ماذا قال هيزنبرگ لبور عن القنبلة؟ – جيرمي بيرنشتين

ماذا قال هيزنبرگ لبور عن القنبلة؟ – جيرمي بيرنشتين

 

 أستاذا للفيزياء في معهد ستيفنز للتقانة وأستاذا منتدبا في جامعة روكفلر، كما يشغل منصب نائب رئيس مجلس الأمناء لمركز آسپِن الفيزيائي

د. جيرمي بيرنشتين، أستاذا للفيزياء في معهد ستيفنز للتقانة وأستاذا منتدبا في جامعة روكفلر، كما يشغل منصب نائب رئيس مجلس الأمناء لمركز آسپِن الفيزيائي

مجلة العلوم (يناير1996 / المجلد 12)


في عام 1941 التقى هيزنبرگ مع بور في كوبنهاغن،

وبعد مرور عامين، تقريبا، عرض بور في لوس ألاموس

رسما تخطيطيا لما كان يُعتقد أنه تصميم هيزنبرگ لسلاح نووي.

<J.بيرنشتين>

عَلِم<N. بور> في الشهر9/ 1943 أن الگستابو في كوبنهاغن ينوي اعتقاله. وفي التاسع والعشرين من الشهر نفسه، تسلل بور وزوجته وغيرهما ـ ممن كانوا يأملون في الهرب من الدانمرك ـ ببطء وحذر في الظلام الدامس نحو شاطئ يقع خارج كارلسبرگ. ومن هناك استقلوا قاربا وعبروا سرا إلى السويد. وفي6/10/ 1943 قام البريطانيون بنقل بورفقط، بالطائرة من السويد إلى اسكتلندا. وفي وقت لاحق من اليوم نفسه، سافر بور إلى لندن والتقى مساء مع السير <J.أندرسن> عالم الكيمياء الفيزيائية والمسؤول عن المشروع الوليد للقنبلة الذرية البريطانية. قام أندرسن بإطلاع الفيزيائي الدانمركي على البرنامج الأنگلو-أمريكي. وطبقا لرواية ابن بور <آگا> ـ الذي لحق بوالده إلى إنگلترا بعد أسبوع، والذي كان مساعدا له طوال فترة الحرب ـ فإن بور اندهش كثيرًا، أو بالأحرى، صُدم بمدى تقدم المشروع الأنگلو-أمريكي.

وترجع دهشة بور في الغالب إلى سببين. أحدهما أنه كرر في مناسبات عديدة في الثلاثينات من هذا القرن ـ عندما كانت الفيزياء النووية في مرحلة التطور ـ اعتقاده أن أي استخدام عملي للطاقة النووية هو في حكم المستحيل. وقد دُعمت وجهة النظر هذه في ربيع 1939 عندما تحقق من أحد التفاصيل المهمة المتعلقة بانشطار اليورانيوم. كان عالما الكيمياء الفيزيائية الألمانيان <O.هان> و <F. ستراسمان> قد اكتشفا في الشهر12/ 1938 أن اليورانيوم يمكن أن ينشطر إذا قُذف بالنيوترونات. (كانت <L.مايتنر> مساعدة هان السابقة وابن شقيقها <O.فريش> قد خمّنا أن نواة اليورانيوم قد انشطرت فعلا خلال التجارب، وبالتالي أطلقا على العملية اسم انشطار fission). وقد استُخدم في هذه التجارب اليورانيوم الطبيعي، الذي يكوِّنُ نظير اليورانيوم 238 نحو 99 في المئة منه. ويشكل نظير اليورانيوم 235 ـ الذي تحتوي نواته على عدد من النيوترونات يقل بثلاثة عن عدد النيوترونات في اليورانيوم 238 ـ نحو 0.7 في المئة.

يتعذر التمييز، كيميائيا، بين النظيرين، والأمر الذي تحقق منه بور هو أنه وبسبب الاختلاف البنيوي بين النظيرين اقتصر الانشطار في تجارب هان وستراسمان على النظير النادر الوجود؛ وهو اليورانيوم 235. واستنتج من ذلك أن صنع سلاح نووي يكاد يكون مستحيلا؛ لأنه سيتطلب مهمة شاقة وعسيرة للغاية، وهي مهمة فصل النظيرين. وقال في محاضرة له في الشهر12/ 1939: “يستحيل بالوسائل التقنية المتاحة حاليا تنقية كمية من النظير النادر لليورانيوم تكفي لإنتاج التفاعل المتسلسل.” يمكن من ذلك فهم السبب في الصدمة التي أصابت بور بعد أربعة أعوام عندما علم أن ما ينوي الحلفاء عمله هو هذا بالذات.

يعود السبب الآخر لدهشة بور إلى اجتماع له مع الفيزيائي الألماني <W.هيزنبرگ> في منتصف الشهر9 /1941، أي قبل هربه إلى بريطانيا بعامين تقريبا. كان الألمان في عام 1941 قد احتلوا الدانمرك مدة تزيد على العام. وخلال هذه الفترة، أنشأوا ما كان يسمى المعهد الثقافي الألماني في كوبنهاغن بهدف نشر الدعاية الثقافية الألمانية. وكان تنظيم اللقاءات العلمية أحد أنشطة المعهد. كان هيزنبرگ واحدا من كثير من العلماء الألمان الذين جاؤوا إلى كوبنهاغن تحت رعاية المعهد ليشارك في لقاء مجموعة من علماء الفلك. وقد عرف هيزنبرگ بور منذ عام 1922، كما قضى مددا طويلة نسبيا في معهد بور بكوبنهاغن حيث كان بور يؤدي دورا شبيها بالملهم في وضع نظرية الكم. والآن، عاد هيزنبرگ ممثلا لدولة احتلال مزدراة ومُعلِنا، طبقا لبعض الروايات، حتمية انتصارها.

 زيارة هيزنبرگ

أمضى هيزنبرگ أسبوعا في كوبنهاغن وقام بزيارة معهد بور في مناسبات عديدة. وخلال إحدى هذه الزيارات، تحدث مع بور على انفراد. ولما كان بور مستمعا غير جيد، فربما يكون أحدهما قد قاطع كلام الآخر. ومع ذلك، فقد خرج بور من هذه المناقشة بانطباع واضح هو أن هيزنبرگ كان يعمل في مجال الأسلحة النووية. وقد ذكر آگا بور فيما بعد: “أثار هيزنبرگ مسألة التطبيقات العسكرية للطاقة النووية. وكان والدي متحفظا وعبّر عن شكه في إمكان تصنيع هذه الأسلحة بسبب العقبات التقنية الهائلة التي يجب التغلب عليها، ولكنه حمل انطباعا بأن هيزنبرگ يعتقد أن الإمكانيات الجديدة قد تحدد نتيجة الحرب إذا هي طالت.” والآن، وبعد عامين، أحيط بور علما لأول مرة ببرنامج الحلفاء الخاص بالأسلحة النووية. ومن ثم، كان من الطبيعي أن يسيطر القلق عليه لما قد يكون الألمان قد أنجزوه في هذين العامين.

سيكون من المثير للغاية معرفة المقصود بعبارة “الإمكانيات الجديدة.” وفي غياب ذلك، يمكن التوصل إلى تخمين معقول مبني على ما لدينا من معلومات. اتضح للعلماء المنتمين إلى طرفي النزاع في منتصف الأربعينات أنه يوجد، إضافة إلى أسلوب شطر اليورانيوم، طريق آخر منفصل تماما لصنع السلاح النووي، هو باستخدام ما عُرف فيما بعد بالبلوتونيوم. وهذا العنصر أثقل بعض الشيء من اليورانيوم ويختلف عنه كيميائيا، وهو قابل للانشطار كاليورانيوم بسبب بنيته النووية. وخلافا لليورانيوم، لا يوجد البلوتونيوم في الطبيعة ويجب تصنيعه في مفاعل نووي عن طريق قذف اليورانيوم في قضبان وقود المفاعل بالنيوترونات، ويمكن فصل البلوتونيوم بعد ذلك بالطرق الكيميائية عن اليورانيوم.

SCI96b12N1_H04_005590

SCI96b12N1_H04_005591

عقد فيرنر هيزنبرگ ونيلز بور، اللذان يظهران في الصورة أعلاه المأخوذة عام 1936، اجتماعا غريبا بعد سبعة أعوام من هذا التاريخ. ويظن البعض أن عالمَيْ الفيزياء، اللذين كانا ينتميان إلى الطرفين المتنازعين في الحرب العالمية الثانية، بحثا في موضوع الأسلحة النووية. ويقال إن بور، عند وصوله إلى مختبر لوس ألاموس في نهاية عام 1943، كان معه رسم تخطيطي لما كان يُعتقد أنه تصميم هيزنبرگ لصنع قنبلة. وإذا كان الأمر كذلك، ففي الغالب إن الرسم المذكور يشبه تصميم المفاعل الموضح في يمين الصورة.

وحال فهم هذه العملية يمكن اعتبار كل مفاعل بشكل ما أحد مكونات السلاح النووي، ومن المؤكد أن هيزنبرگ كان يعلم هذه الحقيقة جيدا عندما زار بور. بل إنه ألقى محاضرات على مسؤولين ألمان ذوي مناصب رفيعة شرح فيها هذه الإمكانية، وقد تم حفظ نصوص هذه المحاضرات. هل كان هذا هو ما يحاول إبلاغه لبور؟ وإذا كان الأمر كذلك فلماذا؟ من المحتمل ألا نعرف الإجابة المؤكدة عن هذه الأسئلة؛ لأن روايتَي الرجلين بالنسبة إلى ما قيل فعلا اختلفتا اختلافا شاسعا.

نشأ عن هذا اللغز الأكبر لغز آخر أقل تعقيدا. فثمة أدلة على أن هيزنبرگ أعطى بور مخططا أثناء اجتماع كوبنهاغن. وليس واضحا ما إذا كان هيزنبرگ قد أعدّ المخطط خلال الاجتماع أم أنه كان معدًّا من قبل. وبسبب كون أسلوب الاتصال بين علماء الفيزياء النظرية مألوفا لدي، فإني أتصور أنه رسم المخطط خلال الاجتماع للمساعدة على إيصال فكرة لبور. وعلى أي حال سأصف بعد قليل هذا المخطط أو صورته التي وصلت إلى مختبر لوس ألاموس في الشهر12 /1943 حيث أثار اهتماما ملحوظا، ويبدو أن المخطط قد احتوى على معلومات مباشرة عن الأسلوب الذي كان الألمان يخططون به لصنع الأسلحة النووية. وقبل أن أشرح كيف وصل المخطط إلى لوس ألاموس، سأذكر كيف عَلِمْتُ بوجوده، إذ إن هناك علاقة بين الأمرين.

 

 الرسم التخطيطي الغامض

لقد قمت بإجراء مجموعة من المقابلات مع الفيزيائي<H.بيتِه> وذلك ابتداء من الشهر11/ 1977. وقد تمت هذه اللقاءات على فترات خلال عامين، ونتج منها سيرة ذاتية من ثلاثة أجزاء نشرت في مجلة نيويوركر، كما نتج منها كتاب فيما بعد. وقد تابعت في هذه المقابلات ـ التي قمت بتسجيلها بالتتابع الزمني ـ حياة بيته. هاجر بيته الذي ولد في ستراسبورگ عام 1906 إلى الولايات المتحدة عام 1935، وعمل في جامعة كورنيل منذ ذلك التاريخ، وحصل على الجنسية الأمريكية عام 1941. وكما يتذكر بيته: “كان كل همه عندئذ أن يقوم بعملٍ ما يُسهم به في المجهود الحربي.” وكان في البداية، مثله في ذلك مثل بور، متأكدا من أن صنع الأسلحة النووية غير عملي على الإطلاق، ومن ثم فقد أخذ يُجْري بحوثا عن تطوير الرادار في معهد ماساتشوستس التقاني (MIT).

وفي صيف 1942، شكّل <R.J.أوبنهايمر> مجموعة دراسة في جامعة كاليفورنيا ببيركلي للبحث في موضوع الأسلحة النووية. وفي هذه المرحلة، كان المجتمع الفيزيائي قد أقرّ بأن بيته هو أحد كبار علماء الفيزياء النظرية في العالم. وبالتالي كان من الطبيعي أن يدعوه أوبنهايمر للمشاركة في الدراسة. استقل بيته القطار إلى كاليفورنيا، وتوقف وهو في الطريق في شيكاغو ليصطحب <E.تيلّر> معه. سنحت الفرصة لبيته وهو في شيكاغو برؤية المفاعل النووي الذي طوّره<E.فيرمي> وقال: “صرت مقتنعا تماما بأن مشروع القنبلة الذرية هو واقع فعلي وأن نجاحه محتمل.” وأمضى بيته ذلك الصيف وهو يعمل في نظرية الأسلحة النووية، وسافر في الشهر 4/ 1943 إلى لوس ألاموس التي افتتحت حينها كمختبر، وصار بيته كما هو متوقع رئيسا لقسم الفيزياء النظرية فيه.

 في لوس ألاموس عام 1943 يتذكر بوضوح رؤيته لتصميم منسوب لهيزنبرگ. وقد كتب للمؤلف في عام 1994 حول هذه المعلومة (في اليمين). و(في اليسار)، يجلس بيته وخلفه الذي صمم أول مفاعل نووي أمكن تشغيله بشيكاغو في الولايات المتحدة. وقد ساعد نجاح فيرمي على إقناع بيته بإمكانية تصنيع الأسلحة النووية.

<H.بيته> في لوس ألاموس عام 1943 يتذكر بوضوح رؤيته لتصميم منسوب لهيزنبرگ. وقد كتب للمؤلف في عام 1994 حول هذه المعلومة (في اليمين). و(في اليسار)، يجلس بيته وخلفه <E.فيرمي> الذي صمم أول مفاعل نووي أمكن تشغيله بشيكاغو في الولايات المتحدة. وقد ساعد نجاح فيرمي على إقناع بيته بإمكانية تصنيع الأسلحة النووية.

نعود الآن إلى موضوع المخطط. لقد أبحر بور وابنه آگا من گلاسگو إلى نيويورك على متن الباخرة أكويتانيا يوم29 / 11 / 1943، ووصلا إلى هناك يوم6/ 12. أُعطي بور وابنه الاسمين الكوديين <نيكولاس بيكر> و<جيمس بيكر> على الترتيب، كما زُودا بحراس شخصيين. وفي28/12/ 1943 سافر بور إلى لوس ألاموس بعد أن عقد في واشنطن اجتماعات على مستوى رفيع مع عدد من المسؤولين بمن فيهم الجنرال<R.L.گروفز> القائد المكلف بمشروع مانهاتن. تقابل بور بعد وصوله مباشرة يوم31 /12/1943 مع مجموعة مختارة من الفيزيائيين. وكان الهدف الأساسي من اللقاء هو أن ينقل بور للحاضرين ما يعرفه عن الجهد الألماني لصنع أسلحة نووية، لا سيما ما وصل إلى علمه عن طريق هيزنبرگ.

“كان هناك رسم تخطيطي، وأنا متأكد تماما من ذلك…

وكان للرسم تأثير عميق فيّ” ـ بيته

 

وخلال إحدى مقابلاتي مع بيته، وصف لي هذا اللقاء باختصار وذكر لي الرسم التخطيطي. وهذا هو ما قاله لي (وهو مسجل عندي على شريط): “أعطى هيزنبرگ رسما تخطيطيا لبور. وقد أرسل بور هذا الرسم في وقت لاحق لنا إلى لوس ألاموس. وكان من الواضح أن هذا الرسم هو رسم تخطيطي لمفاعل. وبعد الاطلاع على الرسم، توصلنا إلى نتيجة مفادها أن الألمان فقدوا عقولهم تماما. هل يرغبون في إلقاء مفاعل على لندن؟” ولم يتحقق العلماء في لوس ألاموس، إلا بعد الحرب، من أن الألمان كانوا يعلمون يقينا ـ على الأقل من حيث المبدأ ـ أن ما يمكنهم عمله بالمفاعل هو استخدامه لتصنيع البلوتونيوم. ولكن ما أقلق بور هو إمكان استخدام المفاعل كنوع من أنواع الأسلحة.

وعلى حد علمي، لم ينشر أحد شيئا على الإطلاق عن مثل هذا الرسم التخطيطي إلى أن شرحت أنا هذا الأمر في مجلة نيويوركر. وفي الواقع، إن مقالتي عن بيته تم الرجوع إليها كثيرا واعتُبرت المرجع لهذا الجانب الغريب من العلاقة بين بور وهيزنبرگ. وبالتالي فقد وجدت نفسي أكتب ملاحظة للتاريخ. ومع ذلك فقد اهتزّت هذه المرجعية في بداية عام 1994 خلال إحدى زياراتي الدورية لجامعة روكفلر بمدينة نيويورك، حيث أعمل أستاذا منتدبا. فقد دعاني الأستاذ <A.پايز>إلى مكتبه، وكان پايز قد كتب السير الذاتية لكل من آينشتين وبور ويعمل أستاذا شرفيا للفيزياء بالجامعة. وترجع معرفتي بپايز إلى أربعين عاما مضت، ولكني لم أقابله منذ وقت طويل. وبالتالي، فقد أتاحت زيارتي له أول فرصة ليطلعني على محادثة هاتفية تلقاها قبل لقائي به بعدة أشهر.

جاءت هذه المحادثة من <Th.پاورز> الذي كان يؤلف في ذلك الوقت كتابًا بعنوان حرب هيزنبرگ. كان پاورز قد علم عن الرسم التخطيطي من الكتاب الذي كتبته عن بيته. وقد أدهشته حقيقة ما بدا لأول وهلة من أن هيزنبرگ أعطى بور رسما تخطيطيا لمشروع حربي ألماني وسري للغاية أثناء اشتعال الحرب. وإذا كان هذا هو ما حدث فعلا من هيزنبرگ فإنه يكون أمرا غير مألوف أبدا. لذا أراد پاورز أن يحقق في هذا الأمر. وبالتالي، فقد اتصل بآگا بور في كوبنهاغن (كان والده قد توفي في عام 1962). تضمن الخطاب الذي كتبه آگا بور في16/11/ 1989 العبارة: “من المؤكد أن هيزنبرگ لم يرسم مخططا لمفاعل خلال زيارته عام 1941. كما أن تشغيل المفاعل لم يُبحث على الإطلاق.”

وعدتُ پايز بأن أبحث المسألة شخصيا، على الرغم من حقيقة أنني عند ترك مكتبه لم تكن لدي أي فكرة عن كيفية تحقيق ذلك. فمن الواضح أن إعادة الاتصال “ببيته”، لن تفيد كثيرا، إذ لن يوجد ما يمكن أن يضيفه على ما أخبرني به بطريقة مباشرة، وهو الشيء نفسه الذي أعاد ذكره لپاورز. وبالتالي سيلزمني لأداء هذه المهمة شهود غير “بيته” وآگا بور. كان هذا أمرا واضحا، ولكن مَنْ؟ لقد توفي كل من أوبنهايمر وبور وگروفز. مَنْ يمكن أن يكون قد رأى الرسم التخطيطي غير هؤلاء؟

 

“[لا شيء] غير رأي آگا الهادئ الحازم بأنه لم يكن هناك

رسم تخطيطي في أي وقت.” ـ پايز

Screenshot 2017-10-31 12.20.02

 

 البحث

في الواقع، لقد بدأت البحث بمعلومات أقل كثيرا من تلك التي قدمتها للقارئ حتى الآن. كل ما قاله بيته لي هو أن بور قام “بتوصيل” رسم إلى لوس ألاموس، ولم يذكر أي تفاصيل محددة عن الاجتماع الذي تم في31/12/ 1943 وعلاقته بهذا الأمر، وبالتالي لم يكن لدي في البداية أي فكرة عمّن حضر هذا الاجتماع ولا حتى التاريخ الذي عُقد فيه. وقد علمت كل ذلك فيما بعد. ولكن أعرف فيزيائيين من العاملين في لوس ألاموس في ذلك الوقت، والذين يمكن أن يكونوا قد رأوا الرسم أو سمعوا شيئا عنه. وقد فكرت في اثنين، أحدهما <V.فايسكوف> وهو صديق قديم لي ومقرب من أوبنهايمر.

والآخر هو <P.پيرلز>. كان پيرلز وفريش قد أجريا في الشهر3/1940 أول حسابات دقيقة ـ نظريا ـ لتحديد كمية اليورانيوم 235، أو الكتلة الحرجة، اللازمة لصنع قنبلة (كانت حقيقة أن هذه الكتلة هي أرطال بدلا من كونها أطنانا هي التي شجعت الحلفاء على القيام بمشروعهم). عمل پيرلز وفريش في لوس ألاموس منذ الشهور الأولى لعام 1944. وكنت أيضا أعرف پيرلز منذ سنوات عديدة وقد ناقشته عدة مرات في تاريخ الأسلحة النووية. وكان طبيعيا بالتالي أن أكاتبه أيضا. وقد نفذت ذلك في الأيام الأولى من الشهر2/ 1994، ووصلني الرد سريعا من كلا الرجلين.

أجاب پيرلز بأنه لم ير قط “الرسم التخطيطي الشهير”، وبأنه لا يعتقد أن أيّا من “بيته” أو آگا بور قد كذب عن قصد. واقترح كتفسير، احتمال أن يكون بور قد أخفى معلومات الوثيقة الحساسة عن عائلته، أو ربما يكون هيزنبرگ قد سمح لبور برؤية الرسم التخطيطي فقط وأن يكون بور قد قام بإعادة رسمه. واقترح پيرلز أن أتصل ببيته وأسأله عن هذا الاحتمال. وكتب فايسكوف مقترحا أيضا أن أعاود الاتصال ببيته، لأنه هو الآخر لم ير الرسم التخطيطي ولم يسمع عنه مطلقا.

ولم يكن أي من هذين الردين هو ما أملت أن أحصل عليه. وبالطبع كان عليّ أن أكتب لبيته وأُخْبره بما وصل إلى علمي، ولأسأله عن إمكانية إضافة أي معلومات جديدة قد تؤدي إلى التوضيح. ولكني أُلهمت فكرة عندئذ، هي الاتصال بـ <R. سربر>، وهو أستاذ شرف للفيزياء في جامعة كولومبيا ويعيش في مدينة نيويورك، وهو أيضا صديق قديم. كان سربر قد حصل على الدكتوراه من جامعة ويسكونسن عام 1934 وبعدها فاز بإحدى الزمالات الخمس التي يمنحها مجلس البحوث الوطني في الفيزياء، واختار أن يعمل مع أوبنهايمر ببيركلي، وأصبح قريبا جدا منه في السنوات القليلة التالية.

قضى سربر الفترة من 1938 إلى 1942 في جامعة إلينوي وعاد بعد ذلك ثانية إلى بيركلي ليعمل مع أوبنهايمر في موضوع القنبلة. وكان هناك في صيف 1942 عندما وصل بيته وتيلّر. وبحلول الشهر3/ 1943، كان سربر وأول مجموعة من العلماء قد انتقلوا إلى لوس ألاموس. وكانت إحدى المهام الأولى التي كُلف بها هي إلقاء مجموعة من المحاضرات التمهيدية عن فيزياء القنبلة على العلماء القادمين. وقد تم جمع هذه الدروس بعد ذلك فيما عرف باسم كتاب لوس ألاموس الأول The Los Almos Primer، وقد رُفع الحظر عنه في عام 1965 ونُشر كاملا لأول مرة عام 1992. وبما أن سربر كان على اتصال مستمر مع أوبنهايمر خلال هذه الفترة، فإنه سيكون أول من يعرف عن الرسم التخطيطي إن وُجد.

اتصلت بسربر، وعلى الفور تيقنت أني عثرت على منجم من الذهب! ففضلا عن تذكره الواضح للرسم التخطيطي، فإنه تذكر أيضا وبالضبط ظروف رؤيته له. لقد دُعي للذهاب إلى مكتب أوبنهايمر يوم31/12/ 1943 حيث وجد اجتماعا منعقدا. أظهر له أوبنهايمر رسما تخطيطيا من دون شرح وطلب إليه أن يتعرّف ماهيّته. وكان أوبنهايمر يحب لعب مثل هذا النوع من المباريات الذهنية. نظر سربر إلى الرسم التخطيطي وقال: من الواضح أنه رسم لمفاعل. وأجاب أوبنهايمر بأنه فعلا رسم تخطيطي لمفاعل هيزنبرگ وأن بور قدمه للمجموعة التي كانت تحضر اللقاء. وكما يتذكر سربر، لم يعترض بور ـ الذي كان يقف مباشرة بجانب أوبنهايمر ـ على هذا الكلام.

هذا هو ما أخبرني به سربر، ولكنه أضاف أيضا: إن لديه بعض الوثائق المكتوبة التي تتعلق بهذا الموضوع. وبعد بضعة أيام، وصلتني صور لوثيقتين: خطاب كتبه أوبنهايمر للجنرال گروفز أرسل في اليوم التالي للاجتماع ومذكرة من صفحتين كتبها بيته وتيلّر عن الاحتمالات التفجيرية للمفاعل. وعلى الرغم من أن هذه الوثائق كانت موحية للغاية فإنها ـ للأسف ـ لم تحسم القضية تماما، على الأقل عند رؤيتي لها أول مرة. احتوت مذكرة بيته وتيلّر على مفاتيح ذات مغزى، وسأعود إليها فيما بعد. لم يُشر خطاب أوبنهايمر إلى الرسم التخطيطي أو إلى هيزنبرگ أو إلى الألمان، ولكن الجملة الأخيرة منه فيها تضمين واضح عن أن بور تحدث مع گروفز في واشنطن حول هذه الأمور، وربما يوجد في محفوظات گروفز نفسه ما يلقي الضوء على ذلك.

 

“… [الجهاز] الذي يقترحه.. بيكر سيكون

عديم القيمة كسلاح حربي.”

ـ أوبنهايمر

Screenshot 2017-10-31 12.22.24

وفي هذه الأثناء، كتبت أخيرا إلى “بيته”، وتسلمت رده في2/3/ 1994. بدأ بيته رده بالعبارة: “كان هناك رسم تخطيطي، وأنا متأكد تماما من ذلك. لقد قدم بور هذا الرسم لنا، وقلت فورا مع تيلّر: “هذا رسم تخطيطي لمفاعل وليس لقنبلة”.. ويتعذر عليَّ الجزم بما إذا كان الرسم يرجع فعلا لهيزنبرگ أم أن بور قام برسمه من الذاكرة. ولكن السبب الرئيسي في عقد اجتماع31/12/ 1943 هو أن يشرح لنا نيلز بور ما يعرفه عن فكرة القنبلة عند الألمان.”

أعطى بيته نظرية لشرح هذا اللغز “كان هيزنبرگ يظن أن الخطوة الرئيسية نحو القنبلة هي الحصول على مفاعل واصطناع البلوتونيوم. ولكن المفاعل يمكن استخدامه أيضا كمصدر للطاقة. وكان نيلز بور يجهل الموضوع كله تماما. ومن المحتمل أن هيزنبرگ أراد أن يوضح لبور أن الألمان لا يصنعون قنبلة وإنما مجرد مفاعل. وقد أساء بور الفهم تماما وظل على الحال نفسها حتى اجتماع31/12 / 1943عندما وضّح له أخيرا أن ذلك ليس قنبلة. كان للرسم التخطيطي تأثير شديد فيّ. وأكرر دهشتي لنسيان فيكي (فايسكوف) وآگا لهذا الأمر. ماذا يقول سربر؟”

تمكنتُ من الكتابة إلى بيته وأخبرته بما قاله سربر. كتبت أيضا إلى تيلّر وسألته عن ذكرياته عن الاجتماع. ولم أكن واثقا من الحصول على رد، والواقع، إن مثل هذا الرد لم يصل قط. وقد كتبت مرة ثانية إلى فايسكوف وأرفقت بخطابي نسخا من المذكرات التي أرسلها لي سربر. وفي23/2/ 1994 أرسل لي فايسكوف ردا كريما كعادته، أقر فيه بأنه قد رأى الرسم فعلا ولكنه كان قد نسي أمره بعد ذلك.

لقد ظننت أن لدي الآن مادة تكفي لكي أعيد الكتابة لپايز، فأرسلت له محتوى شريط بيته الذي كان محفوظا لدي، وكذلك نسخا من جميع الوثائق. وكان هو عندئذ على وشك العودة إلى كوبنهاغن حيث يقضي عادة نحو نصف العام مع زوجته الدانمركية. وقد وعدني بأن ينتهز فرصة مواتية ويتحدث مع آگا بور. وقد تم ذلك فعلا في نهاية الشهر6/1994. كتب لي پايز في30/6/ 1994 وأخبرني بما حدث. لقد تقابل مع آگا بور وتناقشا في محتوى الخطابات وراجعا تسجيلات الشرائط. وبعد كل ذلك ظل آگا بور متأكدا من أن هيزنبرگ لم يعط والده قط مثل هذا الرسم. وبالتالي، فقد كتبتُ إلى آگا بور مباشرة. وفي الشهر2 /1995، أرسل لي مساعده <F.آسرود> رسالة جاء فيها “يؤكد آگا بور الاستحالة التامة لأن يكون بور قد أحضر معه إلى الولايات المتحدة رسما تخطيطيا يتعلق باجتماعه عام 1941 مع هيزنبرگ، كما يؤكد أن المناقشة التي تمت في لوس ألاموس والتي أشرت إليها في خطابك لم تتطرق على الإطلاق إلى لقاء 1941.”

والآن، ما الوضع بعد كل هذا؟ سألت نفسي هذا السؤال مرارا منذ تسلمي خطاب پايز في الشهر6/ 1994، وأُسقط في يدي وظللت حائرا إلى وقت قريب عندما أعدت قراءة المذكرة التي أعدها بيته وتيلّر لأوبنهايمر وبور والتي اطلع عليها گروفز بعد ذلك. وفجأة، أدركت أن الجملة الأولى من الفقرة الثانية من هذا التقرير تحمل بصمة هيزنبرگ واضحة وضوح الشمس. تقول الجملة: “المفاعل المقترح يتركب من رقائق اليورانيوم المغمورة في الماء الثقيل.” وبعبارة أخرى، لم يكن بيته وتيلّر يبحثان تصميما قديما للمفاعل، وإنما التصميم الخاص للغاية، والذي وصفه بور لهما. وهذا التصميم هو في الواقع للمفاعل ذي العيوب الذي اخترعه هيزنبرگ في أواخر عام 1939 وبداية عام 1940، والذي ظل متمسكا به حتى نهاية الحرب تقريبا.

من المستحيل تصور أن يكون بور قد أنتج تصميمه الخاص للمفاعل في فترة الأسابيع القليلة الواقعة بين تاريخَيْ علمه بمشروع الحلفاء ووصوله إلى لوس ألاموس، وأن يكون لهذا التصميم العيوب نفسها المتضمنة في تصميم هيزنبرگ. لا بد وأن يكون قد حصل على هذه الفكرة من هيزنبرگ، إما بالحديث معه وإما من خلال رسم تخطيطي أعده الأخير. ولا يوجد مصدر لتلك الفكرة خلاف هذين الاحتمالين، وإلا فما هو؟

مذكرة كتبها بيته وتيلّر تناقش إمكانيات انفجار مفاعل نووي كان بور قد وصفه لهما عند مجيئه إلى لوس ألاموس. وعلى الرغم من أن اسم هيزنبرگ لا يظهر في هذه الوثيقة، فإن التصميم الذي تمت دراسته فيها يماثل تماما المفاعل الذي اخترعه الألمان عام 1939 والذي أيدوا فكرته طوال فترة الحرب.

مذكرة كتبها بيته وتيلّر تناقش إمكانيات انفجار مفاعل نووي كان بور قد وصفه لهما عند مجيئه إلى لوس ألاموس. وعلى الرغم من أن اسم هيزنبرگ لا يظهر في هذه الوثيقة، فإن التصميم الذي تمت دراسته فيها يماثل تماما المفاعل الذي اخترعه الألمان عام 1939 والذي أيدوا فكرته طوال فترة الحرب.

الأدلة

سأقدم هنا بعض الإيضاح. يتطلب أي مفاعل عنصر وقود هو اليورانيوم، محاطا بما يسمى مهدئا moderatorيعمل على إبطاء سرعة النيوترونات التي تصدم الوقود. إن كفاءة النيوترونات التي تتحرك بسرعة قريبة من سرعة الصوت في إحداث الانشطار أكبر كثيرا من كفاءة النيوترونات السريعة التي تنتج من الانشطار ذاته. تُغْمَر عناصر الوقود في المهدئ، ولكن يجب أن يختار المصمم المادة التي يُصنع منها هذا المهدئ بحرص شديد. ويسري الشرط نفسه أيضا على كيفية وضع عناصر الوقود في المهدئ. وتستلزم المهمة الأخيرة علما وفنا.

يمكن لليورانيوم أن يمتص النيوترونات من دون حدوث الانشطار، وهذا الامتصاص يصير أشد عند تناقص سرعة النيوترونات. وإذا لم يكن الوضع الهندسي لعناصر الوقود مناسبا، سيمتص اليورانيوم كمية أكبر من النيوترونات ولا يتحقق شرط حدوث التفاعل المتسلسل، وبالتالي لا يتم هذا التفاعل. وفي الواقع، إن أكثر التصميمات كفاءة تتضمن غمر كتل متفرقة من اليورانيوم في شبيكة داخل المهدئ. إن معرفة الحيز الأمثل لهذه الكتل وكيفية ترتيبها تستلزم فنا. لكن أسوأ حل ممكن هو وضع اليورانيوم على هيئة رقائق أو طبقات.

وبالعودة إلى موضوع اهتمامنا، نلاحظ أن بيته وتيلّر كتبا: “يتركب المفاعل المقترح من رقائق اليورانيوم.” وسبب اختيار هيزنبرگ لمثل هذا التصميم هو أن الحسابات المطلوبة له أسهل من تلك المطلوبة للتصميمات الأخرى. وهناك أيضا موضوع المهدئ. ذكر بيته وتيلّر أن الرقائق “ستُغمر في الماء الثقيل.” ويحمل هذا النص بمجرد شرحه جميع معالم فكرة هيزنبرگ. وكما ذكرتُ سابقا ـ فإن وظيفة المهدئ هي إبطاء النيوترونات الناتجة من الانشطار. وأفضل المواد لتحقيق ذلك هي المواد الخفيفة، لأن تصادم نيوترون وعنصر له كتلة مماثلة ينتج منه نقص في الطاقة. أما إذا تصادم نيوترون مع عنصر أثقل منه فإنه سيرتد ويغير اتجاهه وليس سرعته.

إذا كانت الكتلة هي العامل الوحيد الذي يلزم أخذه في الاعتبار، فإن الهيدروجين يكون المهدئ المثالي؛ لأن نواته تحتوي على نيوترون واحد، وبالتالي فإن كتلتها تساوي كتلة النيوترون تقريبا. لكن الواقع هو أن الهيدروجين العادي لا يصلح كمهدئ لأنه يمتص النيوترونات. وعلى العكس من ذلك، فإن “الهيدروجين الثقيل”، الذي تحتوي نواته على نيوترون إضافي، لا يمتص النيوترونات. و”الهيدروجين الثقيل” موجود في “الماء الثقيل”. ولكن هذا “الماء الثقيل” نادر الوجود. وعلى سبيل المثال، فإن نسبة وجوده في ماء البحر هي 5000:1، ولاستخدامه كمهدئ يجب فصله عن الماء العادي، وهي عملية صعبة ومكلفة.

ومن ناحية أخرى، فالكربون متوافر ورخيص ولكنه أقل كفاءة كمهدئ. ومع حلول نهاية عام 1940، كان هيزنبرگ قد خلص إلى وجوب الاقتصار على الكربون والهيدروجين الثقيل كمهدئيْن. ولكن في عام 1941، بدأ <W.بوته>، الذي كان عالم الفيزياء النووية الرئيسي المتبقي في ألمانيا، العمل بالگرافيت، وهو الكربون المستخدم في أقلام الكتابة، وأظهرت تجاربه أن الگرافيت يمتص النيوترونات بدرجة عالية تسمح باستخدامه كمهدئ. والشيء الذي لم يدركه بوته هو أن الگرافيت لن يكون نقيا، وسيحتوي على عنصر البورون ـ إلا إذا تمت تنقيته بدرجة أعلى بكثير مما تتطلبه أي عملية صناعية عادية. والبورون يتشبع بالنيوترونات مثلما يتشبع الإسفنج بالماء. وإذا احتوى الگرافيت على بورون بنسبة 000:1 500 يصير غير صالح كمهدئ. وبسبب تجربة بوته، قرر هيزنبرگ وغيره من الفيزيائيين الألمان أن الماء الثقيل هو الاختيار العملي الوحيد.

يذكر أن الفيزيائيين الذين أشرفوا على البرنامج الناجح للمفاعل هنا (أي في الولايات المتحدة) قد أجروا النوع نفسه من الحسابات، وأنهم توصلوا إلى قناعة هيزنبرگ نفسها بأن مفاعل الكربون سيحتاج إلى كمية من اليورانيوم الطبيعي أكبر من تلك التي تلزم لمفاعل الماء الثقيل. وقد أجرى فيرمي وزميله <L.زيلارد> أيضا تجارب على امتصاص الكربون للنيوترونات. وكان زيلارد متعصبا لنقاء الگرافيت، وبالتالي ـ وعلى خلاف ما حدث مع بوته ـ نجح الگرافيت كمهدئ في تجاربهما. وقد قررا أن الكربون أفضل مهدئ لأن تكلفته أقل بكثير من تكلفة الماء الثقيل. احتوى مفاعل فيرمي الذي شُغِّل أول مرة يوم2/12/ 1942 على شبيكة من كتل اليورانيوم مدفونة في الكربون، وقد استُخدم الماء الثقيل كمهدئ في جميع المفاعلات التجريبية الألمانية، والتي لم يُشغَّل أي منها. لننظر ثانية إلى الجملة “المفاعل المقترح يتكون من رقائق اليورانيوم المغمورة في الماء الثقيل” في وثيقة بيته وتيلّر. هذه العبارة تكاد تطابق، بالنسبة لتصميم المفاعل، عبارة “صنع في ألمانيا” مكتوبة عليه.

يبدو من كل هذا، من دون شك، أن هيزنبرگ حاول وصف جهاز نووي لبور. كما يبدو أيضا أن هذا الجهاز هو ما كان هيزنبرگ يتصوره عن المفاعل. وسواء أعطى هيزنبرگ لبور رسما تخطيطيا أم لا، فمن الواضح أن بور احتفظ في ذاكرته بصورة للتصميم. ولكن بور لم يكن يفهم في ذلك الحين الفرق بين المفاعل والقنبلة، واعتقد أن هيزنبرگ كان يصف قنبلة.

وعلى ذلك، فربما يكون آگا بور على حق عند قوله: إن والده لم يشارك في أي مناقشة عن المفاعل. كما يمكن أن يكون على حق أيضا في اعتقاده أن هيزنبرگ لم يعط بور أي رسم تخطيطي، إذ لم يكن أي من الذين اتصلت بهم متأكدا من أن الرسم الذي رآه كان في يد هيزنبرگ ـ ولكن الأمر الذي أكدوه جميعا هو أنه كان رسما لمفاعل هيزنبرگ. أعتقد أن هذا يحل اللغز، ولكنه لا يكشف السر. ماذا كان الهدف الرئيسي لزيارة هيزنبرگ؟ المعجبون بهيزنبرگ يقولون: إنه أراد أن يوضح لبور أن الألمان يعملون على تصميم مفاعل للأغراض “السلمية” فقط.

ثمة أمر آخر جدير بالملاحظة، هو أن هيزنبرگ ـ عندما زار بور ـ كان يعلم جيدا إمكان استخدام المفاعلات في تصنيع البلوتونيوم، وأن البلوتونيوم يمكن أن يوفر الوقود لسلاح نووي. لماذا إذًا زار بور؟ ما الرسالة التي كان يرغب في إيصالها؟ ما الأمر الذي كان يريد إقناع بور بعمله أو بعدم عمله؟ ما الذي كان يحاول معرفته؟ هذا هو السر الحقيقي وهو سر قد لا يُكشف أبدا.

 

 

error: المحتوى محمي