ما مصير الدراسات الدينية لو لم يكتب دوركايم – محمد يوسف إدريس

ما مصير الدراسات الدينية لو لم يكتب دوركايم – محمد يوسف إدريس

ملف بحثي: الدين والمجتمع ونظرية المعرفة، قراءات معاصرة في أعمال إيميل دوركهايم


“الأشكال الأولية للحياة الدينية: نظام الطوطم في أستراليا”؟

إنّ هذا السؤال لا يكتسب أيّ قيمة من الناحية التاريخية والمنطقية، فالسؤال عن انعدام ما تحقّق ضرب من ضروب الخَبل، زِدْ على ذلك أنّ السؤال، الذي ننطلق منه، يقوم على فرضية مؤدّاها وجود تأثير عميق لأعمال دوركايم في الدراسات الدينية، من ناحية. ومن ناحية أخرى، تنطوي صيغة السؤال على إقرار بـضرورة العودة إلى الوراء (بداية العقد الثاني من القرن العشرين)، وتحديد آثار المنجز المعرفي الدوركايمي في الدراسات الدينية، بصرف النظر عن نوع تلك التأثيرات.

منذ قرن من الزمن (1912م)، ألّف دوركايم (الأشكال الأولية للحياة الدينية: نظام الطوطم في أستراليا) (Les formes élémentaires de la vie religieuse: le système totémique en Australie) ، ولا شيء يمنعنا من القول إنّ ما توصّل إليه دوركايم، كان بالإمكان أنْ يتوصّل إليه غيره من العلماء، ولكن متى؟
نقدّر أنّ ما قام به دوركايم، وما ترتّب على آرائه من ظهور مؤلّفات (مناصرة، معارضة)…، كلّ ذلك يبقى رهين (متى) المستحيل تحديدها، وإذا أمكن لنا تحديدها (متى)، فحينها، فحسب، يتسنى لنا الإجابة عن مصير الدراسات الدينية لو لم يكتب دوركايم كتاب (الأشكال الأولية للحياة الدينية).

سؤالنا، الآن، عن مدى إفادة البحوث الموصولة بالظاهرة الدينية من مقاربة دوركايم لا يمنعنا من افتراض أنّ ما قام به دوركايم لا يفي بحاجة البحث المعاصر في حقل الدراسات الاجتماعية والدينية.
للتحقّق من أهمية ما قام به دوركايم، لا بدّ من إقامة قراءة تأليفية للظاهرة الدينية في مشروع دوركايم، كي يتسنى لنا تحديد تأثيره في الدراسات الدينية المعاصرة (علم الأنثربولوجيا الدينية، وعلم الأديان، وعلم الأديان المقارن…).

ومن أجل تحقيق ذلك، ارتأينا توزيع هذا البحث على مبحثين، نعرّج فيهما على أهم خصائص المشروع الدوركايمي، فنخصّص المبحث الأوّل للنظر (في مقوّمات علم الاجتماع الديني) من خلال تحديد موقع علم الاجتماع الديني من علم الاجتماع، من جهة، والسؤال عن الظاهرة الدينية، وماهيتها عند دوركايم، من جهة أخرى. أمّا المبحث الثاني؛ ففيه نتطرّق إلى بعض خصائص علم الاجتماع الديني، باعتباره علماً وضعياً تجريبياً.

ونقدّر أنّ هذين المبحثين قادران على الكشف عن جوهر مقاربة دوركايم، وإبراز أهم الإضافات الّتي حقّقها في مجال الدراسات الدينية.

****

1: في مقوّمات علم الاجتماع الديني:

أ: موقع علم الاجتماع الديني من علم الاجتماع:
لا اختلاف في أنّ العلوم الإنسانية والاجتماعية، على تباعد مسلّماتها ومنطلقاتها، تظلّ موصولة بعضها ببعض، بالنظر إلى اشتراكها في السؤال عن الإنسان وأوضاعه في الوجود، ومن شأن ذلك أنْ يؤكّد أنّ أيّ علم لا يمتح من فراغ، مثلما لا يصح إرجاع نشأة هذا العلم أو ذاك إلى عالِم دون آخر، فاستقلال علم ما يكون بتبيّن إشكالاته الرئيسة، وتحديد الآفاق الإبستمولوجية، التي يتحرّك فيها، والأهداف التي يسعى إلى تحقيقها، وهو ما يتطلّب الوقوف على مختلف وجوه الاتّصال والانفصال القائمة بينه (العلم)، وبين بقية العلوم التي تشاركه الأسُس والمنطلقات.

ونحن – إذا ما رمنا النظر في مقوّمات (علم الاجتماع الديني) (La Sociologie religieuse) – ألفيناه، في الأصل، فرعاً من فروع علم الاجتماع يسعى إلى دراسة المعتقدات، والممارسات، ومختلف أشكال التديُّن، بإماطة اللثام عمّا تنطوي عليه الظاهرة الدينية من أبعاد اجتماعية.

وعلى الرغم من اختلاف الباحثين في شأن مُؤسِّس هذا العلم ، فإنّ ثمّة إجماعاً واضحاً على اعتبار دوركايم أحد أبرز الذين عبّدوا مسالكه، وبيّنوا مقوّماته، حتّى استوى علماً مستقلاً بذاته. على أنّ انفصال (علم الاجتماع الديني) عن (علم الاجتماع)، وبقيّة العلوم والفلسفات (الفلسفة العامّة…) ، لا يعني، بالضرورة، وقوع قطيعة إبستمولوجية (Coupure épistémologique)، فعلم الاجتماع الديني كان -ولا يزال- موصولاً بتلك الحقول المعرفية، ولاسيما علم الاجتماع، ذلك أنّهما عِلمان يرومان تفسير الظواهر الإنسانية، بالاستناد إلى مبدأ واضح قوامه أنّ الحقائق هي وقائع اجتماعية بالأساس.

وفي هذا الأفق المعرفي، ننزّل معالجة دوركايم لمختلف الظواهر (الانتحار، والعمل، والأخلاق، …)، وفي مقدّمتها الدين، الذي اعتبره ظاهرة اجتماعية مميّزة (Le phénomène social par excellence)، لا تنطوي على عناصر غير مرئية، أو مفارقة للمجتمع، فالمعتقدات الدينية (البسيطة أو المركّبة)، والعادات… ، وإنْ كانت تعبيراً عن طبيعة الأشياء المقدّسة؛ فإنّ تلك الأشياء المقدّسة ما انفكّت تتّخذ أشكالاً عديدة، سواء تعلّقت المسألة بالمجتمع الواحد، أم بمجتمعات متباعدة ثقافياً وجغرافياً.

ب: في السؤال عن الظاهرة الدينية:
حظي الدين في المشروع الدوركايمي بحيّزٍ مهمٍّ ، ففي كتاب (الانتحار) (Le suicide) (1896م)، كشف عن دور الدين في انتشار الانتحار من عدمه، وذلك من خلال المقارنة بين نسب الانتحار في الجماعات الدينية المسيحية الكاثوليكية والبروتستانتية، محاولاً تبيّن تأثيرات الدين في حيوات الأفراد، وتحديد مواقفهم وآرائهم من الوجود…، مخرجاً، بذلك، (الانتحار) من دائرة علم النفس (المرض النفسي…)، الذي بسط سلطانه على آفاق البحث في ظاهرة الانتحار. وذلك من خلال السعي إلى تأكيد البعد الاجتماعي للظاهرة، بتفسير أسبابها بالاستناد إلى العوامل الاجتماعية ، وهو ما اقتضى منه النظر في السياقات الاجتماعية، والظروف التي حفّت بانتشار الظاهرة في هذا المجتمع دون الآخر، مبيّناً التأثير العميق للمعتقدات الدينية، وأشكال التديُّن في الفرد والجماعة.

وهو تصوّر حلّل مختلف مظاهره وأبعاده في كتاب (الأشكال الأولية للحياة الدينية: نظام الطوطم في أستراليا)، الذي يُعدُّ أكثر مؤلَّفَاته اتصالاً بالمسألة الدينية، ففيه تناول، بالبحث، خصائص الطقوس الطوطمية ((Totémisme، باعتبارها أبسط أشكال الحياة الدينية وأوضحها، وهي خصال أهّلتها لأنْ تكون الأقدر على الكشف عن علاقة الدين بمختلف مؤسّسات المجتمع. ففي مقدّمة الكتاب التي وسمها بـ (موضوع البحث: علم الاجتماع الديني ونظرية المعرفة)(objet de la recherche: Sociologie religieuse et théorie de la connaissance)، حدّد الأسباب التي دفعت به إلى النظر في الطوطم، وذلك بالقول إنّنا “لن ندرس، إذاً، الدّين القديم جدّاً، والّذي سيكون موضوع الدرس من أجل التلذّذ، وحده، بحكي غرائبه، وأشكال تفرّده. وإذا اعتمدناه موضوع بحثنا؛ فلأنّه بدا لنا جديراً، أكثر من غيره، بإفهامنا الطبيعة الدينية للإنسان؛ أيّ بأنْ يكشف لنا عن المظهر الرئيس والمتواصل للإنسانية” .

أراد دوركايم، من خلال النظر في بنية المجتمعات البدائية، إبراز خصائص الظاهرة الاجتماعية في وضعها الأصلي من ناحية، ومن ناحية أخرى، أراد المقارنة بين المجتمعات البسيطة، والمجتمعات المتطوّرة، استخلاصاً للقوانين والقواعد.

وقد أدّى به البحث في خصائص (الظاهرة الدينية) ومختلف مظاهرها وأبعادها، في تلك المجتمعات، إلى الإقرار بأنّ موضوع الدين هو المجتمع نفسه، فالآلهة المُتجسّدة في الطوطم لا تعدو أنْ تكون صورة للمجتمع (العشيرة، …). فالأنشطة الطقوسية، والاحتفالية…، المشكّلة للدين تهدف مجتمعة إلى توطيد دعائم الإحساس بالتضامن الاجتماعي بين الأفراد، وبهذه الطريقة استطاع تأكيد دور الدين في تعزيز التماسك بين الأفراد داخل الجماعات البشرية.

ج: الظاهرة الاجتماعية عند دوركايم:
ما الظاهرة الاجتماعية؟ وما أهم مقوّماتها وخصائصها؟ وما أهم ملامح العلاقة التي تقوم بين الفرد والجماعة؟

هذه الأسئلة هي مدار اشتغالنا في هذا المبحث، الذي نقف فيه على حدِّ الظاهرة الاجتماعية، من خلال النظر في أبعاد الدين -في تقدير دوركايم- باعتباره ظاهرة اجتماعية، ففي ما يتّصل بالمسألة الأولى نشير إلى أنّ دوركايم قد عرّف الظاهرة الاجتماعية بأنّها كلّ ضرب من السلوك الثابت، أو غير الثابت، الذي يُمارس قهراً خارجياً على الأفراد، وهي، أيضاً، كلّ سلوك يسود المجتمع .

هذا التعريف، على ما فيه من بساطة، ينطوي على أبعاد عديدة منها اتّصاف الظاهرة الاجتماعية بـ (الإكراه) (Contrainte) ، المتمثّل في إلزام الأفراد بأنماط مخصوصة من السلوك. فالأفراد كثيراً ما يأتون أعمالاً، ويقومون بواجبات، يجهلون أسبابها وتفاصيلها، فهم يؤمنون بجملة من العقائد السابقة لوجودهم، فإذا بتلك العقائد ذات وجود خارجي يجعلها قوة آمرة قاهرة لهم.

وقد اعتمد دوركايم مصطلح (الضمير الجمعي) للدلالة على المعتقدات، التي تفرض نفسها على أفراد المجتمع، بما يؤدّي إلى بناء واقع مُتسيّد (réalité souveraine) ، فالضمير الجمعي بمنزلة الوعي الجماعي المتجلّي في الأعراف، والقيم، والمعتقدات، التي نتوارثها عن الأجيال السابقة، ونسعى إلى المحافظة عليها، باعتبارها سمات مميزة للفرد وشخصيته، وفي ذلك دلالة واضحة على أنّ الوعي الجماعي يتحكّم في الوعي الفردي ((الأعراف ((Normes، القيم (valeurs)، ….)). وهو ما يُثبت أنّ المجتمع هو المصدر الوحيد لجميع الأوامر والنواهي الأخلاقيّة، فهو الّذي يُحدّد ماهية المؤسّسات الاجتماعية؛ ذلك أنّ المجتمع يعيش في ضمائرنا، فـ”حين يتكلّم الضمير فينا فإنّ المجتمع هو الذي يتكلّم”.

يصدر الدين عن سلطة متعالية عن الأفراد، وهي سلطة المجتمع التي لا مناصَ من الامتثال لها، فالأفراد لا يستطيعون خرق الضوابط الاجتماعية؛ لأنّ ذلك يُؤدّي إلى إقصائهم ولفظِهم . بيد أنّ للفرد -حسب رأي دوركايم- تأثيراً واضحاً في تلك العادات والمعتقدات، فامتثالنا لها يضفي عليها طابعاً شخصياً، فنحن لا نمتلك، بالضرورة، حسّاً واحداً أثناء القيام بها.

يُحدّد المجتمع للمُتديّن التعاليم، والممارسات، والطقوس، التي عليه ممارستها، ونحن -إذا ما رمنا فهم الظاهرة الدينية- علينا البحث في بنية المجتمع، وآليات اشتغال الضمير الجمعي. وبذلك بسط دوركايم المسألة من منظور مخصوص مخالف لما هو سائد في عصره، قوامه الارتقاء بالدين إلى مستوى الحقيقة الموضوعية، التي تفرض نفسها على الإنسان، دون أنْ تتعالى على هواجسه. فلا قيمة للظاهرة في ذاتها، وإنّما قيمتها ماثلة في المنزلة، التي يحظى بها الإنسان فيها، فعلم الاجتماع “علم وضعي (يسعى إلى فهم الواقع)، وهذا الواقع هو الإنسان” .

وفي هذا السياق، نشير إلى أنّ دوركايم قد رفض رفضاً قاطعاً أنْ يكون الدين مجرّد وهم، فالأساطير والأديان…، تعبّر عن حاجة بشرية . تتمّ تلبيتها بالانصهار في الجماعة، ومن هذا المنظور، فإنّ عبادة الآلهة (الطوطم، …) ، تعبير مجازي عن سلطة المجتمع، ذلك أنّ “الله هو المجتمع”.

وبهذا المعنى، إنّ أهمّ مجالات النظر في علم الاجتماع الديني تتّصل بالبحث في الشروط الاجتماعية، التي تؤكّد أنّ الدّين يوفّر التماسك في النظام الاجتماعي، على اعتبار الدين فعلاً اجتماعياً (Fait Social) قبل كلّ شيء.

فأنْ يكون الدّين من صنع المجتمع، فذلك يؤدّي، بالضرورة، إلى نفي وجود الآلهة (الإله، الله، …) باعتبارها قوة غيبية متعالية على واقع الجماعة ، ولا غرو في ذلك، فوظيفة الدين لا تتعلّق بالإيمان بالآلهة ، بقدر ما تتمثّل في المحافظة على التماسك الاجتماعي.

انطلاقاً من هذا الموقف، يبدو الدين بمنزلة الخيط الرفيع، الذي يجمع شتّى أفراد المجتمع، ويوحّدهم، ويشدّ بعضهم إلى بعض بإثبات الجوامع بينهم، والقيم المشتركة، والمعتقدات المنظمة لحيواتهم.

وفي هذا المستوى، نشير إلى أنّ دوركايم، عندما اعتبر هذه الأحكام بمنزلة القانون، الذي يسري على جميع المجتمعات، لم ينفِ عنها الخصوصيات، التي تميّزها بعضها من بعض….، وإنّما رام تأكيد حقيقة واحدة مؤدّاها أنّ (الضمير الجمعي) يفكّر بطريقة واحدة، من أهمّ مظاهرها تصنيف الأشياء، فــمختلف أشكال التديُّن المعروفة، بسيطة كانت أم مركّبة، تتّخذ سمة مشتركة: وهي توزيع الأشياء الواقعية أو المثالية، التي يتصوّرها الإنسان على صنفين؛ هما المقدّس(sacré) والدنيوي profane)) .

وقد انطلق دوركايم، في مقاربة علاقة المقدس بالدنيوي، من تصوّر مفاده تداخلهما حيناً وتبادلهما المواقع حيناً آخر ، وذلك بالنظر إلى اختلاف المجتمعات والأزمنة. فعلى الرغم من أنّ جميع المجتمعات تُبنى على قاعدة واحدة مؤدّاها توزيع الأشياء على مقدس ودنيوي ، فإنّ معايير التصنيف تختلف من حيّز جغرافيّ إلى آخر، ومن زمن إلى آخر .

 

2: في خصائص علم الاجتماع الديني:

أ: علم الاجتماع الديني علم تجريبي :
هدف عالِم الاجتماع فهم الظواهر الاجتماعية، وتفسير تأثيرها في الأفراد بالاعتماد على الملاحظة، والمعاينة المباشرة، للوقائع الاجتماعية، انطلاقاً من سؤال مداره على: لماذا اتّخذت هذه الظاهرة، أو تلك، هذا الشكل دون غيره من الأشكال، في هذا المجتمع، أو ذاك؟

وفي هذا المستوى، يتجلّى البعد التأويلي، الذي ينطلق من محاولة فهم الواقع الاجتماعي في ظل العلاقة الجدلية القائمة بين الفرد والمجتمع . وفي جميع المراحل، على عالِم الاجتماع أنْ لا يتّخذ أيّ مواقف أو أحكام قيمية.

ففي (قواعد المنهج في علم الاجتماع)، وفي مقدّمة كتاب (الأشكال الأولية للحياة الدينية)، بيّن أهم مقومات البحث في (علم الاجتماع)، وأسّ نظرية المعرفة، التي يرفد منها مشروعه القائم، بالأساس، على النزعة التجريبية، ففهم الظواهر الاجتماعية (الدين، ….) يظلّ عصيّاً على التحقّق ما لم نعوّل في تبيّن ماهيتها على البعد التجريبي، وهو ما تجلّى في دراسة الطوطم عند بعض قبائل أستراليا. ففي (الأشكال الأولية) أثنى على مكتسبات الإثنوغرافيا (L’ethnographie)، والتاريخ (L’histoire)، وأشار إلى مدى إفادته منهما، على الرغم من مخالفتهما لعلم الاجتماع، الآليات والأهداف، فعلم الاجتماع لا يسعى إلى معرفة الأشكال البالية للحضارة بقدر ما يسعى إلى تفسير الواقع. ومن أجل تحقيق ذلك، لا مناص -في تقديره- من إبراز أهم مظاهر تطوّر هذا المجتمع أو ذاك، بقصد الكشف عن المنطق، الذي يتحكّم في أنماط السلوك الديني.

وقد حدّد المنحى، الذي يجب على عالِم الاجتماع اتّباعه، ومداره على ضرورة العودة إلى الماضي البعيد لتلك المجتمعات. وما الطوطمية إلّا شكل من الأشكال الدينية، التي تساعد دراستها على تبيّن القواسم المشتركة بين أفراد المجتمع الواحد. ومن مظاهر ذلك أنّ الطوطمي (المتديّن) لا ينخرط في عالم المقدّس إلّا بعد مشاركة الجماعة طقوس التعبّد والاحتفالات ، التي تنتهي به إلى ولوج عوالم المقدّس، على أنّ تقديس الطوطم ليس سوى تقدّيس للمجتمع وسلطانه. وبذلك يكون الدين امتداداً للمجتمع. فالعشيرة (Le Clan) هي مصدر الاعتقاد الديني، الذي يتّخذ أشكالاً ودلالات تحدّدها الجماعة وفق ما استقرّ عليه ضميرها الجمعي.

ب: الوظيفية عند دوركايم:
تناول دوركايم وظائف الظواهر الاجتماعية في مواضع عديدة من أعماله؛ أهمّها: (قواعد المنهج في علم الاجتماع)، ففي المبحث الأوّل من الفصل الخامس من الكتاب، تطرّق إلى جملة من الإشكالات؛ أهمها: ضرورة التمييز بين (السبب)، و(الوظيفة)، فالأسباب، عنده، تتّصل بظروف نشأة الظاهرة الاجتماعية، في حين على عالِم الاجتماع النظر في حاجيات المجتمع، وكيفية سدّ تلك الحاجيات عند البحث في الوظيفة، مقدّماً السبب على الوظيفة، فلكي نفهم الظاهرة الدينية/ الاجتماعية لا بدّ من الوقوف على أسبابها ؛ ذلك أنّ تحديد السبب من شأنه أنْ يكشف عن وظيفتها، فالمسألة أشبه بسلسلة متكاملة الحلقات، فالظاهرة الواحدة هي، في الآن نفسه، نتيجة لغيرها من الظواهر، وسبب ظهور غيرها.

ومن أهم الوظائف، التي تنهض بها الظاهرة الدينية؛ جمع الأفراد (الأعياد، …)، ما يؤدي إلى إنتاج “عاطفة جيّاشة، وإحساس بالحماسة، يردّونه إلى قوى خارجة عن ذواتهم هي الإله” . وبهذا المعنى، فإنّ وظائف الظواهر الاجتماعية تتمثّل في المساعدة على المحافظة على مسار الحياة في المجتمع.

تمّ تجاوز جزء مهمّ من نظرية دوركايم، مثلما أصبح بعضها من المسلّمات، التي لا تنازع بين الباحثين في شأنها، ومن المؤكّد، أيضاً، أنّ ما قام به دوركايم لم يقتصر تأثيره على حقل الدراسات الدينية فحسب، وإنّما طال، أيضاً، بنية مجالات معرفية عديدة.

وضع دوركايم أسّ قراءة وضعية للدين تقف على مصادره، وتكشف ما غمض من دلالاته، وما انمحى من آثاره وأبعاده. جاعلاً، بذلك، علم الاجتماع علماً تجريبياً لا يتطرّق إلى الواقع الاجتماعي من خارجه بقدر ما يسعى إلى سبر أغواره من الداخل، بتفكيك شبكة العلاقات التي تصل الظواهر الاجتماعية بعضها ببعض. فشيّأ الظواهر الاجتماعية، على اعتبار الشيء هو الحقيقة التي تقع تحت ملاحظتنا، ودعا إلى دراستها بمنأى عن الأفكار المسبقة. وقد جنّبه هذا الأمر الوقوع في تصنيف العادات والمعتقدات إلى صحيحة وخاطئة، ذلك أنّ القاعدة الأولى، عنده، تتمثّل في أنّ علم الاجتماع الديني يفسّر ولا يُقيّم.

وفي المقابل، بيّنت جملة من الدراسات المعاصرة -بما لا يترك للشكّ سبيلاً- أنّ آراء دوركايم، ونظريته في المعرفة، تعزوها الدّقة، ولا تخلو من مصادرات، بعضها موصول بالمفاهيم والمصطلحات (الضمير الجمعي، …)، وبعضها الآخر متعلّق بالمرجعيات والمستخلصات، وهي أمور جعلت دوركايم يقع في إصدار أحكام قيمية، وتعميمها، باعتبارها قوانين عامّة .

وقد يدفع ذلك البعض إلى القول: ذهب الرجل، وذهبت أفكاره، ولم يعد الباحثون يهشون إليها، وما العودة إليه إلّا عودة للإلمام بظروف النشأة، وبدايات تكوّن العلم، ولكنّ دوركايم ترك ما هو أعظم من ذلك، يكفينا منه إخراجه العديد من المباحث من دوائرها التقليدية، وتحريرنا من سلطان الفكر اللاهوتي، والمقاربات الفلسفية التقليدية؛ بدعوتنا إلى فهم الظواهر تجريبياً، بعيداً عن المعايير القيمية. وذلك في إطار رؤية واضحة منطلقها السؤال عن الإنسان أوّلاً وأخيراً . بالاستناد إلى علوم مختلفة تؤكّد أنّ له فهماً مخصوصاً للبحث العلمي، تتكامل فيه الحقول المعرفية وتتداخل. وذاك ما جعل، في تقديرنا، أعمال دوركايم أهمّ روافد المقاربة الأنثربولوجية ، والدراسات المقارنة. ولو أنّ دوركايم لم يترك لنا شيئاً آخر غير قوله “لا توجد في الحقيقة أديان خاطئة، فجميع الأديان صحيحة، كلّ دين منها صحيح بطريقته الخاصّة” . لكفانا منه ذلك

 

المصدر: مؤمنون بلا حدود
error: المحتوى محمي