ما بعد الحداثة – موسوعة ستانفورد للفلسفة / ترجمة: فاطمة الزهراء علي

  ما بعد الحداثة – موسوعة ستانفورد للفلسفة / ترجمة: فاطمة الزهراء علي

حول ما بعد الحداثة وطلائعها والوضع فيما بعد الحداثة، حول الجينالوجيا والذاتية، والختلاف المثمر، والتفكيك، والواقعية الفائقة، وجماليات ما بعد الحداثة؛ نص مترجم للـد. غاري آيلزورث، والمنشور على (موسوعة ستانفورد للفلسفة). ننوه بأن الترجمة هي للنسخة المؤرشفة في الموسوعة على هذا الرابط، والتي قد تختلف قليلًا عن النسخة الدارجة للمقالة، حيث أنه قد يطرأ على الأخيرة بعض التحديث أو التعديل من فينة لأخرى منذ تتمة هذه الترجمة. وختامًا، نخصّ بالشكر محرري موسوعة ستانفورد، وعلى رأسهم د. إدوارد زالتا، على تعاونهم، واعتمادهم للترجمة والنشر على مجلة حكمة. نسخة PDF


 

إن عدم قابلية مصطلح (ما بعد الحداثة) للتعريف هو أمر بدهي؛ ومع ذلك، فيمكن وصفه كمجموعة من الممارسات النقدية والاستراتيجية والسردية التي توظف مفاهيم مثل: الاختلاف، والتكرار، والأثر، والمحاكاة، والواقعية الفائقة من أجل زعزعة تماسك مفاهيم أخرى مثل: الحضور، والهوية، والتقدم التاريخي، واليقين المعرفي، وأحادية المعنى.

دخل مصطلح (ما بعد الحداثة) إلى معجم الفلسفة لأول مرة عام 1979 مع نشر جان فرنسوا ليوتار كتابه (الوضع ما بعد الحداثي). وبالتالي، فإن ليوتار سيحتل موضع الصدارة في الفقرات اللاحقة. آلية الانتقاء تفرض العناية في اختيار الشخصيات الأخرى لهذا المدخل، وقد قمتُ باختيار أولئك الذين تمَّ الاستشهاد بهم على نطاق شاسع في المناقشات الفلسفية المابعد حداثية؛ خمسة فرنسيين وإيطاليَّان، بالرغم من أنهم على الصعيد الفردي ربما يقاومون فكرة الانتماء المشترك، وترتيبهم حسب الجنسية ربما يكون مُخطَّطا حداثيا قد يعترضون عليه، إلا أن هناك اختلافات شديدة بينهم، وهذه تميل للانقسام على أسس لغوية وثقافية. يعمل الفرنسيون – مثلا – مع مفاهيم تمَّ تطويرها من خلال الثورة البنيوية في باريس في الخمسينيات وأوائل الستينيات، بما في ذلك القراءات البنيوية لماركس وفرويد، ولذلك فغالبا ما يطلق عليهم “ما بعد البنيويين”. كما أنهم يستشهدون بأحداث مايو 1968 باعتبارها لحظة فاصلة في الفكر الحديث ومؤسساته، وخاصة الجامعات. على النقيض من ذلك؛ فإن الإيطاليين – من أمثال جيامباتيستا فيكو وبينيديتو كروتش – يعتمدون على تقاليد البلاغة والجماليات، وكان تركيزهم تاريخيا بالأساس، ولم يُظهِروا افتِتاناً باللحظة الثورية. عوضا عن ذلك؛ أكدُّوا على السرد، والاستمرارية، والاختلاف ضمن الاستمرارية، بدلا من الاستراتيجيات المقاوِمة والفجوات المنطقية.

بالرغم من ذلك؛ فإن أيّاً من الجانبين لا يقترح أن ما بعد الحداثة هجوم على الحداثة أو رحيل كامل عنها، بل إن اختلافاتهما تكمن داخل الحداثة نفسها، وفلسفة ما بعد الحداثة هي استمرار للتفكير الحداثي ولكن بنمط مختلف.

وأخيرا؛ قمتُ بتضمين ملخص لنقد هابرماس الذي يمثل الخطوط الأساسية للنقاش الدائر على جانبي الأطلسي. يجادل هابرماس بأن ما بعد الحداثة تناقض نفسها من خلال المرجعية الذاتية، ويلاحظ أن مفكري ما بعد الحداثة يتصورون مفاهيم يسعون – من ناحية أخرى – إلى تقويضها، مثل: الحرية، والذاتية، أو الإبداع. ويرى هابرماس في هذا الاستعمال البلاغي للاستراتيجيات الذي تمَّ توظيفه من قِبل الفن الطليعي artistic avant-garde في القرنين التاسع عشر والعشرين، وهو لا يمكن أن يكون طليعيا في المقام الأول إلا لأن الحداثة تفصل القيم الفنية عن السياسة والعِلم. ما بعد الحداثة هي تجميل غير مشروع – من وجهة نظره – للمعرفة والخطاب العام.

في مقابل ذلك؛ يسعى هابرماس إلى إعادة تأهيل العقل المعاصر باعتباره نظاما من القواعد الإجرائية بهدف تحقيق الإجماع والاتفاق حول الموضوعات التواصلية. بقدر ما تقدم ما بعد الحداثة بهجة الجماليات والتقويض إلى العِلم والسياسة؛ فإن هابرماس يقاومها باسم الحداثة التي تتجه نحو الاكتمال عِوضا عن التحول الذاتي.

  1. طلائع ما بعد الحداثة

  2. الوضع ما بعد الحداثي

  3. الجينالوجيا والذاتية

  4. الاختلاف المثمر

  5. التفكيك

  6. الواقعية الفائقة

  7. هيرمنيوطيقيا ما بعد الحداثة

  8. فن الخطاب وجماليات ما بعد الحداثة

  9. نقد هابرماس

  • المراجع

  • أدوات أكاديمية

  • مصادر أخرى على الإنترنت

  • مداخل ذات صلة


  1. طلائع ما بعد الحداثة

بدأت ما بعد الحداثة بالظهور في فلسفة الحداثة مع الثورة الكوبرنيكية التي أحدثها كانط؛ أي في افتراضه أننا لا نستطيع أن نعرف الأشياء بذواتها، وأن موضوعات المعرفة يجب أن تتوافق مع تصوراتنا الكلية. إن أفكارا مثل الإله، الحرية، الخلود، العالَم، البداية الأولى والغاية النهائية تقوم بوظيفة تنظيمية للمعرفة حيث أنها لا تستطيع إيجاد نماذج مُرْضِية ضمن موضوعات التجربة.

ظهرت مع هيغل وهمية بداهة العلاقة بين الذات والموضوع بحدِّ ذاتها، إذ يقول في كتابه (فنومينولوجيا الروح): “نلاحظ أن وجود الواحد والآخر لا ينحصر بصورة مباشرة في منطق اليقين، إذ أن كلا منهما يتمُّ التَّوسُّل به”، لأن الذات والموضوع على حد سواء نماذج لـ “هذا” و “الآن” ولا يمكن استشعار أي منهما مباشرة.  وبالتالي؛ فإن ما يسمى بالفهم المباشر يفتقر إلى اليقين المباشر ذاته، وهو يقين يجب إحالته إلى تطوير نظام متكامل من التجربة. وبالرغم من ذلك؛ فإن بعض المفكرين أشاروا في وقت لاحق أن منطق هيغل يفترض مفاهيما بشكل مسبق، مثل الهوية والنقيض، والتي لا يمكن قبولها كمفاهيم مُعطاة على نحو مباشر، ويجب تعليلها – بالتالي – بطريقة أخرى غير جدلية.

أواخر القرن التاسع عشر هو عصر الحداثة كحقيقة ناجزة حيث يقوم العِلم والتكنولوجيا، بما في ذلك شبكات الاتصال الجماهيري ووسائل النقل، بإعادة تشكيل التصورات البشرية، ولم يعد يوجد بالتجربة تمييز واضح بين الطبيعي والمصطنع. إن كثيرا من مؤيدي ما بعد الحداثة – بالفعل – يعترضون على قابلية هذا التمييز الذي لا طائل منه، ويرون في الحداثة المنجَزة ظهور مشكلة قامت الفلسفة التقليدية بِكبْتِها. إن تَبِعَة تحقيق الحداثة هو ما قد يشير إليه المابعد حداثيون باعتباره غربة عن الواقع؛ تؤثر على كل من الذات والموضوع محل التجربة، إذ يكون إدراكهما للهوية والأصالة والجوهر مضطربا أو مُـتداخِلا. ظهرت مقدِّمات مهمة لهذه الفكرة عند كيركيغارد وماركس ونيتشه.

كيركيغارد – على سبيل المثال – يصف المجتمع الحديث بشبكة من العلاقات التي يتمُّ تحويل الأفراد فيها إلى أشباح مجردة تُعرَف باسم “الجمهور”. الجمهور الحديث؛ على النقيض من المجتمعات القديمة ومجتمعات العصور الوسطى؛ هو من ابتكار الصحافة، وهي الأداة الوحيدة القادرة على ربط كُتْلة من الأفراد “الزائفين” ببعضهم البعض “الذين ليسوا أبدا، ولا يمكن أبدا أن يكونوا في تنظيم أو وضع حقيقي”. بهذا المعنى؛ يحقق المجتمع فكرة مجردة، متماسكة بفعل وسيط مصطنع واسع الانتشار يتحدث باسم الجميع في الوقت الذي لا يمثل فيه أي أحد.

من جهة أخرى؛ نجد لدى ماركس تحليلا عن صنمية السِّلع حيث تفقد الأشياء متانة قيمتها الاستخدامية، وتصبح رموزا طيفية تندرج ضمن حيثية قيمة التبادل، وتنتج طبيعتها الشبحية من الاستيعاب الحاصل لها داخل شبكة من العلاقات الاجتماعية التي تتأرجح فيها قيمتها بشكل مستقل عن كيانها المادي. الذوات البشرية نفسها تتعرض لهذا النمط من الاغتراب لأن السِّلَع هي نتاج للعمل البشري. وللمفارقة؛ فإن العمال يفقدون كينونتهم بإدراك ذواتهم، ويتحول ذلك لرمز بالنسبة لأولئك الذين ينادون إلى وعي ما بعد حداثي.

نجد أيضا إشارات للاغتراب لدى نيتشه الذي يتحدث عن الكينونة باعتبارها “الرمق الأخير للواقع المُتَشَظِّي”، ويُعَقِّب على إزالة التمييز بين العالم “الحقيقي” والعالم “الظاهري”. يَتتبَّع نيتشه في كتابه (أفول الأصنام) تاريخ هذا التمييز من أفلاطون إلى عصره حيث يصبح “العالم الحقيقي” فكرة فائضة وعديمة الفائدة. على أي حال؛ يقول نيتشه أنه مع فكرة العالم الحقيقي فإننا ابتعدنا عن فكرة العالم الظاهري، وما تبقَّى ليس حقيقيا ولا ظاهرا، إنما شيء بينهما، وبالتالي هو شيء أقرب إلى الواقع الافتراضي لماض أكثر حداثة.

إن مفهوم انهيار [الحاجز] بين الحقيقي والظاهري تمَّت الإشارة إليه في أول كتاب نيتشه الصادر عام 1872 (مولد التراجيديا)، إذا يعرض فيه التراجيديا اليونانية كتوليفة من الدوافع الفنية الطبيعية المُمَثَّلَة في الآلهة أبولو وديونيسوس. في الوقت الذي يعتبر فيه أبولو إله الأشكال والصور الجميلة فإن ديونيسوس هو إله الهيجان والسُّكْر الذي بفعل تأرجحه تنكسر فتنة تفرُّد الوجود في لحظة اتِّحاد غير متفرِّد مع الطبيعة. في حين أن الفن التراجيدي هو فن مؤكِّد للحياة بربطه بين هذين الدافعين فإن المنطق والعلم مبنيَّان على التصورات الأبولوية التي أصبحت باهتة وجامدة. ومِن ثمَّ فإن نيتشه يعتقد فقط أن عودة دافع الفن الديونيسوسي يمكن أن ينقذ المجتمع الحديث من الجدب والعدمية. ينطوي هذا التفسير على نُذُر مفاهيم ما بعد الحداثة للفن والتصورات، كما يتنبَّأ أيضا بافتتان ما بعد الحداثة باحتمالية ظهور لحظة ثورية تنذر باتجاه جديد أناركي للمجتمع.

يعتبر نيتشه – كذلك – رائدا لما بعد الحداثة في تحليله الجينالوجي للمفاهيم الأساسية، وخاصة فيما يعتبره المفهوم الأساسي للميتافيزيقيا الغربية؛ الـ “أنا”. يعتقد نيتشه أن مفهوم الـ “أنا” ينبع من الواجب الأخلاقي لتحمل مسؤولية أفعالنا، ولكي نكون مسؤولين فلا بُدَّ أن نفترض أننا السبب في أفعالنا، ويجب أن يَظَلَّ هذا السبب ثابتا مع مرور الوقت، محتفظا بذاتيته، بحيث يتم قبول الثواب والعقاب باعتبارهما عواقب لأفعال تعتبر نافعة أو مؤذية للآخرين. بهذه الطريقة فإن مفهوم الـ “أنا” يأتي كبناء اجتماعي ووهم أخلاقي، ووفقا لنيتشه، فإن المعنى الأخلاقي للـ “أنا” باعتباره سببا ذاتيا يتمُّ إسقاطه على أحداث العالم الذي تتشكل فيه هوية الأشياء والعِلل والتأثيرات..وما إلى ذلك؛ يتبلور [أي المعنى الأخلاقي للـ “أنا] لتصورات سهلة الانتشار. تولَّد هذا المنطق من المطالبة بالالتزام بالمعايير الاجتماعية السائدة التي تصوغ الجمهور البشري لمجتمع من الذوات المعرفية والعاملة.

بالنسبة للمتخصصين فيما بعد الحداثة فإن تأصيل نيتشه للمفاهيم في مقالته (عن الحقيقة والأوهام بحس لاأخلاقي) الصادرة عام 1873؛ يُعَدُّ أيضا مرجعا مهما. يقدم نيتشه في ذلك النَّص فرضية أن المفاهيم العلمية هي سلسلة من الاستعارات التي صارت صلبة وتمَّ تحويلها إلى حقائق مقبولة. بهذا المعنى؛ فإن الاستعارة تبدأ عندما يُنسَخ المحفز العصبي كصورة، ومِن ثَمَّ محاكاته بالصوت الذي يرتقي مع التكرار إلى الكلمة، والتي بدورها تتحوَّل إلى مفهوم عند استخدام الكلمة لتحديد نماذج متعددة لوقائع منفردة. الاستعارات المفاهيمية هي – إذن – أكاذيب لأنها تُماثِل بين أمور غير متماثلة بمجرد انتقال سلسلة الاستعارات من مستوى لآخر. وبالتالي؛ فإن مشكلة هيغل مع “هذا” و”الآن” توسعت لتشمل تكرار النماذج عبر فجوات متقطِّعة بين مستويات الأشياء وأنواعها.

في ارتباط وثيق مع هذه الجينالوجيا؛ ينتقد نيتشه تاريخانية القرن التاسع عشر في كتابه الذي ظهر في عام 1874 بعنوان (حول منافع ومضار التاريخ على الحياة). حسب وجهة نظر نيتشه؛ فإن الثقافة وحياة الفرد يعتمدان على قدرتهما على تكرار لحظة غير تاريخية، وهو نوع من النسيان الذي يواكب تطورهما المستمر عبر الزمن، وبالتالي فإن دراسة التاريخ يجب أن تُبرِز كيفية وصول كل فرد وكل ثقافة لتلك اللحظة، وكيفية تكرارهما لها. ومِنْ ثَمَّ فلا مجال للوصول لنقطة استشراف خارج التاريخ، أو خارج تصور العصور الماضية باعتبارها محطات في الطريق إلى الحاضر. التكرار التاريخي ليس خطيا، لكن كل عصر جدير بأن يعيد اختياره للحظة غير تاريخية تمثل حاضره بوصفه “جديدا”. وفي هذا الصدد؛ سيتفق نيتشه مع تشارلز بودلير الذي يصف الحداثة بـكونها “لحظية، عابرة، وعَرَضيَّة” بحيث تتكرر في جميع الأزمنة، وملاحظات نيتشه وما بعد الحداثيين حول العود الأبدي تتفق مع ذلك.

يقدم نيتشه هذا المفهوم في كتابه (العلم الجذل) الصادر عام 1882، وبشكل أكثر تطورا في كتابه (هكذا تكلم زارادشت) (1883–1891). أخذ الكثيرون هذا المفهوم للدلالة على تكرار أبدي متطابق لكل شيء في الكون، بحيث أنه لم يحدث أي شيء إلا وقد حدث بالفعل في السابق مرات غير محدودة العدد. وبالرغم من ذلك؛ فهناك آخرون – بما في ذلك ما بعد الحداثيين – ممن قرأوا تلك الفقرات بالتزامن مع فكرة أن التاريخ هو تكرار للحظة غير تاريخية، متجددة باستمرار في كل حدث. حسب وجهة نظر هؤلاء؛ فما عناه نيتشه ليس سوى أن الأبدية الجديدة تعيد ذاتها باعتبارها جديدة، وبذلك فإن التكرار هو مسألة تمايز لا تماثل. علاوة على ذلك؛ يؤيد ما بعد الحداثيون مفهوم العود الأبدي مع فقدان التمييز بين العالم الحقيقي والعالم الظاهري. هذا التمييز بحد ذاته لا يعاود الظهور، وما يتكرر ليس حقيقيا ولا ظاهريا بالمعنى التقليدي، بل هو توهُّم ومحاكاة.

يُعَدُّ نيتشه محطَّ اهتمام مشترك بين فلاسفة ما بعد الحداثة ومارتن هايدغر، والذين استشهدوا وعلَّقوا بانتظام على تأملاته في الفن والتكنولوجيا وانحسار الكينونة. غالبا ما تنبثق إسهامات هايدغر في معنى الاغتراب من ملاحظات متكررة مِن قبيل: “نحن في كل مكان كائنات تعيش في خضم سيرورة، ولم نعد نعرف – مع ذلك – كيف نتفق مع الكينونة”، و “لا يوجد اليوم أي مكان على وجه التحديد حيث يستطيع الإنسان أن يواجه نفسه؛ أي جوهره”. ينظر هايدغر إلى التكنولوجيا الحديثة باعتبارها إنجازا للميتافيزيقيا الغربية التي يصفها بميتافيزيقيا الموجود، ويرى أن الفكر الغربي منذ زمن الفلاسفة الأوائل، وعلى وجه التحديد منذ أفلاطون، تصور الكينونة كوجود للكائنات، وتطور هذا التصور في العصر الحديث ليتحول إلى توفر الكائنات للاستخدام.

يميل وجود الكائنات؛ كما كتب هايدغر في كتابه (الكينونة والزمان)؛ إلى التَّواري في وضوح فائدتها كأشياء يسهُل أن تكون في متناول اليد. يقلِّص جوهر التكنولوجيا – الذي يسميه هايدغر بـ “التأطير” – وجود الكائنات إلى نظام حسابي، وبناءً عليه، فإن الجبل ليس جبلا بل مصدر ثابت للفحم، ونهر الراين ليس نهرا بل مولدا للطاقة الكهرومائية، والبشر ليسوا بشرا بل مصدرا احتياطيا للقوة العاملة. إن تجربة العالم الحديث هي إذن تجربة انحسار الكينونة في مواجهة سطوة التأطير على الكائنات. ويتأثر البشر – مع ذلك – بهذا الانحسار في لحظات القلق أو الملل، وهنا يكمن طريق لعودة محتَمَلة للكينونة، الأمر الذي سيكون بمثابة عودة مكررة لتجربة الكينونة التي تمَّ عرضها من قِبل الفيلسوفين بارمينيدس وهرقليطس.

يرى هايدغر أن ذلك هو إدراك لإرادة القوة، وهذا مفهوم نيتشوي آخر يمثل – إلى جانب مفهوم العود الأبدي – استنزافا للتراث الميتافيزيقي. بالنسبة لهايدغر؛ فإن إرادة القوة هي العود الأبدي باعتباره صيرورة، وديمومة الصيرورة هي اللحظة الختامية للميتافيزيقيا الوجودية. في هذه القراءة؛ فإن الصيرورة هي انبثاق وزوال الكائنات ضمن كائنات أخرى عِوضا عن الانبثاق من الوجود. وبالتالي؛ فإن نيتشه – في نظر هايدغر – كان مؤشرا على نهاية التفكير الميتافيزيقي، وليس على مسار آخر يتفوق عليه، وعليه فإن هايدغر يرى نيتشه أنه الميتافيزيقي الأخير الذي اكتمل معه امِّحاء الكينونة.

وبالأحرى يكمن أمل في مسار فكري غير ميتافيزيقي لدى هولدرلين الذي تمنح أبياته صوتا لإشارات الكينونة المؤكِّدة على انسحابها. في حين يدين ما بعد الحداثيون الكثير لتأملات هايدغر حول غياب الكينونة واغتراب الكائنات من خلال التأطير التكنولوجي؛ فإنهم يختلفون بحدِّة معه حول قراءته لنيتشه.

يجد العديد من فلاسفة ما بعد الحداثة لدى هايدغر حنينا لكينونة لا يتشاركونها معه، ويفضلون بدلا من ذلك معنى النسيان البهيج والإبداع اللعوب الكامن في العود الأبدي عند نيتشه كتكرار للمختلف والجديد، وذهب بعضهم إلى حدِّ قلب الطاولة على هايدغر وقراءة تأملاته حول الميتافيزيقيا كتكرار لبادرة ميتافيزيقية أصيلة؛ مراكمة الأفكار صوب جوهرها ونداءها الباطني “الملائم”. في هذه المراكمة التي تتبع حصرا اتجاهات تقاليد يونانية-مسيحية-ألمانية؛ يتمُّ نسيان شيء أكثر أصالة من الكينونة، وهو الاختلاف والغيرية المضادَّة التي تشكَّلتْ بمعيَّتِها تلك التقاليد.

وقد أشار كُتَّاب بارزون مرتبطون بما بعد الحداثة إلى أن “الآخر” المنسي والمُستثنَى لدى هايدغر والغرب بصورة عامة قد تمثَّل في اليهودي، وأصبحوا بهذه الطريقة قادرين على تمييز مشاريعهم عن فكر هايدغر، وعلى محاسبته نقديا على انخراطه في الاشتراكية القومية وصمته عن الهولوكوست، وإن كان ذلك بعبارات لا تعالج تلك الإشكالات باعتبارها إخفاقات شخصية. لن يجد أولئك الذين يبحثون عن إدانات شخصية لهايدغر بسبب أفعاله أو “رفضه تحمُّل المسؤولية” أي إشارة لذلك في شروحات ما بعد الحداثة، لكنهم سيجدون – مع ذلك – استثناءات عديدة حول أهمية نيتشه الفلسفية، والكثير من الحالات التي يتمُّ فيها تفعيل أفكار نيتشه بشكل نقدي ضد هايدغر وتمثيله للذات. وبالرغم من ذلك؛ فإن كُلًّا من هايدغر ونيتشه يعتبران مصدران رئيسان للنقد التفكيكي المابعد حداثوي، ولإزاحة المفهوم البارز لفلسفة الحداثة؛ “الذات”، والذي يتمُّ فهمه عادة على أنه وعي، أو هويَّة الوعي، أو أساسه، أو مُتَّحِدا معه، أو موسوما بـ “الأنا”. في حين يجد نيتشه في هذا المفهوم الخطأ الميتافيزيقي الأصلي الناتج عن الفضيلة والاحتياجات التواصلية للدهماء، فإن هايدغر يرى فيه نهايةً وإسْتِنْفاداً للتقاليد الميتافيزيقية التي دشَّنها الإغريق حيث تمَّ تفسير الكينونة كحضور. الكينونة هنا هي الأساس الكامن وراء وجود الكائنات، والـ subiectum الجوهر الذي اعتُبِر في فلسفة الحداثة موضوعا للوعي. إلا أن هايدغر يتصور الوجود الإنساني في كتابه (الكينونة والزمان) كـ “دازاين”Dasein، والذي ليس ببساطة مجرد وعي حاضر بل حالة من الانشراح المؤقت المفتوح على كينونة الماضي Gewesensein الذي لن يكون حاضرا أبدا (كان موجودا بالفعل في السابق) ومستقبل Zu-kunft لم يأت بعد (إمكانية الموت). وبالتالي فإنه لا يمكن احتواء محدودية “الدازاين” في نطاق حدود الوعي، ولا في نطاق حدود الذات، سواء تمَّ إدراكها بشكل جوهري أو بشكل صوري.

بالإضافة إلى انتقادات الذات التي قدَّمها كُلٌّ من نيتشه وهايدغر؛ فإن العديد من فلاسفة ما بعد الحداثة يستعيرون بشكل مُكثَّف نظريات التحليل النفسي لجاك لاكان. تكمن بادرة لاكان المميزة في إصراره على أن اللاوعي الفرويدي هو وظيفة، أو مجموعة من الوظائف التي تنتمي إلى لغة، وتحديدا إلى التبادل اللفظي بين المُحلِّل والشخص موضوع التحليل أثناء الجلسة التحليلية. بالنسبة إلى لاكان؛ فإن الذات دائما موضوع الخطاب، وهذا يعني خطابا موجَّها تجاه آخر ذا علاقة بمن تستطيع الذات من خلاله أن تميِّز وتحدِّد نفسها. من هذا المنطلق؛ فإن اللغة هي سِمة من سمات “النظام الرمزي” للمجتمع الذي يتشكَّل كاقتصاد للدلالات، والتي من خلالها تتحول الحاجة الحيوانية رغبة إنسانية يتمثَّل هدفها الأساسي في اعتراف الآخر بها. بيد أن الرغبة في النهاية تهدف إلى أمر مستحيل؛ أن تستحوذ، أن تصبح “موجودة”، أو أن تحتلَّ موقع الدلالة الأهم، أي الـ phallus القضيب. وطالما أن “الفالوس” ليس سوى وظيفة دلالية؛ فلا وجود له، وليس شيئا يجب امتلاكه، بل هو الذي من خلاله يتمُّ ابتداءً الجمع بين الذات والآخر، ومِن ثَمَّ فهو يفرض نفسه على الذات باعتباره فقدانا أو غيابا جوهريا مزمنا وضروريا في الوقت ذاته. لذلك فإن الذات منفصلة عن نفسها على الدوام وغير قادرة على تحقيق هوية أو اتحاد نهائي. وكما هو الحال مع موضوع الرغبة؛ تظل الذات غير مكتملة دوما، وتماما كما يبقى “الدازاين” لدى هايدغر “متجاوزا ذاته” في حالة نشوة مؤقتة.

  1. الوضع ما بعد الحداثي

دخل مصطلح “ما بعد الحداثة” إلى المعجم الفلسفي مع نشر جان فرنسوا ليوتار (الوضع ما بعد الحداثي: تقرير عن المعرفة) في عام 1979 حيث يوظف نموذج فيتغنشتاين للألعاب اللغوية ومفاهيم مأخوذة من نظرية الفعل الكلامي ليُعلِّل ما يسميه بانقلاب قواعد لعبة العِلم، والفن، والأدب منذ نهاية القرن التاسع عشر. يصف ليوتار نصه بأنه مزيج من لعبتين لغويتين مختلفتين، هما: لغة الفيلسوف، ولغة الخبير. وبينما يدري الخبير ما يعرفه وما لا يعرفه، فإن الفيلسوف لا يعرف أيّا من الأمرين، بل يطرح أسئلة. على ضوء هذا الغموض؛ يصرِّح ليوتار أن صورته لحالة المعرفة “لا تدَّعي بأنها أصلية أو حتى صحيحة”، وأن افتراضاته “يجب ألا تُمنَح قيمة تنبُّؤية فيما يتعلق بالواقع، بل قيمة استراتيجية فيما يتعلق بالأسئلة المطروحة”. الكتاب – إذن – هو بمثابة تجربة في المزج بين الألعاب اللغوية بقدر ما هو “تقرير” موضوعي.

حسب رأي ليوتار؛ فإن عصر الحاسوب حوَّل المعرفة إلى معلومات، أي إلى رسائل مشفَّرة ضمن نظام الإرسال والتواصل. يتطلب تحليل هذه المعرفة إلى دراسة استعمالات لغة التواصل طالما أن صياغة الرسائل وإرسالها واستقبالها يجب أن تتَّبِع قواعد لكي يتمَّ قبولها من قِبل أولئك الذين سيحكمون عليها. كما يشير ليوتار؛ فإن موقف القاضي أو المُشرِّع هو أيضا موقف داخل لعبة اللغة، وهذا ما يطرح سؤال الشرعية. ويُصرُّ أيضا على “أن هناك ترابطا صارما بين نوع اللغة التي يُطلَق عليها العِلم والنوع الذي يُسمَّى بالأخلاق والسياسة”، وهذا الترابط يشكل المنظور الثقافي للغرب. ولذلك فإن العِلم متشابك بشدة مع الحكومة والسُّلطة، وخاصة في عصر المعلومات، إذ أن هناك حاجة لكميات هائلة من رأس المال والتجهيزات الكبيرة لإجراء الأبحاث. يشير ليوتار إلى أنه في حين يسعى العِلم إلى تمييز نفسه عن المعرفة السردية التي تأتي في صورة حكمة قبلية أو عشائرية يتمُّ نقلها عبر الأساطير والخرافات؛ فإن الفلسفة الحديثة سعت إلى توفير سرديات شرعية للعِلم في صيغة “ديالكتيك الروح، وعِلم تأويل المعنى، تحرير الذات العاقلة أو العاملة، أو خلق الثروة”. وبالرغم من ذلك؛ فإن العِلم يقوم بلعبة الدلالات اللغوية من أجل استبعاد ما سواه، وفي هذا الصدد فهو يزيح المعرفة السردية، بما في ذلك السرديات المرجعية أو الماورائية meta-narratives للفلسفة. يرجع ذلك جزئيا إلى ما يصفه ليوتار بالنمو السريع للتكنولوجيات والتقنيات في النصف الثاني من القرن العشرين حيث تحول تركيز المعرفة من غايات الفعل البشري إلى وسائله. وقد أدَّى ذلك إلى تآكل اللعبة التأملية للفلسفة وإطلاق حرية كل عِلم في التطور المستقل عن التأسيس الفلسفي أو التنظيم المنهجي. يقول ليوتار: “إنني أعرِّف ما بعد الحداثة بأنها ارتياب تجاه السرديات الماورائية”. ونتيجة لذلك؛ تتطور مجالات هجينة جديدة دون اتصال مع التقاليد المعرفية القديمة، وخاصة الفلسفة، وهذا يعني أن العِلم وحده يمارس لعبته الخاصة ولا يمكن أن يشرعن ما عداه، كالحتميات الأخلاقية.

تشكل تجزئة المعرفة وتفكيك التساوق المعرفي مصدر قلق للباحثين والفلاسفة على حد سواء، إذ يأخذ ليوتار بعين الاعتبار أن “رثاء (ضياع المعنى) في فلسفة ما بعد الحداثة ناجم عن الحزن جرَّاء حقيقة أن المعرفة لم تعد سردية في المقام الأول”. في الواقع – بالنسبة لليوتار – فإن الاغتراب العالمي يعني تفسخ العناصر السردية إلى “غيوم” من التوليفات اللغوية واصطدامات بين ألعاب لغوية غير معدودة وغير متجانسة. علاوة على ذلك؛ ففي داخل كل لعبة تنتقل الذات من موضع لآخر؛ مَرَّة كمُرسِل، ومرَّة كمُرسَل إليه، ومرَّة كمُشار إليه..وهكذا. وبالتالي فإن فقدان السرد الماورائي المستمر يجزئ الذات إلى لحظات ذاتية غير متجانسة؛ لا تندمج في هوية واحدة. لكن ليوتار يؤكد أنه في حين أن المجموعات التي نختبرها ليست بالضرورة وطيدة أو قابلة للاتصال فإننا نكتشف كيف نتحرك فيما بينها برشاقة.

إن حساسية ما بعد الحداثة لا تندب ضياع الالتحام السردي أكثر من ضياع الكينونة. بيد أن تفكيك السرد يترك مجال الشرعية لمعيار جديد موحِّد: الشرعية الأدائية للنظام المُنتِج للمعرفة الذي تشكل المعلومات رأس ماله. تعني الشرعية الأدائية زيادة تدفق المعلومات وتقليل التحركات الراكدة (التحركات غير الوظيفية) داخل النظام حيث يجب نبذ كل ما لا يمكن الوصول إليه كمعلومات. يهدد المعيار الأدائي أي شيء لا يتوافق مع مقتضياته؛ مثل السرديات التأملية؛ بنزع الشرعية والاستبعاد. ومع ذلك؛ فإن رأس المال يتطلب أيضا استمرار إعادة ابتكار “الجديد” في شكل ألعاب لغوية جديدة وبيانات دلالية جديدة، وهكذا يفرض النظام ذاته – للمفارقة – مغالطة معينة. في هذا الصدد؛ فإن نموذج الحداثة للتقدم باعتباره تحركات جديدة في ظل قواعد راسخة يفسح المجال أمام نموذج ما بعد الحداثة القائم على اختراع قواعد جديدة وتغيير اللعبة.

يعتبر ابتكار رموز جديدة وإعادة صياغة المعلومات جزءً كبيرا من إنتاج المعرفة، والعِلم في لحظة ابتكاره لا يتقيَّد بالكفاءة الأدائية. وعلى المنوال ذاته؛ فإن التصورات الفوقية للعِلم وقواعده هي نفسها أهداف للابتكار وللتجريب من أجل إنتاج بيانات جديدة. يقول ليوتار بهذا الخصوص أن نموذج المعرفة باعتباره تطورا متدرجا من الاجماع أصبح باليا. بل إن محاولات استرجاع نموذج الاجماع يكرر فحسب مستوى التماسك المطلوب للكفاءة الوظيفية، وبالتالي فهي تضع نفسها تحت سيطرة رأس المال. من جهة أخرى؛ بينما نتنقل بين الألعاب اللغوية التي ترُبِكنا الآن فإن مغالطة الابتكار للعلوم تثير إمكانية تصور جديد للعدالة، وكذلك المعرفة.

يتناول ليوتار مسألة العدالة في كتابيه (مجرد لعب) [1979] و (النزاع: عبارات في الاختلاف) [1983] حيث يجمع بين نموذج الألعاب اللغوية وتقسيم كانط للملَكات (الفهم، والخيال، والعقل) وأنواع الحكم (النظري، والعملي، والجمالي) من أجل استكشاف مشكلة العدالة التي تمَّ عرضها في كتاب (الوضع ما بعد الحداثي). بدون التماسك الشكلي للذات فإن الكليات تكون حرة في العمل من تلقاء نفسها. بينما يصر كانط على أن العقل يجب أن يحدد نطاق وحدود الكليات الأخرى، فإن اعتماده على تماسك الذات من أجل تماثل المفاهيم كقوانين أو قواعد ينزع شرعية سلطته القضائية في عصر ما بعد الحداثة. عوضا عن ذلك؛ ولأننا نواجه تعددا غير قابل للاختزال للأحكام و”التعبير عن أنظمة الحكم” فإن ملكة الحكم نفسها تظهر في المقدمة. ومن ثمَّ؛ فإن النقد الثالث لكانط يقدم موادا مفاهيمية لتحليلات ليوتار، ولا سيما تحليل الحكم الجمالي.

الحكم الجمالي هو النموذج الأمثل – كما يجادل ليوتار – لمشكلة العدالة في تجربة ما بعد الحداثة لأننا نواجه مجموعة متعددة من الألعاب والقواعد دون وجود مفهوم يوحِّدها. ولذلك يجب أن يكون الحكم تأمُّليا عوضا عن أن يكون محدَّدا. أضف إلى ذلك أن الحكم يجب أن يكون جماليا إلى القدر الذي لا ينتج عنه معرفة دلالية حول حالة راهنة محدَّدة، إنما يشير إلى الطريقة التي تتفاعل بها كلياتنا مع بعضها البعض بينما ننتقل من نسق تعبير لآخر، أي التأملي، والتصوري، والأدائي، والسياسي، والإدراكي، والفني.. إلخ. بلغة كانطية فإن هذا التفاعل ينتظم كشعور جمالي. في حين يؤكد كانط أن الإحساس بالجميل هو تفاعل متناغم بين الخيال والفهم؛ فإن ليوتار يشدد على النسق الذي تكون فيه الكليات (الخيال والعقل) في تنافر، أي الإحساس بالمتعالي. بالنسبة لكانط؛ فإن المتعالي يظهر عندما تنبهر كليات المظهر المحسوس لدينا بانطباعات عن القوة المطلقة وعظمتها، ويرتد العقل لقاء قوته في تصور الأفكار (مثل القانون الأخلاقي) التي تتجاوز العالم المحسوس. غير أنه بالنسبة لليوتار؛ فإن المتعالي ما بعد الحداثي يظهر عندما نتأثر بعناصر متعددة غير صالحة للتقديم دون الإحالة إلى العقل باعتباره أصلها الموحِّد. العدالة إذن لن تكون قاعدة قابلة للتحديد، بل قدرة على التحرك والحكم بين القواعد في تباينها وتعددها. بهذا الاعتبار؛ فإن العدالة تكون أقرب إلى إنتاج الفن من الحكم الأخلاقي بالمعنى الكانطي.

في إجابته على سؤال (ماذا تعني ما بعد الحداثة؟) التي تظهر كملحق للطبعة الإنجليزية من كتاب (الوضع ما بعد الحداثي) يتحدث ليوتار عن أهمية الفن الطليعي من حيث جمالية المتعالي. ويشير إلى أن الفن الحداثي هو رمز لحساسية المتعالي، أي أنها حساسية تعني أن هناك شيئا غير قابل للتقديم يطالب بوضعه في صيغة ملموسة، ويربك جميع المحاولات التي تسعى للقيام بذلك. ولكن بينما يقدم الفن الحداثي الشيء غير القابل للتقديم كمحتوى ضائع ضمن قالب جميل، كما هو الحال مع مارسيل بروست، فإن الفن ما بعد الحداثي، ممثلا بجميس جويس، يقدم الشيء غير القابل للتقديم كَتَخَلٍّ عن القالب الجميل ذاته، وبالتالي فهو ينكر ما كان يسميه كانط بالمعيار المشترك للذوق. ويضيف ليوتار أن العمل يمكن أن يصبح حداثيا فقط إن كان في البداية ما بعد حداثيا، لأن ما بعد الحداثة ليست حداثة في غايتها، إنما في ولادتها، أي في لحظة محاولتها تقديم ما هو غير القابل للتقديم، “وهذه حالة مستمرة”. ما بعد الحداثة هي – إذن – عودة للحداثة باعتبارها “جديدا”، وهذا يعني رغبة متجددة دوما لتكرار آخر.

 

  1. الجينالوجيا والذاتية

إن أسلوب الجينالوجيا النيتشوية في توسلها بالذاتية الحديثة هو مظهر آخر من المظاهر الفلسفية لما بعد الحداثة. توسل ميشيل فوكو بالجينالوجيا من أجل لحظات تكوينية في تاريخ الحداثة، وحثِّه على تجربتها مع الذاتية يضعه في نطاق نظام ما بعد الحداثة. في مقالة عام 1971 المعنونة بـ (نيتشه: الجينالوجيا والتاريخ) يوضح فوكو تبنيه للأسلوب الجينالوجي في دراساته التاريخية. يقول فوكو؛ أولا وقبل كل شيء، فإن الجينالوجيا “ترتد على نفسها ببحثها عن الجذور”، أي أن الجينالوجيا تدرس الصُّدَف والأحداث الطارئة التي تجتمع عند اللحظات المصيرية، مما يؤدي إلى ظهور عصور، ومفاهيم، ومؤسسات جديدة، إذ يلاحظ فوكو أن “ما وُجِد في البداية التاريخية للأشياء ليس هوية أصلها غير القابلة للاختراق؛ إنما تفضيلات لأشياء أخرى، أي التفاوت”. يعرض فوكو – على طريقة نيتشه – التاريخ الذي تمَّ تصوره على أنه أصل وتطور لذات بعينها؛ “الحداثة” على سبيل المثال؛ كخطابات خيالية حديثة اخترعت ما بعد الحقيقة. يكمن وراء خيالية الحداثة إدراك لزمانيتها التي تستثني الدور الذي تلعبه عناصر الصدفة والطوارئ في كل لحظة. باختصار؛ فإن التاريخ الخطي التقدمي يغطي الفجوات والانقطاعات التي تحدد نقاط التعاقب في الزمن التاريخي.

يقوم فوكو باستخدام الجينالوجيا لخلق ما يسميه بـ “الذاكرة المضادة” أو “تحويل التاريخ إلى شكل زمني مختلف تماما”. يستلزم ذلك تذويب هوية الذات في التاريخ باستخدام مواد وتقنيات البحث التاريخي الحديث. مثلما يفترض نيتشه أن الإرادة الدينية للحق في المسيحية أدَّت إلى تدمير المسيحية من قِبل العِلم؛ فإن فوكو يفترض أن الأبحاث الجينالوجية ستؤدي إلى انحلال الذات المعرفية، بما أن استمرارية الذات يتمُّ تعطيلها بالفجوات والحوادث التي يكشف عنها البحث التاريخي. المثال الأول لهذا البحث هو Histoire de la folie à l’age classique، المنشور في عام 1961، ونشرت النسخة الكاملة منه إلى اللغة الإنجليزية بعنوان History of Madness (تاريخ الجنون) في عام 2006. يقدم فوكو هنا سردا للبدايات التاريخية للعقل الحديث حسبما شرع في تعريف نفسه ضد الجنون في القرن السابع عشر. وتتمثل أطروحته في أن ممارسة حبس المجنون هو تحول في ممارسة حبس المجذومين في العصور الوسطى في ملاجئ مرضى الجذام. تمكنت هذه المؤسسات من البقاء لفترة طويلة بعد اختفاء المصابين بالجذام، وبالتالي فقد كان هناك هيكل مؤسسي للحبس قائم بالفعل عندما تبلور المفهوم الحديث للجنون باعتباره مرضا. ومع أن مؤسسات الحبس تعود إلى حقبة ماضية إلا أن حبس المجنون يشكل انفصالا عن الماضي.

يركز فوكو على لحظة التحول، حين بدأ العقل الحديث بالتبلور في خليط من المفاهيم، والمؤسسات، والممارسات، أو كما يسميه [خليط] من المعرفة والسلطة. العقل – في منشئه – هو قوة تُعرِّف نفسها بكونها ضدا للآخر؛ آخر تتحدَّد هويته وحقيقته بالعقل أيضا، مما يعطي العقل إحساسا بالانطلاق من ذاته. تكمن المشكلة بالنسبة لفوكو في أنه لا يُسمَح للجنون بالتحدث عن نفسه، وهو رهن إشارة سلطة تفرض شروط علاقتهما، إذ يلاحظ أن: “ما هو أصلي هو التعطُّل / الانقطاع الذي يؤسس للمسافة بين العقل وما سواه، ويرجع إخضاع العقل لغير العقلاني؛ منتزعا منه حقيقته المتمثلة في الجنون، الجريمة، أو المرض؛ بجلاء إلى هذه النقطة”. تظهر حقيقة العقل عندما يحتل الجنون موقع غير العقلاني؛ عندما يتمُّ تقييد الفرق بينهما في تضادهما، وليس في التماثل مع الجانب المسيطر. بعبارة أخرى؛ فإن العقل الذي يقف في مواجهة الجنون ليس متطابقا مع العقل الذي يؤصِّل لاختلافهما، وهذا الأخير سيكون عقلا من دون نقيض، كسلطة عائمة بحرية وتفتقر لأي شكل واضح. هذا التحرر الغامض ربما يكون ممثَّلا – كما يقترح فوكو – في فكرة سفينة الحمقى التي كانت تمثل الجنون في العصور الوسطى، ومثل ذلك البنية التناقضية للتحول التاريخي.

يوظف فوكو في كتاباته الأخيرة – وعلى الأخص في (استعمال المتع) المنشور في عام 1984 – البحث التاريخي لفتح إمكانيات تجريبه مع الذاتية، من خلال إظهار أن الذاتية هي سلطة تكوينية للأنا، متجاوزة هياكل المعرفة والسلطة التي انطلقت منها، ويقول فوكو أن هذه سلطة فكرية، وهي قدرة البشر على مساءلة الظروف التي يعيشون في ظلها. بالنسبة للفلسفة؛ فإن ذلك يعني “السعي لمعرفة كيف ولأي مدى قد يكون بالإمكان التفكير على نحو مختلف، عوضا عن إضفاء شرعية على ما هو مألوف بالفعل”. وهكذا فهو ينضم إلى ليوتار في الترويج لتجريبية خلاقة كسلطة فكرية رائدة، سلطة تتفوق على العقل – محدَّدة بدقة – ومن دونها سيكون الفكر جامدا. يقف فوكو – في هذا الصدد – في صف واحد مع الذين يؤكدون على حساسية ما بعد الحداثة تجاه العِلم، والفن، والمجتمع المعاصر. ولا بُدَّ أن نلاحظ كذلك أن كتابات فوكو خليط من الفلسفة والبحث التاريخي، تماما كما يجمع ليوتار بين ألعاب الخبير اللغوية والفيلسوف في (الوضع ما بعد الحداثي). هذا المزج للفلسفة بمفاهيم وأساليب من تخصصات أخرى هو من سمات ما بعد الحداثة بمعناها الأوسع.

 

  1. الاختلاف المثمر

إن مفهوم الاختلاف كآلية إنتاجية، عوضا عن أن يكون إنكارا للهوية، هو أيضا سمة مميزة في فلسفة ما بعد الحداثة. يبثُّ جيل دولوز هذا المفهوم في ثنايا أعماله، ابتداءً بـ (نيتشه والفلسفة) الصادر عام 1962، والمترجَم إلى الإنجليزية عام 1983، حيث يضع نيتشه في مواجهة نماذج التفكير في أعمال كانط وهيغل، إذ يقترح فيه التفكير ضد العقل لمقاومة إصرار كانط على سلطة العقل المبرَّرة ذاتيا بصورة فذَّة. في عبارة ردَّدها فوكو؛ يصرِّح دولوز بأن الهدف من نقده للعقل “ليس تبريرا إنما صورة مختلفة للشعور: حساسية أخرى”. ويؤكد أن النقد الفلسفي هو المواجهة بين الفكرة وما يدفعها لأن تصبح فعلا: إنها مسألة حساسية بدلا من أن تكون مجلس قضاء يحاكِم به العقل ذاته بقوانينه الخاصة. علاوة على ذلك؛ فإن نقد العقل ليس منهجا، ولكن يتمُّ تحقيقه من خلال الثقافة بالمعنى النيتشوي: التدريب، والانضباط، والابتكار، وبنوع من الصرامة. وبما أن الفكرة لا يمكن أن تفعِّل ذاتها كتفكير، فإن دولوز يقول أنه يتوجب عليها أن تعاني من العنف إن كان من المُقرَّر إثارتها وتحريكها. بقدر ما يعتبر الفن والعِلم والفلسفة [وسائط] تحويلية وتجريبية فإنها تنشر هذا النوع من العنف.

يؤكد دولوز – معارضا هيغل – أنه بينما يكون الديالكتيك مبنيا على النفي والضد داخل هوية مفترضة فإن “الاختلاف هو المبدأ الوحيد للتكوين أو الإنتاج”. يظهر الضد في نفس المستوى المنطقي، لكن الاختلاف يتحرك عبر الأسطح والمستويات، وليس في اتجاه واحد فحسب. أضف إلى ذلك أنه في حين يعتبر هيغل النقيض القوة الدافعة للديالكتيك، فإن دولوز يعلن أنه يمكن التفكير في الاختلاف فقط كتكرار يعيد نفسه (كما في العود الأبدي لنيتشه)، حيث يؤكد الاختلاف نفسه باختلافه الأبدي عن ذاته، وحركته منتجة ولكن دون ضد منطقي، أو نفي، أو ضرورة. بدلا من ذلك؛ تتكرر الصدفة والتعددية كما يكرر رمي النرد عشوائية الرمي مع كل رقم. من ناحية أخرى؛ فإن الديالكتيك يُلغي الصدفة ويؤكد حركة النقيض كعمل خارج إطار الهوية، كما في كتاب [هيغل] (علم المنطق) حيث يُفتَرض بالكينونة أن تكون في لحظتها الآنية مُعادِلة لذاتها فحسب. بيد أنه بالنسبة لدولوز فإن الحساسية تقدم لحظة عشوائية إلى تطور الفكر، ما يجعل المصادفة والأحداث الطارئة شروطا للتفكير. هذه الشروط تربك الهوية المنطقية والمضادة، وتجعل حدود التفكير تتجاوز أي نظام ديالكتيكي.

يقوم دولوز في كتاب (الاختلاف والتكرار) الصادر عام 1968 بتطوير مشروعه في اتجاهات متعددة، ويقول أن عمله ينبع من التقاء خطين بحثيين: مفهوم الاختلاف بدون النقيض، ومفهوم التكرار الذي تكون فيه التكرارات الميكانيكية والمادية لتباينات خفية متنكرة أو مُزاحة. تركيزه الرئيس هو نقد شامل للفكر التصوري، بما في ذلك الهوية، والضد، والتجانس، والتشابه. بالنسبة لدولوز فإن “المظاهر” ليست تمثلات، ولكنها كثافات حسية خالية من الهويات الذاتية والموضوعية. بدون هذه الهويات فإن المظاهر بمثابة محاكاة خادعة لتباينات غير ظاهرة يسميها “المُبشِّر المُبهَم” أو “التفاوت بحد ذاته”. هذا التباين هو الكينونة غير المحسوسة للمحسوس؛ وهي كينونة ليست مطابقة للمحسوس أو لذاته، وبقدر ما هي معضلة عصيَّة فإنها تدفعنا لمواجهة المحسوس باعتباره “معطى”.

من ناحية أخرى يؤثر أي حراك ضد الفكر التصوري على هوية الذات، حين يؤسس كانط الوحدة التصورية للمكان والزمان على الوحدة الشكلية للوعي يقوم الاختلاف بإعادة توزيع حدوس الماضي والحاضر والمستقبل بحيث يتفتت الوعي إلى حالات متعددة بلا ذات واحدة قابلة للتنبؤ. يقول دولوز أن هناك قيم مكثفة تتفرد بذواتها، والفردانية ليست سمة من سمات الذات أو الأنا وإنما تباين أبدي يقوم بتقسيم نفسه وتغيير هيئته. بصيغة نيتشوية؛ مصطلح “الأنا” هنا لا يشير إلى وحدة في الوعي ولكن إلى محاكاة خادعة متعددة بلا ذات مطابقة لهذا التعدد الظاهري، وبدلا من ذلك فإن الذوات تنشأ وتتعدد كـ “مفاعيل” لقيم مكثقة تملأ المكان والزمان. هذا يقود دولوز لافتراض كليات متعددة للذاتية ترتبط بالمحسوس بقدر ما تؤدي للشعور والفكر والفعل، هو يقول أن “كل كلية – بما في ذلك الفكر – ليس لديها سوى مجازفات قسرية، ويبقى العمل القسري جزءً لا يتجزأ من التجربة”. على الصعيد الذاتي فإن مفارقة التباين تقوم بتفتيت العامل المشترك للكليات وتضعها أمام حدودها الخاصة؛ الفكر أمام ما لا يُمكن تصوره، والذاكرة أمام ما لا تعيه الذاكرة، والحس أمام ما لا يُدرك حسيا…إلخ، هذا التصدع والتعدد للذات – كما يشير دولوز – يؤدي لإدراك مفاده أن “الفصام ليس مجرد حقيقة إنسانية بل أيضا إمكانية فكرية”؛ لذا يقوم بتوسيع مداه كمفهوم فلسفي يتجاوز تطبيقاته الإكلينيكية.

موضوع تحلل الذات وتداعياته على المجتمع هو موضوع الكتاب الصادر عام 1972 (ضد أوديب: الرأسمالية والشيزوفيرينيا) لكل من جيل دولوز وفليكس غاتاري، معظم الكتاب مُوجَّه ضد دوغما فكرية راسخة لدى اليسار السياسي في فرنسا خلال حقبة الخمسينات والستينات، دوغما تتكون من أفكار ماركس وفرويد والبنيوية التي استعملها لويس ألتوسير وجاك لاكان. يجادل كل من دولوز وغاتاري أن هذا الخليط لا زال مُقيَّدا بالتفكير التصوري – بما في ذلك مفاهيم الإنتاج القائم على الندرة – وأفكار الاغتراب المُؤَسَّسة على الهوية والنقيض. علاوة على ذلك؛ فإن مفهوم أوديب للتحليل النفسي – كما يقولان – يؤسس مسرحا للرغبة يكون فيه العقل جزءً لا يتجزأ من دراما عائلية مغلقة عن القوى الفاعلة في المجتمع التي تقع خارج حدود النفس والعائلة، ويصفان هذه القوى بأنها “آلات الرغبة” التي تقوم بوظيفة الاتصال والانفصال وإعادة الاتصال مع بعضها البعض دون قصد أو معنى.

يُصوّر المؤلفان المجتمع كسلسلة أعيد “أقلمتها” أو نقوش على “جسد بلا أعضاء” أو قضية تدفقات حرة لقيم كمية تملأ فراغا بدرجات متفاوتة، النقوش الأولى هي علاقات البُنوَّة والقرابة التي تقوم بهيكلة المجتمعات البدائية والتي تتضمن غالبا وسم أجساد بشرية، النقوش البدائية تؤسس رابطة لآلات مرغوب بها – فنيا واجتماعيا – بوصفها تدفقات ترميز أو إعاقة لها عناصر أو أعضاء بشرية، الجسد الكامل للمجتمع هو الأرض المقدسة التي تربط جميع أفراد المجتمع برابطة قرابة مباشرة وتُخصِّص لذاتها جميع المخرجات الاجتماعية كشرط إلهي أو طبيعي مسبق، وبعدها يتم إعادة ترميز ولا-أقلمة هذه النقوش البدائية بواسطة “آلة استبدادية” تؤسس علاقات تحالف وقرابة جديدة عبر جسد الحاكم أو الإمبراطور الذي يقف بمفرده في صورة إله يقوم بتدشين ميكانزم الدولة وفق أنساق اجتماعية موجودة مسبقا. أخيرا؛ تقوم الرأسمالية بلا-أقلمة نقوش الآلة الاستبدادية وإعادة ترميز جميع علاقات البُنوَّة والتحالف لتدفقات رأس المال. أعضاء المجتمع والدولة يتم تخصيصهم في توظيف الرأسمالية، والبشر يصبحون أمرا ثانويا في عملية تبنِّي رأس المال لذاته.

دولوز وغاتاري يريان في النظام النقدي للرأسمالية “بداهة قيم كمية تتجه أكثر فأكثر باتجاه لا-إقليمية المجال الاجتماعي”، أي أن رأس المال فصامي أصلا، لكن هذا الفصام يبقى بمثابة الحد الخارجي للرأسمالية لأنها تعيد أقلمة كل التدفقات إلى المال، ومع ذلك يظل هذا الحد هو ما يمنح الفكر قدرة على إخضاع الرأسمالية للنقد الفلسفي، إذ يقولان أن التحليل النفسي جزء من حاكمية رأس المال لأنه يعيد أقلمة الذات كمجال “خاص” و”فردي” حيث يؤسس هوية نفسية من خلال رموز الأوديبية، لكن المثلث الأوديبي هو محض محاكاة تمثيلية للقرابة والبُنوَّة، ويقوم بإعادة الترميز داخل نظام قائم على قروض واجبة الدفع ومدفوعات مستحقة التسديد، ويؤكدان أن تدفقات الرغبة داخل هذا النظام قد أصبحت محض تمثلات لها بصورة مفصولة عن “جسد بلا أعضاء” وميكانزمات أسرية مضافة للمجتمع، وبالتالي فإن النقد الراديكالي للرأسمالية لن يتحقق بالتحليل النفسي بل يتطلب التحليل الفصامي “من أجل قلب مسرح التمثلات إلى نظام لإنتاج الرغبات”. هنا يرى كل من دولوز وغاتاري إمكانية ثورية في الفن الحديث والعلوم يتم عبرها لا-أقلمة وحل شيفرة تدفقات الرغبة – من أجل مواكبة ما هو جديد ضمن إطار المجتمع – دون إعادة ترميزه تلقائيا داخل رأس المال. من هذا المنظور الثوري فإن “ضد الأوديبية” تُقرأ بوصفها تصريحا عن رغبة عبَّرت عن نفسها في شوارع باريس أثناء حراك مايو 1968، ولا يزال أثرها في الحياة الفكرية ملموسا حتى الآن.

 

  1. التفكيك

مصطلح “التفكيك” – مثل مصطلح “ما بعد الحداثة” – اتخذ عدة دلالات في المخيال العام، لكنه على الصعيد الفلسفي يشير لاستراتيجيات محددة في قراءة وكتابة النصوص. تم إدخال المصطلح إلى مجال فلسفة الأدب عام 1967 مع ثلاثة نصوص نشرها جاك دريدا: في علم الكتابة (1974) الكتابة والاختلاف (1978) الصوت والظاهرة (1973)؛ هذه الإصدرات جعلت دريدا يخطف الأضواء ويتربَّع على رأس تيار فلسفي وإنساني جديد يتمركز في باريس جالبا مع مفرداته مصطلح “التفكيك”. دريدا والتفكيك اقترنا بصورة روتينية مع ما بعد الحداثة رغم أنه لم يقم بتوظيفها – كما هو الحال مع دولوز وفوكو – وسيقاوم كل أشكال القولبة داخلها. من بين هذه الإصدرات الثلاثة كان كتاب (في علم الكتابة) أكثرها شمولية في إرساء خلفية للتفكيك كأسلوب في قراءة النظريات الحديثة في اللغة – خاصة البنيوية – وتأملات هايدغر في غياب الكينونة، كما أنه يحدد مكمن اختلاف دريدا عن هايدغر حول نيتشه. هايدغر يضع نيتشه داخل ميتافيزيقيا الوجود بينما يُصرُّ دريدا على “أن القراءة وبالتالي الكتابة وكذلك النص هي بالنسبة لنيتشه عمليات أصلية”، وهذا يجعله بصدد اختتامها وليس إنهاءها، وهو إغلاق يُحرِّر الكتابة من العلامات التقليدية التي تجعل النص المكتوب بمثابة علامة (إشارة مرئية) لعلامة أخرى (الخطاب) مدلولها له حضور كلي ذو معنى.

برز هذا الاختتام – كما يقول دريدا – مع التطورات الأخيرة في العلوم الإنسانية والألسنيات والرياضيات والسيبرنطيقيا (علم التحكم والاتصال)؛ حيث تكون العلامة المكتوبة مجرد اصطلاح وظيفي أكثر من كونها معنى. انعتاق المصطلح من المعنى يشير بصورة خاصة لاختتام حقبة يُسمِّيها هايدغر بميتافيزيقيا الحضور، اختتام لا يعني بالضرورة الإنهاء. وكما هو الحال في مبحث “سؤال الوجود” لدى هايدغر الذي يرى أنه من المناسب شطب كلمة “الوجود” مع بقائه مقروءً – رغم ذلك – تحت علامة الشطب  X؛ فإن دريدا يعتبر هذا الاختتام للميتافيزيقيا بمثابة “امِّحائها”، إذ لا تختفي تماما بل تبقى منقوشة كجانب واحد للاختلاف، بحيث تكون علامة الشطب بذاتها أثر الاختلاف الذي يصل ويفصل هذه العلامة وما تم شطبه. يُسمِّي دريدا هذا الوصل والفصل للعلامات بالإرجاء، أداة يمكن قراءتها فقط دون سماعها حين يتم التلفظ بالاختلاف والإرجاء في الفرنسية. حرف “أ” علامة مكتوبة اشتقاقها مستقل عن الصوت، وهذا امتياز يخص حيّز الميتافيزيقيا. بهذا المعنى يكون الإرجاء بوصفه توسعة للاختلاف – كتابة أصلية – مخطط علم الكتابة، لكن دريدا يقول: “لا يمكن أن يكون هناك علم للإرجاء ذاته تماما كتعذر وجود علم لأصل الحضور نفسه، أي لا يمكن أن يكون هناك علم لما هو لا-أصل”، وعوضا عن ذلك لا يوجد سوى أثر الإرجاء وهو التفكيك.

يقول دريدا أن أية لغة – حتى عند التحدث بها – هي كتابة، هذه الحقيقة يتم قمعها حين النظر إلى المعنى كأصل حاضر ومكتمل بذاته وذلك انطلاقا من أن كل اللغات على المستوى الوظيفي هي عبارة عن نظام اختلافات، فالنصوص تصبح عرضة للتفكيك حين تتخذ معنى أو ثيمة خاصة بها، شأنها شأن النصوص الأخرى المرتبطة بها. العلامات المكتوبة – بالنسبة لدريدا – لا تنظم ذاتها ضمن حدود طبيعية بل تتشكل وفق سلاسل دلالات تنتشر في جميع الاتجاهات. وحسب صياغة دريدا الشهيرة “لا يوجد نص خارجي”؛ أي أن النص يتضمن الاختلاف بين أي “داخل” و “خارج”، ويقصد – كما في رسالة له إلى جيرالد غراف – أن “الواقع بكليته يملك بنية ذات أثر تفاضلي مع كل إحالة”، فالنص إذن ليس كتابا ولا يملك مؤلِّفا بالمعنى الدقيق للكلمة. وبالمقابل فإن اسم المؤلف هو دال مرتبط بالآخرين حيث لا وجود لدال جوهري حاضر أو غائب في النص (كما هو الحال مع “الفالوس” لدى لاكان)، وهذا ينطبق أيضا على مصطلح الإرجاء إذ لا يمكن توظيفه كملحق للتباعد المثمر بين العلامات، لذلك يصر دريدا على أن “الإرجاء حرفيا ليس كلمة وليس مفهوما”، بل يمكن ملاحظته فقط بوصفه لعبة اختلافات على صعيد التباعد بين الدلالات المرتبطة ببعضها والمعنى المؤجل أو الحاضر لدى ممارسة فعل القراءة على حدّ سواء.

إذن كيف يمكن توصيف الاختلاف؟ دريدا يرفض طرح الإجابة من زاوية “ماذا” و “من” لأن ذلك يوحي بوجود اسم ملائم للاختلاف بدلا من إضافات لا نهائية لا يكون فيها الاختلاف سوى شيء واحد. هذه الإزاحة التكميلية تعمل على الصعيد البنيوي – حسب هايدغر – على اختزال كل مسميات الوجود إلى مستوى حضور الموجودات، وبالتالي تجاهل “الاختلاف الأنطولوجي” بينها، لكن دريدا يتناول هذا الاختلاف الأنطولوجي كثمرة لإضافات مصطلح “الإرجاء” بوصفه أحد أوجهه المتعددة. يقول دريدا: “الإرجاء أقدم من الاختلاف الأنطولوجي أو حقيقة الوجود بصورة مؤكدة وعلى نحو غير مألوف”، هنا يتقفَّى التفكيك نُسخ الإضافة، هو ليس في مجمله نظرية لممارسة فعل القراءة وتحوير النص إذ تُولِّد حركة تقفي اتجاهات الاختلاف نصوصا أخرى متمازجة مع الأصل. وعلى الرغم من وجود تعسُّف لا ريب فيه في لعبة الاختلافات الناتجة فإن ما يولِّد المعنى المراد – أيا كان – ليس تعسُّف القارئ. المسألة هنا لا تتعلق بالمعنى بل بالبعد الوظيفي، لو فُهم المعنى في سياقه الظرفي وكانت الروابط الدالة التي تُحيل إلى التفكيك متوفرة في النص ذاته فإن القراءة التفكيكية لا تفرض أو تؤكد معنى ما بقدر ما تخلق مساحات يعمل خلالها النص ضد معناه الظاهري أو ضد تاريخ تأويله.

 

  1. الواقعية الفائقة

يرتبط مفهوم الواقعية الفائقة ارتباطا وثيقا بمفهوم المحاكاة: صورة أو نسخة لا تُحيل إلى أصل. في ما بعد الحداثة؛ الواقعية الفائقة هي حصيلة خبرة تتوسل التكنولوجيا وتقوم بتمرير شبكة من الصور والعلامات للواقع بدون مرجعية خارجية بحيث لا تُمثِّل سوى ذاتها. استخدم جان بودريار في كتابه الصادر عام 1975 (التبادل الرمزي والموت) أفكار لاكان بخصوص الرمزي والحقيقي والمتخيل لتطوير هذا المفهوم في سياق هجومه على يقينيات اليسار السياسي، بدءً بالواقع المفترض للسلطة، والإنتاج، والرغبة، والمجتمع، والشرعية السياسية. يجادل بودريار أن هذه الحقائق تحولت إلى محاكاة، بمعنى أنها أصبحت علامات لا مرجعية لها نظرا لأن الحقيقي والمتخيل قد تم استيعابهما في الرمزي.

بودريار يعرض الواقعية الفائقة كآخر مراحل المحاكاة، حيث لا وجود لأي علاقة مهما كانت بين الواقع وبين الصورة أو العلامة ما خلا “محض زيف محاكاتها الخاصة”. ما هو حقيقي أصبح انعكاسا إجرائيا لعمليات رمزية، تماما كحال الصور التي يتم توليدها وترميزها تقنيا قبل أن ندرك ذلك فعلا. هذا يعني أن ثمة وساطة تكنولوجية استحوذت على الدور الإنتاجي للموضوع الكانطي بوصفه المركز الأصلي لتوليفة البديهيات والأفكار، وكذلك العامل الماركسي بوصفه منتج رأس المال من خلال العمل، واللاوعي الفرويدي بوصفه ميكانزم الرغبة والكبت. يقول بودريار: “من الآن فصاعدا تتفاعل العلامات مع بعضها البعض بدلا من التفاعل مع الواقع”، الإنتاج هنا صار معنيا بعلامات تُولِّد علامات أخرى، ونظام التبادل الرمزي لم يعد واقعيا وإنما تحول لـ”واقعية فائقة” بحيث أصبح ما هو واقعي متوجها إلى “ما يتوفر على إمكانية استنساخ مماثل”. يقول بودريار أن الواقعية الفائقة هي “ما يمكن بالفعل إعادة إنتاجه دون توقف”، فالواقعية الفائقة ليست سوى نظام محاكاة يقوم بمحاكاة ذاته باستمرار.

الدرس الذي يستخلصه بودريار من أحداث مايو عام 1968 هو أن الحركة الطلابية قد استفزها إدراك مفاده “نحن لم نعد منتجين”، وأن التناقض الواضح داخل نظام توليد المعاني وتبادل الآراء لا يستنسخ سوى ميكانزمات النظام نفسه، ويقول – من منظور استراتيجي – أن الجوهري لا يمكن تجاوزه إلا بإدخال عنصر غير قابل للتبادل في النظام الرمزي، عنصر يتوفر على خاصية اللارجعة للموت الطبيعي والذي يستثنيه النظام الرمزي ويجعله غير مرئي. ويشير إلى أن النظام يحاكي الموت الطبيعي بصور رائعة للموت والعنف حيث يكون الموت ناتجا عن عمليات مصطنعة و”حوادث”. يستدرك بودريار قائلا: “لكن خاصية الموت لا يمكن موضعتها أو برمجتها”، ويقصد بذلك الموت كنهاية محتومة لا رجعة منها، لذا فهو يدعو لتطوير “استراتيجيات مُهلِكة” تجعل النظام يعاني التقلب والانهيار.

هذه الاستراتيجيات هي مسائل تتعلق بالفن أو البلاغة – أو بمزيج من الاثنين معا – لذا يتوجب إنجازها داخل النظام الرمزي، وهي تتخذ خاصية الملكات أو التضحيات حين يفتقر النظام لحركة مضادة أو مكافئة. بودريار يجد نموذجا أوليا لهذه الاستراتيجية في أعمال فناني الغرافيتي ممن يقومون بتوظيف العلامات والرموز من أجل الإشارة للمعنى المحظور المراد إيصاله، ويمهرون نقوشهم الجدارية بأسماء مستعارة بدلا من أسمائهم الحقيقية. يقول بودريار: “هم لا يسعون للانشقاق لاستعادة الهوية بل لتحويل اللاحتمية ضد النظام لتنقلب إلى استئصال”. بعض ملاحظاته الخاصة؛ مثل “لا علاقة لي بما بعد الحداثة”؛ تحمل دون شك ذات المقصد الاستراتيجي إلى الحد الذي أصبحت فيه “ما بعد الحداثة” علامة قابلة للاستبدال بعلامات أخرى لا يرغب فعلا بأن تكون له علاقة بها، ومع ذلك فإن مفاهيمه عن المحاكاة والواقعية الفائقة ودعوته للقيام بتجارب استراتيجية بالعلامات والرموز تجعله بالقرب من شخصيات مثل ليوتار وفوكو ودريدا.

  1. هيرمنيوطيقيا ما بعد الحداثة

الهيرمنيوطيقيا – علم تأويل النص – تلعب أيضا دورا في فلسفة ما بعد الحداثة، تركز – بخلاف التفكيكية – على الهياكل الوظيفية للنص حيث تسعى للانسجام أو التوافق مع ما يقصده النص أو يتحدث عنه. جياني فاتيمو صاغ فلسفة تأويل ما بعد حداثية في كتابه الصادر عام 1985 (نهاية الحداثة) ميَّز فيها نفسه عن أقرانه الفرنسيين عبر طرح سؤال ما بعد الحداثة كمسألة تتعلق بالتأويل الوجودي. وبدلا من الدعوة لتجربة هياكل وظيفية واستراتيجيات مضادة فهو يرى أن عدم التجانس والتنوع في خبرتنا بالعالم هو مشكلة تأويلية تجد حلَّها في تطوير معنى التواصلية بين الماضي والحاضر، هذه التواصلية ليست تكرارا لهيكل وظيفي وإنما وحدة المعنى وتحديدا الأنطولوجي. في هذا الصدد؛ يُعتبر مشروع فاتيمو امتدادا لاستقصاءات هايدغر حول معنى الكينونة، إذا كان هايدغر يضع نيتشه داخل حدود الميتافيزيقيا فإن فاتيمو يلجأ لتأويلات هايدغر الوجودية ومحاولة نيتشه للتفكير فيما وراء العدمية والتاريخانية عبر فكرته عن العود الأبدي، والنتيجة – كما يقول فاتيمو – هو تشوه مؤكد لقراءة هايدغر لنيتشه تُسوِّغ تأويل أحدهما من خلال الآخر. هذا فارق جوهري بين فاتيمو والفرنسيين المابعد حداثيين الذين يقرؤون نيتشه بوصفه ضدا لهايدغر ويُفضِّلون حبكة النص النيتشوي على سعي هايدغر لمعنى الكينونة.

حسب فاتيمو يمكن الجمع بين هايدغر ونيتشه تحت ثيمة التجاوز، نيتشه يعلنها عبر العود الأبدي وهايدغر يقترحها عبر خبرة غير ميتافيزيقية بالكينونة. فاتيمو يجادل بأن ما يتم تجاوزه في كلتا الحالتين هو الحداثة والتي تتميز بهيئة تكون خلالها الفلسفة والعلم عبارة عن تطورات تقدمية في الفكر والمعرفة تتناسب على نحو متزايد مع أسسهما الخاصة. لكن تجاوز الحداثة لا يمكن أن يعني تقدما لمرحلة تاريخية جديدة حيث يشير فاتيمو إلى أنه “من ناحية؛ يجد كل واحد من الفيلسوفين نفسه مضطرا لأخذ مسافة نقدية من الفكر الغربي بقدر ما هو تأسيسي ولكنه غير قادر – من ناحية أخرى – على نقد الفكر الغربي انطلاقا من أساس آخر أكثر صوابا”، وبالتالي فإن تجاوز الحداثة لا بد وأن يحمل معنى تحريف أو تشويه الحداثة ذاتها أكثر من صفة التقدم إلى ما بعدها.

على الرغم من أن فاتيمو يعتبر ما بعد الحداثة نقطة تحول جديدة داخل الحداثة؛ إلا أنه ينطوي على تفكك عرى ما هو جديد بمنطق التاريخ، مما يعني نهاية التاريخ الكوني، ويقول أنه “في حين يصبح مفهوم التاريخانية أكثر إشكالية من أي وقت مضى فإن علم التاريخ ومنهجيته الخاصة بالوعي بفكرة التاريخ كعملية أحادية يتبدد بسرعة”. هذا لا يعني أن التحول التاريخي سيتوقف حدوثه لكن تطوره أحاديا لم يعد قابلا للتصور، ما هو ممكن انحصر في التاريخيات الموضعية. اللاتاريخانية تسارعت بفعل التكنولوجيا وخصوصا التلفاز، لذا يقول فاتيمو أن “كل شيء يميل للتمظهر على السطح في مستوى التزامن والتواقت”، ونتيجة لذلك تلاشى الإحساس العميق بالغاية بخصوص ما يحدث في العالم، وغدونا نُواجَه بمجموعة متنوعة ومتباينة من الغايات الجزئية التي لا يمكن الحكم عليها إلا من الناحية الجمالية، لذا فحقيقة تجربة ما بعد الحداثة تُدرَك على نحو أفضل في الفن والأدب.

يُشير فاتيمو إلى أن المدلول النيتشوي لتجاوز الحداثة هو “حَلُّ الحداثة عبر دفع نزعاتها الداخلية لحافة الراديكالية”، وهذا يشمل استنساخ “الجديد” كقيمة وحافز للتجاوز النقدي باتجاه أسس ومنطلقات ملائمة. في هذا الصدد يفيد نيتشه بأن الحداثة تؤدي للعدمية: جميع القيم – بما في ذلك الحقيقة والجديد – تنهار تحت الرصد النقدي، والمَخرَج من هذا الانهيار هو لحظة العود الأبدي التي نؤكد فيها على ضرورة الخطأ في ظل غياب الأسس. فاتيمو يجد موقفا مماثلا من الحداثة في فهم هايدغر للتجاوز الميتافيزيقي إلى الحد الذي يقترح فيه أن تجاوز التأطير يكمن في احتمال حدوث تحوُّل داخل التأطير ذاته، تحوُّل كهذا قد يعني تعميق وتشويه الجوهر التقني وليس تدميره أو هجره. علاوة على ذلك؛ فإن معنى الوجود قد يُفهَم كتفسير للتاريخ بوصفه “وجودا هزيلا” بدلا من كونه حقيقة صلدة، وعلم تأويل الوجود قد يصبح تاريخانية مشوَّهة. وبخلاف فن التأويل التقليدي؛ يجادل فاتيمو بأن إعادة بناء الطابع التواصلي للتجربة المعاصرة يتعذر دون التكامل مع العلم، وهذا يتطلب فلسفة تطرح رؤية كلية للعالم بخطاب مقنع يتضمن بذاته آثار أو بقايا أو عناصر تم فرزها من المعرفة العلمية، لذا تُعتبَر فلسفة فاتيمو مشروع تأويل ما بعد حداثي على الضد من المفكرين الفرنسيين الذين لم يكلفوا أنفسهم عناء النظر في المعنى أو التاريخ كوحدات متصلة.

  1. فن الخطاب وجماليات ما بعد الحداثة

فن الخطاب والجماليات يتعلق بتقاسم الخبرات عبر التشارك والمحاكاة. تتضمن هذه النشاطات – بالمعنى الما بعد حداثي – التقاسم أو الإسهام في التباينات الحاصلة بين القديم والجديد، وبين الطبيعي والمصطنع، وحتى ما بين الحياة والموت، والممثل الأبرز لهذا المسار في فكر ما بعد الحداثة هو ماريو بيرنيولا. وكما هو الحال مع فاتيمو؛ يصر بيرنيولا على عدم تخلي فلسفة ما بعد الحداثة عن إرث الحداثة في العلوم والسياسة حيث يقول في كتابه الصادر عام 1995 (ألغاز: اللحظة المصرية في المجتمع والفن): “العلاقة بين الفكر والواقع التي جسَّدها التنوير والمثالية والماركسية ينبغي ألا تُكسَر”. ومع ذلك فهو لا يؤسس هذه التواصلية على جوهر أو روح أو معنى داخلي بل على آثار الحداثة المستمرة في العالم. إحدى هذه الآثار – التي يمكن رؤيتها في الفن وعلاقته بالمجتمع – هو تداعي الماضي والمستقبل في الحاضر، والذي يصفه بأنه “مصري” أو “باروكي” بطبيعته. هذا الأثر الزمني قد تحقق من خلال تداعي التباين بين البشر والأشياء، إذ “أصبح البشر أكثر شبها بالأشياء بحيث يبدو العالم اللاعضوي – بصورة متساوية وبفضل التقنية الإلكترونية – وكأنه يلعب دور الإنسان في إدراك الأحداث”، وهذا يعادل ما كان لدى المصريين – حسب وصف هيغل في كتابه الصادر عام 1823 (فلسفة الفن والجمال) – حين تم المزج بين الروحاني والطبيعي لدرجة لا يمكن الفصل بينهما كما في تمثال أبي الهول على سبيل المثال. على أية حال؛ اللاعضوي في عالم ما بعد الحداثة ليس طبيعيا بل هو مصطنع بقدر ما تتوسط التكنولوجيا تصوراتنا.

بالمثل يقول بيرنيولا أن تشكيلات الفن في المتاحف الحديثة تُنتِج “تأثيرا باروكيا” بحيث أن “الحقل المفتوح عبر تشكيلةٍ ما ليس الرأي العام الذي تم تعهده بعناية ولا المشاركة الاجتماعية بل هو فضاء يجتذبه تحديدا لأنه لا يمكن التحكم به أو الاستحواذ عليه”، أي أن الفن – في سياق هذه التشكيلة – قد تمت إزالته من سياقه الطبيعي أو التاريخي مع تشكل معنى جديد للفضاء والزمن غير قابل للاختزال لتاريخ خطي أو لأي مدلول أصلي. التشكيلة – بهذا المعنى – هي رمزية مجتمع ما بعد الحداثة، لحظة “حقيقته”. علاوة على ذلك؛ يصرُّ بيرنيولا على أن الحس الباروكي بوجه عام هو ميزة للثقافة والمجتمع الإيطالي، ويقول أن “فكرة الحقيقة كشيء عار بالضرورة تتناقض مع المفهوم الباروكي المتجذر في إيطاليا للحقيقة بوصفها شيئا مُغطَّى بالضرورة”، وهذا يتوافق مع إدراك يتوسط المشاعر الداخلية والأشياء الخارجية. يقول بيرنيولا: “اللغز الإيطالي يكمن في حقيقة مفادها أن العنصر البشري مُزوَّد بنزعة عاطفية يشارك بها رغم أنها لا تنتمي له على نحو حميمي”. من أجل إعادة الاعتبار لهذه الخبرة الغامضة يجب أن يصبح الفيلسوف “وسيطا أو ممرا أو محطة عبور لشيء أجنبي ومختلف، لذا فالكتابة والقراءة الفلسفية ليست أنشطة متماثلة في موضوعها ولكنها – وبشكل غير محدد – عمليات توسط بين الذات والآخر، والسرد الفلسفي هو تجاوز لتناقضاتها.

هذه التناقضات لا يمكن التغلب عليها بإلغائها بواسطة توليفة نظام أعلى – على الطريقة الهيغلية – بل يجب أن تتآكل خلال عملية تجاوزها. يوضح بيرنيولا في كتابه (التفكير الطقسي) هذه العملية عبر مفاهيم العبور والمحاكاة الزائفة والطقس المجرد من الخرافة. العبور مشتق من مدلول التزامن المقترن بالحاضر حيث يتم إرسالنا لحالة تتسم باللااستمرارية واللاتعيين والتحرك “من النظير إلى النظير”. المحاكاة الزائفة هي ناتج ميمات لا تنتهي حيث لا وجود سوى لنُسَخ تتولد من نُسَخ أخرى دون إحالة إلى أصل، والطقس المجرد من الخرافة هو تكرار لأنماط الفعل الذي لا علاقة له بالحياة الباطنية لذات أو مجتمع. وهكذا يرى بيرنيولا التفاعل الاجتماعي والسياسي كنماذج فعل متكرر، معناه ليس ناجزا وإنما في طور التشكل، ومع ذلك فإن تجاوز الأضداد – تحديدا الحياة والموت – في حيز وسيط يتم وفق حركة ذهاب وإياب داخل فضاء تناقضاتها.

يشير بيرنيولا إلى ممارسات متصلة بالدين الروماني تحديدا من أجل إيضاح هذه المفاهيم حيث يقول: “الطقوس المجردة من الخرافة هو أساسا جوهر الرومان”، هو ممر عبور بين الحياة والموت عبر محاكاة متبادلة؛ على سبيل المثال؛ في الحركات المعقدة لطقس يُعرف بـ Lusus Troiae [حدث فروسية كان يُقام في روما أثناء جنازة أو تشييد معبد أو احتفال بنصر عسكري لكن لم يرتبط بأي مهرجان ديني]، ويقول أن هذه الحركات تقوم بدور وسيط بين الحياة والموت عبر عكس نمط تعاقبها الطبيعي، وتوسُّطِ تناقضها عبر أفعال بلا معنى جوهري. وبخلاف مشروع فاتيمو لبناء المعنى عبر تجاوز التناقضات التاريخية فإن مفهوم بيرنيولا للعبور إلى فضاء الاختلاف هو “فن” يحمل مدلول الحيلة أو التكنيك، ولا يسعى لتوليف أو توحيد العناصر المتناقضة. في هذا الصدد؛ يتوافق بيرنيولا مع ما بعد الحداثيين الفرنسيين الذين يشددون على التكرار الوظيفي أكثر من إبداع المعنى، ومع ذلك فإن التكرار الوظيفي للتفاعل الاجتماعي والتقني – كما يوضحه مفهوم بيرنيولا للطقس المجرد من الخرافة – لا يكشف التباينات وإنما يطمسها، هذا واضح في تقريره لطقسنة العبور بين الحياة والموت مقارنة ببودريار الذي يدعو لاستراتيجيات تقوم بإقحام الموت الذي لا رجعة منه في نظام تبادل رمزي، وبهذا الاعتبار تكون ما بعد حداثية بيرنيولا جمالية بقوة بينما تظل مع فاتيمو قائمة في بُعدَي التجربة الجمالي والتاريخي.

  1. نقد هابرماس

يورغن هابرماس من أكثر نُقَّاد فلسفة ما بعد الحداثة شمولية وشهرة، وتصدى في كتابه الصادر عام 1985 (الخطاب الفلسفي للحداثة) لما بعد الحداثة على مستوى المجتمع و”الفعل التواصلي”. لا يذود هابرماس عن مفهوم الحداثة ضد هجمات ما بعد الحداثيين بوصفها وعيا أو ذاتا مستقلة لكنه يُناصر المنطق الجدلي لتواصلية التَّذات [العلاقة ما بين الذوات] ضد استراتيجيات تجريبية طليعية. على سبيل المثال؛ يزعم هابرماس أن نقودات نيتشه وهايدغر ودريدا وفوكو للحداثة اشتملت على خطأ إجرائي يتمثل في مفاهيم وآليات لا يمكن أن يوظفها سوى العقل الحداثي، وينتقد ديونيسية نيتشه كرمز تعويضي عن فقدان الثقافة الغربية للانسجام الذي كانت تستمده من الدين في زمن ما قبل الحداثة. علاوة على ذلك؛ فإن إحساس نيتشه بوجود ديونيسوس جديد في الفن الحديث يتأسس على حداثة جمالية يكتسب عبرها الفن قوته التجريبية من خلال الانفصال عن قيم العلم والأخلاق، هذا الانفصال الذي أنجزه عصر التنوير تسبب بفقدان الوحدة العضوية التي يسعى نيتشه لاستعادتها عبر الفن ذاته. هابرماس يرى هايدغر ودريدا ورثة لهذه العقيدة الديونيسية، إذ يتنبّأ هايدغر مثلا بتجربة وجودية مُحتَجِبة بفعل فلسفة مقلوبة للذات – كما يقول هابرماس – ويطمح تفكيك هايدغر لها إلى قيام وحدة مأمولة ليست سوى غياب الذات حاليا. يشير هابرماس إلى أن دريدا طوَّر مفهوم الاختلاف أو “الكتابة الأصلية” بطريقة مشابهة، هنا نرى الإله ديونيسوس يكشف عن ذاته مرة أخرى عبر الغياب كمعنى مؤجل لانهائي.

ينتقد هابرماس أيضا التسوية بين الفلسفة والأدب لدى دريدا وبسط سلطان البلاغة على نصوص ذات نفس منطقي وجدالي حيث يقول أن دريدا يأمل بهذه الطريقة تفادي مشكلة منطقية تتمثل بالإحالة إلى الذات في نقده للعقل. وعلى أية حال؛ فإن هابرماس يؤكد أن “من ينقل نقد العقل الراديكالي إلى مجال البلاغة من أجل تقويض مفارقة الإحالة إلى الذات فسوف يتسبب أيضا بثُلمة في سيف نقد العقل ذاته”. بطريقة مشابهة ينتقد هابرماس فوكو لعدم إخضاعه المنهج الجينالوجي الخاص به لكشف جينالوجي قد يُظهِر تعيينه مجددا لذات حديثة بإمكانها أن تتفحص نقديا تاريخها الخاص. ولذا يقول هابرماس: “إن فوكو عاجز عن التعامل بشكل ملائم مع الإشكاليات المستمرة التي تتصل بالمقاربة التأويلية لحقل الموضوع ورفض مرجعية الذات لمتطلبات الصدق الكلي والمبرر المعياري للنقد”.

نقد هابرماس لما بعد الحداثة على أساس التناقض الأدائي ومفارقة الإحالة إلى الذات تُحدِّد نبرة وشروط كثير من النقاش النقدي الدائر حاليا، في حين رفض ما بعد الحداثيون هذه النقودات أو ردُّوا عليها بحجج ذات نَفَس خطابي. ليوتار – مثلا – يرفض القول بأن تواصلية التَّذات تفترض مجموعة من القواعد المتفق عليها بالفعل، وأن الإجماع بصورة كلية هو الهدف النهائي للخطاب. ما بعد الحداثيون صريحون في ردودهم على هابرماس لأنه – بخلاف غيره من النُّقاد – يأخذ ما بعد الحداثة على محمل الجد ولا يعتبرها مجرد هراء، واستطاع بالفعل أن يقرأ نصوص ما بعد الحداثيين عن كثب وباستطراد يُبرهِن على وضوحها. يتفق هابرماس مع ما بعد الحداثيين في أن محور النقاش يجب أن يتوجه إلى الحداثة التي يتم الوعي بها في الممارسات والمؤسسات الاجتماعية وليس إلى نظريات الإدراك أو مصطلحات اللغة كحقول مستقلة. اهتمام هابرماس بتواصلية التَّذات يساعد في إيضاح الدور الأساسي الذي تستمر في لعبه حوارات ما بعد الحداثة المعاصرة.


المراجع

Baudrillard, Jean, 1976, Symbolic Exchange and Death, Ian Hamilton

Grant (trans.), London: Sage Publications, 1993. (Page reference is to

the 1993 translation.)

–––, 1981, Simulacra and Simulation, Sheila Faria Glaser (trans.), Ann

Arbor: University of Michigan Press, 1994. (Page reference is to the

1994 translation.)

Cahoone, Lawrence (ed.), 2003, From Modernism to Postmodernism: An

Anthology, 2nd Edition, London: Blackwell Publishing, Ltd.

Deleuze, Gilles, 1983 [1962], Nietzsche and Philosophy, Hugh Tomlinson

(trans.), New York: Columbia University Press.

–––, 1994 [1968], Difference and Repetition, Paul Patton (trans.), New

York: Columbia University Press.

Deleuze, Gilles, and Guattari, Felix, 1983 [1972], Anti-Oedipus:

Capitalism and Schizophrenia, Robert Hurley, Mark Seem, Helen R.

Lane (trans.), Minneapolis: University of Minnesota Press.

Derrida, Jacques, 1973 [1967], Speech and Phenomena and other Essays

on Husserl’s Theory of Signs, David B. Allison (trans.), Evanston:

Northwestern University Press.

–––, 1974 [1967], Of Grammatology, Gayatri Chakravorty Spivak (trans.),

Baltimore: Johns Hopkins University Press.

–––, 1978 [1967], Writing and Difference, Alan Bass (trans.), Chicago:

University of Chicago Press.

–––, 1982 [1972], Margins of Philosophy, Alan Bass (trans.), Chicago:

University of Chicago Press.

–––, 1979 [1978], Spurs: Nietzsche’s Styles, Barbara Harlow (trans.),

Chicago: University of Chicago Press.

–––, 1987 [1989], Of Spirit: Heidegger and the Question, Geoffrey

Bennington and Rachel Bowlby (trans.), Chicago: University of

Chicago Press.

–––, 1988, Limited Inc, Gerald Graff (ed.), Evanston: Northwestern

University Press.

Foucault, Michel, 2006 [1961], History of Madness, Jonathan Murphy and

Jean Khalfa (trans.), London and New York: Routledge.

–––, 1965, Madness and Civilization: A History of Insanity in the Age of

Reason, Richard Howard (trans.), New York: Random House.

–––, 1977, Language, Counter-Memory, Practice: Selected Essays and

Interviews, Donald F. Bouchard (ed.), Ithaca: Cornell University

Press.

–––, 1985 [1984], The Use of Pleasure: The History of Sexuality, Volume

Two, Robert Hurley (trans.), New York: Random House.

Habermas, Jürgen, 1987 [1985], The Philosophical Discourse of

Modernity, Frederick Lawrence (trans.), Cambridge: Cambridge

University Press.

Hegel, G.W.F., 1812, Science of Logic, A.V. Miller (trans.), London:

Allen & Unwin, Ltd., 1969. (Page reference is to the 1969

translation.)

–––, 1807, Phenomenology of Spirit, A.V. Miller (trans.), Oxford: Oxford

University Press, 1977. (Page reference is to the translation.)

–––, 1823–9, Lectures on Fine Art, (Volume 1), T.M. Knox (trans.),

Oxford: Clarendon Press, 1975. (Page reference is to the translation.)

Heidegger, Martin, 1962 [1927], Being and Time, John Macquarrie and

Edward Robinson (trans.), San Francisco: Harper & Row.

–––, 1991a, Nietzsche, Volume I: The Will to Power as Art, and Volume

II: The Eternal Recurrence of the Same, David Farrell Krell (trans.),

San Francisco: Harper Collins.

–––, 1991b, Nietzsche, Volume III: The Will to Power as Knowledge and

as Metaphysics, and Volume IV: Nihilism, David Farrell Krell (ed.),

San Francisco: Harper Collins.

–––, 1993, Basic Writings, 2nd Edition, David Farrell Krell (ed.), San

Francisco: Harper & Row.

–––, 1994 [1937–1938], Basic Questions of Philosophy: Selected

“Problems” of “Logic,” Richard Rojcewicz and Andre Schuwer

(trans.), Bloomington: Indiana University Press.

–––, 1998, Pathmarks, William McNeill (ed.), Cambridge: Cambridge

University Press.

–––, 2000 [1953], Introduction to Metaphysics, Gregory Fried and Richard

Polt (trans.), New Haven: Yale University Press.

Kant, Immanuel, 1787, Critique of Pure Reason, 2nd edition, Norman

Kemp Smith (trans.), London: Macmillan & Co., Ltd., 1929;

reprinted 1964. (Page reference is to the reprinted translation of 1964.

–––, 1790, Critique of Judgment, Werner S. Pluhar (trans.), Indianapolis:

Hackett, 1987.

Kaufmann, Walter (ed.), 1954, The Portable Nietzsche, New York: Viking

Press.

Kierkegaard, Soren, 1846, The Present Age, Alexander Dru (trans.), New

York: Harper & Row, 1962. (Page reference is to the translation.)

Lacan, J., 1977, Écrits: A Selection, Alan Sheridan (trans.), New York: W.W. Norton & Co.

Lacan, J., 1953–1955, The Seminar, Books I (Freud’s Papers on

Technique) and II (The Ego in Freud’s Theory and in the Technique

of Psychoanalysis), edited by Jacques-Alain Miller, transl. by J.

Forrester (Book I) and Sylvana Tomaselli (Book II), New York:

W.W. Norton & Co., New York, 1988.

Lacoue-Labarthe, Philippe, 1990 [1988], Heidegger, Art and Politics,

Chris Turner (trans.), London: Blackwell.

Lyotard, J.-F., 1984 [1979], The Postmodern Condition: A Report on

Knowledge, Geoff Bennington and Brian Massumi (trans.),

Minneapolis: University of Minnesota Press.

–––, 1985 [1979], Just Gaming, Wlad Godzich (trans.), Minneapolis:

University of Minnesota Press.

–––, 1988 [1983], The Differend: Phrases in Dispute, Georges Van Den

Abbeele (trans.) Minneapolis: University of Minnesota Press.

–––, 1990 [1988], Heidegger and “the jews”, Andreas Michel and Mark

Roberts (trans.), Minneapolis: University of Minnesota Press.

Marx, Karl, 1867, Das Kapital, Volume 1. The section quoted is from

chapter 1, “The Commodity”, Page numbers from the reprint, The

Portable Karl Marx, Eugene Kamenka (ed.), New York: Penguin

USA, 1983.

Nietzsche, Friedrich, 1872, “The Birth of Tragedy”, reprinted in The Birth

of Tragedy and The Case of Wagner, Walter Kaufmann (trans.), New

York: Random House, 1967.

–––, 1873, “On Truth and Lies in a Nonmoral Sense”, reprinted in

Philosophy and Truth: Selections From Nietzsche’s Notebooks of the

Early 1870s, Daniel Breazeale (ed.), New Jersey: Humanities Press,

1979.

–––, 1874, “On the Uses and Disadvantage of History for Life”, in

Untimely Meditations, R.J. Hollingdale (trans.), Cambridge:

Cambridge University Press, 1985.

–––, 1974 [1882], The Gay Science, Walter Kaufmann (trans.), New York:

Random House, 1974.

–––, 1883–1891, Thus Spoke Zarathustra, translation and page numbers

from Kaufman 1954: 112–439.

–––, 1967 [1887], On the Genealogy of Morals, Walter Kaufmann (trans.),

New York: Random House.

–––, 1889, “Twilight of the Idols”, translation and pages numbers from

Kaufman 1954: 463–564.

Perniola, Mario, 1995 [1990], Enigmas: The Egyptian Moment in Society

and Art, Christopher Woodall (trans.), London: Verso.

–––, 2001, Ritual Thinking: Sexuality, Death, World, Massimo Verdicchio

(trans.), Amherst, N.Y.: Humanity Books.

Taylor, Victor E., and Winquist, Charles E., 2001, Encyclopedia of

Postmodernism, London: Routledge.

Vattimo, Gianni, 1988 [1985], The End of Modernity: Nihilism and

Hermeneutics in Postmodern Culture, Jon R. Snyder (trans.),

Baltimore: Johns Hopkins University Press.

Wittgenstein, Ludwig, 1953, Philosophical Investigations, G.E.M.

Anscombe (trans.), New York: Macmillan.

[1] Aylesworth, Gary, “Postmodernism”, The Stanford Encyclopedia of Philosophy (Spring 2015 Edition), Edward N. Zalta (ed.), URL = <https://plato.stanford.edu/archives/spr2015/entries/postmodernism/>.

error: