لودفيج فيتجنشتاين – موسوعة ستانفورد للفلسفة / ترجمة: علي رضا

لودفيج فيتجنشتاين – موسوعة ستانفورد للفلسفة / ترجمة: علي رضا

نسخة PDF


مقدمة: هذا نص مترجم لد. آنت مطر وآنت بلتزكي ، حول الفيلسوف لودفيج فيتجنشتاين، والمنشور على (موسوعة ستانفورد للفلسفة). ننوه بأن الترجمة هي للنسخة المؤرشفة في الموسوعة على هذا الرابط، والتي قد تختلف قليلًا عن النسخة الدارجة للمقالة، حيث أنه قد يطرأ على الأخيرة بعض التحديث أو التعديل من فينة لأخرى منذ تتمة هذه الترجمة. وختامًا، نخصّ بالشكر محرري موسوعة ستانفورد، وعلى رأسهم د. إدوارد زالتا، على تعاونهم، واعتمادهم للترجمة والنشر على مجلة حكمة.


 

 

يعتبره البعض أعظم فيلسوف في القرن العشرين، فإن لودفيج فيتجنشتاين قد لعب دورًا مركزيًا، وإن كان مثيرًا للجدل، في الفلسفة التحليلية في القرن العشرين. ولا زال يؤثر في الفكر الفلسفي الحالي في مواضيع متنوعة مثل المنطق واللغة، والإدراك والقصدية، والأخلاق والدين، والجماليات والثقافة. في الأصل، يتم الاعتراف عادة بمرحلتين في فكر فيتجنشتاين – المبكر والمتأخر – واللتان يتم اعتبارهما محوريتين في حقبتيهما. ولكن في الدراسات الأحدث، تم التشكيك في هذا التقسيم: فبعض شراح فيتجنشتاين ادعوا وحدة جميع مراحل فكره، بينما تحدث البعض الآخر عن تقسيم أكثر دقة، بحيث اضافوا مراحل مثل فيتجنشتاين الأوسط وفيتجنشتاين الثالث. ومع ذلك، فمن المسلم به عمومًا أن فيتجنشتاين المبكر متجسد في “الرسالة المنطقية الفلسفية” Tractatus Logico-Philosophicus. فمن خلال عرض تطبيق المنطق الحديث على الميتافيزيقيا عبر اللغة، قدم فيتجنشتاين رؤية جديدة للعلاقات بين العالم والفكر واللغة وبالتالي رؤية جديدة لطبيعة الفلسفة. لكن فيتجنشتاين المتأخر، المعروف في كتاب “تحقيقات فلسفية” Philosophical Investigations، هو من اتخذ الخطوة الأكثر ثورية في انتقاد كل الفلسفة التقليدية بما في ذلك عمله المبكر الذي يعتبر ذروتها. فطبيعة فلسفته الجديدة كانت تنبئ بمعارضة المنهجية بشكل تام، لكنها ظلت مُوصِلة إلى فهم فلسفي حقيقي للمشاكل التقليدية.

 

  1. سيرة ذاتية مختصرة

  2. فيتجنشتاين المبكر

    • “الرسالة المنطقية الفلسفية”

    • المعنى والهراء

    • طبيعة الفلسفة

    • المشاكل التفسيرية

  3. فيتجنشتاين المتأخر

    • الانتقال من “الرسالة” ونقدها

    • “تحقيقات فلسفية”

    • المعنى كاستعمال

    • الألعاب اللغوية والتشابه الأسري

    • إتباع القاعدة واللغة الخاصة

    • القواعد النحوية وأشكال الحياة

    • طبيعة الفلسفة

    • ما بعد “التحقيقات”

  • قائمة المراجع

    • المصادر الأساسية

    • الأدب الثانوي


 

 

  1. سيرة ذاتية مختصرة

ولد فيتجنشتاين في 26 أبريل 1889 في فيينا، النمسا، لعائلة ثرية تعمل بالصناعة، ذات تمركز جيد في دوائر فيينا الثقافية والفكرية. وفي عام 1908 بدأ دراسته في هندسة الطيران في جامعة مانشستر حيث قاده اهتمامه بفلسفة الرياضيات البحتة إلى فريجه Frege. ووفق نصيحة فريجه، ذهب إلى كامبريدج للدراسة مع برتراند راسل Bertrand Russell عام 1911. وقد كتب راسل، عند لقائه بفيتجنشتاين: “ظهر ألماني مجهول … عنيد وسيء الطباع، لكن لا أعتقد أنه غبي” (Monk 1990: 38f). وفي غضون عام واحد، تعهده راسل: “سأشجعه بالتأكيد. ربما سيقوم بأشياء عظيمة … أنا أحبه وأشعر أنه سيحل المشاكل التي لن أستطيع حلها لكبر سني” (Monk 1990: 41). وكانت رؤية راسل صحيحة بالفعل. فقد كان فيتجنشتاين شخصية غريبة في عاداته وأسلوبه في الحياة، ولكن حساسيته الفلسفية كانت ثاقبة بشكل عميق.

وخلال السنوات التي قضاها في كامبريدج، من 1911 إلى 1913، تحدث فيتجنشتاين كثيرًا عن الفلسفة وأسس المنطق مع راسل، الذي كانت تربطه به علاقة إنْفِعَاليّة وحادة، وكذلك مع مور Moore وكينز Keynes. وكان يعتزل في النرويج، لعدة أشهر في كل مرة، من أجل التفكير مليًا في هذه المشاكل الفلسفية والعمل على حلها. في عام 1913 عاد إلى النمسا وفي عام 1914، في بداية الحرب العالمية الأولى (1914-1918)، انضم إلى الجيش النمساوي. وقد تم أسره في عام 1918 وقضى الأشهر المتبقية من الحرب في معسكر اعتقال. وخلال الحرب، كتب ملاحظات ومسودات أول أعماله الهامة، “الرسالة المنطقية الفلسفية”. وبعد الحرب، نُشر الكتاب باللغة الألمانية وترجم إلى الإنجليزية.

في عام 1920، قام فيتجنشتاين، الذي كان قد ترك الفلسفة في ذلك الوقت (بعد أن حلّ، كما كان يظن، جميع المشاكل الفلسفية في “الرسالة”)، بالتنازل عن نصيبه من ثروة عائلته وبمزاولة العديد من “المهن” (بستاني، معلم، معماري، إلخ) في وحول فيينا. إلا أنه في عام 1929 عاد إلى كامبريدج لمواصلة غرض حياته الفلسفي، بعد تعرضه لنقاشات حول فلسفة الرياضيات وفلسفة العلم مع أعضاء حلقة فيينا، الذي كان تصورهم للتجريبية المنطقية مدينًا لرؤية “الرسالة” للمنطق على أنه تحصيل حاصل، وللفلسفة على أنها تهتم بالبناء المنطقي للغة. وخلال هذه السنوات الأولى في كامبريدج، خضع تصوره للفلسفة ومشكلاتها إلى تغييرات دراماتيكية تم تسجيلها في عدة مجلدات تحتوي على محادثات ومذكرات المحاضرات والخطابات (على سبيل المثال كتب مثل، “لودفيج فيتجنشتاين ودائرة فيينا” Ludwig Wittgenstein and the Vienna Circle، “الكتابان الأزرق والبني” The Blue and Brown Books، “القواعد النحوية الفلسفي” Philosophical Grammar). وفي بعض الأحيان يطلق على تلك الفترة “فيتجنشتاين الأوسط”، والتي كانت تنبئ برفض الفلسفة الدوجمائية، بما في ذلك كل من الأعمال الفلسفية التقليدية و”الرسالة المنطقية الفلسفية” نفسها.

في الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي، نظم فيتجنشتاين حلقات نقاشية في جامعة كامبريدج، حيث طور معظم الأفكار التي انتوى نشرها في كتابه الثاني “تحقيقات فلسفية”. وقد شملت هذه الأفكار التحول من المنطق الصوري إلى اللغة العادية، والتأملات غير المألوفة في علم النفس والرياضيات، والشك العام في ادعاءات الفلسفة. وفي عام 1945 أعد المخطوطة النهائية لهذا الكتاب، ولكن في اللحظة الأخيرة، سحبها من النشر (وسمح بنشرها فقط بعد وفاته). وقد واصل فيتجنشتاين عمله الفلسفي لبضع سنوات أخرى، ولكنها اتسمت بتطوير أفكار مرحلته الثانية تطويرًا كبيرًا بدلاً من الانصراف عنها. وقد سافر خلال هذه الفترة إلى الولايات المتحدة وإيرلندا، ثم عاد إلى كامبريدج، حيث تم تشخيص اصابته بالسرطان. وتقول الأسطورة أنه عند وفاته في عام 1951، كانت كلماته الأخيرة “أخبريهم أنني قد عشت حياة رائعة” (Monk: 579).

 

  1. فيتجنشتاين المبكر

    • “الرسالة المنطقية الفلسفية”

تم نشر “الرسالة المنطقية الفلسفية” لأول مرة باللغة الألمانية في عام 1921 ثم ترجمها تشارلز أوغدن C.K. Ogden، بمساعدة فرانك رامزي F. P. Ramsey، ونشرت باللغة الإنجليزية في عام 1922. وقد تمت إعادة ترجمتها لاحقًا بواسطة ديفيد بيرز D. F. Pears وبراين ماكجينيس B. F. McGuinness. انطلاقًا من “ملاحظات حول المنطق” Notes on Logic (1913)، و”ملاحظات تم إملائها على جورج مور” Notes Dictated to G. E. Moore  (1914)، و”دفاتر ملاحظات فيتجنشتاين” Notebooks التي كتبت ما بين عامي 1914-1916، ومراسلات أخرى مع راسل، ومور، وكينز، والتي أظهرت المؤثرات الشوبنهاورية والثقافية الأخرى، تطورت “الرسالة” كتكملة وكردة فعل لتصورات راسل وفريجه للمنطق وللغة. وقد وضع راسل مقدمة للكتاب يقول فيها أنه “يستحق بالتأكيد … أن يعتبر حدثاً هامًا في العالم الفلسفي”. ومن المثير للدهشة ملاحظة أن فيتجنشتاين لم يقم وزنًا لمقدمة راسل، حيث اعتقد  أنها كانت مكتوبة بناء على فهم خاطئ للكتاب. وقد حاولت القراءات اللاحقة اكتشاف الاختلافات المدهشة بين المقدمة وبقية الكتاب (أو بين قراءة راسل لفتجنشتاين وتقييم فيتجنشتاين الذاتي) – والتي عادة ما تلعب على وتر إسْتِمْلاك راسل لفيتجنشتاين من أجل أجندته الخاصة.

ويهدف هيكل “الرسالة” إلى أن يكون ممثلاً لجوهره الداخلي. فهي مبنية حول سبعة قضايا أساسية، مرقمة بالأعداد الطبيعية من 1 إلى 7، مع ترقيم جميع الفقرات الأخرى في النص بالتوسعات العشرية بحيث، على سبيل المثال، تكون الفقرة 1.1 (من المفترض أن تكون) تفصيل إضافي للقضية 1، وتكون الفقرة 1.22 تفصيلًا لـ1.2، وهكذا.

القضايا السبعة الأساسية هي:

ترجمة أوغدن

ترجمة بيرز\ماكجينيس

1.   العالم هو جميع ما هنالك.

2.   إن ما هنالك، أي الواقعة، هو وجود الوقائع الذرية.

3.   الصورة المنطقية للوقائع هي الفكر.

4.   الفكر هو القضية ذات المعنى.

5.   القضايا عبارة عن دالات صدق للقضايا الأولية. (والقضية الأولية هي دالة صدق نفسها).

6.   إن الصورة العامة لدالة الصدق هي [p¯,ξ¯,N(ξ¯)]. هذه هي الصورة العامة للقضية.

7.   إن مالا يستطيع المرء أن يتحدث عنه، ينبغي أن يصمت عنه.

1.   العالم هو كل ما هنالك.

2.   إن ما هنالك – الواقعة – هو وجود حالات الواقع.

3.   الصورة المنطقية للوقائع هي الفكر.

4.   الفكر هو قضية ذات معنى.

5.   القضايا عبارة عن دالات صدق للقضايا الأولية. (والقضية الأولية هي دالة صدق نفسها).

6.   إن الصورة العامة لدالة الصدق هي [p¯,ξ¯,N(ξ¯)]. هذه هي الصورة العامة للقضية.

7.   إن مالا نستطيع الحديث عنه، ينبغي أن نتجاوزه في صمت.

من الواضح أن الكتاب يتناول المشاكل الرئيسية في الفلسفة التي لها علاقة بالعالم والفكر واللغة، ويقدم لهذه المشاكل “حلًا” (كما وصفه فيتجنشتاين) مُؤسَّسًا على المنطق وطبيعة التمثيل. فالفكر يمثل العالم، وهو قضية ذات معنى، لأنهم جميعًا – العالم، والفكر، والقضية – يشتركون في نفس الصورة المنطقية. وبالتالي، يمكن للفكر وللقضية أن يكونا صوراً للوقائع.

يبدأ فيتجنشتاين بما يبدو وأنه ميتافيزيقا، حيث يرى أن العالم يتكون من وقائع (1)، بدلاً من التصور التقليدي الذري لعالم مكون من أشياء. الوقائع هي حالات واقعية مُتَحقِقة (2) وحالات الواقع، بدورها، هي تركيبات من الأشياء. و”الأشياء بسيطة” (TLP 2.02) لكنها يمكن أن تتركب معًا بعدة طرق محددة. وقد تملك خصائص متنوعة وقد ترتبط بعلاقات متنوعة مع بعضها البعض. وتتركب الأشياء مع بعضها البعض وفقًا لخصائصها الداخلية والمنطقية. بعبارة أخرى، تحدد الخصائص الداخلية للأشياء إمكانات تركيبها مع الأشياء الأخرى؛ هذه هي صورتها المنطقية. وبالتالي، فإن حالات الواقع، التي تتكون من أشياء مُركبة معًا، معقدة بطبيعتها. فقد كان من الممكن لحالات الواقع المُتَحقِقة أن تكون خلاف ذلك. وهذا يعني أن حالات الواقع إما مُتَحقِقة (موجودة) أو ممكنة. إن مجمل حالات الواقع – المُتَحقِقة والممكنة – هو ما يشكل كل الواقع. فالعالم تحديدًا هو تلك الحالات التي توجد بالفعل.

والانتقال في “الرسالة” إلى الفكر، وبعد ذلك إلى اللغة، يتم باستخدام فكرة فيتجنشتاين الشهيرة بأن الأفكار والقضايا، هي صور – “الصورة هي نموذج للواقع” (TLP 2.12). فالصور تتكون من عناصر تشكل الصورة معًا. ويمثل كل عنصر شيئًا، وتمثل مجموعة العناصر في الصورة مجموعة من الأشياء في إحدى حالات الواقع. فالبنية المنطقية للصورة، سواء في الفكر أو في اللغة، تماثل البنية المنطقية للحالة الواقعية التي ترسمها الصورة. والأمر الأكثر دقة هو رؤية فيتجنشتاين بأن إمكانية اشتراك كلًا من الصورة (الفكر والقضية) والحالة الواقعية في هذه البنية هو الشكل التصويري Pictorial Form. “هكذا تكون الصورة مرتبطة بالواقع. فالصورة تتصل بالواقع مباشرة” (TLP 2.1511). وهذا يؤدي إلى فهم ما يمكن للصورة أن ترسمه؛ ولكن أيضًا إلى فهم ما لا يمكن لها أن ترسمه – الشكل التصويري ذاته [لا يمكن للصورة أن ترسم الشكل التصويري، إنما يمكنها أن تعرضه فقط (TLP 2.172)].

وفي حين أن “الصورة المنطقية للوقائع هي الفكر” (3)، فإن فيتجنشتاين في انتقاله إلى اللغة، يستمر في البحث في إمكانات معنى القضايا (4). فالتحليل المنطقي، وفق فريجه وراسل، يوجه العمل، حيث يستخدم فيتجنشتاين حساب القضايا المنطقي لتنفيذ بناء نظامه. ومن خلال توضيحه أن “فقط القضية هي التي لها معنى؛ فقط في سياق القضية يصبح للاسم معنى” (TLP 3.3)، يزود القارئ بشرطين للغة ذات المعنى. أولاً، يجب أن تتقيد بنية القضية بقيود الصورة المنطقية، وثانياً، يجب أن تحتوي عناصر القضية على إشارة (bedeutung). هذه الشروط لها آثار بعيدة المدى. فالتحليل يجب أن ينتهي باسم ليكون رمزًا بدائيًا لشيء (بسيط). علاوة على ذلك، فإن المنطق نفسه يمنحنا بنية وحدود كل ما يمكن قوله على الإطلاق.

“الصورة العامة للقضية هي: هذا هو موقف ما هنالك في الواقع” (TLP 4.5) وكل قضية هي إما صحيحة أو خاطئة. هذه القطبية الثنائية للقضايا تمكّن من تأليف قضايا معقدة من القضايا الذرية باستخدام رموز عمليات دوال الصدق (5). يقدم فيتجنشتاين، في “الرسالة”، عرضًا حيًا لمنطق فريجه في شكل ما أصبح يُعرف باسم “جداول الصدق”. وهذا يوفر وسيلة للعودة ولتحليل جميع القضايا إلى أجزائها الذرية، حيث أن “كل قول عن ما هو مُرَكب يمكن تحليله إلى قول عن الأجزاء التي يتألف منها المُرَكب، وإلى القضايا التي تصف هذا المُرَكب وصفا كاملًا” (TLP 2.0201). ثم يتعمق أكثر في بحثه من خلال تقديم الصورة العامة لدالة الصدق (6). فهذه الصورة، [p¯,ξ¯,N(ξ¯)]، تستخدم عملية صورية واحدة N(ξ¯) ومتغير قضايا واحد p¯)) لتمثل ادعاء فيتجنشتاين بأن أي قضية “هو نتيجة تطبيق متتالي” للعمليات المنطقية على القضايا الأولية.

بعد تطوير هذا التحليل الخاص بالـ العالم-اللغة-الفكر، والاعتماد على الصورة العامة الوحيدة للقضايا، يستطيع فيتجنشتاين الآن التأكيد على أن جميع القضايا ذات المعنى متساوية القيمة. ولاحقًا، ينهي الرحلة بتحذير يتعلق بما يمكن (أو لا يمكن) وما ينبغي (أو لا ينبغي) أن يقال (7)، تاركًا قضايا الأخلاق والجماليات والميتافيزيقا خارج نطاق ما يمكن أن يقال.

 

  • المعنى والهراء

يهدف بناء فيتجنشتاين المنطقي لنظامه الفلسفي في “الرسالة” – إلى إيجاد حدود العالم والفكر واللغة؛ بعبارة أخرى، إلى التمييز بين المعنى والهراء. “يضع الكتاب حدًا للتفكير، أو بالأحرى – ليس للتفكير، بل للتعبير عن الأفكار … فالحد … مسموح به في اللغة فقط وما سيقع على الجانب الآخر من هذا الحد سيكون ببساطة هراء” (TLP Preface). وقد تم استكشاف الشروط المطلوبة لكي يكون للقضية معنى وإدراك أنها تعتمد على إمكانية تمثيلها أو رسمها. ويجب أن تحتوي الأسماء على bedeutung (إشارة / معنى)، ولكنها لا يمكن أن تحقق ذلك إلا في سياق القضية التي تترابط أجزائها معًا من خلال الصورة المنطقية. ويترتب على ذلك أن حالات الواقع الفعلية الوحيدة التي يمكن رسمها هي التي يمكن تمثيلها بقضايا ذات معنى. وهذا يعني أن ما يمكن أن يقال هو قضايا العلوم الطبيعية فقط وبالتالي يخرج عدد هائل من الصياغات التي يتم قولها واستخدامها في اللغة عن نطاق المعنى.

فهناك، أولًا، قضايا المنطق نفسه. وهذه لا تمثل حالات الواقع، والثوابت المنطقية لا ترمز لأشياء. “إن فكرتي الأساسية هي أن الثوابت المنطقية لا تمثل شيئًا. فمنطق الوقائع لا يمكن تمثيله” (TLP 4.0312). هذه ليست فكرة عرضية؛ إنها أساسية على وجه التحديد لأن حدود المعنى تعتمد على المنطق. إن قضايا التحصيل الحاصل والتناقضات، وقضايا المنطق، هي حدود اللغة والفكر وبالتالي حدود العالم. من الواضح، إذن، أنهم لا يرسمون أي شيء، وبالتالي ليس لهم معنى. فهذه القضايا، وفق شروط فيتجنشتاين، خالية من المعنى (sinnlos). والقضايا التي ليس لها معنى هي قضايا ثنائية القطب. فهي تتفاوت عبر نطاق شروط الصدق التي تحددها جداول الصدق. لكن قضايا المنطق نفسه “ليست صورًا للواقع … لأن أحدهما يسمح بكل حالات الواقع الممكنة، والآخر لا يسمح بأي حالة على الاطلاق” (TLP 4.462). فبالتأكيد، يتم اكتشاف صدق (أو كذب) قضايا التحصيل الحاصل (والتناقضات)، التي لا معنى لها، “من الرمز وحده … وهذه الحقيقة تتضمن في ذاتها على فلسفة المنطق بأكملها” (TLP 6.113).

ولا تنطبق خاصية “الخلو من المعنى” على قضايا المنطق فقط، بل تمتد أيضًا لتشمل الرياضيات أو الشكل التصويري ذاته للصور التي تمثل شيئًا ما. فهي، مثل قضايا التحصيل الحاصل والتناقضات، بالمعنى الحرفي للكلمة، لا معنى لها.

ووراء، أو إلى جانب، القضايا التي لا معنى لها، يحدد فيتجنشتاين مجموعة أخرى من الأقوال التي لا يمكن أن تحمل معنى: القضايا الهُرَائِيَّة (unsinnig). فالهراء، بدلًا من “الخلو من المعنى”، يظهر عندما تكون القضية خالية من المعنى بشكل جذري، عندما تتجاوز حدود المعنى. وتحت عنوان unsinnig يمكن العثور على العديد من القضايا: “سقراط متطابق”، ولكن أيضًا “1 هو رقم” و”هناك أشياء”. في حين أن بعض القضايا تكون هراء بشكل صارخ للغاية، إلا أن البعض الآخر يبدو أن له معنى – وأن تحليله وفق نظرية الصورة هو الطريقة الوحيدة لاكتشاف أنه هراء. وبما أنه يمكن وصف ما هو “في” العالم فقط، فسيتم استبعاد أي شيء “أعلى”، بما في ذلك مفهوم الحد ونقاط التحديد ذاتها. فالميتافيزيقيا التقليدية، وقضايا الأخلاق والجماليات، التي تحاول تصوير العالم ككل، مُستبعدة أيضًا، كما هو الحال في حقيقة الأنوية، ومفهوم الموضوع نفسه، لأنها ليست “في” العالم أيضًا، ولكنها تقع على حدوده.

غير أن فيتجنشتاين لا يُقصي كل ما هو ليس داخل حدود المعنى إلى النسيان. فهو يميز بين فعلي القول والإظهار، الذي يجعله فيتجنشتاين يقوم بعمل إضافي مهم. “ما يمكن أن يُظهَر لا يمكن أن يقال”، ما يعني أن ما لا يمكن صياغته في قضايا يمكن التعبير عنها (لها معنى)، يمكن إظهاره فقط. وينطبق هذا، على سبيل المثال، على الصورة المنطقية للعالم، والشكل التصويري، وما إلى ذلك، كل الذي ُيظهر نفسه في شكل قضايا (مُمكنة)، وفي الرمزية، وفي قضايا المنطق. حتى القضايا (الميتافيزيقية، والأخلاقية، والجمالية) التي لا يمكن قولها، تنتمي إلى هذه المجموعة – التي يصفها فيتجنشتاين في الأخير بأنها “أشياء لا يمكن صياغتها في كلمات. بل تتجلى بذاتها. فهي ما هو صوفي” (TLP 6.522).

 

  • طبيعة الفلسفة

وبناءً على ذلك، “يجب أن تعني كلمة (فلسفة) شيئًا متمركزًا أعلى أو أسفل العلوم الطبيعية، ولكن ليس على مستواها” (TLP 4.111). فليس من المستغرب، إذن، “أن معظم القضايا والأسئلة الموجودة في الأعمال الفلسفية ليست كاذبة ولكنها هراء” (TLP 4.003). إذن، هل الفلسفة محكوم عليها بأن تكون هراء  (unsinnig)، أو، في أحسن الأحوال، أن تكون خالية من المعنى (sinnlos) عندما تتعلق بالمنطق، ولكن في كل الأحوال تظل بدون معنى؟ ماذا يتبقى أمام الفيلسوف كي يفعله، إذا كانت القضايا التقليدية، أو حتى الثورية، أو الميتافيزيقية، أو الإبيستيمولوجية، أو الجمالية، أو الأخلاقية لا يمكن صياغتها بطريقة ذات معنى؟ نجد الإجابة على هذين السؤالين في توصيف فيتجنشتاين للفلسفة: الفلسفة ليست نظرية، أو مجموعة تعاليم، بل هي نشاط. إنها نشاط إيضاح (الأفكار)، وعلاوة على ذلك، إنها نشاط نقد (اللغة). يصف فيتجنشتاين النشاط الإعتيادي للفيلسوف بأنه يجب أن يكون: التفاعل مع أو الرد على تأملات الفلاسفة التقليديين بأن نظهر لهم أين يخطئون، مستخدمين في ذلك الأدوات التي يوفرها التحليل المنطقي. وبعبارة أخرى، بأن نظهر لهم أن (بعض) قضاياهم هي هراء.

“جميع القضايا متساوية القيمة” (TLP 6.4) – يمكن أن تكون أيضًا الفكرة الأساسية للكتاب. لأنها تستخدم مقياسًا لقيمة القضايا التي تتم وفق المنطق ومفهوم الحدود. ولكن هنا، مع وجود قيود على قيمة القضايا، يمكن الشعور بأشد أشكال التوتر الموجودة في “الرسالة”. لأنه يصبح من الواضح أن المفاهيم التي تستخدمها “الرسالة” – المفاهيم المنطقية – الفلسفية – لا تنتمي إلى العالم ومن ثم لا يمكن استخدامها للتعبير عن أي شيء له معنى. وبما أن اللغة والفكر والعالم، كلها متماثلة، فأي محاولة لأن نقول بالمنطق (أي باللغة) “أن العالم فيه هذا وهذا، ولكن ليس فيه ذاك” محكوم عليها بالفشل، لأن هذا سيعني أن المنطق قد خرج عن حدود العالم، أي عن ذاته. وهذا يعني أن “الرسالة” قد تجاوزت حدودها الخاصة، وتتعرض إلى خطر أن تصبح هراء.

إلا أن “حل” هذا التوتر موجود في ملاحظات فيتجنشتاين النهائية، حيث يستخدم استعارة السلم [تشبيه “الرسالة” بالسلم] للتعبير عن وظيفة “الرسالة”. فهي يجب استخدامها من أجل التسلق عليها، من أجل “رؤية العالم بطريقة صحيحة”؛ ولكن بعد ذلك يجب الاعتراف بأنها هراء وإلقائها بعيدًا. ومن ثم: “إن مالا يستطيع المرء أن يتحدث عنه، ينبغي أن يصمت عنه” (7).

 

  • المشاكل التفسيرية

إن “الرسالة” مشهورة بصعوباتها التفسيرية. ففي العقود التي مرت منذ نشرها، مرت “الرسالة” بعدة موجات من القراءات العامة. وإذا تجاوزنا المسائل التأويلية والهرمنيوطيقية التي تدور حول أقسام معينة (مثل تمييز العالم / الواقع، والفرق بين التمثيل والعرض، وعلاقة فريجه / راسل بفيتجنشتاين، أو تأثير الفلسفة الوجودية على فيتجنشتاين)، فهناك عدد من الخلافات الأساسية، ذات الصلة، التي ترسم خريطة القراءات. وهي تدور حول واقعية “الرسالة”، ومفهوم الهراء ودوره في قراءة “الرسالة” نفسها، وقراءة “الرسالة” ككراسة أخلاقية.

هناك قراءات ترى أن “الرسالة” تتبنى المذهب الواقعي، أي أنها تفترض وجودًا مستقلًا للأشياء، ولحالات الواقع، وللوقائع. يعترف جميع شراح الرسالة (أو معظمهم) أن هذه الواقعية تتحقق عبر المنعطف اللغوي، ولكن هذا المنظور اللغوي لا يُلحق ضرراً بالواقعية الأساسية التي يُرى أن “الرسالة” تبدأ بها (“العالم هو كل ما هنالك”) وتنتشر في جميع أنحاء النص (“الأشياء تشكل جوهر العالم” (TLP 2.021)). كما تظهر هذه الواقعية في الثنائية القطبية الضرورية للقضايا؛ وبالمثل، فإن القراءة المباشرة لعلاقة التصوير تفرض على الأشياء المتحققة أن تكون مُمَثلة بعلامات. وفي مقابل هذه القراءات، تعطي القراءات الأكثر لغوية أولوية مفاهيمية للرمزية. فعندما “يُقارن الواقع بالقضايا” (TLP 4.05)، فإن شكل القضايا هو الذي يحدد شكل الواقع (وليس العكس). على أية حال، يجب أن تعالج قضية الواقعية (مقابل اللاواقعية) في “الرسالة” مسألة حدود اللغة والسؤال الأكثر تحديدًا عما هو موجود (أو غير موجود) خارج نطاق اللغة. ومن ثم، انتقل شراح “الرسالة” إلى التشكيك في وجود الميتافيزيقيا في الكتاب وحالة قضايا الكتاب ذاتها.

أصبح “الهراء” محور المناقشات التفسيرية لفيتجنشتاين خلال العقد الأخير من القرن العشرين. فوراء حدود اللغة يكمن الهراء – القضايا التي لا يمكن أن ترسم أي شيء – وفيتجنشتاين يُقصي الميتافيزيقيا التقليدية إلى هذا النطاق. لكن تظهر الصعوبات عند التساؤل عما هو موجود في نطاق الهراء هذا، حيث يبدو أن فيتجنشتاين يقول أنه يوجد شيء هناك يتم إظهاره (بدلاً من قوله)، بل إنه يصفه فعلاً بأنه “صوفي”. وقد تقبلت قراءات “الرسالة” التقليدية، بدرجات متفاوتة من الانزعاج، وجود ما لا يمكن أن يقال، الذي لا يمكن أن يُصاغ في كلمات، الهراء. إلا أن القراءات الأكثر حداثة تميل إلى تفسير الهراء تفسيرًا أكثر حَرْفِيّة على أنه فعليًا – هراء. ويستلزم هذا أيضًا أخذ كلمات فيتجنشتاين على محمل الجد في 6.54 – استعارة سلم فيتجنشتاين الشهيرة – وإلقاء “الرسالة” نفسها بعيدًا، بما في ذلك التمييز بين ما يمكن قوله وما يمكن إظهاره فقط. لا تشير “الرسالة”، وفق هذه القراءة، إلى حقائق لا يمكن التعبير عنها (على سبيل المثال، الميتافيزيقيا والأخلاق والجماليات، وما إلى ذلك)، ولكن ينبغي أن تقودنا بعيدًا عن مثل هذه الإغراءات. والمناقشات المصاحبة لهذه القراءة لابد وأن تتناول أيضاً كيفية التعرف على هذا، وما يمكن أن يعنيه هذا، وكيف ينبغي استخدامه، إذا كان استخدامه ممكناً على الإطلاق.

وترتبط هذه المناقشة ارتباطًا وثيقًا بما أصبح يسمى القراءة الأخلاقية لـ”الرسالة”. تستند هذه القراءة، أولاً، على التناقض المُفترض بين بناء فيتجنشتاين لنظام اللغة-العالم، والذي يستحوذ على الجزء الأكبر من “الرسالة”، وبين عدة تعليقات تم إجراؤها حول هذا البناء في مقدمة الكتاب، وفي الملاحظات الختامية، وفي رسالة من فيتجنشتاين إلى ناشره، لودفيغ فون فيكر Ludwig von Ficker، قبل نشر الكتاب. في هذه المواضع، التي يمكن اعتبارها كلها خارجة عن محتوى “الرسالة”، يبشر فيتجنشتاين بالصمت فيما يتعلق بأي شيء له أهمية، بما في ذلك الأجزاء “الداخلية” من الكتاب التي تحتوي، على حد قوله، على “الحل النهائي للمشاكل [الفلسفية]”. فيمكن رؤية الأهمية المُعطاة لما لا يمكن التعبير عنه على أنها موقف أخلاقي. “يتكون عملي من قسمين، القسم الموجود هنا بالإضافة إلى كل ما لم أكتبه. والنقطة المهمة هي هذا القسم الثاني بالتحديد. فإن حدود الأخلاقي يتم تحديدها من الداخل، كما كانت، من خلال كتابي … لقد تمكنت في كتابي من وضع كل شيء في مكانه الصحيح من خلال التزام الصمت حيال ذلك … في الوقت الحالي، أوصيك بقراءة المقدمة والخاتمة، لأنها تحتوي على التعبير الأكثر وضوحًا عن هذه النقطة “(ProtoTractatus، p.16). ومن الواضح أن مثل هذه التوترات المتناقضة ظاهريًا داخل وحول نص – التي كتبها مؤلفه – تثير ألغازًا تفسيرية.

وهناك قضية أخرى غالباً ما يناقشها شراح فيتجنشتاين، والتي تنشأ عن الأسئلة أعلاه. وهي لها علاقة بالاستمرارية بين فكر فيتجنشتاين المبكر والمتأخر. ومرة أخرى، كانت القراءات “الاعتيادية” في الأصل موحّدة في إدراك وجود فاصل واضح بين المرحلتين المتميزتين في فكر فيتجنشتاين، حتى عند التحقق من وجود بعض الاستمرارية التطورية بينهما. ولكن مرة أخرى، تتحدى التفسيرات الأكثر حداثة هذه الاعتيادية، مؤكدة على أن الدافع العلاجي الأساسي الموجود بوضوح في فيتجنشتاين المتأخر يجب أن يعزى أيضًا إلى المرحلة المبكرة.

 

  1. فيتجنشتاين المتأخر

    • الانتقال من “الرسالة” ونقدها

إن فكرة أن الفلسفة ليست مجموعة من التعاليم، وبالتالي لا ينبغي أن يتم تناولها بشكل دوغمائي، هي واحدة من أهم الأفكار في “الرسالة”. ومع ذلك، ففي وقت مبكر من عام 1931، أشار فيتجنشتاين إلى عمله المبكر باعتباره دوغما (“عن الدوغمائية”، في كتاب “لودفيج فيتجنشتاين ودائرة فيينا”Ludwig Wittgenstein and the Vienna Circle، صفحة 182). استخدم فيتجنشتاين هذا المصطلح ليشير إلى أي تصور يسمح بوجود فجوة بين السؤال والجواب، بحيث يمكن إيجاد جواب السؤال في وقت لاحق. وقد بنى فيتجنشتاين هذا الصرح المعقد في “الرسالة” على افتراض أن مهمة التحليل المنطقي هي اكتشاف الافتراضات الأولية، التي لم تكن صورتها معروفة بعد. ما يميز الانتقال من فيتجنشتاين المبكر إلى المتأخر يمكن تلخيصه بأنه الرفض التام للدوغمائية، أي مثل كشفها لكل نتائج هذا الرفض. والانتقال من عالم المنطق إلى اللغة العادية كمركز لاهتمام الفيلسوف؛ من التركيز على التعريف والتحليل إلى “التشابه الأسري” و”الألعاب اللغوية”؛ ومن الكتابة المنهجية الفلسفية إلى أسلوب الأقوال القصيرة – كل ذلك له علاقة بهذا الانتقال نحو رفض الدوغمائية في أقصى أشكالها. تصل عملية الإكتشاف هذه إلى ذروتها في “تحقيقات فلسفية”. مع أن كتابات أخرى في نفس الفترة تُظهر نفس الموقف الرافض للدوغما، كما يتم تطبيقها، على سبيل المثال، في فلسفة الرياضيات أو في علم النفس الفلسفي.

 

  • “تحقيقات فلسفية”

تم نشر كتاب “تحقيقات فلسفية” بعد وفاة فيتجنشتاين في عام 1953. وقد تم تحريره من قبل إليزابيث أنسكومب G. E. M. Anscombe وراش ریز Rush Rhees وترجمته أنسكومب. وهو يتألف من جزئين. كان الجزء الأول، الذي يتكون من 693 فقرة مرقمة، جاهزًا للطباعة عام 1946، ولكن ألغى فيتجنشتاين نشرها. وقد أضاف المحررون، أمناء أرشيف أوراقه Nachlass، الجزء الثاني. وفي عام 2009، تم نشر ترجمة مُحررة جديدة، بقلم بيتر هاكر P. M. Hacker ويواخيم شولت Joachim Schulte؛ الجزء الثاني من الترجمة السابقة تم تسميته هنا “فلسفة علم النفس – شَذْرَة” (PPF).

يقول فيتجنشتاين في مقدمة “التحقيقات” أن أفكاره الجديدة يمكن فهمها بشكل أفضل بوضعها مع وبمقابلة خلفية أفكاره القديمة، الأفكار التي في “الرسالة”؛ وبالفعل، فإن الجزء الأول من “التحقيقات” هو نقدي بشكل أساسي. ويمكن فهم رؤياه الجديدة على أنها في المقام الأول تكشف المغالطات في الطريقة التقليدية للتفكير في اللغة، والحقيقة، والفكر، والقصدية، وربما في الأساس، الفلسفة. وبهذا المعنى، يُنظر إليه على أنه عمل علاجي، حيث ينظر إلى الفلسفة نفسها كعلاج. (الجزء الثاني “فلسفة علم النفس – شَذْرَة”، الذي ركز على علم النفس الفلسفي والإدراك وما إلى ذلك، لم يكن نقديًا. بل أشار إلى وجهات نظر جديدة (والتي، بدون شك، ليست منفصلة عن النقد السابق) في معالجة قضايا فلسفية محددة. لذلك، يُقرأ بسهولة أكثر جنبًا إلى جنب مع كتابات فيتجنشتاين الأخرى في المرحلة الأخيرة).

يبدأ كتاب “التحقيقات” باقتباس من “اعترافات القديس أوغسطين” Augustine’s Confessions التي “تعطينا صورة محددة لجوهر اللغة البشرية”، على أساس فكرة أن “الكلمات في اللغة تسمي أشياء”، وأن “الجمل هي تركيبات من هذه الأسماء” (PI 1). ولا يمكن الاعتماد على هذه الصورة للغة كأساس للتكهنات الميتافيزيقية أو المعرفية أو اللغوية. فعلى الرغم من معقوليته، إلا أن اختزال اللغة إلى وظيفة التمثيل لا يمكن أن توفي حق اللغة البشرية ككل؛ وحتى لو تم اعتبارها كصورة للوظيفة التمثيلية للغة البشرية فقط، فهي، على هذا النحو، صورة سيئة. علاوة على ذلك، فإن هذه الصورة للغة هي أساس كل الفلسفة التقليدية، ولكن، بالنسبة إلى فيتجنشتاين، يجب تجنبها لصالح طريقة جديدة للنظر إلى اللغة والفلسفة. ويسعى كتاب “تحقيقات فلسفية” إلى تقديم طريقة جديدة للنظر إلى اللغة، والتي سوف ينتج عنها رؤية الفلسفة كعلاج.

 

  • المعنى كاستعمال

“بالنسبة لفئة كبيرة من الحالات التي تُستخدم فيها كلمة (معنى) – وليس بالنسبة لها جميعًا – يمكن شرح هذه الكلمة كما يلي: معنى الكلمة هو استعمالها في اللغة” (PI 43). هذا التصريح الأساسي هو ما يكمن وراء تغيير المنظور إلى المنظور الأكثر نموذجية للمرحلة المتأخرة في فكر فيتجنشتاين: التغيير من تصور المعنى على أنه تمثيل إلى رؤية الاستعمال وكأنه جوهر البحث. إن النظريات التقليدية للمعنى في تاريخ الفلسفة كانت تقصد الإشارة إلى شيء خارج القضية لكي يمنحها المعنى. وهذا “الشيء” يمكن أن يكون موجودًا بشكل عام إما في فضاء موضوعي، أو داخل العقل كتمثيل ذهني. وقد واجه فيتجنشتاين صعوبات في تحدي هذه التصورات منذ وقت مبكر، منذ عام 1933 كما يظهر من “الكتاب الأزرق” (The Blue Book)، حتى وصل إلى الفكرة التي تقول “إذا كان علينا أن نحدد الشيء الذي هو حياة الإشارة، فيجب أن نقول إنه استعمالها” (BB 4). ومع ذلك، لا يتم بناء أي نظرية تفسيرية تتعلق بالتأكيد على الاستعمال (لكلمة أو لاقتراح)، كما هو الحال في “الرسالة”. بدلًا من ذلك، عند البحث عن المعنى، يجب على الفيلسوف “أن ينظر ويشاهد” تنوع استعمالات الكلمة. إن تشبيه الكلمات بالأدوات يلقي الضوء على طبيعة الكلمات. فعندما نفكر في الأدوات في صندوق الأدوات، فإننا لا نفشل في رؤية تنوعها؛ لكن “تتنوع وظائف الكلمات مثل تنوع وظائف هذه الأشياء” (PI 11). لكن يتم تضليلنا من خلال المظهر الموحد لكلماتنا عند التنظير حول المعنى: “خاصة عندما نتفلسف!” (PI 12).

ومن شدة اختلاف هذا المنظور الجديد، فإن فيتجنشتاين يكرر قوله: “لا تفكر، بل انظر!” (PI 66). وعملية النظر هذه تتم في كل حالة على حدة، وليس بطريقة تعميمية. فعند إعطاء معنى كلمة، يجب استبدال أي تعميم تفسيري بوصف الاستعمال. والفكرة التقليدية القائلة بأن القضية تشتمل على محتوى ولديها عدد محدود من قوى الفريجيه [نسبة إلى فريجه] (مثل التأكيد والسؤال والأمر)، تفسح المجال للتشديد على تنوع الاستعمالات. ومن أجل معالجة التعدد الهائل للاستعمالات، وعدم ثباتها، وكونها جزءًا من نشاط ما، فإن فيتجنشتاين يقدم مفهوم “اللعبة اللغوية” المفتاحي. وهو لم يقدم له تعريفًا صريحًا لأنه، على عكس مفهوم “الصورة” السابق على سبيل المثال، تم تصميم هذا المفهوم الجديد للعمل من خلال رؤية لغوية أكثر مرونة، وأكثر تنوعًا، وأكثر توجهاً نحو النشاط الإنساني.

 

  • الألعاب اللغوية والتشابه الأسري

خلال “تحقيقات فلسفية”، يعود فيتجنشتاين إلى مفهوم الألعاب اللغوية، مرارًا وتكرارًا، لتوضيح خط سير أفكاره فيما يتعلق باللغة. فيتم فحص الألعاب اللغوية البدائية للأفكار التي تحملها فيما يتعلق بخصائص اللغة. وهكذا، يتم استخدام اللعبة اللغوية الخاصة بالبَنَّائين (PI 2)، والتي يستعمل فيها البَنَّاء ومساعده أربعة مصطلحات بالضبط (قالب، عامود، بلاطة، عارضة)، لتوضيح ذلك الجزء من صورة اللغة الأوغسطينية والذي قد يكون صحيحًا. ولكنه، رغم ذلك، محدود للغاية. فالألعاب اللغوية “العادية”، مثل القائمة المدهشة المُقَدمة في PI 23 (والتي تتضمن، على سبيل المثال، الإبلاغ عن حدث ما، والتكهن بما يتعلق بحدث ما، وتشكيل واختبار فرضية، واختلاق قصة، وقراءتها، وتمثيل استعراض، وغناء نشيد، وحل أحجية، وإلقاء النكت، والترجمة، والسؤال، والشكر، وما إلى ذلك)، تُظهر اتساع إمكانياتنا في استعمال اللغة ووصفها.

الألعاب اللغوية هي، أولاً، جزء من سياق أوسع يطلق عليه فيتجنشتاين شكل من أشكال الحياة (انظر أدناه). ثانيًا، يشير مفهوم الألعاب اللغوية إلى طبيعة اللغة في الخضوع للقاعدة. وهذا لا يستلزم أنظمة قواعد صارمة ومحددة لكل لعبة لغوية، ولكنه يشير إلى الطبيعة الإتفاقية لهذا النوع من النشاط البشري. ومع ذلك، مثلما لا يمكننا تقديم تعريف نهائي وجوهري لـ”اللعبة”، فلا يمكننا أيضًا العثور على “ما هو مشترك بين كل هذه الأنشطة وما الذي يجعل منها لغة أو أجزاء من اللغة” (PI 65).

وهنا يظهر رفض فيتجنشتاين للتفسيرات التعميمية في أفضل صوره، والتعريفات القائمة على الشروط الكافية والضرورية. وبدلاً من هذه الأعراض لـ”الرغبة في التعميم” عند الفلاسفة، يشير فيتجنشتاين إلى “التشابه الأسري” باعتباره التشبيه الأكثر ملاءمةً لوسائل ربط عدة استعمالات معيّنة لنفس الكلمة. فلا يوجد سبب للبحث، كما فعلنا تقليديًا – ودوغمائيًا – عن جوهر أساسي واحد يحوي معنى الكلمة والذي هو، بالتالي، مشترك بين جميع استعمالات تلك الكلمة. بل يجب علينا، بدلاً من ذلك، أن نذهب في رحلة مع استعمالات الكلمة عبر “شبكة معقدة من أوجه التشابه المتداخلة والمتقاطعة” (PI 66). كما يقوم مفهوم “التشابه الأسري” أيضًا بإظهار صفتين تميزان الاستعمالات المختلفة لنفس المفهوم؛ وهما عدم وجود حدود فاصلة ووجود مسافة تفصلنا عن تحديدها بشكل دقيق. وصفتي وجود الحدود ودقة التحديد هي السمات الحاسمة للصورة – سواء أن كانت الصورة الأفلاطونية، أو الأرسطية، أو الصورة العامة للقضية المشار لها في “الرسالة”. من هذه الصور يمكن استنباط تطبيقات المفاهيم، ولكن هذا بالضبط ما يتجنبه فيتجنشتاين الآن لصالح تماثل من نوع التشابه الأسري.

 

  • إتباع القاعدة واللغة الخاصة

إن مسألة إتباع القواعد هي واحدة من أكثر المسائل ارتباطًا بفيتجنشتاين المتأخر. ونتيجة للاعتبارات أعلاه، تصبح هذه المسألة نقطة رئيسية أخرى في النقاش حول السؤال عما يمكن أن ينطبق على جميع استعمالات الكلمة. إن نفس الموقف الدوجمائي السابق يعتبر أن القاعدة هي كيان مجرد – يتجاوز كل تطبيقاته الخاصة؛ أي أن معرفة القاعدة تنطوي على استيعاب هذا الكيان المجرد وبالتالي معرفة كيفية استعماله.

يبدأ فيتجنشتاين عرضه بتقديم مثالاً على ذلك: “… نطلب من تلميذ مواصلة سلسلة ما (مثلًا “+2″) بعد العدد 1000 – فيكتب 1000، 1004، 1008، 1012 (PI 185)”. ماذا نفعل، وما الذي يعنيه، عندما يجيب الطالب بعدما صححناه، “ولكنني كنت مستمرًا بنفس الطريقة”؟ يسعى فيتجنشتاين (بالأساس في PI 185-243، ولكن أيضًا في أماكن أخرى) إلى تفكيك مجموعة الأسئلة المصاحبة: كيف نتعلم القواعد؟ كيف نتبعهم؟ من أين تظهر المعايير التي تقرر إذا ما كنا نتبع القاعدة بشكل صحيح؟ هل هم في العقل، إلى جانب التمثيل الذهني للقاعدة؟ هل نلتمس الحدس في تطبيقاتهم؟ هل يتم تعليمهم وفرضهم اجتماعيًا وعلنيًا؟ في النمط الفيتجنشتايني النموذجي، لا يتم متابعة الإجابات بطريقة إيجابية؛ بدلاً من ذلك، يتم وضع صياغة الأسئلة كأسئلة مشروعة ذات محتوى متماسك تحت الاختبار. لأن بالتأكيد، ما يكمن وراء طرح أسئلة من هذا النوع هو الصور الأفلاطونية والعقلية على حد سواء، ويعتزم فيتجنشتاين تحريرنا من هذه الافتراضات. ويشمل هذا التحرير القضاء على الحاجة إلى فرض أي نوع من السلطة الخارجية أو الداخلية بما يتجاوز التطبيقات الفعلية للقاعدة.

هذه الاعتبارات تؤدي إلى PI 201، التي تعتبر غالبًا ذروة القضية: “وهذه كانت المفارقة: لا يمكن لقاعدة ما أن تحدد طريقة أي فعل، لأن كل طريقة فعل يمكن جعلها متوافقة مع القاعدة. وكانت الإجابة: إذا كان بإمكان كل شيء التوافق مع القاعدة، فيمكن أيضًا جعله يتعارض معها. وهكذا لن يكون هناك اتفاق ولا معارضة هنا”. وقد أدت صياغة فيتجنشتاين للمشكلة، التي على وشك أن تكون “مفارقة” الآن، إلى ظهور ثروة من القراءات والمناقشات لأنه من الواضح للجميع أن هذا هو جوهر المشكلة العامة للمعنى، ولفهم اللغة واستعمالها. وواحدة من القراءات المؤثرة لمشكلة اتباع القاعدة (التي قدمها Fogelin 1976 وKripke 1982) هي القراءة التي ترى أن فيتجنشتاين هنا يعبر عن مفارقة شكوكية ويقدم حلاً شكوكيًا. بمعنى أنه لا توجد حقائق تحدد ما يعتد به كاتباع لقاعدة، وليست هناك أسس حقيقية للقول بأن شخصًا ما يتبع قاعدة ما بالفعل، ويقبل فيتجنشتاين هذا التحدي الشكوكي (باقتراح ظروف أخرى قد تبرر تأكيدنا على أن شخصًا ما اتبع القاعدة). وقد تم تحدي هذه القراءة، بدورها، من خلال العديد من التفسيرات (مثل Baker and Hacker 1984، وMcGinn 1984، وCavell 1990)، في حين قدم البعض الآخر وجهات نظر إضافية جديدة (على سبيل المثال، ورقة كورا دايموند Diamond بعنوان “القواعد: البحث في المكان الصحيح” “Rules: Looking in the Right Place” في مجلد Phillips and Winch 1989، وعدة وجهات نظر أخرى في Miller and Wright 2002).

ويلي الأقسام الخاصة باتباع القاعدة في “التحقيقات” مباشرة، وبالتالي يسهل اعتبارها خلاصة المناقشة، الأقسام التي يطلق عليها الشُراح “حجة اللغة الخاصة”. سواء أن كانت حجة حقيقية أم لا (وفيتجنشتاين لم يسمها على هذا النحو)، فإن هذه الأقسام تشير إلى أنه لكي يكون للكلام معنى، يجب من حيث المبدأ أن تكون هناك إمكانية لإخضاعه للمعايير العامة ومعايير الصواب. ولهذا السبب، فإن اللغة الخاصة، حيث تكون “الكلمات … تدل على ما يعرفه المتكلم وحده فقط، إلى إحساساته الخاصة المباشرة …” (PI 243)، ليست لغة حقيقية، ذات معنى، وتحكمها قواعد. فالعلامات اللغوية لا يمكن أن تعمل إلا عندما تكون هناك إمكانية للحكم على صحة استعمالها، “لذا فإن استعمال كلمة [ما] في حاجة إلى مبرر يفهمه الجميع” (PI 261).

 

  • القواعد النحوية وأشكال الحياة

إن القواعد النحوية، التي تُعتبر متكونة من قواعد الاستعمال التركيبية والدلالية الصحيحة، تصبح، في يد فيتجنشتاين، الشبكة الأوسع – والأكثر إرباكًا – للقواعد التي تحدد ما هي الخطوة اللغوية المسموح بها لتصبح ذات معنى، وما ليس كذلك. تحل هذه الفكرة محل المنطق الأكثر صرامة ونقاء، والذي لعب دورًا أساسيًا في “الرسالة” في توفير هيكل للغة وللعالم. وفي الواقع، “الجوهر يُعبر عنه في القواعد النحوية … إن القواعد النحوية تخبرنا نوع أي شيء. (علم اللاهوت كقواعد نحوية)”(PI 371, 373). إن “قواعد” النحو ليست مجرد تعليمات فنية من أعلى للاستخدام الصحيح؛ بل، إنهم يعبرون عن أعراف اللغة ذات المعنى. وخلافًا للبيانات التجريبية، فإن قواعد النحو تصف كيف نستعمل الكلمات من أجل كلًا من تبرير ونقد كلامنا الخاص. ولكن على العكس من كتب القواعد النحوية، فنحن لا نعتبرها مثالًا وكأنها نظام خارجي يجب الالتزام به. علاوة على ذلك، لا يتم التماسها بطريقة صريحة في أي صيغة، ولكنها تُستخدم في حالات الارتباك الفلسفي لتوضيح كيف تخدعنا اللغة بالأوهام الخاطئة. وبالتالي، “أستطيع أن أعرف ما يفكر فيه شخص آخر، لا ما أفكر أنا فيه. من الصواب أن تقول (أنا أعرف ما تفكر فيه)، ومن الخطأ قول: (أنا أعرف ما أفكر فيه). (سحابة كاملة من الفلسفة تتكثف في قطرة قواعد نحوية)”. (Philosophical Investigations 1953, p.222) [PPF,xi].

القواعد ليست مجردة، فهي تقع ضمن النشاط الاعتيادي الذي تتشابك معه الألعاب اللغوية: “… يتم استعمال كلمة “لعبة لغوية “هنا لإبراز حقيقة أن التحدث بلغة هو جزء من نشاط ما، أو جزء من شكل حياة معين”(PI 23). ما يمكّن اللغة من العمل وبالتالي يجب قبوله على أنه “مُعطى” هو شكل الحياة بالتحديد. وبكلمات فيتجنشتاين، “ليس فقط الاتفاق في التعريفات ولكن الاتفاق أيضاً مطلوب (وقد يبدو هذا غريبًا) في الأحكام” (PI 242)، وهذا “ليس اتفاقًا في الآراء بل في شكل الحياة” (PI 241). وهذا المفهوم الذي استخدمه فيتجنشتاين بصورة قليلة – خمس مرات في “التحقيقات” – أدى إلى ظهور مآزق تفسيرية وقراءات لاحقة متناقضة. يمكن فهم أشكال الحياة على أنها متغيرة ومشروطة، تعتمد على الثقافة والسياق والتاريخ وما إلى ذلك؛ والتماس أشكال الحياة يؤسس قراءة نسبية لفيتجنشتاين. من ناحية أخرى، إن شكل الحياة المشترك للبشرية، “السلوك البشري المشترك” هو “النظام المرجعي الذي نفسر بواسطته لغة غير معروفة” (PI 206). وقد يُنظر إلى هذا على أنه تحول إلى العالمية، إدراكًا أن استعمال اللغة أصبح ممكنًا بفضل شكل الحياة الإنساني.

 

  • طبيعة الفلسفة

يصر فيتجنشتاين في كتاباته اللاحقة، كما فعل في “الرسالة”، أن الفلاسفة لا – أو يجب ألا – يقدموا نظريات، ولا تفسيرات. “إن الفلسفة تضع كل شيء أمامنا، فلا هي تفسر شيء ولا تستنتج شيء. – وبما أن كل شيء يكون واضحًا أمام أعيننا فلا يوجد شيء يحتاج لتفسير” (PI 126). إن الموقف المعارض للنظريات يذكرنا بفيتجنشتاين المبكر، لكن هناك اختلافات واضحة. فعلى الرغم من أن “الرسالة” تمنع النظريات الفلسفية، إلا أنها تقوم ببناء صرح نظامي ينتج عنه الصورة العامة للقضية، مع الاعتماد على منطق صوري صارم؛ تشير “التحقيقات” إلى الطبيعة العلاجية غير الدوغمائية للفلسفة، وتعليم الفلاسفة فعليًا طرق العلاج. “يتألف عمل الفيلسوف من تجميع التذكيرات لغرض معين” (PI 127). فالعمل بالتذكيرات ومجموعات الأمثلة، يحل مشاكل مختلفة. وبخلاف “الرسالة” التي قدمت طريقة فلسفية واحدة، نجد في “التحقيقات” أنه “لا يوجد منهج فلسفي واحد، بل توجد بالفعل مناهج عدة، طرق علاج مختلفة، إذا جاز التعبير” (PI 133d). ويرتبط ذلك مباشرة بتجنب فيتجنشتاين للصورة المنطقية أو أي تعميم قبلي يمكن اكتشافه أو عمله في الفلسفة. إن محاولة تقديم مثل هذه الأطروحات العامة هي فتنة تغوي الفلاسفة؛ لكن المهمة الحقيقية للفلسفة هي أن تجعلنا ندرك الفتنة وأن توضح لنا كيفية التغلب عليها. وبالتالي فإن “المشكلة الفلسفية لها الصورة التالية:”أنا حائر بشأنها [لا أستطيع أن أجد طريقي للخروج منها]” (PI 123)، فيكون الهدف من الفلسفة هو “أن تُظهِر للذبابة طريق الخروج من مصيدة الذباب” (PI 309).

يختلف أسلوب “التحقيقات” بشكل لافت للنظر عن أسلوب “الرسالة”. فبدلاً من الأقسام المرقمة بدقة والتي يتم تنظيمها بشكل هرمي في نسق تصويري، فإن “التحقيقات” تعبر بشكل متجزأ في صورة أقوال قصيرة عن الألعاب اللغوية، والتشابه الأسري، وأشكال الحياة، “فيقفز أحيانًا، في تغيير مفاجئ، من مسألة إلى أخرى” (PI Preface). هذا التباين في الأسلوب قطعًا ضروري و”مرتبط بطبيعة البحث نفسه” (PI Preface). في الواقع، كان فيتجنشتاين يدرك تمامًا التعارض بين مرحلتي فكره، فاقترح نشر كلا النصين معًا من أجل جعل التناقض ظاهرًا وواضحًا.

ومع ذلك، يمكن إيجاد الاستمرارية الأساسية بين هاتين المرحلتين، بدلاً من التعارض بينهما، من خلال موضوع طبيعة الفلسفة بالتحديد. ففي كلتا الحالتين، الفلسفة، أولاً، هي نقد للغة. فمن خلال تحليل القوة الخادعة للغة، يمكن للفيلسوف أن يكشف فخاخ الصياغات الفلسفية التي لا معنى لها. وهذا يعني أن ما كان يُعتَقد سابقاً أنه مشكلة فلسفية قد يذوب الآن “وهذا يعني ببساطة أن المشاكل الفلسفية يجب أن تزول تماماً” (PI 133). ويمكن إدراك أثرين من الآثار المترتبة على هذا التشخيص، يمكن إرجاعها بسهولة إلى “الرسالة”. الأول هو السمة الحوارية الكامنة في الفلسفة، التي هي نشاط مُتَجَاوِب: حيث تواجه الصعوبات والهموم التي ستتبدد بالعلاج الفلسفي بعد ذلك. وقد اتخذ هذا في “الرسالة” شكل نصيحة: “إن المنهج الصحيح للفلسفة سيكون فعلاً كالتالي: ألا تقول شيئًا باستثناء ما يمكن قوله، أي قضايا العلوم الطبيعية … وحينما يريد شخصًا آخر أن يقول شيئًا ميتافيزيقيًا، أن تبرهن له أنه فشل في إعطاء معنى لعلامات معينة في قضاياه” (TLP 6.53) والثاني، أكثر بعدًا في مداه، “إن الاكتشاف الحقيقي” في “التحقيقات” “هو الذي يجعلني قادرًا على التوقف عن التفلسف عندما أريد ذلك” (PI 133). وقد تم اعتبار ذلك عودة إلى استعارة السلم والأمر بالصمت في “الرسالة”.

 

  • ما بعد “التحقيقات”

وقد قيل أن كتابات فيتجنشتاين في الفترة من عام 1946 وحتى وفاته (1951) تشكل مرحلة مميزة في فكر فيتجنشتاين. تتضمن هذه الكتابات، بالإضافة إلى الجزء الثاني من الطبعة الأولى لـ”التحقيقات”، نصوصًا تم تحريرها وجمعها في مجلدات مثل “ملاحظات حول اللون” Remarks on Colour، و”ملاحظات حول فلسفة علم النفس” Remarks on the Philosophy of Psychology، و”المذكرة” Zettel، و “عن اليقين” On Certainty، وأجزاء من “أسس الرياضيات” The Foundations of Mathematics. إلى جانب تناول الرياضيات وعلم النفس، فإن هذه هي المرحلة التي بحث فيها فيتجنشتاين بشكل جدي الأسئلة التي تُعرف تقليديًا بأنها أسئلة إبيستيمولوجية. و”عن اليقين” يتناول الشكوكية والحلول التأسيسية ولكنه، في النمط الفيتجنشتايني النموذجي، عمل علاجي يقلل من الافتراضات التي يشتركان فيها معًا. ويرتبط هذا بشكل وثيق بموضوعات أخرى من كتاب “عن اليقين” – أولوية الفعل على الكلمة، أو أولوية شكل الحياة على القواعد النحوية، وفق مصطلحات فيتجنشتاين في “التحقيقات”. ومن ثم يمكن رؤية المغزى العام لكل كتابات هذه الفترة الأخيرة، من ناحية، على أنه الابتعاد عن المواقف النقدية (التي يصفها البعض أنها مدمرة) إلى منظور أكثر إيجابية فيما يتعلق بنفس المشاكل التي كانت تواجهه منذ كتاباته المبكرة؛ ومن الناحية الأخرى، لا تشكل هذه الخطوة انفصالًا عن الفترة المتأخرة، ولكن يُنظر إليها بشكل أكثر شمولًا على أنها مواصلة لها، في ضوء جديد.

 

 

 

 


قائمة المصادر

النصوص الرئيسية: أعمال فيتجنشتاين

  • The Big Typescript: TS 213, German English Scholars’ Edition, 2005, C. Grant Luckhardt and Maximilian E. Aue (trans.), Oxford: Wiley-Blackwell.
  • The Blue and Brown Books (BB), 1958, Oxford: Blackwell.
  • Culture and Value, 1980, G. H. von Wright (ed.), P. Winch (trans.), Oxford: Blackwell.
  • Last Writings on the Philosophy of Psychology, vol. 1, 1982, vol. 2, 1992, G. H. von Wright and H. Nyman (eds.), trans. C. G. Luckhardt and M. A. E. Aue (trans.), Oxford: Blackwell.
  • “A Lecture on Ethics”, 1965, The Philosophical Review, 74: 3-12.
  • Lectures and Conversations on Aesthetics, Psychology and Religious Belief, 1966, C. Barrett (ed.), Oxford: Blackwell.
  • Letters to C. K. Ogden with Comments on the English Translation of the Tractatus Logico-Philosophicus, 1973, G. H. von Wright (ed.), Oxford: Blackwell.
  • Letters to Russell, Keynes and Moore, 1974, G. H. von Wright and B. F. McGuinness (eds.), Oxford: Blackwell.
  • Ludwig Wittgenstein: Public and Private Occasions, 2003, J. Klagge and A. Nordmann (eds.), Lanham: Rowman & Littlefield.
  • Ludwig Wittgenstein and the Vienna Circle: Conversations Recorded by Friedrich Waismann (VC), 1979, B. F. McGuinness (ed.), Oxford: Blackwell.
  • Notebooks 1914-1916, 1961, G. H. von Wright and G. E. M. Anscombe (eds.), Oxford: Blackwell.
  • “Notes Dictated to G. E. Moore”, in Notebooks 1914-1916.
  • “Notes for Lectures on ‘Private Experience’ and ‘Sense Data’”, 1968, Philosophical Review, 77: 275-320.
  • On Certainty, 1969, G. E. M. Anscombe and G. H. von Wright (eds.), G.E.M. Anscombe and D. Paul (trans.), Oxford: Blackwell.
  • Philosophical Grammar, 1974, R. Rhees (ed.), A. Kenny (trans.), Oxford: Blackwell.
  • Philosophical Investigations , 1953, G.E.M. Anscombe and R. Rhees (eds.), G.E.M. Anscombe (trans.), Oxford: Blackwell.
  • Philosophical Investigations (PI), 4th edition, 2009, P.M.S. Hacker and Joachim Schulte (eds. and trans.), Oxford: Wiley-Blackwell.
  • Philosophical Occasions, 1993, J. Klagge and A. Nordmann (eds.), Indianapolis: Hackett.
  • Philosophical Remarks, 1964, R. Rhees (ed.), R. Hargreaves and R. White (trans.), Oxford: Blackwell.
  • ProtoTractatus—An Early Version of Tractatus Logico- Philosophicus, 1971, B. F. McGuinness, T. Nyberg, G. H. von Wright (eds.), D. F. Pears and B. F. McGuinness (trans.), Ithaca: Cornell University Press.
  • Remarks on Colour, 1977, G. E. M. Anscombe (ed.), L. McAlister and M. Schaettle (trans.), Oxford: Blackwell.
  • “Remarks on Frazer’s Golden Bough”, 1967, R. Rhees (ed.), Synthese, 17: 233-253.
  • Remarks on the Foundations of Mathematics, 1956, G. H. von Wright, R. Rhees and G. E. M. Anscombe (eds.), G. E. M. Anscombe (trans.), Oxford: Blackwell, revised edition 1978.
  • Remarks on the Philosophy of Psychology, 1980, vol. 1, G. E. M. Anscombe and G. H. von Wright (eds.), G. E. M. Anscombe (trans.), vol. 2, G. H. von Wright and H. Nyman (eds.), C. G. Luckhardt and M. A. E. Aue (trans.), Oxford: Blackwell.
  • “Some Remarks on Logical Form”, 1929, Proceedings of the Aristotelian Society, 9 (Supplemental): 162-171.
  • Tractatus Logico-Philosophicus (TLP), 1922, C. K. Ogden (trans.), London: Routledge & Kegan Paul. Originally published as “Logisch-Philosophische Abhandlung”, in Annalen der Naturphilosophische, XIV (3/4), 1921.
  • Tractatus Logico-Philosophicus, 1961, D. F. Pears and B. F. McGuinness (trans.), New York: Humanities Press.
  • The Voices of Wittgenstein: The Vienna Circle: Ludwig Wittgenstein and Friedrich Waismann, 2003, Gordon Baker (ed.), Gordon Baker, Michael Mackert, John Connolly and Vasilis Politis (trans.), London: Routledge.
  • Wittgenstein: Conversations, 1949-1951, 1986, O. K. Bouwsma; J. L. Kraft and R. H. Hustwit (eds.), Indianapolis: Hackett.
  • Wittgenstein in Cambridge: Letters and Documents 1911-1951, 2008, Brian McGuinness (ed.), Oxford: Blackwell.
  • Wittgenstein’s Lectures, Cambridge 1930-1932, 1980, D. Lee (ed.), Oxford: Blackwell.
  • Wittgenstein’s Lectures, Cambridge 1932-1935, 1979, A. Ambrose (ed.), Oxford: Blackwell.
  • Wittgenstein’s Lectures on the Foundations of Mathematics, 1976, C. Diamond (ed.), Ithaca: Cornell University Press.
  • Wittgenstein’s Lectures on Philosophical Psychology 1946- 47, 1988, P. T. Geach (ed.), London: Harvester.
  • Wittgenstein’s Notes on Logic, 2009, Michael Potter (ed.), Oxford: Oxford University Press.
  • Zettel, 1967, G. E. M. Anscombe and G. H. von Wright (eds.), G. E. M. Anscombe (trans.), Oxford: Blackwell.
  • The Collected Manuscripts of Ludwig Wittgenstein on Facsimile CD Rom, 1997, The Wittgenstein Archives at the University of Bergen (ed.), Oxford: Oxford University Press.

 

النصوص الثانوية

السير الذاتية والخلفية التاريخية

  • Hacker, P. M. S., 1996,Wittgensteins Place in Twentieth-century Analytic Philosophy, Oxford: Blackwell.
  • Janik, Allan, and Stephen Toulmin, 1973,Wittgensteins Vienna, New York: Simon and Schuster.
  • Klagge, James C., 2001,Wittgenstein: Biography and Philosophy, Cambridge: Cambridge University Press.
  • –––, 2010,Wittgenstein in Exile, Cambridge, MA.: MIT Press.
  • Malcolm, N., 1958,Ludwig Wittgenstein: A Memoir, Oxford: Oxford University Press.
  • McGuinness, B., 1988,Wittgenstein, a Life: Young Wittgenstein (1889-1929), Pelican.
  • Monk, Ray, 1990,Ludwig Wittgenstein: The Duty of Genius, New York: Macmillan.
  • Sterrett, Susan, 2005,Wittgenstein Flies a Kite: A Story of Wings and Models of the World, London: Penguin Books (Pi Press).

 

مجموعات المقالات

  • Block, Irving (ed.), 1981,Perspectives on the Philosophy of Wittgenstein, Oxford: Blackwell.
  • Canfield, John V. (ed.), 1986,The Philosophy of Wittgenstein, vols. 1-15, New York: Garland Publishers.
  • Copi, I.M., and R.W. Beard (eds.), 1966,Essays on Wittgensteins Tractatus, London: Routledge.
  • Crary, Alice (ed.), 2007,Wittgenstein and the Moral Life, Cambridge, MA.: MIT Press.
  • Crary, Alice and Rupert Read (eds.), 2000,The New Wittgenstein, London: Routledge.
  • Gibson, John and Wolfgang Huemer (eds.), 2004,The Literary Wittgenstein, London: Routledge.
  • Griffiths, A. P. (ed.), 1991,Wittgenstein: Centenary Essays, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Kahane, Guy, Edward Kanterian , and Oskari Kuusela (eds.), 2007,Wittgenstein and His Interpreters, Oxford: Wiley-Blackwell.
  • Kuusela, Oskari and Marie McGinn (eds), 2011,The Oxford Handbook of Wittgenstein, Oxford: Oxford University Press.
  • Miller, Alexander, and Crispin Wright (eds.), 2002,Rule-following and Meaning, CITY: Acumen Publishing.
  • Moyal-Sharrock, Danièle (ed.), 2004,The Third Wittgenstein: The Post-Investigations Works, London: Ashgate.
  • Moyal-Sharrock, Danièle, and William H. Brenner (eds.), 2005,Readings of Wittgensteins On Certainty, New York: Palgrave Macmillan.
  • Phillips, D. Z., and Peter Winch (eds), 1989,Wittgenstein: Attention to Particulars, Houndmills: Macmillan.
  • Pichler, Alois and Simo Säätelä (eds.), 2005,Wittgenstein: The Philosopher and his Works, Publications from the Wittgenstein Archives at the University of Bergen.
  • Shanker, S. G., (ed.), 1986,Ludwig Wittgenstein: Critical Assessments, vols.1-5, Beckenham: Croom Helm.
  • Scheman, Naomi, and Peg O’Connor (eds), 2002,Feminist Interpretations of Ludwig Wittgenstein, University Park, PA: Pennsylvania State University Press.
  • Sluga, Hans D., and David G. Stern (eds.), 1996,The Cambridge Companion to Wittgenstein, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Sullivan, Peter, and Michael Potter (eds.), 2013,Wittgensteins Tractatus: History and Interpretation, Oxford: Oxford University Press.
  • Vesey, G., (ed.), 1974,Understanding Wittgenstein, Ithaca: Cornell University Press.

 

مقدمات وشروحات

  • Anscombe, G. E. M., 1959,An Introduction to Wittgensteins Tractatus, London: Hutchinson.
  • Baker, G. P., 2004,Wittgensteins Method: Neglected Aspects, edited and introduced by Katherine J. Morris, Oxford: Blackwell.
  • Baker, G. P., and P. M. S. Hacker, 1980,Wittgenstein: Understanding and Meaning, Volume 1 of an Analytical Commentary on the Philosophical Investigations, Oxford: Blackwell (2nd extensively revised edition 2005).
  • –––, 1984,Scepticism, Rules and Language, Oxford: Blackwell.
  • –––, 1985,Wittgenstein: Rules, Grammar and Necessity, Volume 2 of an Analytical Commentary on the Philosophical Investigations, Oxford: Blackwell (2nd extensively revised edition 2009).
  • Biletzki, Anat, 2003,(Over)Interpreting Wittgenstein, Leiden: Kluwer.
  • Black, Max, 1967,A Companion to Wittgensteins Tractatus, Ithaca: Cornell University Press.
  • Cavell, S., 1969,Must We Mean What We Say?, New York: Charles Scribner’s Sons.
  • –––, 1979,The Claim of Reason: Wittgenstein, Skepticism, Morality, and Tragedy, Oxford: Oxford University Press.
  • –––, 1990,Conditions Handsome and Unhandsome, Chicago: University of Chicago Press.
  • Diamond, C., 1991,The Realistic Spirit, Cambridge: MIT Press.
  • Fogelin, R. J., 1976,Wittgenstein, London: Routledge & Kegan Paul (2nd edition 1987).
  • –––, 2009,Taking Wittgenstein at His Word: A Textual Study, Princeton: Princeton University Press.
  • Genova, Judith, 1995,Wittgenstein: A Way of Seeing, New York: Routledge.
  • Glock, Hans-Johann, 1996,A Wittgenstein Dictionary, Oxford: Blackwell.
  • Hacker, P. M. S., 1972,Insight and Illusion: Themes in the Philosophy of Wittgenstein, , Oxford: Clarendon Press; 2nd revised edition, 1986.
  • –––, 1990,Wittgenstein: Meaning and Mind, Volume 3 of an Analytical Commentary on the Philosophical Investigations, Oxford: Blackwell.
  • –––, 1996,Wittgenstein: Mind and Will, Volume 4 of an Analytical Commentary on the Philosophical Investigations, Oxford: Blackwell.
  • –––, 2001,Wittgenstein: Connections and Controversies, Oxford: Oxford University Press.
  • Hintikka, M. B., and J. Hintikka, 1986,Investigating Wittgenstein, Oxford: Blackwell.
  • Kenny, A., 1973,Wittgenstein, Cambridge: Harvard University Press.
  • Kripke, S., 1982,Wittgenstein on Rules and Private Language: An Elementary Exposition, Oxford, Blackwell.
  • Kuusela, Oskari, 2008,The Struggle against Dogmatism: Wittgenstein and the Concept of Philosophy, Cambridge, MA.: Harvard University Press.
  • Malcolm, N., 1986,Nothing is Hidden, Oxford: Blackwell.
  • McGinn, Colin, 1984,Wittgenstein on Meaning, Oxford: Blackwell.
  • McGinn, Marie, 1997,Routledge Philosophy Guidebook to Wittgenstein and the Philosophical Investigations, London: Routledge; 2nd revised edition, 2013.
  • –––, 2009,Elucidating the Tractatus, Oxford: Oxford University Press.
  • McGuinness, B., 2002,Approaches to Wittgenstein: Collected Papers, London: Routledge.
  • Mounce, H. O., 1981,Wittgensteins Tractatus: An Introduction, Oxford: Blackwell.
  • Moyal-Sharrock, Danièle, 2007,Understanding Wittgensteins On Certainty, London: Palgrave Macmillan.
  • Pears, David F., 1987, 1988,The False Prison, vols. I and II, Oxford: Oxford University Press.
  • Perloff, Marjorie, 1999,Wittgensteins Ladder: Poetic Language and the Strangeness of the Ordinary, Chicago, IL: University of Chicago Press.
  • Pitkin, Hannah, 1972,Wittgenstein and Justice: On the Significance of Ludwig Wittgenstein for Social and Political Thought, Berkeley, CA: University of California Press.
  • Stern, David G., 2004,Wittgensteins Philosophical Investigations: An Introduction, Cambridge: Cambridge University Press.
  • Stroll, Avrum, 1994,Moore and Wittgenstein on Certainty, New York: Oxford University Press.
  • Williams, Meredith, 2002,Wittgenstein, Mind and Meaning: Towards a Social Conception of Mind, London: Routledge.

 

[1] Biletzki, Anat and Matar, Anat, “Ludwig Wittgenstein”, The Stanford Encyclopedia of Philosophy (Summer 2018 Edition), Edward N. Zalta (ed.), forthcoming URL = <https://plato.stanford.edu/archives/sum2018/entries/wittgenstein/>.

error: المحتوى محمي