري وأبي سعيد عثمان الدارِمي تتعلّق بنفي خلق القرآن (الباب الرابع)[11] ثمّ بحقيقة القدر أي بخلق الله لأفعال العباد (الباب الثاني عشر)[12]. وهما أيضا البابان اللذان يثبتان صفات التشبيه: الاستواء على العرش (الباب السابع)، والكلام على الوجه والعينين والبصر واليدين (الباب الثامن). نجد أخيرا عدّة معطيات تتعلّق بالآخرة: عذاب القبر (الباب الخامس عشر)، شفاعة النبي (الباب الثالث عشر)، الحوض وشرب المؤمنين منه (الباب الرابع عشر). لكن من جانب آخر لا شيء من ذلك كلّه في الحقيقة يناقض ما نعرفه من أصول الأشعري التي نبيّنها في هذه الدراسة. ففي باب الأخرويّات لم يكن للأشعري على حدّ علمنا مذهب مغاير. وفي مسألة صفات التشبيه كانت مقالة الأشعري هي نفس مقالة أهل السنّة بحذافيرها: الإيمان بتلك الصفات كما وردت في التنزيل دون تكييف. والراجح أنّ قوله بتأويلها على المجاز لم يكن أكثر من موقف عابر (فضلا عن وصول ذلك إلينا من مصدر متأخّر نسبيّا: الأنصاري ثمّ الشهرستاني والآمدي. راجع دراستنا هذه، ص 327). أمّا نفي خلق الكلام الإلهي وإثبات خلق الله لأفعال العباد، فهما يمثّلان أصلين بارزين في مذهب الأشعري. والفارق الوحيد هنا هو أنّه في خصوص الأصل الأوّل تجنّب التنصيص في “كتاب الإبانة” على ما يقصده بالكلام، ومن ثمّ تجنّب إبراز الفرق الذي تقرّه نظريّته بين الكلام في حدّ ذاته باعتباره معنى قائما بالمتكلّم ليس بحرف ولا صوت، والألفاظ وهي عبارة عن الكلام، ولا تكون إلاّ مخلوقة. وفي خصوص الأصل الثاني سكت تماما عن نظريّته في الكسب. ولم يتناول في الإبانة مشكلة الاستطاعة التي خصّها في كتاب اللمع بكامل الباب السادس إلاّ تناولا سريعا للغاية، ونزّلها في سياق شديد الخصوصيّة هو سياق اللطف الإلهي (الفقرات 106-108)، معرضا بحكمة عن كلّ الجدل البالغ الدقّة الذي وضع أصحاب الكلام على الخصوص بعضهم ضدّ بعض في مسألة الاستطاعة هل تكون مع الفعل أم تكون متقدّمة عليه. أخيرا لا يقول الأشعري شيئا في الإبانة عن مشكلة الإيمان (قارن باللمع، الباب الثامن). وقد وردت الإشارة الوحيدة المتعلّقة بهذا الموضوع و-كانت في غاية الإيجاز- في معرض كلامه في الباب الثاني على عقيدة أهل الحقّ والسنّة، حيث ذكر أنّه يأخذ بالصيغة الحنبليّة الشهيرة: “الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص” (الإبانة، ص24، سطر 3). هل يعني ذلك أنّ صاحبنا قد تخلّى في سبيل غرضه عن مقالته المعهودة ذات الطابع الإرجائي، والتي تقول إنّ الإيمان ليس إلاّ التصديق، وإنّه لا يشمل الأفعال؟ لسنا واثقين من ذلك. ونرى في امتناعه عن العودة لاحقا إلى الموضوع، على أقلّ تقدير، علامة على غياب الاقتناع.

إضافة إلى ذلك، لا تقول “الإبانة” شيئا عن مصير المسلمين العصاة يوم القيامة، في حين خصّص الأشعري الباب التاسع من “اللمع” لهذا الموضوع متبنّيا موقفا إرجائيّا. وفي المقابل، أطنب -بدافع الاسترضاء- في تناول مسألة اللطف في الفصل الحادي عشر، بينما تناول هذه المسألة في “كتاب اللمع” (بداية الباب السابع) باقتضاب شديد. وقد غابت تماما عن هذا الكتاب مفاهيم “الهدى” و”الضلال” و”التوفيق” و”الخذلان” و”الختم” والطبع”، لكنّها حضرت بتوسّع كبير في “كتاب الإبانة”.

بإيجاز، يمكن القول إنّ “كتاب الإبانة” احتفظ من مقالات الأشعري بما كان منها خليقا بإرضاء الحنابلة، وسكت عن كلّ ما قد يثير سخطهم. هذه المعادلة –خصوصا إذا أضفنا إليها الإطراء الزائد الموجّه إلى ابن حنبل والبابين المشتملين على المرويّات السنّيّة- هي بالطبع ما يفسّر التحويل في آفاق النظر والاختلاف البارز في النبرة. لكنّ ذلك ينبغي ألاّ يضلّلنا. فليس الخيار السنّي في “الإبانة” بأكثر جذريّة منه في “اللمع”، سواء فيما يتعلّق بكلّيّة الإرادة الإلهيّة، أو بخلق الله لأفعال العباد القبيحة، أو بحرّيّة الله المطلقة في أن يفعل ما يشاء، بما في ذلك معاقبة المؤمنين ومثوبة الكافرين والأمر بالكذب، لو أراد ذلك (اللمع، الفقرتان 169 و171). بناء عليه لا نرى أيّ موجب في بحث مخصَّص لأطروحات الأشعري يمنعنا من الاعتماد على المعطيات المتوفّرة في “كتاب الإبانة” بنفس القدر من الحرّيّة والأمان اللذيْن نتعامل بهما مع “كتاب اللمع”.

أقول مثل ذلك تقريبا في النصّ المعروف لدى الناس عادة تحت عنوان “رسالة إلى أهل الثغر”. لم يكن هذا الكتاب الذي وصلنا عبر مخطوطة إسطنبول الوحيدة معروفا إلى وقت قريب إلاّ من خلال النشرة الضحلة الصادرة بتركيا سنة 1928[13]. وقد أعاد نشره للتوّ بالقاهرة في طبعة يا للأسف لا تكاد تقلّ ضحالة عن الأولى محمّد السيّد الجنيدي الذي كان فضله الأساسي هو اكتشاف النصّ الكامل من القسم الأوّل من الرسالة ضمن أحد مصنّفات ابن تيميّة (درء تعارض العقل والنقل)، ويتميّز في العديد من الجمل بصيغ مختلفة.

أثارت صحّة نسبة هذه الرسالة إلى الأشعري مشكلة أيضا[14]، سببها الرئيس تنصيص مقدّمة المخطوطة على تاريخ سنة 267[15]. لكنّ النقد الداخلي هنا أيضا، بالرغم من عدم توفيره لأمثلةِ تطابقٍ حرفي تضاهي في دقّتها الأمثلة المتوفّرة في نصَّيْ الإبانة واللمع، يرجّح أطروحة الصحّة. إذ نجد في القسم الثاني من الرسالة (حيث جرى استعراض عقائد السلف التي يزعم الأشعري هنا أنّه يأخذ بها) الفكرة الأشعريّة النموذجيّة التي تقول إنّ الله لو لم يكن في الأزل حيّا عالما قادرا إلخ، لكان بالضرورة موصوفا بضدّ هذه الصفات (ص68، سطر 1-2). وفي ص70، السطر 11، يرد كذلك تعريف أشعري نموذجي للغيريّة باعتبارها إمكانا لوجود منفصل على نحو ما (انظر هنا الصفحات 277-279) يحيلنا بالخصوص على اللمع، ص12، سطر 21 وما بعده. وفي ص 71، السطر 7 وما بعده، أورد الأشعري الدليل المستمَدّ من القرآن (السورة 16، الآية 40) المثبِت لعدم خلق الكلام الإلهي على وجه مطابق لما أورده في اللمع، الفقرة 27 (وانظر أيضا الإبانة، الفقرتان 18 و36): لو كانت الكلمة “كن” التي بها يخلق الله الأشياء مخلوقة لكانت بدورها محتاجة في خلقها إلى كلمة مماثلة، ولا مناص أن تكون هذه الكلمة إمّا غير مخلوقة أو مخلوقة. إن قدّرنا الاحتمال الثاني وجب افتراض كلمة ثالثة، ويتسلسل ذلك إلى ما لا نهاية. وفي الفقر ة الثاني عشرة يعترضنا كما هو مذكور أعلاه الأصل النموذجي المتمثّل في التعديل: يفعل الله ما يريد لأنّه مالك غير مملوك وليس فوقه موجود آمر له أو زاجر. وتتضمّن الفقرة الثالث عشرة الأصل الملحق بالتعديل، وينصّ على أنّ الحسن من أفعالنا هو ما أمرنا الله به أو أباحه لنا، والقبيح من أفعالنا هو ما نهانا الله عنه. وفي الفقرة الثامن عشرة نقرأ ضمن نفس النسق من الأفكار أنّ الله يتّصف بالعدل أيّا كانت أفعاله: فمن عدله خلقه من يعلم أنّه يكون كافرا (ومن ثمّ ملعونا)، وتركه المؤمن حيّا وهو يعلم أنّه إن أبقاه حيّا يصبح كافرا، وتعذيبه بعض العباد على الجرم المنقطع بالعذاب الدائم[16]. أخيرا، نجدا في الفقرات 24-27، بيانا مُطْنِبا للأطروحة الأشعريّة النموذجيّة التي تقرّ بأنّ عدم امتلاك الكفّار القدرة على الإيمان إنّما هو بسبب اختيارهم الإعراض عن الإيمان وإيثارهم التشاغل التامّ بضدّه وهو الكفر. فليس غياب القدرة لديهم ناجما عن عجز، ولو أبوا الكفر وأرادوا الإيمان لكانت لديهم القدرة على الإيمان (انظر بحثنا هذا، ص ص394-395).

ثمّة صعوبة يمكن أن تنجم عن إعلان الأشعري في الشطر الأوّل من الرسالة في سياق كلامه على أدلّة إثبات الصانع –وهو ما سنبحث فيه لاحقا- عن رفضه المطلق للدليل التقليدي المتعلّق بدلالة الأعراض وحدوثها، إلخ. في حين يبدو أنّه من الثابت على النقيض من ذلك اعتماد الأشعري على هذا الدليل في مواضع أخرى (انظر بحثنا هذا، ص ص219-221). لكنّ هذا الأمر في نظرنا لا يتضارب مع مبدإ صحّة نسبة الرسالة إليه. فمن الجائز أن يكون الرجل قد غيّر رأيه في هذه المسألة، وهو ما حدث مرارا من جهته. أو قد يكون رأى من المفيد في هذه الرسالة التي أراد أن يُظهر فيها كما فعل في “الإبانة” ولاءه للحنابلة ويستدعي فيها بقوّة سلطة السلف[17] (وهو ما يفسّر بلا شكّ بقاءها وعدم تعرّضها للتلف) أن يتخلّى مؤقّتا –وهذا عندنا هو الافتراض الأرجح- عن هذه الطريقة في الاستدلال التي أخذها كما هو واضح عن شيوخه من أهل الاعتزال (يُنسب دليل الأعراض إلى أبي الهذيل). هذا بالإضافة إلى (Du reste) أنّ الدليل الذي يستعمله هنا (التحوّلات الظاهرة التي تطرأ على الجسم مع الاستشهاد بالآيات 12-14 من سورة المؤمنون) يثير مباشرة الدليل الوارد في اللمع (الفقرتان 3-4)[18].

تلك هي إذن، بترتيب تنازلي بحسب الأهمّيّة، النصوص الرئيسيّة الثلاثة: اللمع، الإبانة، الثغر. ينضاف إليها النصّ الوجيز ذو الأهمّيّة المحدودة جدّا المُعَنْوَن بـ”مسألة في الإيمان” والذي نشره وترجمه منذ أزيد من القرن و. سبيته[19]، وبصفة خاصّة الرسالة المتميّزة جدّا التي طُبِعت في البداية عدّة طبعات تحت عنوان “رسالة استحسان الخوض في علم الكلام” (الطبعة الأخيرة تعود إلى مكارتي ضمن كتابه “علم الكلام”)، ثمّ أعيد طبعها على يدي ريشارد فرانك طبعة حديثة جدّا[20]، تمّ إثبات كونها ليست سوى “رسالة في الحثّ على البحث” التي ذكرها ابن عساكر في كتابه “تبيين”؛ يؤيّد ذلك ورود النصّ الكامل للرسالة تحت هذا الاسم في كتاب الغنية لأبي القاسم الأنصاري[21].

ولئن طُرحت فيما مضى مشكلة صحّة نسبة هذه الرسالة على يدي جورج مقدسي[22]، فإنّ المسألة لم تعد تستحقّ الطرح من جديد لأنّ بداهة نسبتها أصبحت صارخة[23].

مصدري الثاني هو “مجرّد مقالات الأشعري” لابن فورك الذي أسعفني الحظّ باكتشافه ونشره منذ سنوات خَلت. إنّه بحقّ مصدري الأهمّ الذي لا يدانيه مصدر آخر. فمن دونه لم يكن لبحثي هذا أن يرى النور بكلّ تأكيد.

ثمّة مسألتان يمكن طرحهما بشأن كتاب المجرّد. الأولى: هل الكتاب هو بالفعل من تصنيف ابن فورك؟ والثانية: إن كان من تصنيفه هل كان أمينا فيما رواه من آراء الأشعري؟

في خصوص المسألة الأولى نتذكّر أنّ مخطوطة المدينة تترك في النفس رغم كلّ شيء بعض الشكّ من جهة ما صرّحت به بصورة قاطعة من أنّ مؤلّف الكتاب هو أبو بكر محمّد بن الحسن بن المبارك، وذلك بالرغم من أنّ عددا كبيرا من الأسباب الشرعيّة تحمل على الاعتقاد بأنّ الناسخ ارتكب هنا تصحيفا، وأنّه يجب في الواقع أن نقرأ “ابن فورك”[24]. يمكنني الآن بحمد الله تقديم البرهان القاطع على أنّ ما كان إلى حدود اليوم مجرّد أمر مرجّح جدّا هو في الحقيقة أمر صحيح تماما. وفّر لي هذا البرهانَ المتكلّم الماتريدي أبو إسحاق الصفّار البخاري (ت534هـ/1139م) في كتابه “تلخيص الأدلّة لقواعد التوحيد” (لندن، مجموعة المكتبة البريطانيّة، 27526). فقد استشهد الصفّار في ثلاثة مواضع من كتابه بمقاطع مختلفة من المجرّد (الذي يسمّيه كتاب المقالات) في موضوع القيامة استشهادا مطابقا للأصل كلمة بكلمة تقريبا ناسبا المقاطع صراحة في كلّ مرّة إلى ابن فورك[25].

أمّا السؤال الثاني فهو بلا شكّ أكثر دقّة، لكنّه هو أيضا يستدعي جوابا إيجابيّا. مبدئيّا، من الصعب الظنّ بابن فورك سوء الفهم لآراء الأشعري. فبحكم انتمائه إلى الجيل الثاني من المتكلّمين الأشاعرة (بحسب سجلّ طبقاتهم في كتاب ابن عساكر “تبيين”)، وبحكم تَتَلْمُذِهِ، مثل معاصرَيْه الباقلاّني وأبي إسحاق الإسفراييني، على أبي الحسن الباهلي الذي كان بدوره أحد أبرز تلاميذ الأشعري المقرّبين، أصبح يتمتّع على نحو خاصّ بسمعة عالية من حيث الإحاطة بما يتّصل بحياة الشيخ وآثاره وعقيدته. أذكّر بأنّه هو من كتب ترجمة الأشعري التي أحال عليها ابن عساكر في “تبيين” مرّات عديدة. وبأنّ ابن عساكر هذا استمدّ منه أيضا كشفا بالمؤلّفات الشخصيّة التي أدرج الأشعري ذكرها في كتابه “العُمَد” سنة 320، والقائمة التكميليّة التي تلتها في السنوات 320-324. ويُنْسَب إليه مصنَّف يقارن فيه بين آراء الأشعري وآراء ابن كلاّب، ومصنَّف آخر يقارن فيه على الأرجح بين آرائهما وآراء القلانسي[26]. علاوة على ذلك، تشهد بهذه المعرفة اللصيقة بآثار الأشعري إحالات “المجرّد” الغزيرة التي تكشف عمّا لا يقلّ عن ثلاثين عنوانا من مؤلّفات الأشعري[27].

من جانب آخر، ما إن نفتح كتاب “المجرّد” حتّى يصبح في غير مقدورنا ألاّ نُعجَب ولا نمتلئ ثقة بعناوين الفصول التي تبيّن بانتظام آراء الأشعري (“بيان مذاهبه”، “إبانة مذاهبه”) في هذه المسألة أو تلك، وبتواتر عبارات مثل “كان يقول”، “كان يذهب إلى”، كان يُجيب”، وغيرها من الصيغ المماثلة. من الواضح أنّ الكاتب لا ينمّق الكلام ولا يصوغه من عنده، وإنّما يروي سلسلة من المقالات مكتفيا بإخضاعها لترتيب معيّن، والسؤال الوحيد الذي يمكننا طرحه هنا هو: هل يتعلّق الأمر بنقل حرفي أم بتصرّف[28]؟

إلاّ أنّه لا مانع مع ذلك من أن نتخيّل أنّ ابن فورك قد يكون حرّف بطريقة ما فكر الأشعري: إمّا بالإفراط في إضفاء النسقيّة عليه، أو بإبراز بعض جوانبه على حساب بعض، أي -كما يحلو للمعاصرين التعبير عنه- بفرض “قراءة” معيّنه له. فهو نفسُه يعلن في افتتاحيّة الكتاب أنّه يتعهّد بجمع ما وجده متفرّقا من آراء الشيخ في كتبه، ولا يخفي أنّه قد عرض له في بعض المواضع أن يخمّن ما يُفهم ضمنيّا من آراء الأشعري أو ما يُستنتج منه منطقيّا، فيقدّمه للقارئ على أنّه مذهبه. فقد كان ابن فورك يملك بوضوح تصوّرا معيّنا لمذهب الأشعري وأصوله الكامنة يقدّر على أساسه تطابق هذا الرأي أو ذاك مع تلك الأصول أو كون هذا الرأي أكثر تطابقا معها من ذاك[29].

في حقيقة الأمر، لا أرى في ذلك ما يبعث على القلق. فالوسيلة الأولى لاختبار صدقيّة ابن فورك هي بطبيعة الحال مقارنة الآراء الواردة في المجرّد بالآراء المعلنة في اللمع أو الإبانة. غير أنّه في جميع مسائل المذهب الأساسيّة -حقيقة الصفات المعنويّة، كلّيّة الإرادة الإلهيّة، رؤية لله، خلق الله لأفعال العباد وكسب العباد لها على الحقيقة، نفي كون قدرة العبد سابقة للفعل، اختصاص القدرة بفعل واحد، حقيقة القضاء والقدر، تحديد الآجال والأرزاق، وجوب العدالة الإلهيّة أيّا كانت أفعال الله، القول في حدّ الإيمان إنّه تصديق، تعذّر البتّ في مصير المؤمنين العصاة يوم القيامة- لا نعثر على أيّ تباين يستحقّ الذكر (عدى كون بعض هذه المسائل -كما رأينا من قبل- وقع تغييبها في الإبانة). أكثر من ذلك، يمكن أن نلاحظ في أكثر من موضع من المجرّد تشابها واضحا يبلغ درجة التطابق الحرفي إلى حدّ ما مع هذا المقطع أو ذاك من اللمع، وحتّى من الإبانة. من ذلك بالخصوص: المجرّد، ص75، سطر 8-9 (في حدّ التمنّي، قارن باللمع، ص30، سطر 8-9)؛ المجرّد، ص80، سطر 10 (قارن باللمع، ص35، سطر 1-2)؛ المجرّد، ص85، سطر 4-5 (قارن بالإبانة، ص38، سطر 7-8)؛ المجرّد، ص94، سطر 15-16، ص95، سطر 11-12 (قارن باللمع، الفقرة 85)؛ المجرّد، ص97، سطر 12-13 (“إن كان الشرّ من الله تعالى”، قارن باللمع، الفقرة 107)؛ المجرّد، ص102، سطر 14 (“في حدّ التفضّل”، قارن باللمع، الفقرتان 41 و166)؛ المجرّد، ص103، سطر 4-7 (قارن بالإبانة، الفقرة 135)؛ المجرّد، ص103، سطر 7-9 (قارن بالإبانة، الفقرة 143)؛ المجرّد، ص104، سطر 3-16 (قارن بالإبانة، نهاية الفقرة 139)؛ المجرّد، ص125، سطر 8 (“كلّ ما فعل فله أن يفعل”، قارن باللمع، ص71، سطر 13)؛  المجرّد، ص142، سطر 13 (قارن باللمع، ص71، سطر 8)؛ المجرّد، ص143، سطر 10-12 (“إذا جوّزت أن يأمر بالكذب، فجوّز أن يكذب” قارن باللمع، الفقرة 172)؛ المجرّد، ص154، سطر 7-9 (قارن باللمع، الفقرة 181)؛ المجرّد، ص154، سطر 12-13 (قارن باللمع، الفقرة 183)؛ المجرّد، ص154، سطر 14-17 (قارن باللمع، الفقرة 184).

بالإضافة إلى ذلك، يجب أن نضع في الاعتبار أنّ علاقة ابن فورك بآثار الأشعري كانت شديدة الاختلاف عن علاقتنا بها. فنحن نولي أهمّيّة كبرى للمع والإبانة لأنّهما يمثّلان النتف القليلة التي حفِظها لنا التاريخ، بينما كانا بالنسبة إلى ابن فورك مجرّد مصنَّفين من ضمن مائة مصنّف آخر، لعلّ بعضها، مثل “الموجز” أو “النوادر” كان يبدو له أجدر بالاهتمام، وكان على أيّة حال يستشهد به في مناسبات أكثر. لم يمثّل كتاب اللمع أبدا غير فترة من فكر الأشعري، كتبه في ظرف ما (لا نعرفه) ولجمهور ما؛ وهو ما ينطبق بالأحرى على الإبانة وعلى رسالة الثغر. وبالتالي سيكون في العمق اختيارا منهجيّا غير موفَّق أن نحكم على أهمّيّة المجرّد بناء على مقارنته بتلك المؤلّفات المحدودة. على العكس من ذلك، يجب أن نعتمد في تحديد مكانة العدد القليل من المؤلّفات الأصليّة المتبقّية من كتب الأشعري وتقدير أهمّيّتها على العرض الشامل لفكره الذي تضمّنه المجرّد.

بناء على ذلك سيكون من الطبيعي ألاّ نرى، في انعدام الإشارة في تلك المؤلّفات القليلة الباقية إلى النظريّة التي تقول إنّ الكلام هو “معنى قائم بالنفس”، ما يسمح لنا بالتشكيك في تبنّي الأشعري فعلا لهذه النظريّة، وهو أمر علمناه من طريق الشهرستاني (الملل، ص154، السطر 7)، وأكّد لنا بغزارة ابن فورك. ولئن ذهب الأشعري في اللمع إلى أنّ العجز الواحد هو، على العكس من الاستطاعة، عجز عن الضدّين (راجع: اللمع، الفقرات 13-139)، فإنّنا نعرف الآن أنّ مذهبه النهائي في هذه المسألة هو غير ذلك تماما (كما أخبر به هو نفسه في ثبت مؤلّفاته، رقم 56، هنا، ص ص150-153). والأمر نفسه ينطبق على مسألة “تكليف ما لا يطاق”: فالتمييز القائم في اللمع (الفقرات 134-135 و137-138) بين تكليف التارك، باعتباره أمرا جائزا، وتكليف العاجز، باعتباره غير متصوَّر، لا يعبّر عمّا يذهب إليه الأشعري غالبا في المسألة من مذهب يتّسم بصرامة أكبر من ذلك بكثير (راجع: هنا، ص ص437-439).

إلاّ أنّ ما قد يحملنا أكثر على الشكّ في دقّة ابن فورك إنّما هو التباينات التي تظهر في بعض المواضع بين ما يرويه هو وما يرويه مؤلِّفون آخرون في خصوص بعض المسائل من المذهب الأشعري. من ذلك تأكيده أنّ الأشعري لا يذهب إلى أنّ الاسم هو المسمّى (المجرّد، ص38، السطر 17-19)، إلاّ أنّ قراءة ما كتبه البغدادي ثمّ الجويني يُظهر أنّ الأشعري يقرّ بذلك في أحسن الأحوال مع إضافة بعض القيود (راجع: هنا، ص ص351-352). ومنها زعم ابن فورك أنّ الأشعري يذهب إلى أنّ العلم الواحد القائم بالإنسان يجوز أن يتعلّق بمعلومات كثيرة، في حين يذهب الأنصاري إلى أنّ المشهور من مذهب الشيخ هو أنّ العلم المحدَث الواحد لا يتعلّق إلاّ بمعلوم واحد (راجع: ص ص165-166). ومنها زعم ابن فورك أنّ الأشعري لم يكن يميّز بين عَرَضَيْ المماسّة والمجاورة، في حين أكّد الباقلاّني فيما استشهد به عنه الجويني، عكس ذلك (راجع: ص ص118-119). وفي خصوص الصوت، مقتضى مذهب الأشعري، حسب المجرّد، أنّه “معنى واحد لا ينكر أن يحدث في جزء واحد” (راجع: مجرّد، ص68، السطر 12-13)، في حين يرى الجويني مستشهدا بابن فورك ذاتِهِ هذه المرّة! أنّ مذهب الشيخ في الصوت أنّه اصطكاك جوهرين اثنين (راجع: ص ص124-125). لكنّنا ندرك في الحال أنّ هذه الاختلافات لا تترتّب عليها سوى فروق ضئيلة تتعلّق بمسائل “فنّيّة” بالغة الدقّة لا تضع بتاتا اختيارات الأشعري الأساسيّة موضع تساؤل. من الجائز أن يكون مردّ الاختلاف في هذه المسائل القليلة إلى أنّ ابن فورك قد يكون تغافل عن التنصيص على جملة الآراء التي قال بها الأشعري في شأنها على التوالي (أو بالتزامن). ذلك أنّ الأشعري لم يفتأ يغيّر من آرائه، وهذا في حقيقة الأمر ما لم يخفه ابن فورك، بل إنّه على العكس من ذلك، أشار في حوالي العشرين موضعا من المجرّد إلى اختلاف قوله (راجع مثلا: مجرّد، ص11، السطر 13-17؛ ص17، السطر 11؛ ص28، السطر 13-16؛ ص29، السطر 1-6؛ ص43، السطر 6-9؛ ص93، السطر 20-25). فمن الجائز أن يكون ابن فورك قد رأى من غير المفيد في هذه الحالات بالذات أن يشير إلى اختلاف أقوال الشيخ، أو قد تكون أقواله في بعض النصوص المهمّة فاتته رغم تصفّحه لمؤلّفات الشيخ واستقرائه المنهجي لمحتوياتها[30]، وسجّلها غيره، أو تداركها بنفسه لاحقا، إضافة إلى كون تلك الاختلافات لم تسجَّل إلاّ في بعض المواضع النادرة، وهي على النقيض ممّا قد يُظَنّ، لا تستطيع أن تحجب حقيقة كون معطيات المجرّد في معظم الأحيان تتقاطع بشكل تامّ مع ما تمدّنا به كتب العقائد المتأخّرة من معطيات.

قد تكون اختلافات ابن فورك المتعدّدة مع المسمّى “الضبّي”[31] أدعى بالأحرى إلى القلق، إذ تعهّد ابن فورك في الفصل الأخير (بالإضافة إلى الفصلين الخامس والسادس) بتصويب مع اعتبره أخطاء تأويليّة شنيعة لدى الضبّي. صحيح أنّه بصرف النظر عن كلّ اعتبار، لا شيء يمنعنا من افتراض وقوع سوء الفهم من الجانب الآخر. لكن في نهاية الأمر، إذا كان علينا الاختيار بين هذا “الضبّي” المجهول لدينا بالكلّيّة وابن فورك، فإنّ التفكير السليم يفرض علينا على ما يبدو لي تفضيل الثاني.

ثمّة مسألة أخيرة يمكننا إثارتها، وهي ما إذا كان ابن فورك ينقل بوفاء، لا أفكار الأشعري فحسب، بل لفظه وعبارته أيضا؛ وهل يُدخل بالمناسبة في لغة الشيخ مصطلحات أحدث (كما سيفعله الشهرستاني في مواضع دون أخرى) أو أكثر قبولا بين العلماء؟ بصراحة، لا أعتقد أنّ ذلك قد حصل. فمن المجرّد إلى اللمع نجد اللغة ذاتها مستعملة هنا وهنا. الفرق الوحيد هو ما يحصل لنا من انطباع بأنّ المجرّد يتميّز بكثافة أكبر، والسبب في ذلك راجع إلى أنّه -باستثناء بعض الحالات النادرة- لم يتضمّن أيّ استدلال أو مراوحة بين سؤال وجواب، كما نعهده في كتب علم الكلام العاديّة، ويكتفي بالتصريح بالمقالات.

بإيجاز، لا أرى ما يمكن أن يمنع القارئ من أن يثق ثقة تامّة بابن فورك. بناء على ذلك، إذا كان ما يقوله المجرّد صحيحا، فيا له من توسيع خيالي لآفاقنا! وكم تظهر متواضعة من حيث الكم تلك المعطيات الهزيلة التي يتضمّنها اللمع أو الإبانة، وإن كانت في ذاتها لا يُستهان بها! الآن يتجلّى لنا مجموع “النسق الأشعري” في حجمه الكامل. كلّ مسائل العالميّات (أحكام الجواهر، أحكام الأعراض، نظريّة الحركة، حقيقة الروح، المدارك، أقسام الاستدلال، إلخ.)، وكلّ مسائل جليل الكلام المهمّة التي أعرض عنها كتاب اللمع: شرح معاني أسماء الله الحسنى، حكم الكلام الإلهي، نقض نظريّة التولّد، نظريّة النبوّة، نظريّة الإمامة، تصوّرات الأشعري في باب أصول الفقه، التحليلات المطوّلة نسبيّا في باب قواعد الجدل، دون أن نذكر كتلة المعلومات الإضافيّة المتعلّقة على سبيل المثال بمفهومي القدرة والعجز، ومسألة الإلزام بما لا يُقدَر عليه، ودلالة بعض المصطلحات مثل “الترك” و”الضدّ” و”الغير”، وحدّ الإيمان، إلخ. فبفضل المجرّد، يمكننا اليوم أن نتكلّم عن الأشعري ونحن على علم حقّا بما نتكلّم فيه[32].

أخيرا، مصدري الثالث هو كتب العقائد المتناثرة. لست أتعهّد هنا بتعدادها كافّة. بالإضافة طبعا إلى الفصل المتميّز جيّدا المخصّص للأشعري من كتاب الملل للشهرستاني، نذكر المصنّفات الأكثر ثراء من جهة ما يتّصل بموضوعنا: البغدادي (“الأصول” و”تفسير أسماء الله”)، الجويني (خاصّة “الشامل”، و”البرهان”)، أبو القاسم الأنصاري (“الغنية” و”شرح الإرشاد”)، البزدوي (“الأصول”)، أبو المعين النسفي (تبصرة الأدلّة)، الآمدي (“الأبكار” وكذلك “الإحكام”). ولكن يوجد كمّ آخر من النصوص التي تتتضمّن هنا وهناك بعض المعلومات الثمينة، مثل هذه الصفحة أو تلك من “الإعجاز” للباقلاّني ومن “البيان” للسِّمْناني ومن “الكافية” على حاشية الجويني ومن “التلخيص” للصفّار، إلخ. لا أستبعد طبعا احتمال وجود مصنَّفات عقديّة أخرى علينا اكتشافها ما تزال قابعة في مخطوطات لم تُفحَصْ بعدُ. أحسَب أيضا أنّه يمكنني الإفادة أحيانا من بعض المصنّفات التي لم يظهر فيها اسم الأشعري، إلاّ أنّها رغم ذلك بدت لي في بعض المسائل عاكسة بصورة صحيحة لفكره، من ذلك أذكر بالخصوص “كتاب النظامي” للفوركي.

لن ألحّ على أهمّيّة النتائج التي يمكن أن نستخلصها من مثل هذه الدراسة؛ فهي تساعدنا بلا شكّ على التصحيح الدقيق للصورة التي كنّا نحملها حتّى الآن عن الأشعري.

أوّلا ستصبح هذه الصورة بفضل الإضافة التي لا تقدَّر بثمن للمجرّد، -إن جاز لي القول- أكثر توازنا. فلم يكن الأشعري مجرّد مطوّر لعدد من المقالات الكلاميّة الأساسيّة (أحكام الصفات الإلهيّة، نظريّة الكسب، أصل التعديل، حدّ الإيمان، إلخ.)، بل كان أيضا متكلّما تامّ الصفات كما ينبغي للمتكلّم أن يكون، وكما كان عليه في عصره بطبيعة الحال كلّ متكلّم يمتلك مذهبا خاصّا، لا في المسائل الكلاميّة الكبرى فقط، ولكن أيضا في مسائل أخرى من نوع علل وقوف الأرض، وعدد الأجزاء اللازمة لتكوين جسم من الأجسام، وفيما يراه النائم في منامه، وفيما يُرى في المرآة، إلخ.

بعد ذلك يمكننا أن نقيس –وهذا لا يتناقض مع ما أثبتناه أعلاه- إلى أيّ حدّ كان الأشعري متجذّرا ومندمجا في تاريخ علم الكلام. في واقع الأمر، لا يسعنا فهم الأمور على خلاف هذا الوجه… لكنّنا كثيرا ما نسهو عن ذلك.

فثمّة ضرب من الصور التي جاءتنا من ابن عساكر والسبكي ونلحظها لدى عدد لا بأس به من مسلمي اليوم، تُخيِّل لأصحابها أنّ الأشعري لم يكن منذ البداية سوى سلفي تقي، متناسية أنّه كان طيلة أزيد من عشرين سنة تلميذا للجبّائي بمعيّة أبي هاشم، وأنّه أيضا مؤلّف “كتاب المقالات”. سنرى أنّ الأشعري في عدد من مقالاته لا يفعل أكثر من استعادة مقالات شيخه الجبّائي أو مقالات البلخي أو النجّار أو حتّى مقالات ابن الراوندي والصالحي وأبي معاذ التومني وأبي جعفر الإسكافي، إلخ.

أخيرا يُتوقّع من هذه الدراسة أن تضع حدّا نهائيّا للخرافة (الصادرة هي أيضا من ابن عساكر وآخرين) التي تقول إنّ الأشعري وقف من الناحية المذهبيّة موقفا وسطا[33]. سنرى أنّ الأشعري كان في العديد من النواحي، في واقع الأمر، مفكّرا جذريّا، يأخذ بالموقف الأقصى، ولا يخشى أن يحدث ضجّة، غير آبه بالدفع بآرائه السنّيّة حتّى النهاية وإلى درجة الاستفزاز، غير متردّد في القول مثلا باسم كلّيّة الإرادة الإلهيّة، إنّ الله ليس فقط مريدا للكفر والمعاصي من العباد، بل محبّا لها راضيا بها، وأنّ الله باسم أصل التعديل يجوز له إن أراد أن يعاقب المؤمنين ويثيب الكافرين[34]، وأن يأمر بالكذب، بل وأن يوجب عليهم فعل ما هو مستحيل في ذاته، كالجمع بين الأضداد. ولم يتردّد، على خلاف ابن كُلاّب، في القول إنّ “الشرّ من الله” (انظر هنا، ص379)، أو أن يصف صفات الله صراحة بكونها قديمة (راجع: شرح، ص183، السطر 7-11). وجرؤ على القول إنّ الله يجوز عليه، لا أن يُرى فقط، بل أيضا أن يُلمس ويُذاق ويشمّ على نحو ما (راجع: المجموع، ج1، ي207، السطر 8-11).

سوف نرى أيضا أنّ الأشعري لمّا كان بصفة عامّة منساقا إلى الحلول البسيطة الواضحة والقواعد المطّردة الخالية من الاستثناءات، لم تكن التشقيقات التي أغرق فيها متكلّمون آخرون بحكم انشغالهم أكثر منه بالفروق، تشدّ انتباهه في أغلب الأحيان.

كان الأشعري بلا نزاع، بفضل امتلاكه عقلا قويّا وجريئا وكونيّا (على طريقته)، ندّا لشيخ مثل الجبّائي؛ وكان، من زاوية نظر أخرى، ندّا لمفكّر مثل ابن سينا. فقد منح التسنّنَ مذهبا تامّا متناسقا منمّطا بدرجة عالية. وصرنا اليوم ندرك بصورة أوضح لِمَ بلغت شهرته هذه الدرجة من العلوّ، ولِمَ كان ينتسب إلى مذهبه عبرَ القرون هذا العددُ الكبير من الرجال.

 

 


حاشية

1- مثلما رأينا من قبل، أستعمل عبارة “أشعري” في وصف ما يتعلّق بالأشعري ذاته، وأستعمل عبارة “أشعري” في وصف ما يشترك فيه المنتسبون إلى مدرسة الأشعري.

2- يحدث أن أتكلّم هنا وهناك عن المتكلّمين “المتقدّمين” أو عن “عصر المتقدّمين”. أعني بهذه العبارات التي لا تكاد ترضيني لكنّني أستعملها لأنّها العبارات التي كان ابن خلدون قد استعملها، ما عنى صاحب المقدّمة[35]: مجمَل الفكر الكلامي السابق لعصر ابن سينا والمتميّز بعدم تأثّره بعدُ بالفلسفة.

3- عنوان القسم الثالث من هذا الكتاب هو “الله والقدر الإنساني”. من خلال هذا العنوان الذي بدا لي في حدّ ذاته مناسبا للغاية، أردت أن أعبّر عن تقدير ضمني للويس ماسينيون الذي تدين له الدراسات الفرنسيّة في علم الكلام الإسلامي بالكثير.

4- كما جرت به العادة، أستعمل في كتابة الكلمات العربيّة باللاتينيّة طريقة الكتابة المسمّاة “كونيّة” (راجع: بريجه، علم الإسلاميّات، بيروت، 1957-1963، ص ص8-10).

5- كلّ إحالة تَرِدُ بين قوسين مسبوقة بعبارة “راجع، ص أو ص ص” فإنّها تحيل على كتابنا هذا الذي بين يديك.

[1]  اعتمدنا في ترجمة هذا الكتاب على الطبعة الفرنسيّة التالية:

Daniel Gimaret, La doctrine d’al-Ash’arî, les éditions du Cerf, Collections Patrimoines, Paris, 2007.

[2]  حاولنا في مقالنا “وثيقة…” ص ص188-193، تفسير أسباب هذا الضياع.

[3]  كان “شرح اللمع” للباقلاّني الأساس الذي بنى عليه الجويني لاحقا كتابه “الشامل”.

[4]  كان هذا الكتاب لاحقا موضوع نقض بدوره على يدي الباقلاّني في كتابه “نقض النقض”. حول ذلك كلّه، انظر: “وثيقة…”، ص ص186-187.

[5]  بالرغم من أنّ نشرة غرابة توفّر بلا جدال في بعض القضايا نصّا أفضل ممّا توفّره نشرة مكارثي، فإنّني سأظلّ أحيل في هذا الكتاب على نشرة مكارثي.

[6]  لا تظهر اختيارات المؤلّف بشكل صريح إلاّ في موضعين من الكتاب: في نهاية عَرْضه لعقيدة أصحاب الحديث (ص297، سطر 7-8)، وفي تعريفه للاكتساب (ص542، سطر 7-8). ويمكن أن نضيف إليهما ما نسبه إلى “أهل الحقّ” (انظر: ص472، سطر9؛ ص539، سطر3)، وكذلك إلى “أهل السنّة والاستقامة” (انظر: ص3، سطر7؛ ص455، سطر11؛ ص473، سطر 10 و13؛ ص474، سطر5 و9؛ ص475، سطر6).

[7]  عن مكتبة دار البيان. نُسبت هذه النشرة كما ورد على صفحة الغلاف إلى عبد القادر الأرناؤوط، لكنّ صاحبها في الحقيقة -إن صدّقنا ما جاء في المقدّمة- هو بشير عيون، وساعده فيها حسن السماحي. أمّا الأستاذ الأرناؤوط فلم يتدخّل إلاّ في تخريج الأحاديث التي استشهد بها الأشعري. وبحسب كلام بشير عيون، أُنجِزت هذه النشرة غير المحقَّقة بتجميع النشرات السابقة فقط. غير أنّها على أيّة حال أُعِدّت بطريقة بالغة الذكاء، وتَفضُل على نحو بعيد التحقيق المزعوم لنشرة السيّدة فوقيّة حسين محمود (القاهرة، 1397/1977) المخلّة على نحو مقيت وغير الصالحة للاستعمال.

[8]  انظر مقالنا “ببليوغرافيا الأشعري”، ص278.

[9]  وهو ما يؤكّده أيضا بشير عيون في مقدّمته (ص4، سطر 20 و24). وفي هذا –وهو أمر غريب- يتناقض عيون صراحة (متّفقا مع رأي الشيخ الكوثري، انظر: “تبيين”، ص392، الهامش) مع مؤلِّف ترجمة الأشعري الواردة مباشرة بعد المقدّمة، وفيها عدّ الإبانة أوّل كتاب صنّفه الأشعري بعد تركه الاعتزال وانتقاله إلى التسنّن (ص11 سطر 19-20).

[10]  انظر في هذا الشأن: ألاّر، الصفات، ص ص52، 91-92، 250-251. إلى حدود الوقت الذي أكتب فيه هذه الأسطر (مارس 1989)، ما زلت لم أتمكّن من الاطّلاع على دراسة فرانك “عناصر في تطوّر تعاليم الأشعري” التي ستُنشر في مجلّة (Le Muséon) والتي نتوقّع وقوفها بالتفصيل على هذه القضيّة. وعلى أيّة حال، يَعُدّ فرانك ّالإبانة” من “الأعمال المبكّرة للأشعري (انظر مجلّة  (MIDEO)، العدد 18، السنة 1988، ص124، هامش 5).

[11]  في الأصل (الباب الخامس)، وهو خطأ، والصواب ما أثبتنا (المترجم).

[12]  نذكّر بأنّ الفصل المتعلّق بهذه المسألة في اللمع جاء تحت عنوان: “باب الكلام في القدر”.

[13]  (Ilahiyat Fakültesi Mecmuasi)، إسطنبول، 8، 80-108.

[14]  راجع في هذه المسألة: ألاّر، الصفات، ص ص53-58؛ فرانك، “تصوّر الأشعري للطبيعة ودور النظر العقلي في علم الكلام”، ضمن أشغال المؤتمر السادس للدراسات العربيّة والإسلاميّة، فيسبي-ستوكهولم، 1972، 148، عدد 6؛ أخيرا مقالنا “ببليوغرافيا الأشعري”، ص ص271-273.

[15]  لا يبدو لي التأكيد الواثق من الجنيدي أنّ المسألة لا تعدو زلّة قلم من الناسخ، وأنّه يجب أن نقرأ في الواقع 297 (وهي فرضيّة اقترحها قبله ألاّر) حلاّ مقنعا للإشكال.

[16]  يجب أن نقرأ ما ورد ص82، سطر 7-8، على النحو التالي: “وتعذيبه لهم على الجرم المنقطع بالعذاب الدائم”. قارن باللمع، ص71، سطر 7-8.

[17]  انظر مقالنا: “ببليوغرافيا الأشعري”، ص ص273-274. نلاحظ هناك أيضا أنّ الأشعري أخذ بالمفهوم الحنبلي للإيمان: “الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية”. رسالة إلى أهل الثغر، ص93، سطر 5.

[18]  يمكننا أن نلاحظ أيضا ورود المبدإ التالي في الرسالة: “كلّ متغيّر لا يكون قديما”، وهو قريب ممّا ورد في اللمع، ص7، سطر 10: “القديم لا يجوز… تغيّره”.

[19]  انظر مقالنا: “ببليوغرافيا الأشعري”، ص270، ص274. وانظر بحثنا هذا، ص417، الهامش9، ص472.

[20]  “كتاب الحثّ على البحث للأشعري”، مجلّة (MIDEO)، العدد 18، 1988. انظر مقالنا: “ببليوغرافيا الأشعري”، ص ص269-270، 274-276.

[21]  أقول ذلك بالرغم من أنّ الصيغة التي احتفظ بها كتاب الأنصاري من الرسالة تختلف بشكل ملموس في مستوى التفاصيل عن الصيغة المحفوظة في المخطوطات. تضع الطبعة المحقَّقة التي أنجزها فرانك تحت نظرنا (فيما عدى بعض المقاطع المتماثلة) النصّ المضمَّن في الغنية (العمود الأيمن) قبالة الصيغة الأخرى (المستندة إلى النشرة القديمة الصادرة بحيدر آباد وإلى مخطوطتين). لكنّ هذه الطريقة في العرض التي لم يكن بالإمكان، دون شكّ، تجنّبها طريقة غير مناسبة. لذلك سأستمرّ من جهتي الإحالة، تحت اسم “الحثّ” أو “رسالة الحثّ”، على طبعة مكارتي، مع التنبيه عند الاقتضاء على الاختلافات بينها وبين طبعة فرانك.

[22]  راجع: مجلّة (Studia Islamica)، العدد 18، 1963، ص21 وما بعدها.

[23]  انظر بهذا الخصوص بحث فرانك “العناصر”، الذي سيظهر قريبا بمجلّة (Le Muséon).

[24]  انظر: “وثيقة…” ص ص195-197.

[25]  1- الصفّار، 21ب، سطر 9-11: “وحكى محمّد بن الحسن بن فورك الإصبهاني في كتاب المقالات عن الأشعري أنّه قال: يجوز أن يعاد المجانين ويجوز ألاّ يعادوا، قال: وكذلك من لم تبلغه الدعوة يجوز أن يعاد يوم القيامة ويجوز ألاّ يعاد. قارن بالمجرّد، ص149، سطر 9-11: “ولذلك كان لا يقطع بإعادة المجنون والبهائم ويقول: جائز أن يعاد فيدخل الجنّة وألاّ يعاد (…) وكذلك كان يقول فيمن لم تبلغه الدعوة”.

2- الصفّار، 92أ، سطر 10-13: “وقال أبو الحسن الأشعري: يجوز أن يعاد فيدخل الجنّة ويجوز ألاّ يعاد. قال: والأمر في ذلك موقوف حتّى يثبت شرعا، مع أنّه رُويت أخبار في حشرها وأنّه تُغيَّر خلقتها فتدخل الجنّة. هكذا حكى ابن فورك عن الأشعري في كتاب المقالات”. قارن بالمجرّد، ص145، سطر 10-14: “ويقول: جائز أن يعادوا فيدخلوا الجنّة وألاّ يعادوا، والأمر في ذلك موقوف على ما يثبت سمعا وشرعا (…) مع أنّه قد رُويت أخبار في حشر البهائم وأنّه تُغيَّر خلقتها فتدخلون الجنّة”.

3- الصفّار، 94ب، سطر 23-25: “وذكر ابن فورك عن الأشعري أنّه توقّف في حشر هذه الأشياء، وتأوّل حديث الاقتصاص للجمّاء على أنّ المراد منه الاقتصاص للمظلوم من الظالم”. قارن بالمجرّد، ص145، سطر 14-16: “وما يُروى أنّه يُقتَصّ للجمّاء من القرناء فمثل، والمعنى فيه أنّه يُقتَصّ للمظلوم الضعيف من الظالم القوي”.

[26]  حول ذلك كلّه، انظر: “وثيقة…” ص ص196-197.

[27]  انظر: “وثيقة…” ص202.

[28]  انظر: “وثيقة…” ص ص204-205.

[29]  انظر: “وثيقة…” ص ص205-207.

[30]  انظر: مجرّد، ص324، السطر 21-22: “لأنّ أكثر كتبه المشهورة قد استقرأناها وتصفّحنا ما فيها”.

[31]  انظر: “وثيقة…” ص ص198-201.

[32]  عدى ذلك، أنا أبعد ما يكون عن أن أكون قد حقّقت كلّ ما أريد من الكتاب. فقد تركت جانبا بصفة خاصّة –وأرجو أن يُغفَر لي ذلك- كلَّ ما له صلة بقواعد الجدل (الفصول من 59 إلى 64)، وذلك لسببين: لضعف همّتي، ولأنّ هذا القسم من المجرّد قد تمّ استثماره بعدُ بصورة ملائمة جدّا في رسالة لاري ب. ميلر، نظريّة الجدل الإسلاميّة: دراسة في تطوّر الجدل في الإسلام من القرن العاشر إلى القرن الرابع عشر، برينستون، 1984.

[33]  راجع: غارديه وقنواتي، مقدّمة، ص ص55-59.

[34]  من هنا جاءت إحدى التهم التي اجتهد القشيري في تبرئته منها. راجع: السبكي، ج3، ص413، السطر 13 وما بعده.

[35]  راجع: غارديه وقنواتي، مقدّمة، ص ص72-75.

 

error: المحتوى محمي